| الإهداءات |
|
|||||||
![]() |
|
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |

| الإهداءات |
|
|||||||
![]() |
|
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
#91 | ||||
|
قوة السمعة: 130
![]() |
مثل سلام بن أبي الحقيق، وأسير بن زارم، ولكن الواجب على المسلمين إزاء هؤلاء اليهود كان أكبر من ذلك. وإنما أبطأوا في القيام بهذا الواجب، لأن قوة أكبر وأقوى وألد وأعند منهم وهي قريش كانت مجابهة للمسلمين، فلما انهت هذه المجابهة صفا الجو لمحاسبة هؤلاء المجرمين، واقترب لهم يوم الحساب. الخروج إلى خيبر: قال ابن إسحاق أقام رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بالمدينة حين رجع من الحديبية ذا الحجة وبعض المحرم، ثم خرج في بقية المحرم إلى خيبر. قال المفسرون إن خيبر كانت وعداً وعدها اللَّه تعالى بقوله: {وَعَدَكُمْ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ} [الفتح: 20] يعني صلح الحديبية، وبالمغانم الكثيرة خيبر. عدد الجيش الإسلامي: ولما كان المنافقون وضعفاء الإيمان تخلفوا عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في غزوة الحديبية أمر اللَّه تعالى نبيه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فيهم قائلاً: {سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلا قَلِيلا} [الفتح: 15]. فلما أراد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم الخروج إلى خيبر، أعلن أن لا يخرج معه إلا راغب في الجهاد، فلم يخرج إلا أصحاب الشجرة وهم ألف وأربعمائة. واستعمل على المدينة سباع بن عرفطة الغفاري، وقال ابن إسحاق نميلة بن عبد اللَّه الليثي، والأول أصح عند المحققين. وحينئذ قدم أبو هريرة المدينة مسلماً، فوافى سباع بن عرفطة في صلاة الصبح فلما فرغ من صلاته أتى سباعاً فزوده، حتى قدم على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وكلم المسلمين فأشركوه وأصحابه في سهماتهم. اتصال المنافقين باليهود: وقد قام المنافقون يعملون لليهود، فقد أرسل رأس المنافقين عبد اللَّه بن أبي إلى يهود خيبر أن محمداً قصد قصدكم وتوجه إليكم، فخذوا حذركم، ولا تخافوا منه، فإن عددكم وعدتكم كثيرة، وقوم محمد شرذمة قليلون، عزّل لا سلاح معهم إلا قليل. فلما علم ذلك أهل خيبر، أرسلوا كنانة بن أبي الحقيق وهوذة بن قيس إلى غطفان، يستمدونهم، لأنهم كانوا حلفاء يهود خيبر، ومظاهرين لهم على المسلمين. وشرطوا لهم نصف ثمار خيبر إن هم غلبوا على المسلمين. الطريق إلى خيبر: وسلك رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في اتجاهه نحو خيبر جبل عصر (بالكسر وقيل بالتحريك) ثم على الصهباء، ثم نزل على واد يقال له الرجيع، وكان بينه وبين غطفان مسيرة يوم وليلة، فتهيأت غطفان وتوجهوا إلى خيبر، لإمداد اليهود، فلما كانوا ببعض الطريق سمعوا من خلفهم حساً ولغطاً، فظنوا أن المسلمين أغاروا على أهاليهم وأموالهم فرجعوا، وخلوا بين رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وبين خيبر. ثم دعا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم الدليلين اللذين كانا يسلكان بالجيش - وكان اسم أحدهما حسيل - ليدلاه على الطريق الأحسن، حتى يدخل خيبر من جهة الشمال - أي جهة الشام - فيحول بين اليهود وبين طريق فرارهم إلى الشام كما يحول بينهم وبين غطفان. قال أحدهما أنا أدلك يا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ، فأقبل حتى انتهى إلى مفرق الطرق المتعددة وقال: يا رسول اللَّه هذه طرق يمكن الوصول من كل منها إلى المقصد، فأمر أن يسميها له واحداً واحداً. قال: اسم واحد منها حزن فأبى النبي صلى الله عليه وسلم من سلوكه، وقال: اسم الآخر شاش، فامتنع منه أيضاً وقال: اسم آخر حاطب. فامتنع منه أيضاً، وقال حسيل فما بقي إلا واحد قال عمر ما اسمه قال: مرحب، فاختار النبي صلى الله عليه وسلم سلوكه. بعض ما وقع في الطريق: عن سلمة بن الأكوع قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى خيبر فسرنا ليلاً، فقال، رجل من القوم لعامر يا عامر ألا تسمعنا من هنيهاتك؟ - وكان عامر رجلاً شاعراً - فنزل يحدو بالقوم. يقول: اللهم لولا أنت ما اهتدينا اللهم لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا فاغفر فداء لك ما اتقينا وثبت الأقدام إن لاقينا وألقين سكينة علينا إنا إذا صيح بنا أبينا وبالصياح عولوا علينا فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من هذا السائق؟ قالوا: عامر بن الأكوع. قال: رحمه اللَّه. قال رجل من القوم وجبت يا نبي اللَّه، لولا أمتعتنا به. وكانوا يعرفون أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لا يستغفر لإنسان يخصه إلا استشهد - وقد وقع في حرب خيبر. وفي الطريق أشرف الناس على واد فرفعوا أصواتهم بالتكبير اللَّه أكبر اللَّه أكبر لا إله إلا اللَّه فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أربعوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً، إنكم تدعون سميعاً قريباً. وبالصهباء من أدنى خيبر صلى العصر، ثم دعا بالازواد، فلم يؤت إلا بالسويق فأمر به فثرى، فأكل وأكل الناس، ثم قام إلى المغرب، فمضمض، ومضمض الناس، ثم صلى ولم يتوضأ ثم صلى العشاء. الجيش الإسلامي إلى أسوار خيبر: بات المسلمون الليلة الأخيرة التي بدأ في صباحها القتال قريباً من خيبر، ولا تشعر بهم اليهود، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتى قوماً بليل لم يقربهم حتى يصبح، فلما أصبح صلى الفجر بغلس، وركب المسلمون، فخرج أهل خيبر بمساحيهم ومكاتلهم، ولا يشعرون، بل خرجوا لأرضهم، فلما رأوا الجيش قالوا: محمد، واللَّه محمد والخميس، ثم رجعوا هاربين إلى مدينتهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم اللَّه أكبر، خربت خيبر، اللَّه أكبر خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين. وكان النبي صلى الله عليه وسلم اختار لمعسكره منزلاً، فأتاه حباب بن المنذر فقال: يا رسول اللَّه أرأيت هذا المنزل أنزلكه اللَّه، أم هو الرأي في الحرب؟ قال بل هو الرأي، فقال: يا رسول اللَّه إن هذا المنزل قريب جداً من حصن نطاة، وجميع مقاتلي خيبر فيها، وهم يدرون أحوالنا، ونحن لا ندري أحوالهم، وسهامهم تصل إلينا، وسهامنا لا تصل إليهم، ولا نأمن من بياتهم، وأيضاً هذا بين النخلات، ومكان غائر، وأرض وخيمة، لو أمرت بمكان خال عن هذه المفاسد نتخذه معسكراً قال صلى الله عليه وسلم الرأي ما أشرت، ثم تحول إلى مكان آخر. ولما دنا من خيبر وأشرف عليها قال: قفوا. فوقف الجيش فقال: اللهم رب السماوات السبع وما أظللن، ورب الأرضين السبع وما أقللن، ورب الشياطين وما أضللن، فإنا لنسألك خير هذه القرية، وخير أهلها، وخير ما فيها، ونعوذ بك من شر هذه القرية، وشر أهلها، وشر ما فيها، اقدموا بسم اللَّه. التهيؤ للقتال وحصون خيبر: ولما كانت ليلة الدخول قال: لأعطين الراية غداً رجلاً يحب اللَّه ورسوله ويحبه اللَّه ورسوله، فلما أصبح الناس غدوا على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ، كلهم يرجو أن يعطاها فقال: أين علي بن أبي طالب، فقالوا: يا رسول اللَّه هو يشتكي عينيه قال: فأرسلوا إليه فأتى به، فبصق رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في عينيه ودعا له فبرىء، كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية، فقال: يا رسول اللَّه أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا، قال: انفذ على رسلك، حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق اللَّه فيه، فواللَّه لأن يهدي اللَّه بك رجلاً واحداً خير لك من أن يكون لك حمر النعم. وكانت خيبر منقسمة إلى شطرين، شطر فيه خمسة حصون: حصن ناعم. حصن الصعب بن معاذ. حصن قلعة الزبير. حصن أبي. حصن النزار.
|
||||
|
|||||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#92 | ||||
|
قوة السمعة: 130
![]() |
والحصون الثلاثة الأولى تقع في منطقة يقال لها النطاة، وأما الحصنان الآخران فيقعان في منطقة تسمى بالشق. أما الشطر الثاني، ويعرف بالكتيبة، ففيه ثلاثة حصون فقط: حصن القموص (كان حصن بني أبي الحقيق من بني النضير). حصن الوطيح. حصن السلالم. وفي خيبر حصون وقلاع غير هذه الثمانية، إلا أنها كانت صغيرة لا تبلغ إلى درجة هذه القلاع في مناعتها وقوتها. والقتال المرير إنما دار في الشطر الأول منها، أما الشطر الثاني فحصونها الثلاثة مع كثرة المحاربين فيها سلمت دونما قتال. بدء المعركة وفتح حصن ناعم: وأول حصن هاجمه المسلمون من هذه الحصون الثمانية هو حصن ناعم وكان خط الدفاع الأول لليهود لمكانه الاستراتيجي، وكان هذا الحصن هو حصن مرحب البطل اليهودي الذي كان يعد بالألف. خرج علي بن أبي طالب رضي اللَّه عنه بالمسلمين إلى هذا الحصن، ودعا اليهود إلى الإسلام، فرفضوا هذه الدعوة، وبرزوا إلى المسلمين ومعهم ملكهم مرحب، فلما خرج إلى ميدان القتال دعا إلى المبارزة. قال سلمة بن الأكوع فلما أتينا خيبر خرج ملكهم مرحب يخطر بسيفه يقول: قد علمت خيبر أني مرحب شاكي السلاح بطل مجرب إذا الحروب أقبلت تلهب فبرز له عمى عامر فقال: قد علمت خيبر أني عامر شاكي السلاح بطل مغامر فاختلفا ضربتين، فوقع سيف مرحب في ترس عمي عامر، وذهب عامر يسفل له، وكان سيفه قصيراً، فتناول به ساق يهودي ليضربه فيرجع ذباب سيفه فأصاب عين ركبته فمات منه، وقال فيه النبي صلى الله عليه وسلم لأنه له لأجرين وجمع بين إصبعيه، إنه لجاهد مجاهد قل عربي شي بها مثله. ويبدو أن مرحباً دعا بعد ذلك إلى البراز مرة أخرى، وجعل يرتجز بقوله قد علمت خيبر أني مرحب إلخ، فبرز علي بن أبي طالب. قال سلمة بن الأكوع فقال علي: أنا الذي سمتني أمي حيدره كليث غابات كريه المنظره أوفيهم بالصاع كيل السندره فضرب رأس مرحب فقتله، ثم كان الفتح على يديه. ولما دنا علي رضي اللَّه عنه من حصونهم اطلع يهودي من رأس الحصن، وقال: من أنت، فقال: أنا علي بن أبي طالب، فقال اليهودي علوتم وما أنزل على موسى. ثم خرج ياسر أخو مرحب وهو يقول من يبارز؟ فبرز إليه الزبير، فقالت صفية أمه يا رسول اللَّه، يقتل ابني؟ قال: بل ابنك يقتله فقتله الزبير. ودار القتال المرير حول حصن ناعم، قتل فيه عدة سراة من اليهود، انهارت لأجله مقاومة اليهود، وعجزوا عن صد هجوم المسلمين، ويؤخذ من المصادر أن هذا القتال دام أياماً لاقى المسلمون فيها مقاومة شديدة، إلا أن اليهود يئسوا من مقاومة المسلمين، فتسللوا من هذا الحصن إلى حصن الصعب، واقتحم المسلمون حصن ناعم. فتح حصن الصعب بن معاذ: وكان حصن الصعب الحصن الثاني من حيث القوة والمناعة بعد حصن ناعم، قام المسلمون بالهجوم عليه تحت قيادة الحباب بن المنذر الأنصاري، ففرضوا عليه الحصار ثلاثة أيام، وفي اليوم الثالث، دعا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لفتح هذا الحصن دعوة خاصة. وروى ابن إسحاق أن بني سهم من أسلم أتوا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ، فقالوا: لقد جهدنا وما بأيدينا من شيء، فقال: اللهم إنك قد عرفت حالهم، وأن ليست بهم قوة، وأن ليس بيدي شيء أعطيهم إياه، فافتح عليهم أعظم حصونها عنهم غناء، وأكثرها طعاماً وودكاً.
|
||||
|
|||||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#93 | ||||
|
قوة السمعة: 130
![]() |
فغدا الناس ففتح اللَّه عز وجل حصن الصعب بن معاذ، وما بخيبر حصن كان أكثر طعاماً وودكاً منه. ولما ندب النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين بعد دعائه لمهاجمة هذا الحصن كان بنو أسلم هم المقاديم في المهاجمة، ودار البراز والقتال أمام الحصن. ثم فتح الحصن في ذلك اليوم قبل أن تغرب الشمس، ووجد فيه المسلمون بعض المنجنيقات والدبابات. ولأجل هذه المجاعة الشديدة التي ورد ذكرها في رواية ابن إسحاق كان رجال من الجيش قد ذبحواالحمير، ونصبوا القدور على النيران، فلما علم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بذلك نهى عن لحوم الحمر الإنسية. فتح قلعة الزبير: وبعد فتح حصن ناعم والصعب تحول اليهود من كل الحصون النطاة إلى قلعة الزبير، وهو حصن منيع في رأس قلعة، لا تقدر عليه الخيل والرجال لصعوبته وامتناعه، ففرض عليه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم الحصار، وأقام محاصراً ثلاثة أيام. فجاء رجل من اليهود، وقال: يا أبا القاسم إنك لو أقمت شهراً ما بالوا إن لهم شراباً وعيوناً تحت الأرض، يخرجون بالليل ويشربون منها، ثم يرجعون إلى قلعتهم فيمتنعون منك، فإن قطعت مشربهم عليهم أصحروا لك. فقطع ماءهم عليهم، فخرجوا فقاتلوا أشد القتال، قتل فيه نفر من المسلمين، وأصيب نحو العشرة من اليهود، وافتتحه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم . فتح قلعة أبي: وبعد فتح قلعة الزبير انتقل اليهود إلى قلعة أبي وتحصنوا فيه، وفرض المسلمون عليهم الحصار، وقام بطلان من اليهود واحد بعد الآخر بطلب المبارزة، وقد قتلهما أبطال المسلمين، وكان الذي قتل المبارز الثاني هو البطل المشهور أبو دجانة سماك بن خرشة الأنصاري صاحب العصابة الحمراء. وقد أسرع أبو دجانة بعد قتله إلى اقتحام القلعة، واقتحم معه الجيش الإسلامي، وجرى قتال مرير ساعة داخل الحصن، ثم تسلل اليهود من القلعة، وتحولوا إلى حصن النزار آخر حصن في الشطر الأول. فتح حصن النزار: كان هذا الحصن أمنع حصون هذا الشطر، وكان اليهود على شبه اليقين بأن المسلمين لا يستطيعون اقتحام هذه القلعة، وإن بذلوا قصارى جهدهم في هذا السبيل ولذلك أقاموا في هذه القلعة مع الذراري والنساء، بينما كانوا قد أخلوا منها القلاع الأربعة السابقة. وفرض المسلمون على هذا الحصن أشد الحصار، وصاروا يضغطون عليهم بعنف، ولكون الحصن يقع على جبل مرتفع منيع لم يكونوا يجدون سبيلاً للاقتحام فيه. أما اليهود فلم يجترئوا للخروج من الحصن، للاشتباك مع قوات المسلمين، لكنهم قاوموا المسلمين مقاومة عنيدة برشق النبال، وبإلقاء الحجارة. وعندما استعصى حصن النزار على قوات المسلمين، أمر النبي صلى الله عليه وسلم بنصب آلات المنجنيق، ويبدو أن المسلمين قذفوا بها القذائف، فأوقعوا الخلل في جدران الحصن، واقتحموه، ودار قتال مرير في داخل الحصن انهزم أمامه اليهود هزيمة منكرة، وذلك لأنهم لم يتمكنوا من التسلل من هذا الحصن كما تسللوا من الحصون الأخرى، بل فروا من فروا من هذا الحصن تاركين للمسلمين نساءهم وذراريهم. وبعد فتح هذا الحصن المنيع تم فتح الشطر الأول من خيبر، وهي ناحية النطاة والشق، وكانت في هذه الناحية حصون صغيرة أخرى إلا أن اليهود بمجرد فتح هذا الحصن المنيع أخلوا هذه الحصون، وهربوا إلى الشطر الثاني من بلدة خيبر. فتح الشطر الثاني من خيبر: ولما فتح ناحية النطاة والشق، تحول رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إلى أهل الكتيبة والوطيح والسلالم حصن أبي الحقيق من بني النضير. وجاءهم كل من كان انهزم من النطأة والشق، وتحصن هؤلاء أشد التحصن. واختلف أهل المغازي هل جرى هناك قتال في أي حصن من حصونها الثلاثة أم لا؟ فسياق ابن إسحاق صريح في جريان القتال لفتح حصن القموص. بل يؤخذ من سياقه أن هذا الحصن تم فتحه بالقتال فقط من غير أن يجري هناك مفاوضة للإستسلام. أما الواقدي، فيصرح تمام التصريح أن قلاع هذا الشطر الثلاثة إنما أخذت بعد المفاوضة، ويمكن أن تكون المفاوضة قد جرت لاستسلام حصن القموص بعد إدارة القتال. وأما الحصنان الآخران فقد سلماً إلى المسلمين دونما قتال. ومهما كان فلما أتى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إلى هذه الناحية الكتيبة فرض على أهلها أشد الحصار، ودام الحصار أربعة عشر يوماً، واليهود لا يخرجون من حصونهم حتى همّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أن ينصب عليهم المنجنيق، فلما أيقنوا بالهلكة سألوا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم الصلح. المفاوضة: وأرسل ابن أبي الحقيق إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم انزل فأكلمك؟ قال: نعم فنزل، وصالح على حقن دماء من في حصونهم من المقاتلة وترك الذرية لهم، ويخرجون من خيبر وأرضها بذراريهم، ويخلون بين رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وبين ما كان لهم من مال وأرض وعلى الصفراء والبيضاء أي الذهب والفضة والكراع والحلقة إلا ثوباً على ظهر إنسان، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وبرئت منكم ذمة اللَّه وذمة رسوله إن كتمتموني شيئاً، فصالحوه على ذلك وبعد هذه المصالحة تم تسليم الحصون إلى المسلمين وبذلك تم فتح خيبر. قتل ابني أبي الحقيق لنقض العهد: وعلى رغم هذه المعاهدة غيب ابنا أبي الحقيق مالاً كثيراً، غيباً مسكا فيه مال وحلي لحيي بن أخطب، كان احتمله معه إلى خيبر حين أجليت النضير. قال ابن إسحاق وأتى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بكنانة الربيع، وكان عنده كنز بني النضير، فسأله عنه، فجحد أن يكون يعرف مكانه، فأتى رجل من اليهود فقال: إني رأيت كنانة يطيف بهذه الخربة كل غداة. فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لكنانة أرأيت إن وجدناه عندك أأقتلك؟ قال: نعم فأمر بالخربة، فحفرت، فأخرج منها بعض كنزهم، ثم سأله عما بقي، فأبى أن يؤديه. فدفعه إلى الزبير، وقال: عذبه حتى نستأصل ما عنده، فكان الزبير يقدح بزند في صدره حتى أشرف على نفسه، ثم دفعه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إلى محمد بن سلمة، فضرب عنقه بمحمود بن سلمة (وكان محمود قتل تحت جدار حصن ناعم ألقى عليه الرحى، وهو يستظل بالجدار فمات). وذكر ابن القيم أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بأمر بقتل ابني أبي الحقيق وكان الذي اعترف عليهما بإخفاء المال هو ابن عم كنانة. وسبى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم صفية بنت حيي بن أخطب، وكانت تحت كنانة بن أبي الحقيق، وكانت عروساً حديثة عهد بالدخول. قسمة الغنائم: وأراد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أن يجلي اليهود من خيبر، فقالوا: يا محمد دعنا نكون في هذه الأرض نصلحها، ونقوم عليها، فنحن أعلم بها منكم، ولم يكن لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لأصحابه غلمان يقومون عليها، وكانوا لا يفرغون يقومون عليها، فأعطاهم خيبر على أن لهم الشطر من كل زرع، ومن كل ثمر ما بدا لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أن يقرهم. وكان عبد اللَّه بن رواحة يخرصه عليهم. وقسم أرض خيبر على ستة وثلاثين سهماً، وجمع كل سهم مائة سهم، فكانت ثلاثة آلاف وستمائة سهم، فكان لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم والمسلمين النصف من ذلك وهو ألف وثمانمائة سهم، لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم سهم كسهم أحد المسلمين، وعزل النصف الآخر وهو ألف وثمانمائة سهم، سهم لنوائبه وما يتنزل به من أمور المسلمين، وإنما قسمت على ألف وثمانمائة سهم، لأنها كانت طعمة من اللَّه لأهل الحديبية من شهد منهم ومن غاب، وكانوا ألفاً وأربعمائة وكان معهم مائتا فرس، لكل فرس سهمان، فقسمت على ألف وثمانمائة سهم، فصار للفارس ثلاثة أسهم، وللراجل سهم واحداً. ويدل على كثرة مغانم خيبر ما رواه البخاري عن ابن عمر قال: ما شبعنا حتى فتحنا خيبر، وما رواه عن عائشة قالت: لما فتحت خيبر قلنا: الآن نشبع من التمر ولما رجع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إلى المدينة رد المهاجرون إلى الأنصار منائحهم التي كانوا منحوهم إياها من النخيل حين صار لهم بخيبر مال ونخيل. قدوم جعفر بن أبي طالب والأشعريين: وفي هذه الغزوة قدم عليه ابن عمه جعفر بن أبي طالب وأصحابه، ومعهم الأشعريون أبو موسى وأصحابه. قال أبو موسى بلغنا مخرج رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ونحن باليمن، فخرجنا مهاجرين إليه أنا وأخوان لي في بضع وخمسين رجلاً من قومي، فركبنا سفينة، فألقتنا سفينتنا إلى النجاشي بالحبشة، فوافقنا جعفراً وأصحابه عنده، فقال: إن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بعثنا وأمرنا بالإقامة، فأقيموا معنا، فأقمنا معه حتى قدمنا فوافقنا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حين فتح خيبر، فأسهم لنا، وما قسم لأحد غاب عن فتح خيبر شيئاً إلا لمن شهد معه، إلا لأصحاب سفينتنا مع جعفر وأصحابه قسم لهم معهم. ولما قدم جعفر على النبي صلى الله عليه وسلم تلقاه وقبله وقال: و اللَّه ما أدري بأيهما أفرح؟ بفتح خيبر أم بقدوم جعفر. وكان قدوم هؤلاء على أثر بعث الرسول صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي عمرو بن أمية الضمري يطلب توجيههم إليه فأرسلهم النجاشي على مركبين، وكانوا ستة عشر رجلاً، معهم من بقي من نسائهم وأولادهم، وبقيتهم جاؤوا إلى المدينة قبل ذلك. الزواج بصفية: ذكرنا أن صفية جعلت في السبايا حين قتل زوجها كنانة بن أبي الحقيق لغدره، ولما جمع السبي جاء دحية بن خليفة الكلبي، فقال: يا نبي اللَّه أعطني جارية من السبي، فقال: اذهب فخذ جارية، فأخذ صفية بنت حيي، فجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي اللَّه أعطيت دحية صفية بنت حيي سيدة قريظة وبني النضير، لا تصلح إلا لك، قال: ادعوه بها. فجاء بها، فلما نظر إليها النبي صلى الله عليه وسلم قال: خذ جارية من السبي غيرها، وعرض عليها النبي صلى الله عليه وسلم الإسلام فأسلمت، فأعتقها وتزوجها، وجعل عتقها صداقها، حتى إذا كان بسد الصهباء راجعاً إلى المدينة حلت، فجهزتها له أم سليم، فأهدتها له من الليل، فأصبح عروساً بها، وأولم عليها بحيس من التمر والسمن والسويق، وأقام عليها ثلاثة أيام في الطريق ينبي بها. ورأى بوجهها خضرة، فقال: ما هذا؟ قالت: يا رسول اللَّه رأيت قبل قدومك علينا كأن القمر زال من مكانه، وسقط في حجري، ولا وا للَّه ما أذكر من شأنك شيئاً، فقصصتها على زوجي، فلطم وجهي.
|
||||
|
|||||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#94 | ||||
|
قوة السمعة: 130
![]() |
فقال: تمنين هذا الملك الذي بالمدينة. أمر الشاة المسمومة: ولما اطمأن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بخيبر بعد فتحها أهدت له زينب بنت الحارث، امرأة سلام بن مشكم شاة مصلية، وقد سألت أي عضو أحب إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ؟ فقيل لها الذراع، فأكثرت فيها من السم، ثم سمت سائر الشاة، ثم جاءت بها، فلما وضعتها بين يدي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم تناول الذراع، فلاك منها مضغة فلم يسغها، ولفظها، ثم قال: إن هذا العظم ليخبرني أنه مسموم، ثم دعا بها فاعترفت،فقال: ما حملك على ذلك؟ قالت: قلت إن كان ملكاً استرحت منه، وإن كان نبياً فسيخبر، فتجاوز عنها. وكان معه بشر بن البراء بن معرور أخذ منها أكلة فأساغها فمات منها. واختلفت الروايات في التجاوز عن المرأة وقتلها، وجمعوا بأنه تجاوز عنها أولاً.فلما مات بشر قتلها قصاصاً. قتلى الفريقين في معارك خيبر: وجملة من استشهد من المسلمين في معارك خيبر ستة عشر رجلاً، أربعة من قريش وواحد من أشجع، وواحد من أسلم، وواحد من أهل خيبر، والباقون من الأنصار. ويقال: إن شهداء المسلمين في هذه المعارك 18 رجلاً، وذكر العلامة المنصور فوري 19 رجلاً ثم قال: إني وجدت بعد التفحص 23 اسماً، واحد منها في الطبري فقط، وواحد عند الواقدي فقط، وواحد مات لأجل أكل الشاة المسمومة وواحد اختلفوا هل قتل في بدر أو خيبر، والصحيح أنه قتل في بدر. أما قتلى اليهود فعددهم ثلاثة وتسعون قتيلاً. فدك: ولما بلغ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إلى خيبر، بعث محيصة بن مسعود إلى يهود فدك، ليدعوهم إلى الإسلام فأبطأوا عليه، فلما فتح اللَّه خيبر قذف الرعب في قلوبهم، فبعثوا إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يصالحونه على النصف من فدك بمثل ما صالح عليه أهل خيبر فقبل ذلك منهم، فكانت فدك لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم خالصة، لأنه لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب. وادي القرى: ولما فرغ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من خيبر، انصرف إلى وادي القرى وكان بها جماعة من اليهود، وانضاف إليهم جماعة من العرب. فلما نزلوا استقبلتهم يهود بالرمي وهم على تعبئة، فقتل مدعم عبد لرسول للَّه صلى الله عليه وسلم ، فقال الناس هنيئاً له الجنة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم كلا. والذي نفسي بيده إن الشملة التي أخذها يوم خيبر من المغانم، لم تصبها المقاسم، لتشتعل عليه ناراً. فلما سمع بذلك الناس جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم بشراك أو شراكين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم شراك من نار أو شراكان من نار. ثم عبأ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أصحابه للقتال. وصفهم، ودفع لواءه إلى سعد بن عبادة، وراية إلى الحباب بن المنذر، وراية إلى سهل بن حنيف، وراية إلى عبادة بن بشر، ثم دعاهم إلى الإسلام فأبوا، وبرز رجل منهم فبرز إليه الزبير بن العوام فقتله، ثم برز آخر فقتله، ثم برز آخر فبرز إليه علي بن أبي طالب رضي صلى الله عليه وسلم عنه فقتله، حتى قتل منهم أحد عشر رجلاً، كلما قتل منهم رجل دعا من بقي إلى الإسلام. وكانت الصلاة تحضر هذا اليوم، فيصلي بأصحابه. ثم يعود، فيدعوهم إلى الإسلام وإلى اللَّه ورسوله، فقاتلهم حتى أمسوا، وغدا عليهم فلم ترتفع الشمس قيد رمح حتى أعطوا ما بأيديهم، وفتحها عنوة، وغنمه اللَّه أموالهم، وأصابوا أثاثاً ومتاعاً كثيراً. وأقام رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بوادي القرى أربعة أيام، وقسم على أصحابه ما أصاب بها، وترك الأرض والنخل بأيدي اليهود، وعاملهم عليها كما عامل أهل خيبر. تيماء: ولما بلغ يهود تيماء خبر استسلام أهل خيبر ثم فدك ووادي القرى لم يبدوا أي مقاومة ضد المسلمين بل بعثوا من تلقاء أنفسهم يعرضون الصلح، فقبل ذلك منهم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ، وأقاموا بأموالهم. وكتب لهم بذلك كتاباً وهاك نصه هذا كتاب محمد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لبني عادياً إن لهم الذمة، وعليهم الجزية ولا عداء ولا جلاء، الليل مد، والنهار شد، وكتب خالد بن سعيد. العودة إلى المدينة: ثم أخذ رسول اللَّه في العودة إلى المدينة. وفي مرجعه ذلك سار ليلة، ثم نام في آخر الليل ببعض الطريق، وقال لبلال اكلأ لنا الليل فغلبت بلالاً عيناه، وهو مستند إلى راحلته، فلم يستيقظ أحد، حتى ضربتهم الشمس، وأول من استيقظ بعد ذلك رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ، ثم خرج من ذلك الوادي، وتقدم، ثم صلى الفجر بالناس، وقيل: إن هذه القصة في غير هذا السفر. وبعد النظر في تفصيل معارك خيبر يبدو أن رجوع النبي صلى الله عليه وسلم كان في أواخر صفر أو في ربيع الأول سنة 7هـ. سرية أبان بن سعيد: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعرف أكثر من كل قائد عسكري أن إخلاء المدينة تماماً بعد انقضاء الأشهر الحرم ليس من الحزم قطعاً، بينما الأعراب ضاربة حولها تطلب غرة المسلمين للقيام بالنهب والسلب وأعمال القرصنة، ولذلك أرسل سرية إلى نجد لإرهاب الأعراب. تحت قيادة أبان بن سعيد، بينما كان هو إلى خيبر، وقد رجع أبان بن سعيد بعد قضاء ما كان واجباً عليه، فوافى النبي صلى الله عليه وسلم بخيبر، وقد افتتحها. والأغلب أن هذه السرية كانت في صفر سنة 7هـ. ورد ذكر هذه السرية في البخاري قال ابن حجر لم أعرف حال هذه السرية.
|
||||
|
|||||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#95 | ||||
|
قوة السمعة: 130
![]() |
البعوث والسرايا بعد غزوة المريسيع
سرية عبد الرحمن بن عوف إلى ديار بني كلب بدومة الجندل، في شعبان سنة 6هـ أقعده رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بين يديه، وعممه بيده، وأوصاه بأحسن الأمور في الحرب، وقال له إن أطاعوك فتزوج ابنة ملكهم، فمكث عبد الرحمن بن عوف ثلاثة أيام يدعوهم إلى الإسلام،فأسلم القوم وتزوج عبد الرحمن تماضر بنت الأصبغ، وهي أم أبي سلمة، وكان أبوها رأسهم وملكهم. سرية علي بن أبي طالب إلى بني سعد بن بكر بفدك في شعبان سنة 6هـ وذلك أنه بلغ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بها جمعاً يريدون أن يمدوا اليهود. فبعث إليهم علياً في مائتي رجل، وكان يسير الليل ويكمن النهار، فأصاب عيناً لهم فأقر أنهم بعثوه إلى خيبر يعرضون عليهم نصرتهم على أن يجعلوا لهم تمر خيبر. ودل العين على موضع تجمع بني سعد، فأغار عليهم علي، فأخذ خمسمائة بعير وألفي شاة، وهربت بنو سعد بالظعن، وكان رئيسهم وبر بن عليم. سرية أبي بكر الصديق أو زيد بن حارثة إلى وادي القرى في رمضان سنة 6هـ كان بطن فزارة يريد اغتيال النبي صلى الله عليه وسلم ، فبعث رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق. قال سلمة بن الأكوع وخرجت معه حتى إذا صلينا الصبح أمرنا فشننا الغارة، فوردنا الماء، فقتل أبو بكر من قتل ورأيت طائفة وفيهم الذراري، فخشيت أن يسبقوني إلى الجبل فأدركتهم، ورميت بسهم بينهم وبين الجبل، فلما رأوا السهم وقفوا فيهم امرأة هي أم قرفة عليها قشع من أديم، معها ابنتها من أحسن العرب، فجئت بهم أسوقهم إلى أبي بكر، فنفلني أبو بكر ابنتها، فلم أكشف لها ثوباً، وقد سأله رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بنت أم قرفة، فبعث بها إلى مكة، وفدى بها أسرى من المسلمين هناك. وكانت أم قرفة شيطانة تحاول اغتيال النبي صلى الله عليه وسلم ، وجهزت ثلاثين فارساً من أهل بيتها لذلك، فلاقت جزاءها وقتل الثلاثون. سرية كرز بن جابر الفهري إلى العرنيين في شوال سنة 4هـ وذلك أن رهطاً من عكل وعرينة أظهروا الإسلام، وأقاموا بالمدينة فاستوخموها، فبعثهم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في ذود في المرعى، وأمرهم أن يشربوا من ألبانها وأبوالها، فلما صحوا قتلوا راعي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، واستاقوا الإبل وكفروا بعد إسلامهم، فبعث في طلبهم كرزا الفهري في عشرين من الصحابة، ودعا على العرنيين اللهم اعم عليهم الطريق، واجعلها عليهم أضيق من مسك فعمى اللَّه عليهم السبيل فأدركوا، فقطعت أيديهم وأرجلهم وسملت أعينهم، جزاء وقصاصاً بما فعلوا، ثم تركوا في ناحية الحرة حتى ماتوا وحديثهم في الصحيح عن أنس. ويذكر أهل السير بعد ذلك سرية عمرو بن أمية الضمري مع سلمة بن أبي سلمة في شوال سنة ه أنه ذهب إلى مكة لاغتيال أبي سفيان، لأن أبا سفيان كان أرسل أعرابياً لاغتيال النبي صلى الله عليه وسلم، بيد أن المبعوثين لم ينجحا في الاغتيال، لا هذا، ولا ذاك، ويذكرون أن عمراً قتل في الطريق ثلاثة رجال، ويقولون إن عمراً أخذ جثة الشهيد خبيب في هذا السفر. والمعروف أن خبيباً استشهد بعد الرجيع بأيام أو أشهر، ووقعة الرجيع كانت في صفر سنة ه، فلا أدري هل اختلط السفران على أهل السير، أو كان الأمران في سفر واحد في السنة الرابعة، وقد أنكر العلامة المنصور فوري أن تكون هذه السرية سرية حرب أو مناوشة. واللَّه أعلم. هذه هي السرايا والغزوات بعد الأحزاب، وبني قريظة، لم يجر في واحدة منها قتال مرير، وإنما وقعت فيما وقعت مصادمة خفيفة، فليست هذه البعوث إلا دوريات استطلاعية، أو تحركات تأديبية، لإرهاب الأعراب والأعداء الذين لم يستكينوا بعد. ويظهر بعد التأمل في الظروف أن مجرى الأيام كان قد أخذ في التطور بعد غزوة الأحزاب، وأن أعداء الإسلام كانت معنوياتهم في انهيار متواصل، ولم يكن بقي لهم أمل في نجاح كسر الدعوة الإسلامية وخضد شوكتها، إلا أن هذا التطور ظهر جلياً بصلح الحديبية فلم تكن الهدنة إلا الاعتراف بقوة الإسلام والتسجيل على بقائها في ربوع الجزيرة العربية. وقعة الحديبية في ذي القعدة سنة 6هـ سبب عمرة الحديبية: ولما تقدم التطور في الجزيرة العربية إلى حد كبير لصالح المسلمين، أخذت طلائع الفتح الأعظم ونجاح الدعوة الإسلامية تبدو شيئاً فشيئاً. |
||||
|
|||||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#96 | ||||
|
قوة السمعة: 130
![]() |
وبدأت التمهيدات لإقرار حق المسلمين في أداء عبادتهم في المسجد الحرام، الذي كان قد صد عنه المشركون منذ ستة أعوام. أري رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في المنام، وهو بالمدينة، أنه دخل هو أصحابه المسجد الحرام، وأخذ مفتاح الكعبة، وطافوا واعتمروا، وحلق بعضهم وقصر بعضهم، فأخبر بذلك أصحابه ففرحوا، وحسبوا أنهم داخلوا مكة عامهم ذلك، وأخبر أصحابه أنه معتمر فتجهزوا للسفر. استفنار المسلمين: واستنفر العرب ومن حوله البوادي ليخرجوا معه، فأبطأ كثير من الأعراب وغسل ثيابه، وركب ناقته القصواء، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم أو نميلة الليثي. وخرج منها يوم الاثنين غرة ذي القعدة سنة 6هـ، ومعه زوجته أم سلمة، في ألف وأربعمائة، ويقال ألف وخمسمائة، ولم يخرج معه بسلاح، إلا سلاح المسافر، السيوف في القرب. المسلمون يتحركون إلى مكة: وتحرك في اتجاه مكة، فلما كان بذي الحليفة قلد الهدى وأشعره، وأحرم بالعمرة، ليأمن الناس من حربه. وبعث بين يديه عيناً له من خزاعة يخبره عن قريش حتى إذا كان قريباً من عسفان أتاه عينه، فقال: إني تركت كعب بن لؤي قد جمعوا لك الأحابيش، وجمعوا لك جموعاً وهم مقاتلوك، وصادوك عن البيت. واستشار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه وقال: أترون نميل إلى ذراري هؤلاء الذين أعانوهم فنصيبهم؟ فإن قعدوا قعدوا موتورين محزونين، وإن نجوا يكن عنق قطعها اللَّه، أم تريدون أن نؤم هذا البيت فمن صدنا عنه قاتلناه؟ فقال أبو بكر اللَّه ورسوله أعلم، إنما جئنا معتمرين، ولم نجيء لقتال أحد، ولكن من حال بيننا وبين البيت قاتلناه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم فروحوا، فراحوا. محاولة قريش صد المسلمين عن البيت: وكانت قريش لما سمعت بخروج النبي صلى الله عليه وسلم عقدت مجلساً استشارياً قررت فيه صد المسلمين عن البيت كيفما يمكن، فبعد أن أعرض رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عن الأحابيش، نقل إليه رجل من بني كعب أن قريشاً نازلة بذي طوى، وأن مائتي فارس في قيادة خالد بن الوليد مرابطة بكراع الغميم في الطريق الرئيسي الذي يوصل إلى مكة. وقد حاول خالد صد المسلمين، فقام بفرسانه إزاءهم يتراآى الجيشان. ورأى خالد المسلمين في صلاة الظهر يركعون ويسجدون فقال: لقد كانوا على غرة، لو كنا حملنا عليهم لأصبنا منهم، ثم قرر أن يميل على المسلمين - وهم في صلاة العصر - ميلة واحدة، ولكن اللَّه أنزل حكم صلاة الخوف، ففاتت الفرصة خالداً. تبديل الطريق ومحاولة اجتناب اللقاء الدامي: وأخذ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم طريقاً وعراً بين شعاب، وسلك بهم ذات اليمين بين ظهري الحمش في طريق على ثنية المرار مهبط الحديبية من أسفل مكة، وترك الطريق الرئيسي الذي يفضي إلى الحرم ماراً بالتنعيم، تركه إلى اليسار فلما رأى خالد قرة الجيش الإسلامي قد خالفوا عن طريقه انطلق يركض نذيراً لقريش. وسار رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بثنية المرار بركت راحلته فقال الناس حل حل فألحت، فقالوا: خلأت القصواء خلأت القصواء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق. ولكن حبسها حابس الفيل، ثم قال: والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات اللَّه إلا أعطيتهم إياها، ثم زجرها فوثبت به، فعدل حتى نزل بأقصى الحديبية. على ثمد قليل الماء، إنما يتبرضه الناس تبرضاً، فلم يلبث أن نزحوه. فشكوا إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم العطش، فانتزع سهماً من كنانته، ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فواللَّه ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا. بديل يتوسط بين رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وقريش: ولما اطمأن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم جاء بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من خزاعة، وكانت خزاعة عيبة نصح لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من أهل تهامة، فقال: إني تركت كعب بن لؤي، نزلوا أعداد مياه الحديبية، معهم العوذ المطافيل، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت. قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ، إنا لم نجيء لقتال أحد، ولكن جئنا معتمرين، وإن قريشاً قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم، فإن شاؤوا ماددتهم، ويخلوا بيني وبين الناس، وإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا وإلا فقد جموا، وإن أبوا إلا القتال فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي، أو ينفذن للَّه أمره.
|
||||
|
|||||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#97 | ||||
|
قوة السمعة: 130
![]() |
قال بديل سأبلغهم ما تقول، فانطلق حتى أتى قريشاً فقال: إني قد جئتكم من عند هذا الرجل، وسمعته يقول قولاً، فإن شئتم عرضته عليكم. فقال سفهاؤهم لا حاجة لنا أن تحدثنا عنه بشيء. وقال ذو الرأي منهم هات ما سمعته. قال: سمعته يقول كذا وكذا، فبعثت قريش مكرز بن حفص، فلما رآه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: هذا رجل غادر، فلما جاء وتكلم قال له مثل ما قال لبديل وأصحابه، فرجع إلى قريش وأخبرهم. رسل قريش: ثم قال رجل من كنانة - اسمه الحليس بن علقمة - دعوني آته. فقالوا: آته. فلما أشرف على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم هذا فلان، وهو من قوم يعظمون البدن، فابعثوها، فبعثوها له، واستقبله القوم يلبون، فلما رأى ذلك. قال: سبحان اللَّه ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت، فرجع إلى أصحابه فقال: رأيت البدن قد قلدت وأشعرت، وما أرى أن يصدوا، وجرى بينه وبين قريش كلام أحفظه. فقال عروة بن مسعود الثقفي: إن هذا قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها ودعوني آته فقالوا: آته، فآتاه، فجعل يكلمه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم نحواً من قوله لبديل. فقال له عروة عند ذلك أي محمد أرأيت لو استأصلت قومك، هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك، وإن تكن الأخرى فواللَّه إني لأرى وجوهاً، وأرى أوباشاً من الناس خلقاً أن يفروا ويدعوك، فقال له أبو بكر امصص بظر اللات، أنحن نفر عنه؟ قال: من ذا؟ قالوا: أبو بكر، قال: أما والذي نفسي بيده لولا يد كانت عنديلم أجزك بها لأجبتك. وجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم ، وكلما كلمه أخذ بلحيته، والمغيرة بن شعبة عند رأس النبي صلى الله عليه وسلم ، ومعه السيف وعليه المغفر، فكلما أهوى عروة إلى لحية النبي صلى الله عليه وسلم ضرب يده بنعل السيف وقال: أخر يدك عن لحية رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ، فرفع عروة رأسه وقال: من ذا؟ قالوا: المغيرة بن شعبة، فقال: أي غدر، أو لست أسعى في غدرتك؟ وكان المغيرة صحب قوماً في الجاهلية فقتلهم، وأخذ أموالهم، ثم جاء فأسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم أما الإسلام فأقبل، وأما المال فلست منه في شيء وكان المغيرة ابن أخي عروة.
|
||||
|
|||||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#98 | ||||
|
قوة السمعة: 130
![]() |
ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وعلاقتهم به، فرجع إلى أصحابه، فقال: أي قوم، واللَّه لقد وفدت على الملوك، على قيصر وكسرى والنجاشي، واللَّه ما رأيت ملكاً يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمداً، واللَّه إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيماً له، وقد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها. هو الذي كف أيديهم عنكم: ولما رأى شباب قريش الطائشون، الطامحون إلى الحرب رغبة زعمائهم في الصلح فكروا في خطة تحول بينهم وبين الصلح، فقرروا أن يخرجوا ليلاً ويتسللوا إلى معسكر المسلمين، ويحدثوا أحداثاً تشعل نار الحرب، وفعلاً قد قاموا بتنفيذ هذا القرار، فقد خرج سبعون أو ثمانون منهم ليلاً فهبطوا من جبل التنعيم، وحاولوا التسلل إلى معسكر المسلمين، غير أن محمد بن سلمة قائد الحرس اعتقلهم جميعاً. ورغبة في الصلح أطلق سراحهم النبي صلى الله عليه وسلم وعفا عنهم، وفي ذلك أنزل اللَّه: {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ} [الفتح: 24]. عثمان بن عفان سفيراً إلى قريش: وحينئذ أراد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أن يبعث سفيراً يؤكد لدى قريش موقفه وهدفه من هذا السفر، فدعا عمر بن الخطاب ليرسله إليهم، فاعتذر قائلاً يا رسول اللَّه ليس لي بمكة أحد من بني كعب يغضب لي إن أوذيت، فأرسل عثمان بن عفان، فإن عشيرته بها، وإنه مبلغ ما أردت، فدعاه، وأرسله إلى قريش، وقال: أخبرهم إنا لم نأت لقتال، وإنما جئنا عماراً، وادعهم إلى الإسلام وأمره أن يأتي رجالا بمكة مؤمنين ونساء مؤمنات، فيبشرهم بالفتح، ويخبرهم أن اللَّه عز وجل مظهر دينه بمكة، حتى لا يستخفي فيها أحد بالإيمان. فانطلق عثمان حتى مر على قريش ببلدح، فقالوا: أين تريد؟ فقال: بعثني رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كذا وكذا، قالوا: قد سمعنا ما تقول، فانفذ لحاجتك وقام إليه أبان بن سعيد بن العاص، فرحب به ثم أسرج فرسه، فحمل عثمان على الفرس، وأجاره وأردفه حتى جاء مكة، وبلغ الرسالة إلى زعماء قريش. فلما فرغ عرضوا عليه أن يطوف بالبيت، لكنه رفض هذا العرض، وأبى أن يطوف حتى يطوف رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم. إشاعة مقتل عثمان وبيعة الرضوان: واحتبسته قريش عندها - ولعلهم أرادوا أن يتشاوروا فيما بينهم في الوضع الراهن، ويبرموا أمرهم، ثم يردوا عثمان بجواب ما جاء به من الرسالة - وطال الاحتباس، فشاع بين المسلمين أن عثمان قتل، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لما بلغته تلك الإشاعة لا نبرح حتى نناجز القوم، ثم دعا أصحابه إلى البيعة، فثاروا إليه يبايعونه على أن لا يفروا، وبايعته جماعة على الموت، وأول من بايعه أبو سنان الأسدي، وبايعه سلمة بن الأكوع على الموت ثلاث مرات في أول الناس ووسطهم وآخرهم، وأخذ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بيد نفسه وقال: هذه عن عثمان. ولما تمت البيعة جاء عثمان فبايعه، ولم يتخلف عن هذه البيعة إلا رجل من المنافقين يقال له جد بن قيس. أخذ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم هذه البيعة تحت شجرة، وكان عمر آخذاً بيده، ومعقل بن يسار آخذاً بغصن الشجرة يرفعه عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وهذه هي بيعة الرضوان التي أنزل اللَّه فيها: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} [الفتح: 18]. إبرام الصلح وبنوده: وعرفت قريش حراجة الموقف، فأسرعت إلى بعث سهيل بن عمرو لعقد الصلح، وأكدت له أن لا يكون في الصلح إلا أن يرجع عنا عامه هذا. لا تتحدث العرب عنا أنه دخلها علينا عنوة أبداً. فأتاه سهيل بن عمرو، فلما رآه عليه السلام قال: قد سهل لكم أمركم، أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل، فجاء سهيل فتكلم طويلاً ثم اتفقا على قواعد الصلح وهي هذه: الرسول صلى الله عليه وسلم يرجع من عامه، فلا يدخل مكة، وإذا كان العام القابل دخلها المسلمون فأقاموا بها ثلاثاً، معهم سلاح الراكب، السيوف في القرب، ولا تتعرض لهم بأي نوع من أنواع التعرض. وضع الحرب بين الطرفين عشر سنين، يأمن فيها الناس، ويكف بعضهم عن بعض. من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش، وعهدهم دخل فيه، وتعتبر القبيلة التي تنضم إلى أي الفريقين جزءاً من ذلك الفريق، فأي عدوان تتعرض له أي من هذه القبائل يعتبر عدواناً على ذلك الفريق. من أتى محمداً من قريش من غير إذن وليه - أي هارباً منهم - رده عليهم، ومن جاء قريشاً ممن مع محمد - أي هارباً منه - لم يرد عليه. ثم دعا علياً ليكتب الكتاب فأملى عليه بسم اللَّه الرحمن الرحيم فقال سهيل ما الرحمن فواللَّه لا ندري ما هو؟ ولكن اكتب باسمك اللهم. فأمر النبي صلى الله عليه وسلم علياً بذلك. ثم أملى (هذا ما صالح عليه محمد رسول اللَّه) فقال سهيل: لو نعلم أنك رسول اللَّه ما صددناك عن البيت، ولا قاتلناك، ولكن اكتب محمد بن عبد اللَّه فقال: إني رسول اللَّه وإن كذبتموني، وأمر علياً أن يكتب محمد بن عبد اللَّه، ويمحو لفظ رسول اللَّه، فأبى علي أن يمحو هذا اللفظ. فمحاه صلى الله عليه وسلم بيده، ثم تمت كتابة الصحيفة، ولما تم الصلح دخلت خزاعة في عهد -رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وكانوا حليف بني هاشم منذ عهد عبد المطلب كما قدمنا في أوائل المقالة، فكان دخولهم في هذا العهد؛ تأكيداً لذلك الحلف القديم - ودخلت بنو بكر في عهد قريش. رد أبي جندل: وبينما الكتاب يكتب إذ جاء أبو جندل بن سهيل يرسف في قيوده، قد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين ظهور المسلمين، فقال سهيل هذا أول ما أقاضيك عليه على أن ترده. فقال النبي صلى الله عليه وسلم إنا لم نقض الكتاب بعد. فقال: فواللَّه إذا لا أقاضيك على شيء أبداً.
|
||||
|
|||||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#99 | ||||
|
قوة السمعة: 130
![]() |
فقال النبي صلى الله عليه وسلم فأجزه لي. قال: ما أنا بمجيزه لك. قال: بلى فافعل، قال: ما أنا بفاعل. وقد ضرب سهيل أبا جندل في وجهه، وأخذ بتلابيبه وجره؛ ليرده إلى المشركين، وجعل أبو جندل يصرخ بأعلى صوته يا معشر المسلمين أأرد إلى المشركين يفتنوني في ديني؟ فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يا أبا جندل اصبر واحتسب، فإن اللَّه جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجاً ومخرجاً. إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحاً، وأعطيناهم على ذلك، وأعطونا عهد اللَّه فلا نغدر بهم. فوثب عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه مع أبي جندل يمشي إلى جنبه ويقول اصبر يا أبا جندل، فإنما هم المشركون، وإنما دم أحدهم دم كلب، ويدني قائم السيف منه يقول عمر رجوت أن يأخذ السيف فيضرب به أباه، فضن الرجل بأبيه ونفذت القضية. النحر والحلق للحل عن العمرة: ولما فرغ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من قضية الكتاب قال: قوموا، فانحروا، فواللَّه ما قام منهم أحد حتى قال ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد قام فدخل على أم سلمة، فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت: يا رسول اللَّه أتحب ذلك؟ اخرج، ثم لا تكلم أحداً كلمة حتى تنحر بدنك، وتدعو حالقك فيحلقك، فقام فخرج فلم يكلم أحداً منهم حتى فعل ذلك، نحر بدنه، ودعا حالقه فحلقه، فلما رأى الناس ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضاً، حتى كاد بعضهم يقتل بعضاً زحاماً، وكانوا نحروا البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة، ونحر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم جملاً كان لأبي جهل، كان في أنفه برة من فضة، ليغيظ به المشركين، ودعا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم للمحلقين ثلاثاً بالمغفرة وللمقصرين مرة. وفي هذا السفر أنزل اللَّه فدية الأذى لمن حلق رأسه بالصيام، أو الصدقة، أو النسك في شأن كعب بن عجرة. الإباء عن رد المهاجرات: ثم جاء نسوة مؤمنات فسأل أولياؤهن أن يردهن عليهم بالعهد الذي تم في الحديبية، فرفض طلبهم هذا، بدليل أن الكلمة التي كتبت في المعاهدة بصدد هذا البند هي وعلى أنه لا يأتيك منا رجل، وإن كان على دينك إلا رددته علينا فلم تدخل النساء في العقد رأساً. وأنزل اللَّه في ذلك: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمْ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ}[الممتحنة: 10] حتى بلغ: {بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ} فكان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يمتحنهن بقوله تعالى: {إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا} إلخ، فمن أقرت بهذه الشروط قال لها قد بايعتك. ثم لم يكن يردهن. وطلق المسلمون زوجاتهم الكافرات بهذا الحكم. فطلق عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك. تزوج بإحداهما معاوية، وبالأخرى صفوان بن أمية. ماذا يتمخض عن بنود المعاهدة: هذه هي هدنة الحديبية، ومن سبر أغوار بنودها مع خلفياتها لا يشك أنها فتح عظيم للمسلمين، فقريش لم تكن تعترف بالمسلمين أي اعتراف، بل كانت تهدف استئصال شأفتهم، وتنتظر أن تشهد يوماً ما نهايتهم، وكانت تحاول بأقصى قوتها الحيلولة بين الدعوة الإسلامية، وبين الناس، بصفتها ممثلة الزعامة الدينية والصدارة الدنيوية في جزيرة العرب، ومجرد الجنوح إلى الصلح اعتراف بقوة المسلمين، وأن قريشاً لا تقدر على مقاومتهم، ثم البند الثالث يدل فحواه على أن قريشاً نسيت صدارتها الدنيوية وزعامتها الدينية، وأنها لا تهمها الآن إلا نفسها، أما سائر الناس وبقية جزيرة العرب فلو دخلت في الإسلام بأجمعها، فلا يهم ذلك قريشاً، ولا تتدخل في ذلك بأي نوع من أنواع التدخل. أليس هذا فشلاً ذريعاً بالنسبة إلى قريش؟ وفتحا مبيناً بالنسبة إلى المسلمين؟ إن الحروب الدامية التي جرت بين المسلمين وبين أعدائهم لم تكن أهدافها - بالنسبة إلى المسلمين - مصادرة الأموال وإبادة الأرواح، وإفناء الناس، أو إكراه العدو على اعتناق الإسلام، وإنما كان الهدف الوحيد الذي يهدفه المسلمون من هذه الحروب هو الحرية الكاملة للناس في العقيدة والدين {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف: 29]. لا يحول بينهم وبين ما يريدون أي قوة من القوات، وقد حصل هذا الهدف بجميع أجزائه ولوازمه، وبطريق ربما لا يحصل بمثله في الحروب مع الفتح المبين، وقد كسب المسلمون لأجل هذه الحرية نجاحاً كبيراً في الدعوة، فبينما كان عدد المسلمين لا يزيد على ثلاثة آلاف قبل الهدنة صار عدد الجيش الإسلامي في سنتين عند فتح مكة عشر آلاف. أما البند الثاني فهو جزء ثان لهذا الفتح المبين، فالمسلمون لم يكونوا بادئين بالحروب، وإنما بدأتها قريش، يقول اللَّه تعالى: {وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [التوبة: 13] أما المسلمون فلم يكن المقصود من دورياتهم العسكرية إلا أن تفيق قريش عن غطرستها وصدها عن سبيل اللَّه وتعمل معهم بالمساواة، كل من الفريقين يعمل على شاكلته فالعقد بوضع الحرب عشر سنين حد لهذه الغطرسة والصد، ودليل على فشل من بدأ الحرب وضعفه وانهياره.
|
||||
|
|||||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#100 | ||||
|
قوة السمعة: 130
![]() |
أما البند الأول فهو حد لصد قريش عن المسجد الحرام، فهو أيضاً فشل لقريش، وليس فيه ما يشفي قريشاً سوى أنها نجحت في الصد لذلك العام الواحد فقط. أعطت قريش هذه الخلال الثلاث للمسلمين، وحصلت بإزائها خلة واحدة فقط، وهي ما في البند الرابع، ولكن تلك الخلة تافهة جداً، ليس فيها شيء يضر بالمسلمين، فمعلوم أن المسلم ما دام مسلماً لا يفر عن اللَّه ورسوله، وعن مدينة الإسلام، ولا يفر إلا إذا ارتد عن الإسلام ظاهراً أو باطناً، فإذا ارتد فلا حاجة إليه للمسلمين وانفصاله من المجتمع الإسلامي خير من بقائه فيه، وهذا الذي أشار إليه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بقوله إنه من ذهب منا إليهم فأبعده اللَّه. وأما من أسلم من أهل مكة فهو وإن لم يبق للجوئه إلى المدينة سبيل لكن أرض اللَّه واسعة، ألم تكن الحبشة واسعة للمسلمين حينما لم يكن يعرف أهل المدينة عن الإسلام شيئاً؟ وهذا الذي أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله ومن جاءنا منهم سيجعل اللَّه له فرجاً ومخرجاً. والأخذ بمثل هذا الاحتفاظ، وإن كان مظهر الاعتزاز لقريش، لكنه في الحقيقة ينبىء عن شدة انزعاج قريش وهلعهم وخورهم. وعن شدة خوفهم على كيانهم الوثني. وكأنهم كانوا قد أحسوا أن كيانهم اليوم على شفا جرف هار. لا بد له من الأخذ بمثل هذا الاحتفاظ. وما سمح به النبي صلى الله عليه وسلم من أنه لا يسترد من فرّ إلى قريش من المسلمين، فليس هذا إلا دليلاً على أنه يعتمد على تثبيت كيانه وقوته كمال الاعتماد، ولا يخاف عليه من مثل هذا الشرط. حزن المسلمين ومناقشة عمر مع النبي صلى الله عليه وسلم: هذه هي حقيقة بنود هذه الهدنة، لكن هناك ظاهرتان عمت لأجلهما المسلمين كآبة وحزن شديد، الأولى: أنه كان قد أخبرهم أنا سنأتي البيت فنطوف به، فماله يرجع ولم يطف به؟ الثانية: أنه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وعلى الحق، واللَّه وعد إظهار دينه، فما له قبل ضغط قريش، وأعطى الدنية في الصلح؟ كانت هاتان الظاهرتان مثار الريب والشكوك والوساوس والظنون. وصارت مشاعر المسلمين لأجلهما جريحة، بحيث غلب الهم والحزن على التفكير في عواقب بنود الصلح. ولعل أعظمهم حزناً كان عمر بن الخطاب، فقد جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول اللَّه ألسنا على حق وهم على باطل؟ قال: بلى. قال: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: بلى. قال: ففيم نعطي الدنية في ديننا، ونرجع ولما يحكم بيننا وبينهم؟ قال: يا ابن الخطاب إني رسول اللَّه ولست أعصيه، وهو ناصري ولن يضيعني أبداً. قال: أو ليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: بلى. فأخبرتك أنا نأتيه العام؟ قال: لا. قال: فإنك آتيه ومطوف به. ثم انطلق عمر متغيظاً فأتى أبا بكر، فقال له كما قال لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ، ورد عليه أبو بكر، كما رد عليه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم سواء. وزاد فاستمسك بغررزه حتى تموت، فواللَّه إنه لعلى الحق. ثم نزلت: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا} [الفتح: 1] الخ فأرسل رسول اللَّه إلى عمر فأقرأه إياه. فقال: يا رسول اللَّه أو فتح هو؟ قال: نعم. فطابت نفسه ورجع. ثم ندم عمر على ما فرط منه ندماً شديداً قال عمر فعمدت لذلك أعمالاً، ما زلت أتصدق وأصوم وأصلي وأعتق من الذي صنعت يومئذ، مخافة كلامي الذي تكلمت به، حتى رجوت أن يكون خيراً. انحلت أزمة المستضعفين: ولما رجع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، واطمأن بها، انفلت رجل من المسلمين، ممن كان يعذب في مكة، وهو أبو بصير رجل من ثقيف حليف لقريش، فأرسلوا في طلبه رجلين وقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم العهد الذي جعلت لنا. فدفعه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرجلين. فخرجا به حتى بلغا ذا الحليفة، فنزلوا يأكلون من تمر لهم، فقال أبو بصير لأحد الرجلين واللَّه إني لأرى سيفك هذا يا فلان جيداً. فاستله الآخر، فقال: أجل. واللَّه إنه لجيد، لقد جربت به ثم جربت. فقال أبو بصير أرني أنظر إليه؛ فأمكنه منه فضربه حتى برد. وفر الآخر حتى أتى المدينة، فدخل المسجد يعدو، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حين رآه لقد رأى هذا ذعراً، فلما انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: قتل صاحبي، وإني لمقتول، فجاء أبو بصير وقال: يا نبي اللَّه، قد واللَّه أوفى اللَّه ذمتك، قد رددتني إليهم، ثم أنجاني اللَّه منهم، قال رسول اللَّه ويل أمة، مسعر حرب لو كان له أحد، فلما سمع ذلك عرف أن سيرده إليهم، فخرج حتى أتى سيف البحر، وينفلت منهم أبو جندل بن سهيل، فلحق بأبي بصير، فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير حتى اجتمعت منهم عصابة.
|
||||
|
|||||
| اقتباس المشاركة |
![]() |
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|