| الإهداءات |
|
|||||||
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |

|
|
#33 | ||||
|
قوة السمعة: 130
![]() |
أشتقت لوجه أمي الصبوح، لحنانها، لرغيف خبز التنور الساخن من بين يديها، لرائحة الأرض الندية، لضياء الشمس في قريتي، وبهاء القمر ولوهج النجوم في ليلها وثراء السحب في نهارها. للركض في البراري أسرح مع خيوط المدى. أصعد التلال وأنزل الوادي..
صممت على الذهاب إلى القرية حال خروجي. وأنعشت الفكرة قلبي. فأمي وحدها القادرة على أن تعيد لروحي تألقها.. تحسنت حالتي بعض الشيء.. فأخرجوني بعد شهر كامل. وحين عدت إلى المعسكر وجدت أمامي، خبر هروب العميد المتقاعد رأفت إلى تركيا.. وخبر إحالة "أبو الحق" إلى مستشفى الشماعية في بغداد.. بعد إلقاء القبض عليه وثبوت جنونه! كما وجدت دفتر الخدمة العسكرية جاهزاً، وبه تسريحي من الجيش لانتهاء مدتي القانونية.. آلمني هروب العميد رأفت. لم أصدق الخبر.. وكأسد هائج جريح، قصدت داره لأستجوبه ولأنتقم منه.. فلم أجده.. سألت الجيران. فقال لي أحدهم: -أخبرني أنه مسافر إلى الخليج، للعمل هناك! ذهبت إلى إلهام لأحدثها، وأنقل لها ما جرى لي. "فربما تكون قلقة عليّ" وألوذ بها كآخر معقل كي تنقذني، وتجعل مني شيئاً ما.. فلم أجدها في البيت.. انتظرتها طويلاً دون جدوى.. ولم يكن أمامي إلاّ القرية.. بعد أن خاب آخر أمل لي، آخر رجاء.. وسوغت ذلك، بوجوب ابتعادي عن الموصل. وعن إلهام بالذات. فإلى متى سألقي أثقالي على كتفيها.. لا أدري لِمَ نسيت الأخت سناء؟! لم أفكر بها ولا بسهام أختها..! عدت إلى القرية خائباً، عليلاً. بقيت أسبوعاً كاملاً، لم يفارقني الصداع خلاله لحظة! كنت أشعر بغثيان. وشفتاي ترتجفان، وأحياناً أبصق دماً..! حاولت إخفاء الأمر.. فلم أعلم أحداً بما حدث لي، لا بمحاولة العميد الخبيثة، ولا بدخولي المستشفى.. وكتمت السر في صدري.. لم يأت لزيارتي سوى المختار ونصار وعم مصطفى مع أسرته.. والحاج صالح وحده.. وأخيراً جاءت خالتي مريم. قدمت إلى القرية، تتفقد بيتها المهجور، ولتأخذ دينها من هذا وذاك.. وعندما سمعت بمرضي زارتنا.. صعب عليها حالي، مريضاً وعاطلاً، مفلساً وعليلاً، وبناء على رغبتها وتعهدها بأخذي إلى عيادة طبيب، صديق لزوجها المحامي، ووعدها بإيجاد عمل مناسب أعتاش من ورائه، اضطررت إلى مرافقتها صوب أربيل، وبعد إلحاح أمي وتوسلاتها.. ولم تكن خالتي مريم شريفة لتحافظ على كلمتها ووعدها وأمينة على عهدها. أظهرت نذالتها وتخلت عني بعد يوم واحد فقط..! وصلنا أربيل في الساعة الخامسة عصراً.. وحال دخولنا بيتها قابلني زوجها المحامي حامد الجمولي، بوجه غاضب! فأبعدتني فوراً عن عينيه، وأدخلتني غرفة صغيرة.. ومن خلف بابها سمعته يصرخ، يزعق، يضرب المنضدة بيده. يرغي ويزبد ويرفس الباب.. فذهلت.. وتساءلت مع نفسي ما الذي جرى؟! كان صيحاته أسياخ نار في أحشائي.. وشعرت بالقرف والغثيان منه. وتمنيت لو غرزت أصابعي في عينيه.. كان واضحاً أنه يريد اخراجي.. يأمر خالتي بأخذي بعيداً عن عينيه بأية صورة كانت.. وسريعاً.. ولم تتأخر خالتي، عادت بعد قليل لتسحبني إلى المستشفى الجمهوري.. وتتركني هناك.. ولم أر وجهها ثانية! لم تكن المستشفى الحكومية في مستوى المستشفى العسكري.. لا عناية خاصة، ولا أطباء أكفاء.. ولا تغذية جيدة أو رعاية.. لم أحتمل الجو الجديد المزعج.. ولم أطق وجه الممرضة الشابة، وانزعجت من معاملتها السيئة للمرضى.. فصحت بها وكدت أضربها. فراحت تشكوني إلى الطبيب.. الذي سرعان ما جاءني مهدئاً.. استمع إليّ دون أن تبدو عليه أمارات فقدان الصبر. وعندما انتهيت من "هلوستي" ربت على كتفي بمحبة، وحثني على مواجهة الصعاب بحكمة وعقل..! وبعد خروجه تحاملت على نفسي، للذهاب إلى الحمام. لكن قدميّ قادتني لإلقاء نظرة مختلسة على غرفة الطبيب، فرأيتهما معاً.. هو الممرضة.. اعترتني ارتعاشة ضئيلة مبعثها الاستياء وتجرأت.. اقتربت من باب الغرفة، فسمعته يحدثها: -لا تتذمري منه.. فهذا إنسان مريض، محكوم عليه بالموت بعد ستة أشهر على أكثر تقدير.. أخذ جرعة كبيرة من سم قاتل.. ولا أمل في شفائه.. ولا يمكن أن يتعافى إلاّ بمعجزة إلهية.. وليس ذلك على اللّه ببعيد.. وكل شيء عن الرحمن جائز.. |
||||
|
|||||
| اقتباس المشاركة |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|