| الإهداءات |
|
|||||||
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |

|
|
#12 | ||||
|
قوة السمعة: 130
![]() |
اعتقد إن من حقّي أن آخذ هذه المساحة بين السطور .. لأصف لكم مشاعري المجروحة ...
إذا كان هناك رجل تعيس في الدنيا فهو أنا.. كيف لا و أنا أرى مخطوبتي.. محبوبتي رغد.. تعد الدقائق بلهفة في انتظار عودة وليد.. حبيب قلبها الغالي.. أصبت بجنون ما بعده جنون ، حين اعترفت لي و بلسانها أنها تحبه هو.. و أنه السبب في قرارها الانفصال عني ، بعد خطوبة استمرت أربع سنوات أو يزيد... أربع سنوات من الشوق و اللهفة.. و الحب و الهيام.. في انتظار الليلة التي تجمعنا أنا و هي.. عريسين في عش الزوجية.. ثم يأتي وليد.. و في غضون شهور أو ربما أيام .. يسرق قلبها مني ! رغد لم تقل لي في السابق : ( أنا أحبك ) ، و لكنها لم تقل : ( أنا لا أحبك ) .. بل كانت الأمور فيما بيننا تجري على خير ما يرام .. حتى أخبرني وليد نفسه ذات ليلة بأنها ترغب في تأجيل زواجنا... الشيء الذي لا أعرفه حتى هذه اللحظة ، ما إذا كان وليد يعرف بحبها له أو يبادلها الشعور ذاته ، أم لا ... أنا أعرف أنه يحبها و يهتم بها كأخت.. أو ابنة عم .. أما كحبيبة.. كزوجة .. فهذا ما لا أعرفه و لن أحتمل صدمة معرفته ، إن كان يحبها بالطريقة التي أحبها أنا بها.. أتذكر أنها في اليوم الذي عرض عليها ارتباطنا قبل سنين قالت : ( لننتظر وليد أولا ) و لأنه كان من المفترض ألا يعود إلا بعد أكثر من عشر سنين من ذلك الوقت، فإننا عقدنا قراننا بموافقة الجميع... و أنا أنظر إليها هذه اللحظة و هي تراقب الساعة ، أشعر بأن خلايا قلبي تتمزّق خلية خلية ، بل ... و أنويتها تنشطر .. و ذراتها تتبعثر حول المجرّة بأكملها ... لماذا فعلت ِ هذا بي يا رغد ؟؟ إن كنت تجهلين ، فأنا أحبك حبا لا يمكن لأي رجل في الدنيا أن يحمل في قلبه حبا مثله.. حبا يجعلني أدوس على مشاعري و أحرق أحاسيسي رغما عنها ، لأجعلك تحيين الحياة التي تريدينها مع الشخص الذي تختارينه.. و ليته كان أنا... و إن اكتشفت أن وليد لا يكترث لك ، فإنني لن أقف صامتا ، و أدعك تبعثرين مشاعرَ أنا الأولى بها من أي رجل على وجه المعمورة ، بل سآخذك معي.. و أحيطك بكل ما أودع الله قلوب البشر من حب و مودة ، و أحملك إلى السحاب .. و إن شئت ِ .. أتحوّل إلى وليد .. أو إلى أي رجل آخر تريدين أن تصبي مشاعرك في قلبه ... فقط.. اقبلي بي... غادرت المطبخ على عجل ، لئلا أدع الفرصة لرغد لرؤية العبرة المتلألئة في محجري... نعم ، سأبكي لتضحكي أنت ... و سأحزن لتفرحي أنت .. و سأنكسر لتنجبري أنت .. و سأموت ... لتحيي أنت... يا حبيبة لم يعرف الفؤاد قبلها حبيبة .. و لا بعدها حبيبة .. و لا مثلها حبيبة... و سيفنى الفؤاد ، و تبقى هي الحبيبة .. و هي الحبيبة .. و هي الحبيبة ... عندما وصل وليد، كانت الساعة تشير إلى الحادية عشر و خمس و أربعين دقيقة، أي قبل ربع ساعة من ولادة يوم جديد.. خال من رغد ... قرع الجرس ، فأقبلت نحو الباب و سألت عن الطارق ، فأجاب : " أنا وليد " جمّدت مشاعري تحت طبقة من الجليد ، لا تقل سماكة عن الطبقات التي تغطي المحيط المتجمّد الجنوبي... و فتحت الباب .. تلك الطبقة انصهرت شيئا فشيئا ، لا بل دفعة واحدة حين وقعت عيناي على الشخصين الواقفين خلفه ، وليد ، و الفتاة الشقراء ! " مرحبا ، سامر ... " بصعوبة استطعت رد التحية و دعوتهما للدخول ... وليد كان يرى الدهشة الجلية على وجهي مجردة من أي مداراة مفتعلة ! قال ، و هو يشير إلى الفتاة الواقفة إلى جانبه تبتسم بهدوء : " أروى نديم ، تعرفها " قلت : " أأ .. أجل ... " قال : " خطيبتي " و من القطب الجنوبي ، إلى أفريقيا الاستوائية ! اعتقد أنكم تستطيعون تصوّر الموقف خيرا من أي وصف أنقله لكم ! " خـ ... ــطيبتك !! " " نعم ، ارتبطنا البارحة " نظرت إلى الفتاة غير مصدّق ، أطلب منها تأكيدا على الكلام ، ابتسمت هي و نظرت نحو وليد .. وليد قال : " أ لن تبارك لنا ؟؟ " " أأ ... نعم ...طبعا ... لكنني تفاجأت ، تفضلا على العموم ، مبروك لكما .. " و قدتهما أولا إلى المجلس ، حيث النسوة... طرقت الباب و أنا أنادي أختي دانة... ، فتحت هذه الأخيرة لي الباب و خرجت من فتحته الضيقة ، و حالما أغلقته انتبهت لوليد ... " وليد ! " أشرق وجهها و تفجرت الأسارير عليه .. ثم فتحت ذراعيها و أطبقت عليه معانقة إياه عناقا حميما... " نعم .. كنت أعلم بأنك ستأتي و لن تخذلني ، فأنت لم تخذلني ليلة خطوبتي.. أنا سعيدة جدا.. " وليد قال : " مبروك عزيزتي... أتم الله سعادتك و بارك لك زواجك .. " بعد ذلك ، رفعت رأسها لتنظر إليه ، ثم دفنته في صدره و هي تقول : " سامحني... لم أكن أعلم .. سامحني يا أخي الحبيب .. أنا فخورة بك.. و أتباهى أمام جميع المخلوقات .. بأن لي أخا مثلك.. سامحني .. " وليد ربت على ظهر دانة بحنان ، و إن كانت الدهشة و الحيرة تعلوان وجهه ، و قال مواسيا : " لا بأس عزيزتي .. لا تبكي و إلا أفسدت ِ زينتك ، و غير المغرور رأيه بك ! " رفعت دانة رأسها و انفجرت ضحكا ، و وكزته بمرفقها و هي تقول : " لم تتغير ! سوف أطلب من نوّار أن يضربك قبل خروجنا ! " قلت أنا : " احذري ! و إلا خرج عريسك بعاهة مستديمة ! " و ضحكنا بانفعال نحن الثلاثة... التفت وليد للوراء حتى ظهرت خطيبته الجديدة ، و التي كانت تقف على بعد خطوات ... قال : " اقتربي أروى " اقتربت الفتاة و هي تنظر نحو العروس ، و تحييها .. " مبروك دانة ! كم أنت جميلة ! " دانة حملقت في الفتاة قليلا ثم قالت محدثة وليد : " هل حضرت عائلة المزارع ؟؟ " وليد قال : " أروى فقط.. " فتعجبت دانة ، فوضّح : " خطيبتي " طغى الذهول على وجهها ربما أكثر مني ، قالت باستغراب شديد : " خطيبتك !! " قال وليد : " نعم ، عقدنا قراننا البارحة... باركي لنا " الاضطراب تملّك دانة ، و حارت في أمرها و لزمت الصمت لوهلة ، إلا أنها أخيرا تحدّثت : " فاجأتماني ...بشدّة ! ... مبروك على كل حال " و كان واضحا لنا، أو على الأقل واضحا لي استياؤها من المفاجأة... قلت : " فلتتفضل الآنسة ... " دانة التفتت إلى أروى و قالت : " تفضلي " و فتحت الباب لتسمح لها بالدخول ... و قالت مخاطبة إيّاي : " رغد في غرفتها .. ذهبت لاستبدال فيلم الكاميرا ... " و كان القلق جليا على ملامحها ... قال وليد : " جيد ! أ أستطيع رؤيتها ؟؟ " تبادلنا أنا و دانة النظرات ذات المعنى .. و قالت هي : " نعم ، سأدخل لأقدّم أروى للجميع " و دخلت الغرفة و أغلقت الباب تاركة إياي في المأزق بمفردي ! وليد التفت إلي و قال : " أريد إلقاء التحية عليها.. إن أمكن " أنا يا من كنت أدرك أنها تنتظره بلهفة منذ ساعات... و أنها ستطير فرحا متى ما رأته .. لم أملك من الأمر شيئا .. قلت باستسلام : " أجل ، تفضل ... " و قدت ُ بنفسي ، حبيب خطيبتي إلى غرفتها لكي تقابله ... طرقت ُ الباب و قلت : " رغد .. وليد معي " قاصدا أن أنبهها لحضوره ، لكي ترتدي حجابها.. إلا أنني ما كدت ُ أتم الجملة ، حتى انفتح الباب باندفاع سريع ، و ظهرت من خلفه رغد على حالها .. و هتفت بقوة : " وليد ! " أي رجل في هذا العالم ، يحمل ذرة حب واحدة لخطيبته ، أو حتى ذرة شعور بالملكية و الغيرة ، فإنه في لحظة كهذه سيرفع كفيه و يصفع وجهي الشخصين الماثلين أمامه في مشهد حميم كهذا ... إلا أنني أنا ... سامر العاشق المسلوب الحبيبة .. المغطّي لمشاعره بطبقة من الجليد .. وقفت ساكنا بلا حراك و بلا أي ردّة فعل .. أراقب خطيبتي و هي ترتمي في حضن أخي بقوة .. و تهتف بانفعال : " وليد .. لماذا لم تخبرني .. لماذا .. لماذا .. " ~ ~ ~ ~ ~ و إن كنت أتظاهر بالبرود و الصمود ، إلا أن ما بداخلي كان يشتعل كالحمم... و إن كنت أتظاهر بأنني فقط أود إلقاء التحية ، فإن حقيقة ما بداخلي هي أنني متلهف لرؤية صغيرتي الحبيبة و الإحساس بوجودها قريبة مني ... لقد كنت أسير خطوة خطوة.. و مع كل خطوة أفقد مقدارا من قوتي كما يفقد قلبي السيطرة على خفقاته ، فتأتي هذه الأخيرة عشوائية غير منظمة .. تسبق الواحدة منها الأخرى... و حين فتح الباب.. كنت ُ قد أحرقت آخر عصب من جسدي من شدة التوتر.. لدرجة أنني لم أعد أحس بشيء.. أي شيء .. لم أع ِ إلا و قذيفة ملتهبة قوية تضرب صدري .. تكاد تكسر ضلوعي و تخترق قلبي... بل إنها اخترقته .. فرغد لم تكن تقف أمامي بل .. كانت تجلس في قلبي متربعة على عرش الحكم.. تزيد و تنقص ضرباته قدر ما تشاء .. تعبث بأعصابه كيفما تشاء.. تسيّر أحاسيسه حسبما تريد... و لأنني كنت مذهولا و فاقدا للسيطرة على حركاتي تماما ، فقد بقيت ُ ساكنا.. دون أي ردّة فعل ... كان صدري مثل البحر .. غاصت صغيرتي في أعماقه و قطعته طولا و عرضا .. و خرجت منه مبللة بالدموع و هي تنظر إلي و تهتف : " لماذا لم تخبرني ؟؟ لماذا يا وليد ؟ لم أخفيت عنّي كل هذه السنين ؟؟ " شيء ما بدأ يتحرّك في دماغي المغلق .. و يفتح أبواب الوعي و الإدراك لما يدور من حولي ... بدأت أنتبه لما تقوله صغيرتي .. و بدأت أحس بأظافرها المغروسة في لوحي كتفي ّ كالمسامير ... و بدأت أرى اللآليء المتناثرة من محجريها ... أغلى ما في كوني ... لا شعوريا رفعت يدي إلى وجهها أردم سيل العبر ... " لا تبكي صغيرتي أرجوك .. " فأنا أتحمّل أي شيء في هذه الدنيا ، إلا أن أرى دموع غاليتي تتبعثر سدى... إنني أشعر بحرارة شديدة أجهل مصدرها الحقيقي ... أهو داخلي ؟ أم حضن صغيرتي ؟ أم الشرر المتطاير من عيني ّ أخي، اللتين تحملقان بنا بحدّة.. رغد أزاحت يديها عني ، و ابتعدت خطوة.. و ذلك أثار توترا في المسافة التي بيننا.. تماما كالتوتر الذي يولّده ابتعاد قطعة حديد صغيرة عن مغناطيس ! قالت : " لقد اكتشفت ذلك الآن فقط .. لماذا لم تخبرني بأنك .. بأنك .. كنت في السجن ؟؟ " و إن كانت مشاعري قبل قليل مخدّرة من تأثير قرب رغد ، فإنها استيقظت كلها دفعة واحدة فجأة.. و تهيّجت .. فصرت أشعر بكل شيء ، حتى بحرارة البراكين الخامدة في اليابان ! نقلت نظري من رغد ، إلى سامر ، إلى رغد ، إلى سامر ... و حين استقرّت عيناي عليه، رأيت قنبلة متوهجة ، على وشك الانفجار... لطفك يا رب ... ! قلت ُ أخيرا : " أنت من أخبرها ؟؟ " سامر لم يجب بكلمة ، بل بإيماءة و تنهيدة قوية نفثها صدره .. و شعرت أيضا بحرارتها... أعدت ُ النظر إلى رغد.. فاسترسلت في سؤالي : " لماذا لم تخبرني؟؟ " أخبرك ؟؟ بأي شيء يا رغد ؟؟ أ لم تري الطريقة التي عاملتني بها دانة ، بل و الناس أجمعون؟ أتراك تنظرين إلي ّ الآن مثلهم ؟؟ لا يا رغد .. أرجوك لا .. قلت بلا حول و لا قوة : " ما حصل..، لكن... أرجو ألا يغيّر ذلك أي شيء ؟؟ " و انتظرت إجابتها بقلق... قالت : " بل يغيّر كل شيء ... " و أذهلتني هذه الإجابة بوضوحها و غموضها المقترنين في آن واحد... قالت: " وليد ... وليد أنا ... " و لم تتم ، إذ أن دانة ظهرت في الصورة الآن مقبلة نحو غرفة رغد.. و تكسوها علامات القلق... جالت بمقلتيها بيننا نحن الثلاثة و استقرت على سامر... شعرت أنا بأن هناك شيء يدور في الخفاء أجهله ... سألت : " ما الأمر ؟؟ " لم يجب أي منهم بادىء ذي بدء إلا أن دانة قالت أخيرا، مديرة دفة الحديث لمنعطف آخر: " رغد ! الكاميرا ! سنستدعي نوّار الآن ! " ثم التفتت نحو سامر : " إنه منتصف الليل ! هيا استدعه ! " و يبدو أن ترتيباتهم كانت على هذا النحو ، أن يدخل العريس إلى تلك الغرفة لالتقاط بعض الصور مع العروس و مع قريباته قبل المغادرة . سامر نطق أخيرا : " سأستدعيه... أخبريهن " و رغد تحرّكت الآن من أمامي متجهة نحو المنضدة و من فوقها تناولت الكاميرا و أقبلت نحو دانة و مدّت الكاميرا إليها ، فقالت دانة: " أعطها لسامر الآن .. " التفتت رغد نحو سامر .. و قدّمتها إليه... سامر نظر إلى رغد نظرة عميقة.. جعلتها تطأطىء رأسها أرضا ... أخذ سامر الكاميرا منها.. و قال .. " سنلتقط له معنا بعض الصور ثم نعيدها إليكن .. " قال ذلك و وجه خطاه نحو الصالة... هممت ُ أنا باللحاق به... إلا أنني توقفت ، و التفت إلى رغد ... و قلت : " كيف قدمك الآن ؟ " رغد و التي كانت لا تزال مطأطئة برأسها رفعته أخيرا و نظرت إلي مبتسمة و قالت : " طاب الجرح... " قلت : " الحمد لله " ثم أوليتها ظهري منصرفا إلى حيث انصرف أخي ... ~ ~ ~ ~ ~ ~ كنت ُ مجنونة، لكنني لم أتمالك نفسي بعدما رأيت وليد يقف أمامي... بطوله و عرضه و شحمه.. جسده و أطرافه... و عينيه و أنفه المعقوف أيضا ... كأن سنينا قد انقضت مذ رأيته آخر مرة ، ينصرف من هذه الشقة جريحا مكسور الخاطر ... اندفعت إليه بجنون... و أي جنون ! ظللت أراقبه و هو يولّي .. حتى اختفى عن ناظري.. و بقيت محدّقة في الموضع الذي كان كتفاه العريضان يظهران عنده قبل اختفائه، و كأنني لازلت أبصر الكتفين أمامي ! " رغد ! " نادتني دانة ، فحررت أنظاري من ذلك الموضع و التفت إليها... و رأيتها تحدّق بي و علامات غريبة على وجهها... أنا ابتسمت .. لقد قرّت عيني برؤية وليد قلبي.. و لأنه هنا ...، فقط لأنه هنا ، فإن هذا يعطيني أكبر سبب في الحياة لأبتسم ! لا أعرف لم كانت نظرة دانة غريبة.. ممزوجة بالأسى و القلق.. قلت : " ما بك ؟ " " لا ... لا شيء " " سأغسل وجهي و أوافيكن... " و أسرعت قاصدة الحمّام ... طائرة كالحمامة ! بعد ذلك ، ذهبت إلى غرفة المجلس...مرتدية حجابي ، إذ أنني سأبقى لأتفرج على العريسين و لمياء - شقيقة نوار - تلتقط الصور لهما.. جميعهن كن يجلسن في أماكنهن كما تركتهن قبل قليل، نظرن إلي ّ جميعا حالما دخلت.. فابتسمت في وجوههن... فجأة لمحت وجها غريبا في غير موقعه ! وجه أروى الحسناء ! دُهشت و علاني التعجب ! وقفت هي مبتسمة و قائلة : " مرحبا رغد ! كيف حالك ؟ و كيف صحتك ؟؟ " " أروى ! " " مفاجأة أليس كذلك ؟؟ " اقتربت منها و صافحتها و الدهشة تتملكني...و نظرت في أوجه الأخريات بحثا عن وجه أم أروى ... أو حتى وجه العجوز ! قلت : " أهلا بك ِ ! أحضرت ِ بمفردك ؟؟ " ابتسمت و قالت : " مع وليد " مع من ؟؟ مع وليد ؟؟ ماذا تقصد هذه الفتاة ؟؟ " مع وليد ؟؟ " ازدادت ابتسامتها اتساعا و حمرة وجنتيها حمرة و بريق عينيها بريقا ... و التفتت نحو دانة ثم نحوي و قالت : " ألم تخبرك ِ دانة ؟؟ " التفت نحو دانة و أنا في غاية الدهشة و القلق.. و رميتها بنظرات متسائلة حائرة.. دانة أيضا نظرت إلي بنفس القلق.. ثم قالت : " إنها ... إنها و وليد... " و لم تتم... نظرت إلى أروى ، فسمعتها تقول متمة جملة دانة ، تلك الجملة التي قضت علي و أرسلتني للهلاك فورا : " ارتبطنا .. البارحة " عفوا ؟؟ عفوا ؟؟ فأنا ما عدت أسمع جيدا من هول ما سمعت أذناي مؤخرا ! ماذا تقول هذه الفتاة ؟؟ " ماذا ؟؟ " و رأيتها تبتسم و تقول : " مفاجأة ! أ ليس كذلك ؟؟ " نظرت إلى دانة لتسعفني ... دانة أنقذيني مما تهذي به هذه ... ما الذي تقوله فلغتها غريبة.. و شكلها غريب.. و وجودها في هذا المكان غريب أيضا... دانة نظرت إلي بحزن ، لا ... بل بشفقة ، ثم أرسلت أنظارها إلى الأرض... غير صحيح ! غير ممكن .. مستحيل ... لا لن أصدّق ... " أنت و .. وليد ماذا ؟؟ ار... تبطـ.. ـتما ؟؟ " " نعم ، البارحة .. و جئت ُ معه كي أبارك للعريسين زواجهما.." خطوة إلى الوراء، ثم خطوة أخرى.. يقترب الباب مني، ثم ينفتح.. ثم أرى نفسي أخرج عبره.. ثم أرى الجدران تتمايل.. و السقف يهوي.. و الأرض تقترب مني.. و الدنيا تظلم.. تظلم.. تظلم..و يختفي كل شيء... " سامر .. تعال بسرعة" هتاف شخص ٌ ما.. يدوي في رأسي.. أيدي أشخاص ما تمسك بي.. أذرع أشخاص ما تحملني.. و تضعني فوق شيء ما.. مريح و واسع.. أكفف تضرب وجهي.. أصوات تناديني.. صياح.. دموع.. لا ليست دموع.. إنها قطرات من الماء ترش على وجهي.. أفتح عيني.. فأرى الصورة غير واضحة.. كل شيء مما حولي يتمايل و يتداخل ببعضه البعض.. الوجوه، الأيدي.. السقف.. الجدران.. أغمض عيني بشدة.. أحرّك يدي و أضعها فوق عيني ّ .. لا أتحمل النور المتسلل عبر جفنيّ .. أشعر بدوار.. سأتقيأ.. ابتعدوا.. ابتعدوا... ~ ~ ~ ~ ~ عندما استردّت رغد وعيها كاملا، كان ذلك بعد بضع دقائق من حضورنا إلى الممر و رؤيتنا لها مرمية على الأرض... كنا قد سمعنا صوت ارتطام ، شيء ما بالأرض أو الجدران ، ثم سمعنا صوت دانة تهتف : " سامر ..تعال بسرعة" قفزنا نحن الاثنان، أنا و سامر هو يهرول و أنا أهرول خلفه تلقائيا حتى وصلنا إلى هناك.. دانة كانت ترفع رأس رغد على رجلها و تضرب وجهها محاولة إيقاظها.. و رغد كانت مغشي عليها... أسرعنا إليها ، و مددت أنا يدي و انتشلتها عن الأرض بسرعة و نقلتها إلى سريرها و جميعنا نهتف " رغد.. أفيقي... " صرخت : " ماذا حدث لها ؟؟ " دانة أسرعت نحو دورة المياه، و عادت بمنديل مبلل عصرته فوق وجه رغد، و التي كانت تفتح عينيها و تغمضهما مرارا... استردت رغد وعيها و أخذت تجول ببصرها فيما حولها.. و تنظر إلينا واحدا عقب الآخر... قال سامر : " سلامتك حبيبتي... هل تأذيت ؟؟ " قالت دانة : " أأنت على ما يرام رغد ؟؟ " قلت أنا : " ما ذا حدث صغيرتي ؟؟ " نظرت رغد إلي نظرة غريبة.. ثم جلست و صاحت : " سأتقيأ " بعدما هدأت من نوبة التقيؤ ، وضعت رأسها على صدر سامر و طوقته بذراعيها و أخذت تبكي ... سامر أخذ يمسح على رأسها المغطى بالحجاب... و يتمتم : " يكفي حبيبتي، اهدئي أرجوك.. فداك أي شيء..." قلت : " صغيرتي ؟؟ " رغد غمرت وجهها في صدر سامر... مبللة ملابسه بالدموع.. " صغيرتي ..؟؟ " " دعوني وحدي.. دعوني وحدي .. " و أجهشت بكاء شديدا... لم أعزم الحراك و لم استطعه، إلا أن دانة قالت لي : " لنخرج وليد " قلت بقلق : " ماذا حدث يا دانة ؟؟ " قالت : " قلت لك... إنها مريضة! هذه المرة الثالثة التي يغشى عليها فيها منذ الأمس... " صعقني هذا النبأ.. قلت مخاطبا رغد: " رغد هل أنت بخير..؟؟ " لم تلتف إلي ، بل غاصت برأسها أكثر و أكثر في صدر سامر و قالت : " دعوني وحدي... دعوني وحدي.." يد دانة الآن أمسكت بيدي ، و حثّتني على السير إلى الخارج، ثم أغلقت الباب... حاولت التحدث معها إلا أنها اعترضت حديثي قائلة : " سوف أعود لأطمئن ضيفاتي.. وليد استدع نوّار ... " و انصرفت... بقيت واقفا عند باب غرفة رغد غير قادر على التزحزح خطوة واحدة.. ماذا حل ّ بصغيرتي ؟؟ و لماذا تتشبث بسامر بهذا الشكل ؟؟ هل صحتها في خطر؟ هل عدلت عن فك ارتباطها به ؟ ماذا يحدث من حولي..؟؟ لحظات و إذا بي أرى دانة تظهر من جديد " وليد أ لم تتحرك بعد ! هيا استدعه " " حسنا.. " و عدت إلى صالة الرجال، و رأيتهم أيضا متوترين يتساءلون عما حدث، طمأنتهم و استدعيت العريس و قدته إلى مجلس النساء.. حيث قامت والدته أو إحدى شقيقاته بالتقاط الصور التذكارية لهن مع العريسين... أروى كانت بالداخل أيضا.. عدت إلى بقية الضيوف و أنا مشغول البال .. بالكاد ابتسم ابتسامة مفتعلة في وجه من ينظر إلي... فيما بعد، جاء نوّار و قال : " سننطلق إلى الفندق الآن.." و كان من المفروض أن يسير موكب العريسين إلى أحد الفنادق الراقية، حيث سيقضي العريسان ليلتهما قبل السفر يوم الغد مع بقية أفراد عائلة العريس إلى البلدة المجاورة و من ثم يستقلون طائرة راحلين إلى الخارج... سامر كان من المفترض أن يقود هذا الموكب.. ذهبت إلى غرفة رغد.. و طرقت الباب.. " سامر.. العريسان يودان الذهاب الآن.." فتح الباب، و خرج سامر.. ينظر إلي بنظرة ريب .. قلت: " كيف رغد؟؟ " قال بجمود : " أفضل قليلا" أردت ُ أن أدخل للاطمئنان عليها، لكن سامر كان يقف سادا الباب.. حائلا دون تقدّمي و تحرجت من استئذانه بالدخول.. قلت : " إنهما يودان الانصراف الآن... " سامر نظر إلي ّ بحيرة .. ثم قال : " أتستطيع مرافقتهما ؟؟ " " أنا ؟؟ " " نعم يا وليد، فرغد لن تتمكن من الذهاب معنا و علي البقاء معها " فزعت، و قلت: " أهي بحالة سيئة؟ " " لا، لكنها لن ترافقنا ، بالتالي سأبقى هنا " " إنني أجهل الطريق.. " " اطلب من أحد أخوته مرافقتكم..." لم تبد لي فكرة حسنة، قلت معترضا: " اذهب أنت يا سامر، و أنا باق هنا مع رغد و أروى..." أقبلت دانة الآن، و سألت عن حال رغد، ثم دخلت إلى غرفتها... ~ ~ ~ ~ ~ " أنا تعيسة جدا " كان هذا جوابي على سؤال دانة التي أتتني بقلق لتطمئن علي.. دانة جلست إلى جواري على السرير و أخذت تواسيني.. إلا أن شيئا لا يمكنه مواساتي في الصاعقة التي أحلّت بي... " أرجوك يا رغد.. كفى عزيزتي.. ألن تودّعينني ؟ إنني راحلة عنك للأبد ! " و جاءت جملتها قاصمة لظهري... " لا ! لا تذهبي و تتركيني ! سأكون وحيدة ! أريد أمي .. أريد أمي..." و بكيت بتهيج.. " يكفي يا رغد ستجعلينني أبكي و أنا عروس في ليلة زفافي التعسة ! " انتبهت لنفسي أخيرا.. كيف سمحت لنفسي بإتعاس أختي العروس في أهم ليالي عمرها؟ ألا يكفي أنها حرمت من حفل الزفاف الضخم الذي كانت تعد له منذ شهور... و خسرت كل ملابسها و حليها و أغراض زفافها.. و احترق فستان العرس تحت أنقاب المدينة المدمّرة !؟ طردت بسرعة الدموع المتطفلة على وجهي، و أظهرت ابتسامة مفتعلة لا أساس لها من الصحة و قلت : " عزيزتي سأفتقدك ! ألف مبروك دانة " تعانقنا عناقا طويلا.. عناق الفراق.. فبعد أكثر من 15 عاما من الملازمة المستمرة 30 يوما في الشهر، نفترق..و دموعنا مختلطة مع القبل... قدم سامر.. و قال : " هيا دانة .. " صافحتها و قبلتها للمرة الأخيرة... ثم جاء دور سامر، و من ثمّ الرجل الضخم الذي كان يقف في الخارج عند الباب مباشرة... لم استطع أن ألقي عليه و لا نظرة واحدة.. لم أشأ أن أنهار من جديد.. اضطجعت على سريري، و سحبت الغطاء حتى أخفيت وجهي أسفل منه... سمعت سامر يقول : " سآخذهما للفندق و أعود مباشرة.. وليد و خطيبته سيبقيان معك " و لم تهز في ّ هذه الجملة شعرة واحدة ، بل أغمضت عيني و أنا أقول : " سأنام.." أحسست بالجميع يغادرون الغرفة و يغلقون الباب، ثم اختفت الأصوات و الحركات.. لقد غادر جميع الضيوف.. و في الشقة لم يبق إلا أنا.. و وليد.. و الأجنبية الدخيلة... دخلت في نوم عميق أشبه بالغيبوبة.. إلا أنني في لحظة ما..أحسست بدخول شخص ما إلى الغرفة.. و اقترابه مني.. ثم شعرت بيد تمتد إلى لحافي فتضبطه فوقي، ثم تمسح على رأسي من فوق حجابي الذي لم أنزعه، ثم توهمت سماع همس في أذني ... " أحلام سعيدة يا حبيبتي" و ابتعد المجهول.. و سمعت صوت انغلاق الباب.. فتحت عيني الآن فوجدت الغرفة غارقة في السكون و الظلام.. هل كان ذلك وهما؟؟ هل كان تهيؤا ؟؟ حلما؟؟ لست أكيدة.. و إن كان حقيقة ، فالشيء الذي سأكون أكيدة منه ، هو أن الشخص كان سامر... ~ ~ ~ ~ ~ ~ استخدمت غرفتي السابقة بينما جعلت أروى تستعمل غرفة العروس، للمبيت تلك الليلة... لقد كنت شديد القلق على صغيرتي .. و لم أنم كما يجب.. كنا قد قررنا البقاء ليومين قبل معاودة الرحيل، و كان هذان اليومان من أسوأ أيام حياتي ! رغد كانت مريضة جدا و ملازمة للفراش، و سامر كان يمنعني من الدخول إلى غرفتها أغلب المرات، و في المرات القليلة التي سمح لي بإلقاء نظرة، كنت أرى رغد شاحبة جدا و مكتئبة للغاية ، ترفض الحديث معي و تطلب منا تركها بمفردها ضاق صدري للحالة التي كانت عليها و سألت سامر: " ماذا حدث لها ؟ هل حدث شيء تخفونه عني؟ لم هي كئيبة هكذا؟؟ هل آذاها أحد بشيء ؟؟ " قال سامر : " إنها كئيبة لفراق دانة ، فكما تعرف كانت تلازمها كالظل... " " لكن ليس لهذا الحد.. أنا أشعر بأن في الأمر سر ما.. " نظر إلي شقيقي نظرة ارتياب و قال : " أي سر؟؟ " قلت : " ليتني أعرف... " كنا خلال هذين اليومين نتناول وجباتنا أنا و أروى في المطاعم، و في الليلة الأخيرة، عندما عدنا من المطعم ، وجدنا رغد و سامر في غرفة المائدة يتناولان العشاء... فرحت كثيرا، فهي علامة جيدة مشيرة إلى تحسّن الصغيرة.. قلت : " صغيرتي.. حمدا لله على سلامتك، أتشعرين بتحسّن ؟؟ " رغد نظرت نحوي بجمود ، ثم نحو أروى ، ثم وقفت ، و غادرت الغرفة ذاهبة إلى غرفة نومها... وقف سامر الآن و نظر إلي بعصبية : " أ هذا جيّد؟ ما كدت أصدق أنها قبلت أخيرا تناول وجبة.. " قلت ُ بانزعاج : " هذه حال لا يصبر عليها، لسوف آخذها إلى الطبيب.. " و سرت ُ مسرعا نحو غرفتها ، فأقبل شقيقي من بعدي مسرعا : " هيه أنت.. إلي أين ؟؟ " التفت ُ إليه و قلت : "سآخذ الفتاة للمستشفى " قال بغيظ : " من تظن نفسك؟ ألا تراني أمامك؟؟ خطيبتك هي تلك و ليست هذه " قلت مزمجرا : " قبل أن تكون خطيبتك هي ابنة عمّي ، و إن كنت نسيت فأذكرك بأنها ستنفصل عنك، و لتعلم إن كنت جاهلا بأن أمورها كلها تهمني و أنا مسؤول عنها كليا ، مثل والدي تماما " و هممت بمد يدي لطرق الباب و من ثم فتحه ، إلا أن سامر ثار... و أمسك بيدي و أبعدها بقوة.. تحررت من مسكته و هممت بفتح الباب ألا أنه صرخ : " ابتعد " و قرن الصرخة بانقضاض على ذراعي، و سحب لي بقوة... دفعت به بعيدا عني فارتطم بالجدار، ثم ارتد إلي و لكمني بقبضته في بطني لكمة عنيفة... اشتعلت المعركة فيما بيننا و دخلنا في دوامة جنونية من الضرب و الركل و اللطم و الرفس.. أتت في غير أوانها ! أروى واقفة تنظر إلينا بذهول.. و باب غرفة رغد انفتح .. و ظهرت منه رغد مفزوعة تنظر إلينا باستنكار و توتّر " سامر... وليد... يكفي ... " إلا أن أحدنا لم يتوقّف... في العراك السابق كان سامر يستسلم لضرباتي .. أما الآن ، فأجده شانا الهجوم علي و يضربني بغيظ و بغض.. كأن بداخله ثأرا يود اقتصاصه مني... بعد لحظات من العراك، و يد الغلبة لي، و أنا ممسك بذراع أخي ألويها للوراء و أؤلمه ، جاءت رغد تركض نحوي صارخة : " أترك خطيبي أيها المتوحّش " و رأيت يديها تمتدان إلي ، تحاولان تخليص سامر من بين يدي... أمسكت بذراعي و شدّتني بقوة، فحررت أخي من قبضتي و استدرت لأواجهها... صرخت بوجهي : " وحش.. مجرم.. قاتل.. أكرهك.. أكرهك.. أكرهك " و بقبضتيها كلتيهما راحت تضربني على صدري بانفعال ضربة بعد ضربة بعد ضربة... و أنا واقف كالجبل بلا حراك.. أشاهد.. و اسمع.. و أحس.. و أتألم.. و أحترق... و أتزلزل ... و أموت.... |
||||
|
|||||
| اقتباس المشاركة |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|