Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showthread.php on line 639

Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showthread.php on line 1041

Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showthread.php on line 1046

Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showthread.php on line 1518

Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showthread.php on line 1523
أحلال لهم .. حرام علينا ؟؟!! - الصفحة 8 - منتديات شباب فلسطين
نحن مع غزة


الإهداءات

العودة   منتديات شباب فلسطين > محطات عامـة > وِجْهـــَةُ نَــظَــرْ

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 07-12-2011, 12:42 AM   #71
*أمين*
I ♥ AQSA
 
الصورة الرمزية *أمين*
في الله أحبكم
الحمد لله :)

قوة السمعة: 8 *أمين* will become famous soon enough

افتراضي رد: أحلال لهم .. حرام علينا ؟؟!!

يا حسام اشتاقت لك جنان الخلد اعمل على مبدأ أنت الجماعة وإن كنت وحدك :)

والأخوة كلهم نحسبهم على خير ولا نزكيهم على الله فلعل اقلامنا طغت فصدر منها ما لا يسر يا حبيب ..فمن ذا الذي لا يسيء قط ومن له الحسنى فقط
...غفر الله لنا ولهم







حسبنا الله ونعم الوكيل ..

  اقتباس المشاركة
قديم 07-12-2011, 12:48 AM   #72
حسام المصرى
.[ همة فوق القمة ].
 
الصورة الرمزية حسام المصرى
صل على الحبيب ||
تائب إلى الله .. لا أريد سوى الجنة ||

قوة السمعة: 201 حسام المصرى is a name known to allحسام المصرى is a name known to allحسام المصرى is a name known to allحسام المصرى is a name known to allحسام المصرى is a name known to allحسام المصرى is a name known to all

افتراضي رد: أحلال لهم .. حرام علينا ؟؟!!

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة *أمين*مشاهدة المشاركة

يا حسام اشتاقت لك جنان الخلد اعمل على مبدأ أنت الجماعة وإن كنت وحدك :)

والأخوة كلهم نحسبهم على خير ولا نزكيهم على الله فلعل اقلامنا طغت فصدر منها ما لا يسر يا حبيب ..فمن ذا الذي لا يسيء قط ومن له الحسنى فقط
...غفر الله لنا ولهم

^^ ..
ولك عن جد .. صرت هادى جدا بعد كلامك ..

الله يكثر من أمثالك ..



فكم من صحيح مات من غير علة ........ وكم من سقيم عاش حينا من الدهر

وكم من فتى أمسى وأصبح ضاحكا ..... وأكفانه في الغيب تنسج وهو لا يدري

وكم من صغار يرتجى طول عمرهم ...... وقد أدخلت أجسامهم ظلمة القبر

وكم من عروس زينوها لزوجها ......... وقد قبضت أرواحهم ليلة القدر

فمن عاش ألفا وألفين ................ فلا بد من يوم يسير إلى القبر



اللهم اغفر لأبى وأدخله الجنه بغير حساب ولا سابق عذاب

صل على حبيبك .. يشفع لك ..

ادعولى بسعة الرزق والهداية والزوجة الصالحة
  اقتباس المشاركة
قديم 07-12-2011, 12:56 AM   #73
*أمين*
I ♥ AQSA
 
الصورة الرمزية *أمين*
في الله أحبكم
الحمد لله :)

قوة السمعة: 8 *أمين* will become famous soon enough

افتراضي رد: أحلال لهم .. حرام علينا ؟؟!!

يبدوا أن مخالطة اهل فلسطين محصلتها "ولك " :)

سترنا الله وإياكم :)







حسبنا الله ونعم الوكيل ..

  اقتباس المشاركة
قديم 07-12-2011, 01:03 AM   #74
حسام المصرى
.[ همة فوق القمة ].
 
الصورة الرمزية حسام المصرى
صل على الحبيب ||
تائب إلى الله .. لا أريد سوى الجنة ||

قوة السمعة: 201 حسام المصرى is a name known to allحسام المصرى is a name known to allحسام المصرى is a name known to allحسام المصرى is a name known to allحسام المصرى is a name known to allحسام المصرى is a name known to all

افتراضي رد: أحلال لهم .. حرام علينا ؟؟!!

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة *أمين*مشاهدة المشاركة يبدوا أن مخالطة اهل فلسطين محصلتها "ولك " :)

سترنا الله وإياكم :)

هى شتيمة ولا ايش ..÷هههههه
هما بيحكوها لبعض ..

ما قصدت شئ بالله ..
أدينا بنتعلم منكم ..

احلى الناس الغزاوية .. ^^



فكم من صحيح مات من غير علة ........ وكم من سقيم عاش حينا من الدهر

وكم من فتى أمسى وأصبح ضاحكا ..... وأكفانه في الغيب تنسج وهو لا يدري

وكم من صغار يرتجى طول عمرهم ...... وقد أدخلت أجسامهم ظلمة القبر

وكم من عروس زينوها لزوجها ......... وقد قبضت أرواحهم ليلة القدر

فمن عاش ألفا وألفين ................ فلا بد من يوم يسير إلى القبر



اللهم اغفر لأبى وأدخله الجنه بغير حساب ولا سابق عذاب

صل على حبيبك .. يشفع لك ..

ادعولى بسعة الرزق والهداية والزوجة الصالحة
  اقتباس المشاركة
قديم 07-12-2011, 01:19 AM   #75
*أمين*
I ♥ AQSA
 
الصورة الرمزية *أمين*
في الله أحبكم
الحمد لله :)

قوة السمعة: 8 *أمين* will become famous soon enough

افتراضي رد: أحلال لهم .. حرام علينا ؟؟!!

لا يا أخي حياك الله بأي لفظ تريد :)







حسبنا الله ونعم الوكيل ..

  اقتباس المشاركة
قديم 07-12-2011, 01:29 AM   #76
حسام المصرى
.[ همة فوق القمة ].
 
الصورة الرمزية حسام المصرى
صل على الحبيب ||
تائب إلى الله .. لا أريد سوى الجنة ||

قوة السمعة: 201 حسام المصرى is a name known to allحسام المصرى is a name known to allحسام المصرى is a name known to allحسام المصرى is a name known to allحسام المصرى is a name known to allحسام المصرى is a name known to all

افتراضي رد: أحلال لهم .. حرام علينا ؟؟!!

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة *أمين*مشاهدة المشاركة لا يا أخي حياك الله بأي لفظ تريد :)

الله يكرمك .. ويطول عمرك يا غالى ..

بكفينا دردشة .. ^^



فكم من صحيح مات من غير علة ........ وكم من سقيم عاش حينا من الدهر

وكم من فتى أمسى وأصبح ضاحكا ..... وأكفانه في الغيب تنسج وهو لا يدري

وكم من صغار يرتجى طول عمرهم ...... وقد أدخلت أجسامهم ظلمة القبر

وكم من عروس زينوها لزوجها ......... وقد قبضت أرواحهم ليلة القدر

فمن عاش ألفا وألفين ................ فلا بد من يوم يسير إلى القبر



اللهم اغفر لأبى وأدخله الجنه بغير حساب ولا سابق عذاب

صل على حبيبك .. يشفع لك ..

ادعولى بسعة الرزق والهداية والزوجة الصالحة
  اقتباس المشاركة
قديم 07-12-2011, 01:59 PM   #77
اسد 22
.|| عآشق الـجِنآن ||.
 
الصورة الرمزية اسد 22

قوة السمعة: 139 اسد 22 has a spectacular aura aboutاسد 22 has a spectacular aura aboutاسد 22 has a spectacular aura about

افتراضي رد: أحلال لهم .. حرام علينا ؟؟!!

مُنَاقَشَةُ اعتِرَاضَاتِ الشَّيخِ أبي بَصِيرٍ حَفِظَهُ اللهُ على أدلَّةِ مَنْ أَجَازَ العملياتِ الإستِشهاديَّة
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله , أما بعد :

فقد وقفت على رسالة للشيخ الحبيب أبي بصير الطرطوسي حفظه الله تعالى معنونة بـ " مناقَشَة أدِلَّةِ واعترِاضاتِ المخالِفين حولَ العملياتِ الانتحَارِيَّةِ " [1], وهي تابعة لرسالة سابقة له لم أتمكن من الوقوف عليها للأسف , ورأيت فيما كتب الشيخ - وأنا من محبيه ومن كثرة استفادوا من علومه - أخطاءً يجب التنبيه عليه وبيان الصحيح المخالف لها , تحقيقاً للميثاق الذي أخذه الله على من علم الحق , فقد أخطأ حفظه الله بسد باب العمليات الإستشهادية هكذا مطلقاً , وهذا عندي باطل لا يلزم منه تضليل الشيخ وتخوينُه , سيَّما وأن له سلفاً من أهل العلم والفضل ممن يقول بقوله , وكذلك لحسن ظننا بالشيخ حفظه الله ورعاه وهدانا لما اختلف فيه من الحق بإذنه وهداه , وقد كانت أحدَ أسباب تحريضي على إسالة حبر القلم في ذلك كلماتٌ له وهو يقول : ( العلم لا يُحابي ولا يُجامل أحداً , والحقّ أحب لنفوسنا مما سواه , إنصافُه من أنفسنا ومما نحب ومن نحب ونهوى واجب ودين , وهو مطلب وغاية المؤمنين الصادقين , هذه مبادئ وتعاليم تُعد من بدهيات منهجنا وديننا الحنيف , لا ينبغي أن نغفل عنها ونحن في غمرة الجدال، والتعصب لفلان، أو علاَّن!) , وأبدأ بتفصيل الرد عليه وبالله التوفيق :
قال : ( هذه العمليات المسماة بالاستشهادية تُعد ـ من حيث الطريقة والوسيلة المتبعة ـ من النوازل، والمسائل المحدثة .. وهي تحتمل الاجتهاد والاختلاف بين أهل العلم ..) فنقول : هذا صحيح نسلّمه ولا ننازع فيه ولكن نخالف قوله بعد ذلك ( وهي من المسائل العملية لا ينبغي أن يترتب عليها ولاء وبراء , وتخوين وتفسيق وتضليل ) فنقول : هذا إطلاق لا يصح إنما يخصص على نحو لا يخالف الصحيح , وذلك أن الخلاف في المسائل العملية إذا كان اجتهادياً منبثقاً عن حسن قصد من المختلفين لمعرفة الحق واتباعه ؛ فإذا ما ظهر لهم الحق زال اختلافهم لحصول العلم المُرام بصحيح اجتهاد بعضهم من زيفه , فهذا النوع من الخلاف لا يضلل فيه المختلفون لا المصيب ولا المخطئ , فهم بين الأجر والأجرين كما صح ذلك عن نبيِّنا e , وصحيحٌ أن النصوص منها ما هو قطعي في دلالته , ومنها ما هو ظني حمّال أوجه , إلا أن الله لا يكلف العباد بمبهم لا يعرف المراد منه بحال , بل نصب للحق علامات وإمارات ميز فيها الحق عن غيره , علمها أناس فحازوا أجرين وعجز عنها آخرون فحازوا أجر الإجتهاد , فيُلحق المبهمُ بعد ذلك بالواضح المفسَر لا يَحِلُ لمن عَلَمَهُ مخالفتُه , ومن الأمثلة على ذلك زواجُ المتعةِ فهو حكم عملي قد يضلل المخالف فيه بعد بيان الحق له ؛ علماً أن ابن عباس t كان يقول بحل المتعة حتى ناظر علي بن أبي طالب t , وكذلك التلفظ بالنية فهي حكم عملي مختلف فيه (ليس بين السلف) , وكذلك أيضاً العمليات التفجيرية وسميتها بذلك لأن المقدمة التي تنص على أنها استشهادية غير مسلمة عند المخالف تماشياً مع تدرج الرد , فمن يقول بحرمتها يقول إن المخالف إذا لم تبلغه أدلتنا فإنه مخطئ مأجور , لكن بعد بلوغ الأدلة الشرعية له ودحض شبهاته وردها عليه فإنه عاصٍ فاعلٌ لكبيرةٍ قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله فيمن يفجر نفسه في الأعداء : (نرى أن ما يفعله بعض الناس من هذا الانتحار ، نرى أنه قتل للنفس بغير حق، وأنه موجب لدخول النار والعياذ بالله، وأن صحابه ليس بشهيد . لكن إذا فعل الإنسان هذا متأولاً ظاناً أنه جائز، فإننا نرجوا أن يسلم من الإثم، وأما أن تكتب له الشهادة فلا؛ لأنه لم يسلك طريقة الشهادة، لكنه يسلم من الإثم لأنه متأول، ومن اجتهد وأخطأ فله أجر.) أهـ شرح رياض الصالحين .

وهكذا باقي مسائل الخلاف , لا يحل لمجتهد مخالفة الحق في المسائل العملية إذا ظهر له ولاح , ولا يمكن للحق أن يطمس أبداً و أن لا تظهرَ له علامة أو قرينة تلحقه بالواضح كما سبقت إليه الإشارة , والحق مع طائفة من المختلفين , فإن الحاكم لا ينال الأجرين حتى يصيب الحق ولا ينال المخطئ الأجر حتى يستفرغ جهده وطاقته في البحث عن الحق فإنه ضالته , فإذا ظهر لم يكن له خِيار في أخذه أو رده , فإن ذلك علامة على عدم نشد ضالته بحق , فإن رده بعد علمه عصى الله وترتب في حقه ما يترتب في حق العصاة على اختلاف درجاتهم بحسب حالهم , وبحسب المسألة التي خالف فيها الحق والصواب .

ثم نبدأ بالرد على الشيخ حفظه الله في اعتراضاته على أدلة من أجاز العمليات التفجيرية , وأذكر هاهنا أقوى ما رأيت من اعتراضات قد يشتبه في الذهن أنها دليل , غيرَ مغير للفظه واضعاً كلامَه بين قوسين :

قال : (قالوا قصة الغلام المؤمن مع الطاغية الملك؛ حيث دله على الطريقة التي يمكنه أن يقتله بها؛ فكان بذلك كمن قتل نفسه بنفسه , وبالتالي فهو دليل على جواز العمليات المسماة بالاستشهادية!
الرد: أقول وهذا من أقوى ما استدلوا به على قولهم في المسألة , ومع ذلك فهو متشابه في دلالته على جواز العمليات المسماة بالاستشهادية , ووجه التشابه يأتي من جهات عدة:
منها: أن قصة الغلام مع الطاغية الملك قصة استثنائية خاصة لم تحصل ولم تتكرر في التاريخ كله , والذي فعله الغلام كان لنوع إلهام أو وحي أوحي إليه أن افعل كذا وكذا , ولا أظن أن أحداً ـ من غير وحي ـ يستطيع أن يقول لطاغية ظالم لا سلطان لك علي , ولا يمكنك قتلي ـ مهما فعلت وسلطن علي جندك ـ إلا من خلال طريقة معينة ومحددة , والعمليات الانتحارية ليست كذلك! )
قلت : أما القول بأن قصة الغلام دليل متشابه في دلالته على جواز العمليات التفجيرية دعوى وكل دعوى بلا دليل باطلة , وسنناقش ما استدل به عليها , ونبدأ بما بدأ به , قال : (منها: أن قصة الغلام مع الطاغية الملك قصة استثنائية خاصة لم تحصل ولم تتكرر في التاريخ كله) فهذه دعوى فإن عدم العلم بالشيء ليس علماً بالعدم , سيَّما وأن قصة الغلام قد وقعت فلا مانع من مماثل , وإخبار الرسول e بقصة الغلام لا يعني نفي غيرها , ومن استدل على وجوب اغتسال الكافر إذا أسلم رد على من لم يأخذ بقصة قيس بن عاصم t محتجاً بعدم ورود ذلك في حال الجموع الكبيرة التي أسلمت بقوله : عدم العلم بالشيء ليس علماً بالعدم سيَّما وقد وجدت قصة قيس بن عاصم , أما قوله : (والذي فعله الغلام كان لنوع إلهام أو وحي أوحي إليه أن افعل كذا وكذا , ولا أظن أن أحداً ـ من غير وحي ـ يستطيع أن يقول لطاغية ظالم لا سلطان لك علي ), فنقول : هذه مجازفة والقول بأظن أو لا أظن في هذه القصة لا يغني من الحق شيئاً فهي قصة خبرية يتوقف القول بزيادة فيها بخبر لا بظن , ونقول للشيخ أبي بصير حفظه الله أنت عبت على الشيخ عبد القادر بن عبد العزيز فك الله أسره في نقض الدليل الأول من رسالتك – ولم أذكره – استدلاله بآية حكمية لفظها عام قد يتناول ما قال لعدم وجود سلف لقوله , وها أنت تقول في قصة خبرية بهذا القول بدون سلف , والظاهر من القصة أن الغلام لم يكن بنبي ولا رسول إنما كان مؤمناً قوي الإيمان وكفى بها من صفة , وما أحوج المقام هاهنا لقصة أنس بن النضر t فيما جاء في الصحيحين بأن الربيع ابنة النضر كسرت ثَنيّة جارية فطلبوا الأرش [2] وطلبوا العفو فأبوا فأتوا النبي e فأمرهم بالقصاص فقال أنس بن النضر أتكسر ثنية الربيع يا رسول الله لا والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها فقال : يا أنس كتاب الله القصاص فرضي القوم وعفوا فقال النبي e : إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره , وتسليماً بمقدمته هذه جدلاً لا يجعل من هذا الفعل خاصاً لا يمكن تكراره , أما قوله تفريعاً على ما سبق من مقدمات : (والعمليات الانتحارية ليست كذلك! ) فنقول : إذا ثبت جواز العمليات التفجيرية فهي بإلهام ووحي أو بإلحاق بالوحي , وإلا فلا وهذا تفريع على مقدمة لم يقم عليها دليلٌ أبداً .
ثم قال : (ومنها: أن هذه الطريقة التي دل الغلامُ الملكَ عليها، من مقاصدها وغاياتها الإثبات للملك، ولحاشيته، ووزرائه، والناس .. بأن الملك ليس رباً كما يزعم .. وأنه عاجز وضعيف لا يملك نفعاً ولا ضراً ..وهو لا يقدر على أن يقتل من يشاء رغم ما أوتي من قوة وجبروت .. وأن الأرواح بيد خالقها ومالكها الذي يُحيي ويُميت .. وأن الملِكَ إن أراد قتلي لا بد من أن يستأذن الخالق المالك لروحي وأرواح الناس جميعاً؛ واستئذان الخالق I يكون بقول الملك، بعد أن يجمع الناس في صعيدٍ واحد ليشاهدوا المشهد:" باسم الله، رب الغلام "، فإن فعل ذلك قتله .. وإن لم يفعل ذلك؛ لا يستطيع قتله .. ولا سلطان له عليه .. مهما حاول .. وهذا مقصد عظيم ومهم جداً إذ كان الناس يومئذٍ يعتقدون أن الملك رباً لهم وله سلطان على أرواح العباد، يستطيع أن يُحيي ويُميت ممن يشاء .. والعمليات الانتحارية ليست كذلك، ولا من مقاصدها شيء من ذلك! )
فنقول : هذا إيهام للسامع وخلط فيه تعميمُ ما ليس بعام , فأما مقصدُ الغلامِ فكان إثبات ربوبية الله ليعبده الناس موحدين , وهذا المقصد هو أصلاً مقصدُ الجهادِ في سبيلِ اللهِ كما جاء في الصحيحين : "من قاتلَ لتكونَ كلمةُ اللهِ هي العليا فهو في سبيلِ الله " فنحنُ لا نتكلم إلا عن هذا , وأما قوله : (وهذا مَقصدٌ عظيمٌ ومهم جداً إذ كان الناس يومئذٍ يعتقدون أن الملك رباً لهم وله سلطان على أرواح العباد، يستطيع أن يُحيي ويُميت ممن يشاء .. والعمليات الانتحارية ليست كذلك، ولا من مقاصدها شيء من ذلك!) فهذا فيه حيف كبير , فالقول بأن العمليات ككل ليست كذلك بل ولا من مقاصدها شيء من ذلك منافٍ للواقع منافاةَ السوادِ للبياض , فليست عمليات سبتمبر عنا ببعيد , والشيخ أستاذ في بيان التوحيد وما يضادُه من الشرك والتنديد وكتابه ( الطاغوت ) يبين شيئاً من ذلك , فهو لا أقولُ يعلَم معنى الطاغوت بل يعلِّم غيره , فمن الذي مرَّغ أنف طاغوتِ العصر (أمريكا) في الطين? ومن الذي نسف من عقول الكبار و الصغار صورة (رامبو) الذي لا يقهر بجانبِ تمثالِ (الحرية ) ? ومن الذي جعل الناسَ يراجعون ما بنوه في مخيلاتهم من قوة سمعِ أمريكا وقوة بصرها حتى جعلوها نداً لله في الربوبية قارئاً بلسان حاله (أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين ) , ومن الذي كشفَ زيفِ الحضارةِ الغربيةِ مُحَطماً هبلَ العصرِ الذي فتن به كثير من الناس , فقبل تلك العمليات كان كثير من الناس إذا سمع باسم مدينة نيويورك تخيل مدينة الأحلام .. مدينة الدولار .. مدينة الغطرسة وطمح بالسفر إليها والعمل فيها , واليوم تعال إلى فتيان الحي واسألهم : ماذا تعرفون عن نيويورك وواشنطن , سيجيبونك بما يوافق التوحيد الذي تكتب عنه يا شيخ , فنحن نتكلم عن جواز هذه العمليات وأمثالها أما ما سواها فاستثنه .
ثم قال : (ومنها: أن الطريقة التي قُتِل فيها الغلام .. كانت سبباً لهداية أمة بكاملها .. وسبباً في إخراج العباد من ظلمات الشرك وعبادة الطاغوت إلى نور التوحيد وعبادة الخالق I .. وكان الغلام ـ عن طريق الوحي ـ على علم بذلك .. وعلى علم بهذه النتيجة العظيمة المحقَّقة .. لذلك كان مصراً على الطريقة الوحيدة التي دل الملِكَ عليها .. والتي من خلالها تتحقق هذه المنافع العظام التي لا تقابلها منفعة ولا مصلحة .. وقد جاء في الحديث الصحيح أن الغلام لما مات:" قال الناسُ: آمنا بربالغلام، آمنا بربالغلام،آمنا بربالغلام. فأتى الملك، فقيل له: أرأيت ما كنت تحذر؟ قد،والله! نزل بك حذرك؛ قد آمن الناس .. " ......... والعمليات الانتحارية ليست شيئاً من ذلك! )
فنقول : هذا تتطويل لما سبق , بتقرير شيء تأصيلاً ونفيه واقعاً بشكل عام , وفي قوله أخطاءٌ تأصيلية لا تخفي وكذلك أخطاء عند تنزيله ما صح من تأصيلٍ سابق , فقوله بأن موتَ الغلامِ كان سبباً لهداية الناس صحيح مسلَّم تأصيلاً ولكنه يخطئ في تنزيله وسأبين ذلك قريباً, وأما قوله : ( وكان الغلام ـ عن طريق الوحي ـ على علم بذلك .. وعلى علم بهذه النتيجة العظيمة المحقَّقة ) فباطل قولاً واحداً وقد وقع الشيخ بقوله هذا في محذورين :
· أولاً : جزمه بصحة ما ذهب إليه (ظناً) كما سبق من لفظه بأن الغلام يوحى إليه , وهذا قول لا أعلم فيه سلف له, وهذه قصة خبرية يتوقف القول بزيادة فيها على العلم ولا يعتبر ما سواه .
· ثانياً : قوله (وعلى علم بهذه النتيجة العظيمة المحققة) فهذا أيضاً خرص وقول بلا سلطان , يتوقف قبوله على دليل واضح لا يَحُل مكانَه ظنٌ وخرصٌ , بل كيف نقبله والله سبحانه وتعالى قال لنبيه e : )ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون ([3] , وقال : ) قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون ([4] , فطرد قول الشيخ يلزم منه أن نقول : لقد علم إبراهيم عليه الصلاة والسلام أن ابنه سيفدى بذبح عظيم إذا هَمَّ بذبحه ! وكذلك القول بأن النبي e علم وهو في مكة أن فلاناً سيؤمن بدعوته وفلاناً سيكفر بدعوته , وهذا باطل لا يمكن القول به دون دليل , والقضايا العينية التي حصلت للنبي e لا يمكن تعميمها , ولا يمكن إثبات غيرها إلا بدليل معين وإلا فإنه تقوّل بلا علم .
ونعود هنا إلي قوله بأن الغلام أخرج الناس من الظلمات إلى النور ثم نفيه تنزيلاً ( والعمليات الانتحارية ليست شيئاً من ذلك! ) فهذا قول ليس بصحيح ؛ فصحيح أن الغلام أخرج أناساً من الظلمات إلى النور ولكن صحيح أيضاً أن فتياننا التسعةَ عشرَ أخرجوا الناس من الظلمات إلى النور كذلك , أخرجوا من ?! أخرجوا محمداً , وعلياً , وخالداً , يوسفَ , وسليمانَ , وإبراهيمَ .. أخرجوا الغافلين من خير الأمم من الشرك إلى التوحيد , من الجهل إلى العلم , من القعود إلى الجهاد , من صغر الطموحات إلى المعالي ,ولا تنسى تلك الأعداد الكبيرة التي سمعت عن الإسلام بعد الهجمات فبحثت واجتهدت ثم أسلمت لله سبحانه وتعالى , فأي مصلحة كانت ستفوت لولا المعية الربانية لأولائك الأبطال نحسبهم والله حسيبهم ولا نزكي على الله أحداً فوفقهم لما قاموا به .
وأما قوله : (و العمليات الانتحارية ليست شيئاً من ذلك! ) فظلم وحيف والشيخ هنا يخلط كل عمليات الدنيا في بوتقة ويقول انظروا ! فنقول : هل يجوز خلط كل الذين خرجوا على نظام الدولة في بوتقة واحدة , بغض النظر عن حال النظام وبغض النظر عن أهداف الخارجين ومناهجهم وضوابضهم ! لا يجوز أبداً والتفصيل واجب عند الحاجة والتعميم في مثل هذه المواضع نقيض العدل والإنصاف . فليس من العدل أن نجعل عمليات سبتمبر بأخرى قتلت منفذها فحسب , أو أن أجعل عمليات الموحدين المخلصين المستفرغين لطاقتهم في رصد أهدافهم وإعداد عدتهم بأخرى لا تلتزم بضوابط ولا تحدد أهدافاًُ إنما هي لعبة بأيدي هواة فارغين! فنحن هنا لا ندافع عن كل ما يسميه الشيخ عمليات انتحارية , بل نحن ندافع عن جزء خاص فقط , فالتعميم مع هذا الخاص ترك للعدل والإنصاف .
ثم قال : ( ومنها: رغم أن أمة الإسلام أمة الجهاد والاستشهاد .. قد خاضت آلاف المعارك عبر تاريخها المعطاء .. ومع ذلك لم يستنبط فقهاء الإسلام من قصة الغلام مع الملك ما فهمه بعض المعاصرين من كون هذه القصة تُعتبر دليلاً على جواز قتل المرء لنفسه بنفسه من أجل النكاية بالعدو .. والخير كله .. والسلامة كلها تكمن في اتباع السلف وفهم السلف .. لا الابتداع .. وبخاصة إن كان هذا الابتداع ذا صلة بالحرمات والدماء، وزهق الأرواح!)
فنقول : الدليل حجة بنفسه أم بغير , بل بنفسه فهو كما قال الشافعي رحمه الله في الرسالة : ( لا يقويه أخذ آخذ ولا يضعفه ترك تارك ) , ونحن لا نخرج عن أقوال صحابة رسول الله e إذا اختلفوا في حادثة حدثت في عصرهم فإن الحق لا يخرج عن أقوالهم كلها , ولكن من الحوادث ما يستجد فلا يبقى من اتباع السلف الصالح إلا تتبع أصولهم في فهم النصوص الشرعية والتخريج على قواعدهم العامة , والقول باتباع السلف في الزيادة على القصة الخبرية بأن الغلام يوحى إليه وأنه كان على علم بأن القرية ستسلم أقوى منه بكثير في الإستنباط الحكمي فإن هذا الثاني واسع جداً رغم انضباطه بالقواعد والأصول السلفية فإن الجزئيات متجددة مختلفة , وعدم استدلال أحد من السلف بهذه القصة على جواز قتل النفس نكاية بالأعداء ظاهر فإن القصة لا يمكن ربطها بقتال الأعداء في عصرهم , فأين المتفجرات وخطف الطائرات من السيف والرمح والمنجنيق ?.
ثم قال : (ومنها: يُقال بعد كل ذلك أن الغلام لم يَقتل نفسه بنفسه .. وإنما قُتِل على يد الطاغية الملِك .. بينما في العمليات الانتحارية يقتل المرء نفسه بنفسه.) فنقول : هذه نزعة ظاهرية فإن المظاهر كالمباشر هكذا أفتى عمر بن الخطاب t بوجود الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين , وقد لعن الرسول e عاصر الخمر كما لعن شاربها , علماً أنه لم يشربها ولم ينقلها وما كان يعصر إلا عنباً ! ولو قلنا لرجل : هذا مبتدع لا تسلم عليه , فلما رآه قبل يده ! أنقول : إنه لم يسلم عليه. وإذا قرأ أحدهم قوله تعالى : (ولا تقل لهما أفٍ ولا تنهرهما ) فضرب أبويه ولعنهما ! أيقبل منه قوله : والله ما قلت لهما أف , وكذلك إذا قامت البينة على أحدهم ثم جاء مقراً بأدق التفاصيل أنه قتل أخاه برجل مأجور , أفنقول له لا عليك فأنت لم تقتله بيديك !?, وإذا جئنا إلى طواغيت الحكم وقلنا لهم يا قتلة المسلمين , صار جوابهم لنا مقبولاً إذا قالوا : نحن والله لم نقتل بأيدينا إنساناً ! إنما فعل ذلك الجنود ! , وإذا قلنا لشخص لا تقتل نفسك , فذهب إلى خادمه وقال له أعدد لي طعاما شهياً وانقعه بالسُم لأنتحر , ففعل فمات أفنقول : هو لم يفعل شيئاً من ذلك فيظهر بذلك بطلان ما ذهب إليه الشيخ .
ثم قال : (ومنها: أن القاتل الذي يجب أن يُقتل حداً , لو سلَّم نفسه للقضاء الشرعي ليقيموا عليه حد القتل , لا يُقال له قد قتل نفسه بنفسه , ومثله مثل من يقتل نفسه بنفسه , وبالتالي يجوز له أن يقتل نفسه بنفسه ، ويُقيم حد القتل على نفسه بنفسه , وكذلك يُقال في قصة الغلام؛ فهو إذ دل الملِك على الطريقة التي يُقتل فيها ـ للمصالح الآنفة الذكر ـ لا يعني ولا يجوز أن يُقال أنه قتل نفسه بنفسه، وحكمه حكم من يقتل نفسه بنفسه , كما فهم البعض!)
فنقول هذا إدراج للمتفق عليه في المختلف فيه وتخليط بينهما ؛ فنحن لم نقل بجواز قتل نفسه بنفسه هكذا في فلاة أرض يفجر جسده ! وأقصى ما استدلل به الشيخ إنما هو حرمة هذا وهذا مسلم عندنا , وأما قوله : (ومنها: أن القاتل الذي يجب أن يُقتل حداً , لو سلَّم نفسه للقضاء الشرعي ليقيموا عليه حد القتل , لا يُقال له قد قتل نفسه بنفسه , ومثله مثل من يقتل نفسه بنفسه) فهذا القول ليس بدقيق , يوضح ذلك المثالُ التالي :
· لو أن قاتلاً تسلل إلى مدينه فسلّمه بعض أهلها إلى القضاء الشرعي لعد ذلك من مناقبهم عند المسلمين , ولو أعانوه ونصروه للعنوا على لسان المعصوم e " لعن الله من أحدث حدثا , أو آوى محدثا "[5].
· ولو أن قوماً تآمروا على شخص ليقتلوه بغير حق فقالوا لواحد منهم ارصد لنا تحركاته لنغتاله ففعل ؛ لقتلوا به جميعاً ولعدوا من القتلة المجرمين الفاسقين .فإن المظاهر كالمباشر تأمل قوله تعالى : ) إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم فيه الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون ([6] وقال تعالى : ) وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ([7] وكذلك هدي النبي e في العهود والتحالفات وإيواء المحدثين والإعانة في قتل المسلمين وبيع الخمر ونقلها , قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : ( وإذا كان المحاربون الحرامية جماعة فالواحد منهم باشر القتل بنفسه والباقون له أعوان وردء له ؛ فقد قيل : إنه يقتل المباشر فقط , والجمهور على أن الجميع يقتلون , ولو كانوا مائة , وإن الردء والمباشر سواء , وهذا هو المأثور عن الخلفاء الراشدين . فإن عمر بن الخطاب t قتل ربيئة المحاربين . والربيئة : هو الناظر , الذي يجلس على مكان عال ينظر منه لهم من يجيء ؛ ولأن المباشر إنما يمكن من قتله بقوة الردء ومعونته . والطائفة إذا انتصرت بعضها ببعض حتى صاروا ممتنعين فهم مشتركون في الثواب والعقاب كالمجاهدين ) أهـ من السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية .
ويتفرع على هذا :
· لو أن مسلماً فارق دار الإسلام وتوجه إلى دار الحرب مسلِّماً نفسه للكفار وسار برجليه إلى ديارهم وهو يعلم أنهم سيقتلوه لعد قاتلاً لنفسه مظاهراً للأعداء عليها وإن أكرهوه على كفر لم يقبل ترخصه [8].
· ولو أراد مسلم تسليم نفسه للقضاء الشرعي , وإفشاء سر بقتله مسلماً وهو يعلم بأنه قد يقتل لم يعد ذلك قتل للنفس وقولنا هنا ليس بقاتل للنفس تقديره المحرمة وإلا فإنه أعان على قتل نفسه وظاهر غيره على نفسه لكنه فعل ذلك بحق , ولذلك لا يعدم أجر تلك المظاهرة والمعاونة ليس كمن سلم نفسه بعد القدرة عليه وبذلك يتبين أن من سلم نفسه فقد ظاهر عليها غيره ومن فعل ذلك كان كالمباشر , وقد فهم الصحابة رضوان الله عليهم أن تقصيرهم في حفظ نفوسهم أو مظاهرة غيرها عليها كالتعرض للأمراض والأسقام يدخل في عموم النهي عن قتل النفس ولم يقولوا إن قتل النفس يتمثل فقط بطعنك نفسك بسكين أو سيف فعن عمرو بن العاص قال : (احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل فأشفقت إن غسلت أن أهلك فتيممت ثم صليت بأصحابي الصبح فذكروا ذلك للنبي e فقال يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال وقلت إني سمعت الله يقول : (ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً) فضحك رسول الله e ولم يقل شيئاً ) رواه البخاري وأحمد و أبو داود وهذا لفظ أبي داود , ولذلك كان الأمام أحمد يقول من غص بلقمة وبجانبه خمر شرب وإلا مات عاصياً , ولو لم تكن المظاهرة معتبرة لقلنا: من وضع مسدساً على رأسه فضغط على الزناد لم يقتل نفسه بل المسدس من فعل ذلك , وهو لم يظاهر على نفس إلا بتحريك سبابته !
وأي مظاهرة على النفس أكبر من تلك التي فعلها الغلام بقوله للملك : ( إنك لست قاتلي حتى تفعل ما آمرك به! قال: وما هو؟ قال تجمع الناس في صعيد واحد، كل أهل البلد تجمعهم في مكان واحد، ثم تصلبني على جذع ، ثم تأخذ سهماً من كنانتي فتضعه في كبد القوس، ثم ترميني به وتقول: بسم الله رب الغلام، فإنك إن فعلت ذلك قتلتني ! ) ونقف هنا لنسأل العقلاءَ والعلماءَ والحكماءَ جميعاً :
إذا أسر جنديٌّ مسلمٌ آخرَ كافراً فجرده من سلاحه وساقه مشدود الوثاق , فلما قطعا نصف الطريق وخارت قوى الأسير فلم يعد يقوى حتى على المسير وتوقف عن التفكير بالفرار وإنقاذ قومه له بالمغاوير , وبدأ يتمتم بأذكاره الشركية يستعد للموت الذي سيلقاه , فك المسلم وَثاقَه, وأسقاه الماء وشاطره الطعام , ونزع سلاحه وأعطاه إياه , وقال له خذ من جعبتي ذخيرة للسلاح , وارم على رأسي حتى تقتلَني !!! . فهل هذا قاتل لنفسه أم لا ?!!!
وعلى القول بأنه ليس قاتلاً لنفسه نقول للقائلين بذلك إن أمركم عجيب تحرمون ذهاب مجاهدٍ إلى هدف لا يبلغه إلا بالعمل الفدائي سمه ما شئت ليفجر نفسه بضغطةٍ بيديه على زر التفجير وتجيزون ذهاب آخر إلى موضع مماثل بظروف مماثلة لكنَّ التفجير في هذه الحال يتم بجهاز (لا سلكي ) عن بعد على يد مجاهد آخر يبعد عنه آلاف الأمتار !!!!.
وأما قوله : (لا يُقال له قد قتل نفسه بنفسه , ومثله مثل من يقتل نفسه بنفسه وبالتالي يجوز له أن يقتل نفسه بنفسه) , فنقول : القول بقتل الشخص نفسه إذا سلمها لمهلكها يلزم منه إقامة القاتل الحد على نفسه بيديه باطل ولا تلازم بين الأمرين , وقد بينا أن المظاهرة كالمباشرة ولا فرق بين من أعان على قتل مسلم وبين من أعان على قتل نفسه , فإن كان حقاً فحق وإن كان باطلاًُ فباطل قال تعالى : ) من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً ( الآية [9], و)من( تفيد العموم , و)نفساً( نكرة في سياق شرط تفيد العموم أيضاً لا تخصص إلا بدليل .
أما عدم التلازم بين كون الشخص قاتلاً لنفسه بمظاهرة غيره عليها وبين تنفيذه هو حكم الإعدام على نفسِه بيديه فظاهر ؛ فإن هذا الثاني مندرج تحت إقامة الحدود , ولإقامة الحدود مصالح راعاها الشارع لا يمكن إغفالها , وكذلك فيها حقوق يجب مراعاتها , وليس هذا محصوراً في مسألتنا هذه وهي قتل القاتل نفسه بيديه , فلا يجوز مثلاً أن يرجم الزاني نفسه بنفسه , لفوات مصالح إقامة الحد فلا يحصل بذلك زجر ولا تأديب لغيره , ولا إظهار لأحكام الله , ولا تطهير للمحدود فليس هذا هو الحد الذي أراده الله بل هو أشد ؛ والله لم يجعل هذا الأشد هو الحد الذي أراده بل هو حد محدث لا يجوز , مثاله في غير مسألتنا هذه من الأحكام الطلاق في الحيض فإنه لا يجوز لكونه يزيد في عدة المطلقة , وليس الأمر بإقامة الحد موجهاً للسارق والسارقة , قال تعالى : )والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاءً بما كسبا نكالاً من الله والله عزيز حكيم( [10] فالمخاطب بأمر القطع غيرُ المقطوع له , وقال النبي e لو أن فاطمة بنتَ محمدٍ سرقت لقطعت يدها , ولم يقل لأمرتها بقطع يدها فليس ذلك واجباً على المحدودين , ولو قلنا لكل شخص وجب الحد والقصاص بحقه افعلها أنت , لضيعنا بذلك المقاصد والحقوق المراعاة شرعاً , فأي قصاص هذا إذا قلت للذي لطم أخاه على وجهه : افعلها أنت بنفسك لنفسك ?! فإن النفوس المتمردة ترضى بألف لطمة من هذا النوع ولا ترضى بالقصاص الشرعي , فالضعيف يظل ضعيفاً ولا يأخذ حقه من القوي , ولو قلنا لكل قاتل يجوز لك قتل نفسك بيديك , لضاع الحد الشرعي فأين حق المقتول وأولياءه , وأين حيزُ السماحِ لهم بالعفو عنه أو قتله , وأين حيز القدرة عليه كما قدر هو على ابنهم , وأين تلك المهلة التي يعلم فيها القاتل أنه ليس ملكاً لنفسه , وأنه ليس حراً لإرادته , ولو قلنا بذلك لما عاد هناك حاجة إلى المحاكم الشرعية , بل لذهب كل قاتل إلى المفتي فسأله واستفسره والسلام ؛ فإن أحب التطهر فعل وإلا لم يفعل , وأين هذا من ذاك الصغار الذي به يتطهر , ولغيره يزجر , ولأهل القتيل يجبر , ولو قلنا بذلك لما كان هناك حاجة لفرض الدية , ولما وصلنا إلى معلومات حول القضية , ولما عرف المنتحر من المقتول من مقيم الحد على نفسه , ولضاعت هيبة النظام الإسلامي وعمت الفوضى . ثم إن شرط إقامة الحدود القدرة (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ) فالذي يقام عليه الحد تكون قدرته ضعيفة , الجسدية منها والنفسية وهذا أمر معلوم مشاهد , ولا يغتر أحد بقصة ماعز t , فإن الحدود لم توضع لتقام على التائبين فقط , بل هي أيضاً على العصاة والعاصي ضعيف الإيمان , لا سيَّما وإن كان قد تاب بعد القدرة عليه هذا إن تاب , فكل هذا راعاه الشَّرع لما قال بالحدود .
وليست المصالح والمفاسد معتبرةً على وجه الخصوص فيمن أراد تطبيق الحد على نفسه , بل هي ممتدةٌ تتناول من أراد تطبيق الحد على غيره فحصرها بالصورة الذي ذكرها الشيخ تخصيص بلا مخصص , ولأجل ذلك لا تقطع الأيدي في الغزو قال ابن القيم رحمه الله : ( المثال الثاني : أن النبي e : " نهى أن تقطع الأيدي في الغزو " رواه أبو داود , فهذا حد من حدود الله تعالى , وقد نهى عن إقامته في الغزو خشية أن يترتب عليه ما هو أبغض إلى الله من تعطيله أو تأخيره من لحوق صاحبه بالمشركين حميَّة وغضباً كما قاله عمر وأبو الدرداء وحذيفة وغيرهم , وقد نصَّ أحمد وإسحاق بن راهويه والأوزاعي وغيرهم من علماء الإسلام على أن الحدود لا تقام في أرض الغزو , وذكرها أبو قاسم الخرقي في (( مختصره )) فقال : لا يقام الحد على المسلم في أرض العدو , وقد أُتِيَ بُسر بن أرطأة برجل من الغزاة قد سرق مجنَّة , فقال : لولا أني سمعته e يقول : " لا تقطع الأيدي في الغزو " لقطعت يدك , رواه أبو داود .
وقال أبو محمد المقدسي : وهو إجماع الصحابة ) إلى آخر ما قال رحمه الله (أعلام الموقعين عن رب العالمين ج35 و 6 و 7 و 8 ) .
المهم أن المسألة الثانية وهي مسألة إقامة الحد ليست لازماً للقول الأول , فهي مسألةٌ مستقلة لا تلازم بينها وبين سابقتها , لها ضوابطها وشروطها وموانعها وقد حرص الشارع في كل ذلك على تكميل المصالح المعتبرة وإلغاء المفاسد المعتبرة أيضاً فلا يمكن لأحد نقض الأولى بالثانية ولا الثانية بالأولى فالكل دين الله ولا تعارض في دين الله .
فيظهر بذلك أن المسألة ها هنا تختلف عن سابقتها ؛ فإن المظاهر لغيره على نفسه بقتلها بحق مشارك للمباشرين , وهذا أمر محبوب لله يثيب فاعله عليه إن أخلص نيته لله وذلك لعظم المصالح المترتبة على فعل القاتل هذا , لكن لا يجوز له تنفيذ الحد على نفسه بيديه هكذا لفوات المصالح التي شرعت من أجلها الحدود بل ولحلول المفاسد التي جاءت الشريعة بإبطالها , وهذا كحال امرأة ثرية جميلة يخشى على الناس من جمالها جهزت جمعاً غفيراً من المجاهدين , ولها طفلة صغير تحتاج لها احتياج الصغير لأمه , ولها زوج شاب أعمى يحتاجها , فنقول لها : ( من جهز غازياً فقد غزا ) فهنيئاً لك مظاهرة المجاهدين ومناصرتهم , فإن قالت : أريد الخروج معكم بنفسي , رفضنا ذلك ومنعناها للمفاسد المترتبة على فعلها , فهذه مجاهدة لمناصرتها لكن لا يجوز لها الخروج بنفسها في الجهاد في سبيل الله سبحانه وتعالى .
فيظهر بكل ذلك أن التلازم الذي قال به الشيخ باطل , وأقصى ما تدل عليه أقواله حرمة قتل الرجل نفسه بيديه هكذا بهذه الصورة المجردة , ويندرج تحت القول بهذه الحرمة حرمة مظاهرة غيره على نفسه بغير حق أيضاً فإن ذلك معاونة على الإثم والعدوان , والغلام قاتل لنفسه بفعلته تلك ولا مناص للقائلين بغير هذا أبداً وقد سبق تقرير ذلك , ولكنه ضحى بنفسه في سبيل الله للمصلحة العظمى التي راعاها الشَّرع قال ابن عثيمين رحمه الله ذاكراً بعض الفوائد المستفادة من قصة الغلام علماً أنه من القائلين بعدم جواز العمليات التفجيرية : (رابعاً: أن الإنسان يجوز أن يغرر بنفسه في مصلحة عامة للمسلمين، فإن هذا الغلام دل الملك على أمر يقتله به ويهلك به نفسه، وهو أن يأخذ سهماً من كنانته ويضعه في كبد القوس ويقول : باسم الله رب الغلام.
قال شيخ الإسلام: (( لأن هذا جهاد في سبيل الله، آمنت أمة وهو لم يفتقد شيئا،لأنه مات وسيموت إن آجلاً أو عاجلاً)). ) أهـ شرح رياض الصالحين .
ولو لم نعتبر فعله ذلك قتلاً لنفسه فتحت أي أصل كنا سنلحقه لو كان قد دل الملك على الطريقة التي بها يقتله ولكن في فلاة أرض على خلوة بينه وبين الملك لا على جمهرة من الناس ?!.
ثم قال : (من خلال هذا الذي تقدم ندرك أن قصة الغلام مع الملك ودلالاتها في واد .. والعمليات الانتحارية المستدل عليها في وادٍ آخر .. وأكثر ما يُمكن أن يُقال في قصة الغلام مع الملك .. أنها متشابهة في دلالتها على جواز العمليات الانتحارية .. والمتشابه ـ كما ذكرنا في مقالنا محاذير .. ـ لا يقوى على مقابلة أو رد أو تخصيص أو تقييد المحكم؛ الذي يكمن هنا في حرمة الانتحار، وحرمة قتل المرء لنفسه بنفسه!) .
فنقول : قوله : (من خلال هذا الذي تقدم ندرك أن قصة الغلام مع الملك ودلالاتِها في واد .. والعمليات الانتحارية المستدل عليها في وادٍ آخر) ضعيف جداً فإنه بناه على مقدماته السابقة العارية عن الدليل ونلخصها بما يلي :
1 قال : قصة الغلام قصة استثنائية .
2 وأن الغلام كان يوحى إليه .
3 وأنه علم بنتيجتها القطعية .
4 وأن من مقاصد فعل الغلام إظهار التوحيد والدعوة إليه .
5 قال : لم يسبق للمستدلين بالجواز سلف .
6 ولم يقتل الغلام نفسه بنفسه بفعلته تلك بل قتله الملك .
7 ولو كان تسليم المرء نفسه لقاتله قتلاً منه لنفسه لجاز للذي وجب بحقه حد القتل أن ينفذه بنفسه على نفسه .
ونلخص نقض كل هذه الإعتراضات بما يلي :
1القول بأنها استثنائية باطل فإن عدم العلم ليس علماً بالعدم , والدليل الصحيح حجة بنفسه ولا يحتاج شاهداً من غيره .
2القول بأن الغلام يوحى إليه خرص لا يفيد علماً والقصة خبرية والخبر يتوقف على النقل لا على الظنون , و القول بالوحي لا يجعل من القصة خاصاً لا يمكن الإستدلال به .
3 القول بأن الغلام علم النتيجة القطعية خرص أكبر من سابقه , فلا يصح أن نقول علم رسول الله e نتيجة كل معركة دخلها قبل دخولها بلا دليل ! , والعباد مطالبون بالأوامر لا بالأقدار كما هو معلوم .
4 القول بأن الغلام قصد تقرير التوحيد في نفوس الناس صحيح , ولكن لا يمكن إثباته هنا بتألق ونفيه في العمليات التفجيرية الجهادية كسبتمبر ومدريد ولندن بل ونفي أن يكون المنفذون قد قصدوا ذلك أبداً بتنكر !! وكأن أبطالنا أرادوا نصرة الطاغوت !!! فإن قال أنا : أقول بذلك معمماً لا أعني أمراً معيَّناً قلنا هذا قول فاسد غير مبني على استقراء للواقع قبل الحكم , وللخاص حَيِّز يصرف العام عن عمومه , هذا إن قبلنا التعميم فنحن لا ندافع عن كل العمليات حتى يقابلنا الشيخ بالتعميم .
5 القول بأن المستدلين محدثون إذ لم يسبق لقولهم مثيل باطل فإن الحوادث الجزئية لا تتناها ولا تنحصر وأقوال السلف في الأحكام العملية تنحصر , ونحن لا نخرج عن أقوال السلف في مسائل حدثت بعصرهم , ولكن هل يعقل أن تأتيني فتوى لعمر t بجواز أو حرمة عمليات سبتمبر ! لا يمكن ذلك ولكن نقف على أقوالهم بأشبه المسائل بتلك ونسير على أصولهم ونلتزم بقواعدهم فيندرج بذلك الفرع تحت الأصل ويلحق المبهم بالمفسر والمتشابه بالمحكم .
6 القول بأن الغلام لم يقتل نفسه بل الملك من قتله ظاهريٌ إلى أبعد حد لا يسلم به الجمهور ولا يقول به العقلاء ولا يتفق مع النصوص أو فتاوى السلف .
7 دعوى التلازم بين كون المظاهر لغيره على نفسه قاتلاً لنفسه وبين جواز تطبيقه الحد على نفسه بنفسه إذا وجب بحقه الحد باطلة متهافتة , فالجزء الأول بأن المظاهر كالمباشر صحيح مطَّرِد ولكنَّ الثاني (بجواز إقامة القاتل الحد على نفسه بنفسه ) باطل لا يصح لا لعدم صحة الجزء الأول بل لأنه مندرج تحت أصول تطبيق الحد وتلك الأصول مطَّردة منضبطة لا يجوز لمن خالفها تطبيق الحد على غيره ولا على نفسه , وليس عدم الجواز محصوراً بتطبيق الشخص الحدَ على نفسه بيديه أو حتى بحد القتل فقط كما يوهم كلام الشيخ , بل هو مطرد يتناول جميع الجزئيات المختلفة المجتمعة تحت عنوان تطبيق الحكم الشرعي وإلزام الناس به فلا يجوز مثلاً للجار تعزير امرأة جاره للمفاسد المراعاة وللأصول التي تمنع ذلك .
أما قوله : (وأكثر ما يُمكن أن يُقال في قصة الغلام مع الملك .. أنها متشابهة في دلالتها على جواز العمليات الانتحارية .. والمتشابه ـ كما ذكرنا في مقالنا محاذير .. ـ لا يقوى على مقابلة أو رد أو تخصيص أو تقييد المحكم؛ الذي يكمن هنا في حرمة الانتحار، وحرمة قتل المرء لنفسه بنفسه!) .
فنقول : سنحذف التطويل من كلام الشيخ حفظه الله ليفهم المعنى الذي يدل عليه وهو ما نبهنا إليه سابقاً وقابل أيها المنصف بين هذا المختصر وبين كلامه ستجد المضمون متطابقاً قال : (وأكثر ما يُمكن أن يُقال في قصة الغلام مع الملك .. أنها متشابهة في دلالتها على جواز الانتحار، وحرمة قتل المرء لنفسه بنفسه!) فنقول : إن هذا الكلام مسلَّم عندنا التسليم القطعي بل نحن نقول إن الصورة المجردة التي يذكرها الشيخ لا توجد أبداً في حال الغلام , ولا يمكن الإستدلال على جوازها إلا إذا وجدنا قصة لغلامٍ فَعَلَ نَفْسَ الشيء ولكن دون حشد الناس وتجميعهم !.
أما في حال قصتنا فلا تدل بأدنى دليل , ولا تشتبه بأدنى شبهة على جواز قتل المرء نفسه بنفسه هكذا مطلقاً والأصل الذي ذكره الشيخ مسلَّم عندنا ولكن أين هذا من فعل الغلام ?! ولو قلنا بقول الشيخ أصبح وجودُ هذه القصةِ بكل دلالاتها وعدمُها سواء ! ولكن الأمر ليس كما قال الشيخ فالقصة موجودة والغلام قتل نفسه ولكنه لم يقتلها في فلاة , ولم يقتلها أمام رجل أو اثنين بل قتلها أما جمع عظيم من الناس وكانت مظنةُ إسلامهم بفعله ذلك كبيرة وكانت المصلحة المنشودة مراعاةً في نظر الشَّرع ففعل ذلك الغلام مختاراً جزاه الله خيراً وأجزل له عظيم الثواب , وهكذا تجتمع النصوص ولا يلغى بعضها أو على الأقل يتم تجاهل دلالات ألفاظه وقصة الغلام واضحة بيّنة فيما ذكرناه .
أما القول بالمتشابه فنقول : ذكر الله المتشابه بقوله ( هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذّكَّر إلا أولو الألباب ) , وفي هذه الآية قراءتان الأولى الوقف عند قوله (وما يعلم تأويله إلا الله ) والثانية أن يكمل ملحقاً الراسخين في العلم بعلم تأويل المتشابه (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون العلم ) والمعنيان يصحان في موضعهما وقد دلت على صحة المعنيين نصوص أخرى :
· أما المعنى الأول : فإن المتشابه هاهنا لا يعلمه إلا الله لا راسخ في العلم ولا غيره بل هو علم مختص بالله , مثال ذلك كيفية العرش , وكيفيَّة صفات الله وهذا المتشابه قليل في كتاب الله لأن الله ذكره بعد ذكر المحكم وبعد وصفه الآيات المحكمات بأنها أم الكتاب أي أكثره والغالب عليه , ولا يوجد شيء من هذا المتشابهِ في الأحكام العملية فإن الله لا يكلف الناس إلا بما يقدرون , وهم لا يقدرون على فهم المتشابه حتى يخرجوه من التصور إلى الواقع الخارجي .
· أما المعنى الثاني : فهو المتشابه الذهني لا الحقيقي , وهو تشابه يقع في ذهن المفتي فلا يعلم به المراد من الآية أو الحديث فيجتهد ليعلم , , وبعد اجتهاده فإما مصيب وإما مخطئ ولا يحرم أجر اجتهاده , وبهذا يتفاوت الناس في فهم الآية أو الحديث وفي سرعة نسف التشابه الذهني , لأمور يطول ذكرها , وهذا التشابه يقع للمفتين ولذلك يختلفون فبين التشابه الأول والثاني فرق . فلا يعني عدم علم المفتي بمعنى النصوص أنها متشابهة التشابه الأول فإنه لا يوجد شيء من الأول في الأحكام العملية أبداً .
فنجيب على قول الشيخ (.. أنها متشابهة في دلالتها على جواز العمليات الانتحارية ، وحرمة قتل المرء لنفسه بنفسه!) بأن هذا التشابه الذي ذكر – وهو من النوع الثاني من المتشابه – لم نقع فيه في هذه القصة للحكم الذي ذكر ولله الحمد والفضل والمنة ؛ فلم نقل : يجوز للمرء أن يذهب إلى فلاة أرض مخلصاً نيته لله تعالى ليفجر نفسه فيها مستدلين بهذه القصة حتى يعترض علينا الشيخ بهذا الإعتراض , بل هذه كبيرة محرمة لا نجيزها ولا نرضى بها وليس هذا الأصل موضع نزاع بيننا , ونحن نقول بما تدل عليه القصة المحكمة بألفاظها ومعانيها لا بظنوننا وأهواءنا وإنما اشتبهت القصة على الشيخِ مثل كون الغلام لم يغرز السهم بيديه في صدره , وهذا منتقض بقول معترض عليه يقول : أجز العمليات التفجيرية بحذف شرط وزيادة آخر :
· حذف جواز تفجير المجاهد نفسه بوصله تيار الصاعق الكهربائي بواسطة يديه.
· وجوب استخدام آلية التفجير عن بعد بأن يصل المجاهد الهدف ثم يعطي الآخرين إشارة معينة فيضغط أحدهم وهو على الجبل الأخر على جهاز الإرسال ليتفجر المجاهد .
ونقول : أليس هذا عبث لم تأت به الشريعة ? أليس هذا القول كقول من قال بحرمة البول في الماء الراكد فإن بال في إناء ثم أفرغه في الماء جاز !?
ثم نقول للشيخ : أنت تقول : (والمتشابه لا يقوى على مقابلة أو رد أو تخصيص أو تقييد المحكم) ثم أنت تأول قصة الغلام وهي قصة صحيحة محكمة رواها مسلم بتأويلات غير مسلمة أبداً , ولو استقرأنا تلك التأويلات ثم خرَّجنا على قانونها تأويلات أخرى فاعترض بها عليك أحدهم لما سلمت له أبداً ولكررت عليه جملتك السابقة الصحيحة المسلَّمة ولاعترضت عليه بما اعترضنا عليك بل أكثر فإن لك يداً في العلم لم نبلغها , وسأذكر قريباً شيئاً من تلك التأويلات إن شاء الله .
وبهذا تنتهي اعتراضات الشيخ على قصة الغلام وبهذا أيضاً ينتهي نقضنا لاعتراضاته ليسلم الدليل بعد ذلك من المعارض وسنذكر في آخر الرسالة وجه استدلالنا بهذه القصة , وننتقل الآن إلى اعتراضاته على الدليل التالي :
قال : ( الدليل الثالث: قاسوا قتل المرء لنفسه بنفسه لغرض الجهاد ومصالحه .. على جواز قتل الترس المسلم لغرض الجهاد ومصالحه؛ فقالوا قد نص العلماء على جواز قتل الترس ـ المتترَّس به ـ من ذوي الأنفس المعصومة من المسلمين .. من أجل رد عدوان العدو .. وإذا جاز قتل الترس لغرض الجهاد ومصالحه .. جاز للمرء المسلم أن يقتل نفسه بنفسه ـ كما في العمليات المسماة بالاستشهادية ـ لغرض الجهاد ومصالحه؛ لتساويهما في الحرمة والقيمة!
الرد: أقول: هذا قياس فاسد .. لعدم تطابق المقيس على المقيس عليه .. لا يصلح للاستدلال على جواز العمليات الانتحارية، وذلك من أوجه:
منها: أن قتل الترس يخضع لشروط وقيود لا تتوفر في العمليات الانتحارية، قال القرطبي في التفسير 8/563: قد يجوز قتل الترس، ولا يكون فيه اختلاف إن شاء الله؛ وذلك إذا كانت المصلحة ضرورية كلية قطعية؛ فمعنى كونها ضرورية: أنها لا يحصل الوصول إلى الكفار إلا بقتل الترس، ومعنى أنها كلية: أنها قاطعة لكل الأمة؛ حتى يحصل من قتل الترس مصلحة كل المسلمين، فإن لم يفعل قتل الكفار الترس واستولوا على كل الأمة، ومعنى كونها قطعية: أن تلك المصلحة حاصلة من قتل الترس قطعاً .."، يُضاف إلى ذلك كله شرط استحالة رد عدوان العدو من غير جهة الترس .. بهذه القيود والشروط يجوز العمل بفقه مسألة الترس .. والعمليات الانتحارية أو المسماة بالاستشهادية ـ كما هو مشاهد ـ لا تلتزم ولا تراعي شيئاً من تلك القيود والشروط .. وبالتالي لا يجوز قياسها على مسألة الترس!)
قلت : العبد الفقير أيضاً لا يرى قوة قياس العمليات التفجيرية على مسألة التترس لاختلاف بينهما معتبر , كما أن مسألة التترس فرع غير منصوص عليه ألحق بأصلٍ منصوص عليه , وكيف يكون القياس من فرع على فرع ! , وسأبين ما يظهر لي من فروق بين مسألة التترس وبين ما نحن فيه , مبيناً صحة بعض اعتراضات الشيخ - حفظه الله - عليها وخطأ بعض تلك الإعتراضات ؛ ليظهر بعد ذلك صحة ضعف هذا القياس وليس بتضعيفه تضعيف لباقي الأدلة القوية .
أما اعتراضه الأول فغير مقبول فقوله بعدما نقل كلام القرطبي رحمه الله : ( والعمليات الانتحارية أو المسماة بالاستشهادية ـ كما هو مشاهد ـ لا تلتزم ولا تراعي شيئاً من تلك القيود والشروط .. وبالتالي لا يجوز قياسها على مسألة الترس!) ضعيف جداً فإن فيه تعميمَ ما ليس بعام , وخلطاً للوقع كله ببعض بغير مراعاةٍ لخاصٍّ أبداً , وكون الواقع خطأ لا يجعلنا نصدع بأخطاءه ونغفل عن الصحيح الواجب , فكون بعض العمليات أو قل أكثر العمليات عدداً لا تلتزم بالضوابط لا يجعلنا نعمم الحكم خاصة إذا كانت العمليات الأنكى والأعلى نوعية ملتزمة بالضوابط , وإن قدر عدم التزام الكل , قلنا هذا عدم التزام وعليكم أن تلتزموا , لا أن نسد الباب ولا نفتح باباً غيره .
ثم قال : ( ومنها: أن الترس يُقتل على يد غيره، وكونه مقتول على يد غيره ولا بد لا يعني أنه يجوز له أن يُباشر قتل نفسه بنفسه، ليفوت على العدو استغلاله كورقة ضغط على المسلمين .. بينما في العمليات الانتحارية المرء يقتل نفسه بنفسه!) فنقول : هذا قول قوي جداً واعتراض صحيح يبين ضعف هذا القياس , ولكن صحة هذا الإعتراض هنا لا تعني صحته في الدليل السابق لفروق كثيرة بين الدليلين :
· أولاً : أن الأسرى المسلمين الذين اتخذهم الكفار ترساً لا يجوز لهم البقاء بين أيدي الأعداء إذا استطاعوا الفرار بينما الغلام جاز له البقاء بل وتمكين الملك من نفسه .
· ثانياً : جواز قتل الأسرى متعلق بالمرابطين على الثغور لا بالأسرى بينما جواز مظاهرة غير النفس عليها متعلق بالغلام لا بغيره .
· ثالثاً : لا يجوز للأسرى التعرض لسهام المجاهدين فإنما هي للكفار , ومن فعل استحق وعيدين :
1 - أنه قتل نفسه بغير حق .
2 – أنه جعل نفسه فداءً للمشركين .
فلا يجوز للأسير المسلم قتل نفسه بتعرضه لسهام المسلمين ولا يجوز للمسلمين قصد رميه أبداً , وإن قُتِل قتل خطأً وتبعاً لا عمداً وقصداً , ولذلك مثلاً لو كان عندنا عدد كبير من القناصين في ثغر لا نسمي رميهم الكفار تترساً لإمكان تفادي المسلمين , فالحاصل أنه لا يجوز للأسير التعرض للسهام بينما جاز للغلام التعرضُ للسهم المنطلق نحوه وإعانة غير نفسه على نفسه .
· رابعاً : أن مظنة قتل الكفار دون قتل الأسرى المسلمين أو على الأقل قتل بعضهم قائمة معتبرة فخصصت ما أباحته الضرورة وهذا أمر راعته الشَّريعة ولم تهمله , فإسلام الناس دون قتال أو جزية أحب إلينا من إسلامهم بعد قتال أو جزية , وإسلامهم بعد جزية أحب إلينا من إسلامهم بعد قتال , وقتالهم أحب إلينا من تركهم دون إسلام أو جزية , ولذلك لو آمن الناس في زمن الملك بدعوة الغلام من بادئ الأمر لم نكن في حاجة لتلك التضحية الجسيمة من الغلام .
· خامساً : أن الأسرى لا يعتبرون قاتلين لنفوسهم إذا أصيبوا بسهام المسلمين فإنهم لم يباشروا ولم يظاهروا , ومن كانت هذه حاله لا يجوز أن يساوى بمن باشر أو ظاهر .
بهذه الفروقِ يتضح أن مسألة التترس مسألة ثانية مستقلة ليست مما نحن فيه , وأن المعترضَ على الإستدلال بمسألة التترس على جواز العمليات التفجيرية يحمل قولاً قوياً لا ينكره عاقل , ولكنَّ هذا القول يضعف إلى التلاشي والتهافت إذا ما اعترض به المعترض على قصة الغلام رحمه الله .
ثم قال : ( ومنها: أن الأمة الإسلامية رغم حاجتها الشديدة إلى الاستفادة من كل جزئية من جزئيات فقه الجهاد .. لأنها أمة جهاد وقتال .. إلا أن سلفنا الصالح لم يهتدوا لهذا الفقه .. وهذا القياس الشاذ على مسألة الترس .. وهذا لا يعني قصورهم عن الفهم والاجتهاد في فهم دلالات النصوص .. لا؛ حاشاهم ذلك .. وإنما يعني شذوذ وضعف هذا الفهم الذي انفرد به بعض المتأخرين المعاصرين. )
فنقول : هذا أيضاً اعتراض ضعيف فمسائل الإجتهاد حادثة متجددة متغيرة من شكل إلى آخر , وقد لا يظفر المرء فيها بنص عن السلف خذ مثلاً : قضية التخصيب الإصطناعي وهي مسألة محدثة واضحة بعض الشيء ولكن من الناس من لا يجد فيها قولاً للسلف فيجتهد وفق أصولهم ويفهم النصوص على قواعدهم فيخرج بنتيجة صائبة , وآخر نجده يظفر بمسألة (التحمل ) التي تكلم عنها السلف , وهي أشبه ما يكون بقضيتنا هذه فيفتي بما يوافق السابق ولكن له بقوله سلف ويكون صائباً أيضاً , ولكن هناك مسائل فعلاً لا يوجد للسلف فيها قول فعمل المفتي وقتئذ عمل من أفتى بالتخصيب وفق أصول السلف وقواعدهم لا نصوصهم فهو لم يظفر لهم بقول في مسألته التي يعنيها , وليس كل قول في الأمور المستجدة محدث بمعنى مبتدع شاذ , بل هو محدث بمعنى جديد ولكن التعويل فيه على الضوابط والقواعد التي انتهجها المفتي في حكمه هذا , ولذلك يشدد العلماء في تعريفهم البدعة بأنها أمر لم يكن على عهد السلف وكانت الدواعي والأسباب له موجودة كالدعاء عند قبرٍ معينٍ مثلاً .
ثم قال : ( ومنها: أن قولهم " لتساويهما في الحرمة والقيمة "؛ أي الذي يُقتل على يد غيره من الترس، والذي يقتل نفسه بنفسه لغرض ومصلحة الجهاد .. ليس صحيحاً على إطلاقه؛ فهما إن تساويا من حيث الحرمة كأنفس معصومة، إلا أنهما يفترقا من حيث المرتبة والدرجة والقيمة ووجوه أخرى؛ فليس المجاهد الحر الذي يصول في ساحات الجهاد والقتال، كالقاعدين، أو كالقاعدين المتخلفين، أو كالقاعدين من عوام الناس ممن قد يكونون ترساً للعدو .. لا يستويان مثلاً، كما قال تعالى:) لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً (النساء:95. هذا بالنسبة للقاعدين المعذورين فما بالك بالقاعدين غير المعذورين .. فالمجاهد بألف منهم! وقال تعالى:) لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (الحديد:10. وهذا التفاوت في المرتبة والدرجة والقيمة بين من أنفق وقاتل قبل الفتح وبين من أنفق وقاتل بعد الفتح .. فكيف بمن لم ينفق ولم يُقاتل في سبيل الله مطلقاً ورضي أن يكون مع الخوالف .. فالمفاضلة حينئذٍ شاسعة وواسعة!
كما أن السنة قد دلت أن حرمة المجاهد الذي يخرج للجهاد في سبيل الله .. وحرمة عِرضه أشد وأغلظ حرمة من حرمة القاعدين .. والمتخلفين .. وحرمة أعراضهم .. ومنه نعلم أنه لا يُسلَّم بقول المخالفين بأنهما يستويان قيمة وحرمة ومرتبة من كل الوجوه .. وبالتالي كما يجوز قتل هذا لمصلحة الجهاد .. يجوز للآخر أن يَقتل نفسه بنفسه لمصلحة الجهاد .. ويُقاس هذا على ذاك .. كما فعلوا!! )
فنقول هذا الإعتراضُ قد يجاب عليه بأن المفاضلة هاهنا معنوية لو اعتبرناها لم نستطع تقدير أحكام ثابتةٍ مطردةٍ كالحدود ليجتمع تحت قانونها الشريف والوضيع , القرشي والأعجمي , العالم والجاهل , الكبير والصغير , السابق بالإسلام و اللاحق وقد قال النبي e : " لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها "وهذا الإعتراض فيه من القوة ما ترى .
ونعيد هاهنا مضمون كلام سبق : بأن (لو استقرأنا تلك التأويلات التي يتأولها الشيخ حفظه الله ثم خرَّجنا على قانونها تأويلاتٍ أخرى فاعترض بها عليه أحدهم لما سلَّم له أبداً) فهذا يصدق هنا فالشيخ حفظه الله يقول : كيف تجيزون العمليات التفجيرية بناءً على قياس مجاهد على قاعد وحرمة المجاهد أعظم من القاعد !? وفي قصة الغلام يعترض فيقول غفر الله له : (ومنها: أن القاتل الذي يجب أن يُقتل حداً , لو سلَّم نفسه للقضاء الشرعي ليقيموا عليه حد القتل , لا يُقال له قد قتل نفسه بنفسه , ومثله مثل من يقتل نفسه بنفسه , وبالتالي يجوز له أن يقتل نفسه بنفسه ، ويُقيم حد القتل على نفسه بنفسه , وكذلك يُقال في قصة الغلام ) فنقول : أترفض يا شيخ قياس المجاهد على القاعد ولا يلزم من قعوده الإثم ( ولا أتكلم عن قاعدي زماننا هنا فتنبه ) وتقيس أنت الجهبذ البطل وتضحيته العظيمة على قاتلٍ فاسق وفعلة خسيسة ?!

أوردها سَعدٌ وسَعدٌ مشتمل



ما هكذا يا سعد تورد الإبل


ثم قال : ( لذلك عندما قلنا أن هذا الدليل متشابه لا ينهض .. ولا يصلح للاستدلال على المسألة .. فما ظلمنا المخالفين .. وكنا نعني ما نقول!) فنقول : هذا نوافقه عليك ولسنا أيضاً ممن يسلَّم بهذا القياس ويعتبره دليلاً.
فيظهر مما سبق ضعف هذا القياس على جواز العمليات التفجيرية , لوجود الفروق الكثيرة المعتبرة وقد ذكرنا خمسةً واحدٌ منها يكفي لإثبات الفرق . وإلى الدليل التالي واعتراضات الشيخ :
قال : ( الدليل الرابع: قد أكثروا في ردودهم من ذكر الأدلة الدالة على جواز الانغماس والاقتحام في صفوف العدو لمصلحة راجحة من مصالح الجهاد .. ثم قاسوا الذي يقتل نفسه بنفسه في العمليات الانتحارية .. على تلك الأدلة والحالات التي تُجيز الانغماس في صفوف العدو لمصلحة راجحة من مصالح الجهاد!
الرد: أقول الأدلة الدالة على جواز الانغماس في صفوف العدو لمصلحة راجحة من مصالح الجهاد حق، والعمل بمقتضاها حق .. ولكن الانغماس شيء، وكون المرء يقتل نفسه بنفسه كما في العمليات الانتحارية شيء آخر؛ لا يجوز قياس أحدهما على الآخر، وذلك من وجوه:
منها: أن المنغمس يُقتَل على يد عدوه، بينما صاحب العمليات الانتحارية يَقتل نفسه بنفسه .. فلا يستويان مثلاً!)
فنقول : هذا الإعتراض يصح في مسألة التترس أما هنا وفي قصة الغلام رحمه الله فمتهافت مردود , وكل الردود التي ذكرناها في نقض هذا الإعتراض في قصة الغلام تصح هنا , وكذلك الفروق بين قصة الغلام والتترس تصح هنا بإنزال المنغمس مكان الغلام لاجتماعهما بالجوامع المشتركة المعتبرة , وأما كون المظاهر مباشر فقد سبق تقرير ذلك ولله الحمد .
ثم قال : (ومنها: أن قتل المنغمس في صفوف العدو ظنيٌ غير متيقن؛ إذ كثير ممن ينغمسون في صفوف العدو، فيفرقون جمعهم .. وينجحون في مهمتهم .. ثم لا يُقتَلون .. وما أكثر الشواهد من التاريخ الإسلامي الجهادي الدالة على ذلك .. بينما الذي يفجر نفسه في عملية انتحارية قتله لنفسه بنفسه متحقق ويقيني .. فلا يستويان مثلاً!)
فنقول : القول بأنَّ انغماس الرجل في العدو يحقق الظن الغالب باحتمال قتله صحيح مسلم , والقول بأن الكثير من المنغمسين ينجحون في مهماتهم وينجون صحيح ولكن الأكثر يقتلون وهذه هي الحقيقة , وكون التاريخ سجَّل الكثير من أسماء من انغمسوا ونجوا لا يعني أن المؤرخين لم يعرفوا أسماء من قتل في حوادث الإنغماس , ولكن لغرابة حوادث النجاة ولندرة وقوعها سُجِّلَ أصحابُها علماً أن المسألة نسبية .
أما القول بأن العمليات التفجيرية تحقق القتل يقيناً فليس هذا بصحيح بل هي أمر ظني كذلك , ولكن الظن فيه غالب بدليل وجود آلاف الأسرى الفلسطينيين المعتقلين بتهمة محاولات تنفيذ عمليات تفجيرية أو انتحارية على حد تعبير الشيخ , علماً أن العمليات التي نفذت لا تتجاوز العشرات , فهذا اعتقل قبل أن يضغط على زر التفجير , وذاك اعتقل بعد أن ضغط ولم ينفجر حزامه وقد لفت تكبيره المتواجدين حوله , بل هناك أشخاص فجروا أنفسهم - وهذه حقيقة ليست خيالاً - فقتلوا وأصابوا ونجوا واعتقلوا وهم الآن يقضون السجن المؤبد ! نسأل الله أن يفك أسرى المسلمين . فالأمر هنا ظني للسجن فيه حيز احتمال , ولعطب العبوة فيه حيز احتمال , ولكشف هويته وإلغاء عمليته فيه حيز احتمال, وهذه نفوس لا تموت إلا بانتهاء الآجال ( ولكل نفس كتاب ) , فالقول بأن الموت في العمل التفجيري يقيني باطل لا يصح إنما هو ظن ولكنه ظن غالب , ومن العمليات مالا يستخدم فيه التفجير كعملية الحادي عشر من سبتمبر , واحتمالات فشلها كانت كبيرة جداً لا يمكن إنكار ذلك هكذا والقول بأنها كانت عملية يقينية !
ثم إن العمل الإستشهادي المتمثل بالكلاشنكوف وعدد من القنابل يجعل الظن أغلب في القتل قبل وصول الهدف مثل عمليات مهاجمة المعابر والتحصينات وأبراج المراقبة والتي يقتل مهاجموها بالطريقة السابقة ولم يحققوا نتائج تذكر أبداً وهذا ثابت بالإستقراء حتى إن بعض الشباب أصبح يهاب النزول بعمليات مشابهة لتلك ويفضل العمل التفجيري ويقول : أنا ميت لا محالة بالأولى ونسبة وصولي إلى الهدف ضعيفة إن لم تكن مستحيلة , ولو اعتبرنا الظن الغالب و المصالح والمفاسد لقلنا كم تلك المفاسدَ والظنون الغالبة في عملية (أرجون) في الشيشان التي هدمت مقراً كاملاً للروس على رؤوس ساكنيه في اجتماع لهم حوى أكثر من خمسمائة جندي روسي مختلفي الرتب ! باستشهادي واحد ! لو كان الهجوم كبيراً متمثلاً بأعداد ضخمة تنكشف تحركاتها ويفطن لوجودها تقابل البنايات بالرصاصات والصواريخ وتعطي الوقت للطائرات بالوصول وللقيادات بالإنسحاب , وغير ذلك الكثير .
ولو اعتبرنا الظن والمفاسد والمصالح في مهاجمة السادات في مصر ببعض الأسلحة الخفيفة والتي تعطل أحدها ! باستشهادي واحد بكمية كبيرة تزيل فرعون وحاشيته ولا تبقي منهم مخبراً أو ولي عهد ! .

ولو اعتبرنا الظن الغالب في الحادي عشر من سبتمبر لو هاجم المنفذون المطار بأسلحة خفيفة فهم طبعاً لن يستخدموا الدبابات ! ولقد جرب تفجير مبنى التجارة من قبل بشاحنة مفخخة في التسعينات فلم تؤتي تلك العملية أكلها لكان الترجيح باستخدام الظن الثاني أقرب عند جميع العقلاء . وقد صدق والله المتنبي بقوله :

إذا غامرت في شرف مرومِ
فطعم الموت في أمر حقيرٍ




  اقتباس المشاركة
قديم 07-12-2011, 02:11 PM   #78
اسد 22
.|| عآشق الـجِنآن ||.
 
الصورة الرمزية اسد 22

قوة السمعة: 139 اسد 22 has a spectacular aura aboutاسد 22 has a spectacular aura aboutاسد 22 has a spectacular aura about

افتراضي رد: أحلال لهم .. حرام علينا ؟؟!!

فلا تقنع بما دون النجومِ
كطعم الموت في أمر عظيمِ


المهم أن العمليات التفجيرية وكذلك الإنغماس كلها لا تفيد إلا الظن , والفرق بين السياسة والتاريخ أن السياسة ظن غالب بالمصالح والمفاسد والتاريخ معلومات حصل كذا فحصل كذا , والقائد المحنك هو الذي يستعين بالقرائن والدلالات ليرجح اختياراته لا الذي ينتظر معلومات يقينية !. ونحن لا نعلم الغيب أبداً وما نحن إلا مطالبون بالأوامر لا بالأقدار .
فيسقط التفريق بين الإنغماس والتفجير بالظن واليقين , فكلا الأمرين ظن وقد يزيد الظن في بعض عمليات الإنغماس على الظن في بعض العمليات المسماة بالإنتحارية كسبتمبر .

ثم قال : ( ومنها: أن هذا القياس فقه محدث .. لم يسبقنا إليه سلف معتبر .. ولا يُقال هنا أن سلفنا لم يكن لديهم متفجرات ليقيسوا هذا على ذاك .. فوسائل قتل النفس بالنفس هي أكثر من أن تُحصر .. وهي متوفرة في كل عصر ومصر .. ولو جاز للمرء أن يقتل نفسه بنفسه لغرض من أغراض الجهاد لوجد لسلفنا الصالح قول حول ذلك ولا بد .. وبخاصة أنهم لم يدعوا شاردة ولا ورادة مهما دقت وخفيت مما يتعلق بفقه الجهاد إلا وقد خاضوا فيها وبينوها! )
قلنا : الرد على هذا سبق ذكره , وأما قوله بأن السلف لم يكن بين أيديهم متفجرات والإعتراض على هذا بقوله : ( فوسائل قتل النفس بالنفس هي أكثر من أن تُحصر .. وهي متوفرة في كل عصر ومصر .. ولو جاز للمرء أن يقتل نفسه بنفسه لغرض من أغراض الجهاد لوجد لسلفنا الصالح قول حول ذلك ولا بد .. وبخاصة أنهم لم يدعوا شاردة ولا ورادة مهما دقت وخفيت مما يتعلق بفقه الجهاد إلا وقد خاضوا فيها وبينوها! ) . فنقول في هذا حجة على الشيخ حفظه الله وخطأ :
· أم الخطأ : فاعتقاده هدانا وإياه الله لما اختلف فيه من الحق بإذنه أن مظاهرة المنغمس غير نفسه عليها ليس قتلاً منه لنفسه , وإلقاء نفسه بصدره حاسراً على سهام ونصول وأسنة الأعداء ليس قتلاً منه لنفسه , ومواجهته جيشاً عظيماً على مد البصر معه العتاد والتحصين الكامل , أقلهم يحمل سيفاً صقيلاً قاطعاً مواجهة كل ذلك بعدة هزيلة قليلة وصدر عارٍ وأقدام مكشوفة تلسعها حرارة الرمال ! بل والحمل عليهم والقتال في وسطهم ! بل ودعاءه اللهَ أن لا يخرجه من بينهم حياً بعد أن يقتل عدداً منهم , ومن المنغمسين من يدعو أن يمثلوه بجثته بعد قتله ! بل ووداعه أصحابه قبل انغماسه , وكتابته وصيته قبل حمله كل هذا وكذلك قصة الغلام مختلف عن العمليات التفجيرية لأن الشخص في العمليات هو من يضغط زر التفجير !
· أما الحجة على الشيخ فبقوله : (ولو جاز للمرء أن يقتل نفسه بنفسه لغرض من أغراض الجهاد لوجد لسلفنا الصالح قول حول ذلك ولا بد .) فنقول إفتاءهم بجواز الحمل على الأعداء إفتاء منهم بجواز التغرير بالنفس في مواضع لا ينجو منها إلا القليل النادر لمصلحة الجهاد علما أنهم يعتبرون التغرير بالنفس في غير هذا الموضع قتلاً للنفس بإقرار من النبي e منه لهم بذلك فعن عمرو بن العاص قال : ( احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل فأشفقت إن غسلت أن أهلك فتيممت ثم صليت بأصحابي الصبح فذكروا ذلك للنبي e فقال : يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب ! فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال وقلت إني سمعت الله يقول : (ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً) فضحك رسول الله e ولم يقل شيئاً رواه البخاري وأحمد و أبو داود وقد سبق ذكره .
وتأمل بين هذا الظن بقوله t (فأشفقت أن أهلك ) للوضوء بالماء البارد ! وبين الظن القوي جداً في مسألة الإنغماس وهذا أمر قد يختلط في أذهان البعض , كيف لا وقد اختلط على البعض في العصور الأولى المفضلة :
فقد روى الترمذي عن أسلم أبي عمران التجيبي قال : كنا بمدينة الروم فأخرجوا إلينا صفاً عظيماً من الروم فخرج إليهم من المسلمين مثلهم أو أكثر وعلى أهل مصر عقبة بن عامر وعلى الجماعة فضالة بن عبيد فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم فصاح الناس وقالوا سبحان الله يلقي بيديه إلى التهلكة فقام أبو أيوب الأنصاري t فقال : يا أيها الناس : إنكم لتأوَّلون هذا التأويل - إلى أن قال – التهلكة الإقامة على الأموال وإصلاحها , وترك الغزو ! )
وقد أورد البيهقي الحادثة وبوب لها : " باب جواز انفراد الرجل والرجال بالغزو في بلا العدو , استدلالا بجواز التقدم على الجماعة , وإن كان الأغلب أنها ستقتله ".
أما قوله : ( ومنه نعلم أن أدلة الانغماس لا تقوى ولا تصلح كدليل على جواز قتل المرء لنفسه بنفسه لغرض من أغراض الجهاد .. وهي متشابهة في دلالتها على المسألة، والله تعالى أعلم. ) فنقول : هذا مبني على مقدمات سبق نقضها , وأما التشابه هاهنا فهو ذهني قام في ذهن الشيخ بعدم قياس العمل الإستشهادي على مسألة الإنغماس وهذا التشابه ليس قائماً في أذهاننا في هذه المسألة فهي من أشبه ما يكون بالعمل الإستشهادي هي وقصة الغلام وننتقل إلى بيان ذلك :



أظهر الأدلة فيما أرى على جواز العمليات الإستشهادية
الدليل الأول : قصة الغلام وهي قصة صحيحة دلالاتها واضحة على ما نقول ليست محتملةً فيه أبداًُ , والإحتمال المراعى هو الذي يعدد معاني النص بحيث لا يمكن الجمعُ بين تلك المعاني , ولا يأتي دليل خارجي يرجح طرفاً على طرف , فحينئذٍ لا نميل مع قول دون مؤثر , ولكن قصتنا هذه ظاهرة جداً , ولم تستقل بدلالاتها من بين النصوص , بل هي متوافقة منسجمة مع غيرها , والمصالح فيها هي تلك التي تريدها الشريعة وتسعى لإيجادها وأوجه الدلالة :
· أن الغلام كان قادراً على الفرار ولم يفر ولم يجب بحقه الفرار .
· أن الغلام ظاهر غيره على قتل نفسه والمظاهر والمباشر سواء .
· أن الغلام لم يفعل فعلته تلك أمام رجل أو اثنين بل أراد تحقيق أكبر مصلحة للدين بأقل مفاسد ممكنة .
· أن المصلحة كانت حقيقية أي قد اعتبرها صاحب الشَّرع مصلحة .
· أن مظنة تحقيق تلك المصلحة التي رامها كانت كبيرة ولذلك لم يهملها بل راعاها وهذا هو الواجب .

وبناءً عليه نقول :
· يجوز فعله بشرعنا سيَّما وأن مسألة الإنغماس شاهد من شرعنا على جواز ذلك في الجهاد في سبيل الله , كذلك إخباره e بأن سيد الشهداء حمزة ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله شاهد على جواز ذلك في الدعوة إلى الله .
· أن فعله شبيه إلى أبعد حد بالعمليات الإستشهادية فقد ظاهر على نفسه أكبر مظاهرة مستميتاً إلى أبعد حد , فمكنهم من صلبه وأعطاهم السهم الذي به سيقتلونه , وأعطاهم طريقة قتله فقال للملك :

( إنك لست قاتلي حتى تفعل ما آمرك به! قال: وما هو؟ قال تجمع الناس في صعيد واحد، كل أهل البلد تجمعهم في مكان واحد، ثم تصلبني على جذع ، ثم تأخذ سهماً من كنانتي فتضعه في كبد القوس، ثم ترميني به وتقول: بسم الله رب الغلام، فإنك إن فعلت ذلك قتلتني! ).
أوليس فعله هذا كمن يسجل (الكلمة السريّة) لينشط العبوة المتفجرة فيحصل بذلك الإنفجار بعد خمس دقائق بالعد التنازلي ?!فالتفتوا رحمكم الله إلى الظواهر والمقاصد , التفتوا إلى الصيغ والمعاني , فليست النصوص مقاصدَ مجردةً كما أنها ليس ظواهرَ وعباراتٍ مجردةً .

والناسُ أكثرُهم فأهلُ ظواهرٍ



  اقتباس المشاركة
قديم 07-12-2011, 02:18 PM   #79
اسد 22
.|| عآشق الـجِنآن ||.
 
الصورة الرمزية اسد 22

قوة السمعة: 139 اسد 22 has a spectacular aura aboutاسد 22 has a spectacular aura aboutاسد 22 has a spectacular aura about

افتراضي رد: أحلال لهم .. حرام علينا ؟؟!!

تبدوا لهم ليسوا بأهلِ مَعانِ


· يجب التفطن في هذا الإستدلال إلى أمرين :
1- أن الغلام فعل فعلته تلك بعد أن جد واجتهد بالدعوة إلى الله , ليسلم الناس والملك , فلما توقفت المصلحة الكبرى على فعلته تلك فعل ثابتاً رحمه الله .
2-أنه لم يطلب أن يحضر المكان رجل أو اثنين بل علم أن نفس الداعية أجل وأعظم من أن تزهق لمصلحة ضعيفة مثل هذه بل طالب بحشد المملكة كلها , وما أشبه فتياننا التسعة عشر به من هذا الوجه .
· أن مظنة تحقيق المصلحة التي رامها كبيرة جداً , ليس موهومة أو مستحيلة , وتقدير قوة المظنة وضعفها تابع لقوة الإيمان والبصيرة , وعلو الهمة ونبوغ الفكر , خذ مثلاً ما قام به أبطال سبتمبر وما قدَّرَه مخططو تلك العمليات وألحِقْه بما ذكرنا , علماً أن ضعاف النفوس لم يحلموا يوماً ولم يتوقعوا حصول عشر معشار ما حصل فتقبل الله من جميع أبطالنا .
الدليل الثاني : مسألة الإنغماس وهي مسألة تحقق الظن الراجح بموت المنغمس لمصلحة حقيقية نظن ظناً راجحاً أنها ستحصل بفعل المنغمس , ومن صور الإنغماس عند سلفنا :
1- روى البيهقي أن البراء بن مالك t اشترك في معركة اليمامة , وهجم المسلمون على الحديقة , التي يتحصن فيها مسيلمة الكذاب , وكانت المعركة حول الحديقة شديدة عنيفة . فطلب البراء من أصحابه أن يحملوه في ترس على الرماح , وأن يلقوه على الكفار من فوق السور ! وألقوه من فوق السور , وصار داخل الحديقة وحده , وقاتل الكفار قتالاً شديداً , وقتل منهم عشرة , وتمكن من فتح الباب , وجرح في جسمه بضعاً وثمانين جرحاً ! ولم ينكر عليه فعله أحد من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين . [11]
2- روى ابن أبي شيبة أن معاذ بن عفراء t قال : يا رسول الله ما يضحك الرب من عبده ? قال : غمسه يده في العدو حاسراً , فألقى درعاً كان عليه وقاتل حتى قتل .
3- قال الإمام الشافعي : قد بورز بين يد رسول الله e وحمل رجل من الأنصار حاسراً على المشركين يوم بدر , بعدما أعلمه رسول الله e ما في ذلك من خير .[12]
4- أخرج محمد بن جرير الطبري أن عبد الوهاب بن بخت غزا مع أبي محمد البطال الروم , وحمل المسلمون على الروم فانكشفوا , فصار عبد الوهاب يكر فرسه للمعركة , وهو يقول : ما رأيت فرساً أجبن منك ! وسفك الله دمي إن لم أسفك دمك !ثم ألقى بيضة عن رأسه , وصاح : أنا عبد الوهاب بن بخت . أمن الجنة تفرون .
وتقدم في نحور العدو مهاجماً .
فمر رجل عطشان وهو يقول : واعطشاه !
ودخل ابن بخت في القوم , وانغمس فيهم , فقتل , وقتل فرسه معه . [13]
فكل هذه الأمثلة تدل على الظن الغالب بموت المنغمس والمظنَّة تُلحَق بالمَئِنَّة , ولا يغرنك ذكر نجاة البراء بن مالك في المثال الأول فقد نجا بعد بضع وثمانين جرحاً , فأي مظنة للموت أكبر من هذه ?
والذي يظهر للمتأمل المتتبع لروايات الإنغماس الواردة عن السلف لا يجدها نوعاً واحداً على نمط واحد , بل يجدها قسمين :
· القسم الأول : وهو ما يلحق بفعل الغلام لمصلحة الجهاد في سبيل الله , كالروايات التي كسر الواحد منهم فيها جفن سيفه وانقض على الأعداء , وكالتي ألقى فيها درعاً كان يلبسه , وكالتي اقتحم فيها صفوف المشركين وقد جاز له الفرار وهو يجد ريح الجنة مودعاً إخوانه , وكالتي سلم فيها قبل انغماسه على إخوانه وانطلق , وكلتي ألقى فيها المنغمس تمرات كانت بيده قائلاً إنها لحياة طويلة حتى آكل هذه التمرات , وكمن ألقى بيضة عن رأسه قائلاً لفرسه سفك الله دمي إن لم أسفك دمك .
· القسم الثاني : وهو دون الأول في الظن , ولا يمكن إلحاقه به والقول بأن هذا كلَّه انغماسٌ بمعنى واحد فليس هذا صحيحاً , فليس انغماس سلمة بن الأكوع t ولا انغماس من قاموا بعمليات الإغتيالات في عهد النبي e كمحمد بن مسلمة وإخوانه كحال أهل القسم الأول , فهذا الثاني كوحدات القناصين ووحدات ( الكوماندوز) اليوم , وفي عمل تلك الوحدات أخطار أعلى من أخطار الجندي العادي لكن لا يصل الظن بموتهم إلى ما وصل إليه أهل القسم الأول .
وما أشبَهَ عملياتِ الحادي عشر من سبتمبر بالقسم الأول من الإنغماس في الأعداء , وذلك لمزية خاصة في هذه العمليات وكأن الله جعلها علامة على جواز ما بعدها , فإن منفذي تلك الهجمات لم يحملوا معهم صواعق ولا أحزمة إنما انغمسوا في العدو فقَتَلوا وقُتِلوا , فلم يضغطوا على صاعق تفجير ولم يربطوا سلكاً بآخر وهي عقدة من يفرق بين العمليات الإستشهادية وبين فعل الغلام والإنغماس , فيجب أن تكون موضع إجماع بيننا وبين من يقول بقول الشيخ أبي بصير حفظه الله .
فإن اعترض معترض قائلاً : إنهم قُتِلوا قبل أن يقتلوا !
قلنا : هذا باطل متهافت في مسألة الإنغماس فيسقط هاهنا , ألا ترى لو أن رجلاً من المسلمين حمل على كافر فضربه المسلم بسيفه وضربه الكفر بسيفه في نفس الوقت , أيضر بعد ذلك إن كانت ضربة الكافر أعجل !? وكذلك القول في العمليات فالطائرات نطحت الأبنية والأبنية حطمت الطائرات لا يضر من الذي تحطم أولاً أو من قتل أولاً الركاب أم أهل البنيان .
فإن قال قائل : إن منفذي الحادي عشر من سبتمبر أعانوا على قتل نفوسهم , كمن رمى بنفسه عن شاهق فتحطم في نهايته ولولا أنه رمى بنفسه ما تحطم في نهاية الشاهق !.
قلنا : هذا لا يخرَّج على أقوال الشيخ , فإنه يقول إن الغلام لم يقتل نفسه بفعلته تلك , ولا من حمل على الأعداء , وعلى هذا فقصة الغلام والإنغماس تصلح للإحتجاج عنده هنا فإن فِعْلَ فتياننا التسعة عشر يتعلق بالمظاهرة ولو قويت لا بالمباشرة .
فإن قال قائل : فنحن لا نرى فرقاً معتبراً بين من خطف طائرة فانغمس بها في برج كسبتمبر وبين من ضغط بإصبعه ليفجر صاعق التفجير لا عقلاً ولا شرعاً ولذلك لا نجيزها .
قلنا : ونحن أيضاً لا نرى فرقاً حقيقياً معتبراً فالعملية في سبتمبر كمدريد يجوز فعل ذلك كلَّه لقيام الدليل عليه , ولو فجر منفذو عمليات سبتمبر أنفسهم لحاجة العملية لذلك لم نحرم تلك العمليات لمجرد فعلهم هذا ! ويظهر مما سبق أن من يفرق بين تلك العمليات يفتح على نفسه باب التناقضات أمام المنهزمين والمبتدعين .
و توفيقاً بين كل النصوص نقول : كلما كان الظن بالموت أغلب ألحق بضوابط فعل الغلام , قال ابن القيم رحمه الله في النونية :

واقصد إلى الأقران لا أطرافها



فالعز تحت مقاتل الأقران



فإذا انغمس الرجل في الكفار مستميتاً عليه أن لا يتتبع همل الناس وسفلهم ويسقصد أطراف القوم وغرثائهم , بل عليه إيقاع أكبر نكاية في الأعداء كماً ونوعاً , وإذا قلَّت نسبة الخطر قبلنا مناوشته هنا وهناك من الأطراف , وكلما عظم الظن بالقتل والموت وقلَّت المصلحة كلما منعنا ذلك أكثر وفي رسالة عمر t إلى سعد t قال: (ولا تبعثن طليعة ولا سرية في وجه في وجه تتخوف غلبة أو ضَيْعة أو نكاية)[14] .
وللعلم فإن مسألة الإنغماس في العدو مسألة مختلف فيها بين العلماء قال أحمد بن إبراهيم النحاس رحمه الله : ( اعلم أن العلماء رضي الله عنهم اختلفوا في اقتحام الرجل الحرب , وحمله على العدو الكثير وحده , وانغماسه فيهم .
وقد تقدم من الأدلة في الأقوال والأفعال في استحباب ذلك وفضله , ومع ذلك اختلف فيه العلماء . ) [15] , فالخلاف في مسألة الإنغماس موجود , لظن المانعين أن في ذلك قتل للنفس بمظاهرة غيرها عليها , فأطالوا بذكر الأدلة على تحريم قتل النفس , ولكن أجاز المجيزون ذلك لما ذكرنا من أدلة , فلا غرابة أن يتفرع عن ذلك الخلاف خلاف في جواز العمليات الإستشهادية فأدلة مانعي الإنغماس هي أدلة مانعي العمليات الإستشهادية , وأدلة المجيزين هي أدلة المجيزين .
وبهذا أنهي هذه الوريقات المكتوبة على عُجالة منبهاً على أن تخطيئنا (في هذه المسألة) للشيخ الحبيب أبي بصير الطرطوسي حفظه الله تعالى ونفع به وبعلومه لا يُنقِصُ من قدر الشيخ في صدورنا , فنحن لم نعتقد فيه العصمة وهو لم يدعيها , وما نحن إلا أبناءٌ وطلّاب للشيخ الجليل , وأعتذر منه ومن إخواني محبيه وطلّابه إن أخطأت أو أسأتُ - بغير قصد - في تعبير , والله سبحانه وتعالى أعلم وهو نعم المولى ونعم النصير .


وصلي اللهم وسلم على محمدٍ وعلى آله وصحابته أجمعين
%%%%%%%



وكتب ؛ الفقير إلى عفو ربه



يوسف بن محمد – أبو محمد



غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين



11 ذو الحجة 1428 هـ



20 – 12 – 2007





[1]لم أتمكن من قراءة هذا المقال إلا بعد عامين من نشره وهو وقت كتابة هذه الرسالة .



[2] الأرش : ما يؤخذ عوضاً عن كسر أو جُرح .



[3] آل عمران (128).


يوسف بن محمد – أبو محمد




غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين



11 ذو الحجة 1428 هـ



20 – 12 – 2007





[5] رواه البخاري ومسلم .



[6] المُمتَحَنة (9).



[7] المائدة (2).



[8] كحال الذين أكرههم المشركون في الخروج معهم في بدر , فإن الله لم يقبل عذر الخارجين لأنهم كانوا قادرين على الهجرة قبل بدر .



[9] المائدة (32).



[10] المائدة (38).



[11] تهذيب مشارع الأشواق إلى مصارع العشاق (165).



[12] تهذيب مشارع الأشواق إلى مصارع العشاق (173).



[13] تهذيب مشارع الأشواق إلى مصارع العشاق (171).



[14] العمدة في إعداد العدة (360).



[15] تهذيب مشارع الأشواق إلى مصارع العشاق (172 - 173).





  اقتباس المشاركة
قديم 07-12-2011, 05:45 PM   #80
سنيورت فلسطين
I ♥ AQSA
 
الصورة الرمزية سنيورت فلسطين

قوة السمعة: 41 سنيورت فلسطين is just really niceسنيورت فلسطين is just really niceسنيورت فلسطين is just really niceسنيورت فلسطين is just really nice

افتراضي رد: أحلال لهم .. حرام علينا ؟؟!!

مشكور اخ حسام ولكن يجب ان يكون التفسير فى الجمع بين الايات وليس تفسير كل ايه على حدى يعنى النظره الشموليه للقرءان


  اقتباس المشاركة
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 12:58 PM.