| الإهداءات |
|
|||||||
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |

|
|
#1 | ||||
|
قوة السمعة: 130
![]() |
المغني والنخلة
كان الرجل يتحرك في وسط الشارع باضطراب ظاهر، وعيناه الذاهلتان لا تستقران على مكان، فيهما حزن وخوف وقلق، وجياد مذعورة، تركض في كل الاتجاهات، وذراعاه مشرعتان في الأفق، وكأنه بانتظار شيء ما ليحتضنه، في حركاته انفعال وتوتر، صخب وغرابة. قال الرجل في نفسه: سأموت إذا لم أغن. وقال الرجل القابع في داخله: حذار ففي الغناء موتك. أحس الرجل أنه ينهب من الداخل، يتمزق مثل راية مهزومة، راحت تدوسها حوافر الخيل، وتتناهبها رماح المنتصرين، استشاط غيظاً وغضباً، وامتلأ بالقهر، وقد أيقن أنه سيتعفن مثل مستنقع راكد، ان ظل صامتاً ومنقطعاً عن الغناء، ففي الغناء حياته، وحياته بدون الغناء لا معنى لها. تذكر منار. كانت تقول له: تنتهي عندما تتوقف عن الغناء. وعندما تجده مدهوشاً ينظر إليها، وعيناه تطفحان بالفرح والمودة والنشوة، تروح تضحك مثل عصفور يغرد، فتستيقظ في داخله فصول كانت نائمة، وتصير اللحظة أغنية تطفح بالعذوبة والضياء، وهي تعانق ضفاف الحلم، وتنتشر في روحه شلال ضياء ونور. دهمه شوق مجنون لرؤيتها. فقد مضت سنون طويلة لم يرها فيها، مرة واحدة زارته في السجن وبعدها اختفت، لكنها ظلت تعيش في داخله نخلة باسقة من ضوء وماء وشموخ، وعندما اشتد شوقه إليها، ضرب الأرض برجله، ضربها بقهر وسخط ومرارة، بكى طفل كان يرضع من ثدي أمه، واحتجبت الشمس وراء غيمة سوداء. تمتم الرجل بمرارة: لو كنت أعرف مكانها!! قال الرجل القابع في داخله: أنت تبحث عن موتك. فاستمر الرجل يتمزق من الداخل، ويضرب الأرض برجله، فتحول بكاء الطفل إلى صراخ، وظلت الغيمة السوداء تحتجز الشمس، وفرت حمامتان من على شجرة غرب كانت تجاور النهر وتحنو عليه، فازداد حزن الرجل وعذابه، وشوقه لرؤية منار. قال الرجل في نفسه: يجب العثور عليها. وقال الرجل القابع في داخله: أنت تلعب بالنار. لكن منار ظلت تسكن روح الرجل وأعماقه، فراح ينتحب بمرارة ويضرب الأرض برجله، استدارت وجوه المارة نحوه باستغراب ودهشة، وتسامق الغضب والحزن والنحيب في داخله، تسامق حتى امتلأ به، وانطلق يركض في الشارع، وعيناه مشتعلتان بالقهر والجنون والرغبة في الغناء ورؤية منار. كان الرجل يشكل عالماً لوحده في الشارع، بثيابه الرثة، وشعره الأشعث، ولحيته النابتة، ووجهه الشاحب كالخوف، وحركات يديه الغريبة، وما يرافقها من همهمات مضطربة، وكلام غامض يشبه النحيب في المصائب، وصوت الريح الضائعة، وهي تعبر الليل والأحراش والمغاور في الليالي الباردة. وكانت عيون الناس معلقة به، تفترش وجهه الكابي حيناً، وحيناً تهبط إلى فمه اليابس، تدور حوله مدفوعة بفضول وشفقة، يظل الفم يرتعش ويبربر، واليدان تتحركان، فيزداد فضول العيون وحيرتها، وعندما تعجز عن الدخول عميقاً في دواخل الرجل، وسبر أغواره، ترتد وهي تتعثر بالخيبة، وتفيض بالدهشة والشفقة. قالت امرأة: الرجل مجنون. وقال الرجل: وراء الرجل قصة. في حين ظل الرجل يرتعش كشجرة وحيدة بلا أوراق تواجه الريح والمطر والعتمة، وعيناه الحائرتان تنظران إلى الناس، ببرود صامت وبلا مبالاة. |
||||
|
|||||
| اقتباس المشاركة |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|