| الإهداءات |
|
|||||||
![]() |
|
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |

|
|
#151 | ||||
|
قوة السمعة: 130
![]() |
أشتقت لوجه أمي الصبوح، لحنانها، لرغيف خبز التنور الساخن من بين يديها، لرائحة الأرض الندية، لضياء الشمس في قريتي، وبهاء القمر ولوهج النجوم في ليلها وثراء السحب في نهارها. للركض في البراري أسرح مع خيوط المدى. أصعد التلال وأنزل الوادي..
صممت على الذهاب إلى القرية حال خروجي. وأنعشت الفكرة قلبي. فأمي وحدها القادرة على أن تعيد لروحي تألقها.. تحسنت حالتي بعض الشيء.. فأخرجوني بعد شهر كامل. وحين عدت إلى المعسكر وجدت أمامي، خبر هروب العميد المتقاعد رأفت إلى تركيا.. وخبر إحالة "أبو الحق" إلى مستشفى الشماعية في بغداد.. بعد إلقاء القبض عليه وثبوت جنونه! كما وجدت دفتر الخدمة العسكرية جاهزاً، وبه تسريحي من الجيش لانتهاء مدتي القانونية.. آلمني هروب العميد رأفت. لم أصدق الخبر.. وكأسد هائج جريح، قصدت داره لأستجوبه ولأنتقم منه.. فلم أجده.. سألت الجيران. فقال لي أحدهم: -أخبرني أنه مسافر إلى الخليج، للعمل هناك! ذهبت إلى إلهام لأحدثها، وأنقل لها ما جرى لي. "فربما تكون قلقة عليّ" وألوذ بها كآخر معقل كي تنقذني، وتجعل مني شيئاً ما.. فلم أجدها في البيت.. انتظرتها طويلاً دون جدوى.. ولم يكن أمامي إلاّ القرية.. بعد أن خاب آخر أمل لي، آخر رجاء.. وسوغت ذلك، بوجوب ابتعادي عن الموصل. وعن إلهام بالذات. فإلى متى سألقي أثقالي على كتفيها.. لا أدري لِمَ نسيت الأخت سناء؟! لم أفكر بها ولا بسهام أختها..! عدت إلى القرية خائباً، عليلاً. بقيت أسبوعاً كاملاً، لم يفارقني الصداع خلاله لحظة! كنت أشعر بغثيان. وشفتاي ترتجفان، وأحياناً أبصق دماً..! حاولت إخفاء الأمر.. فلم أعلم أحداً بما حدث لي، لا بمحاولة العميد الخبيثة، ولا بدخولي المستشفى.. وكتمت السر في صدري.. لم يأت لزيارتي سوى المختار ونصار وعم مصطفى مع أسرته.. والحاج صالح وحده.. وأخيراً جاءت خالتي مريم. قدمت إلى القرية، تتفقد بيتها المهجور، ولتأخذ دينها من هذا وذاك.. وعندما سمعت بمرضي زارتنا.. صعب عليها حالي، مريضاً وعاطلاً، مفلساً وعليلاً، وبناء على رغبتها وتعهدها بأخذي إلى عيادة طبيب، صديق لزوجها المحامي، ووعدها بإيجاد عمل مناسب أعتاش من ورائه، اضطررت إلى مرافقتها صوب أربيل، وبعد إلحاح أمي وتوسلاتها.. ولم تكن خالتي مريم شريفة لتحافظ على كلمتها ووعدها وأمينة على عهدها. أظهرت نذالتها وتخلت عني بعد يوم واحد فقط..! وصلنا أربيل في الساعة الخامسة عصراً.. وحال دخولنا بيتها قابلني زوجها المحامي حامد الجمولي، بوجه غاضب! فأبعدتني فوراً عن عينيه، وأدخلتني غرفة صغيرة.. ومن خلف بابها سمعته يصرخ، يزعق، يضرب المنضدة بيده. يرغي ويزبد ويرفس الباب.. فذهلت.. وتساءلت مع نفسي ما الذي جرى؟! كان صيحاته أسياخ نار في أحشائي.. وشعرت بالقرف والغثيان منه. وتمنيت لو غرزت أصابعي في عينيه.. كان واضحاً أنه يريد اخراجي.. يأمر خالتي بأخذي بعيداً عن عينيه بأية صورة كانت.. وسريعاً.. ولم تتأخر خالتي، عادت بعد قليل لتسحبني إلى المستشفى الجمهوري.. وتتركني هناك.. ولم أر وجهها ثانية! لم تكن المستشفى الحكومية في مستوى المستشفى العسكري.. لا عناية خاصة، ولا أطباء أكفاء.. ولا تغذية جيدة أو رعاية.. لم أحتمل الجو الجديد المزعج.. ولم أطق وجه الممرضة الشابة، وانزعجت من معاملتها السيئة للمرضى.. فصحت بها وكدت أضربها. فراحت تشكوني إلى الطبيب.. الذي سرعان ما جاءني مهدئاً.. استمع إليّ دون أن تبدو عليه أمارات فقدان الصبر. وعندما انتهيت من "هلوستي" ربت على كتفي بمحبة، وحثني على مواجهة الصعاب بحكمة وعقل..! وبعد خروجه تحاملت على نفسي، للذهاب إلى الحمام. لكن قدميّ قادتني لإلقاء نظرة مختلسة على غرفة الطبيب، فرأيتهما معاً.. هو الممرضة.. اعترتني ارتعاشة ضئيلة مبعثها الاستياء وتجرأت.. اقتربت من باب الغرفة، فسمعته يحدثها: -لا تتذمري منه.. فهذا إنسان مريض، محكوم عليه بالموت بعد ستة أشهر على أكثر تقدير.. أخذ جرعة كبيرة من سم قاتل.. ولا أمل في شفائه.. ولا يمكن أن يتعافى إلاّ بمعجزة إلهية.. وليس ذلك على اللّه ببعيد.. وكل شيء عن الرحمن جائز.. |
||||
|
|||||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#152 | ||||
|
قوة السمعة: 130
![]() |
ارتعبت.. وأظلم الكون في عينيّ ورأيت كل ما أمامي من حاجات تطفو! فهرولت عائداً إلى غرفتي.. وهناك، تراءت لي أشباح مترنحة وتموجات سوداء عنيفة لا حدود لها.. ونجوم ملونة.
رميت جسدي على السرير مستسلماً لليأس الكامل. وحاول المرضى الثلاثة الذين يشاركوني المكان معرفة ما بي. فلم أفتح فمي بكلمة.. وكدت أموت من شدة الرعب ليس إلا.. وتدريجياً أيقنت بعدم جدوى ما أفعله.. فالموت حق ولابد أن أتقبل الأمر برحابة صدر، وأواجه الأيام بالصمود. وأحسست بالتحسن عندما أطفئت الأنوار، وغرقت في أحلام اليقظة. وعلى الرغم من أن عدة همسات مخنوقة وضحكات متقطعة خرقت السكون المطبق عدة مرات، إلا أني توصلت إلى إغفاءة متعثرة.. ولثلاثة أيام بقيت ممدداً على السرير، دون حراك.. رافضاً تناول الدواء.. بقيت لعدم استطاعتي الخروج.. وانهمكت في رسم المشاريع ووضع الخطط.. أخطط لما يجب فعله قبل أن يجرفني تيار الموت.. أفكر بما أستطيع تقديمه لأمي وقريتي.. في فجر اليوم الرابع وجدت في نفسي القدرة على الحركة. فتركت المستشفى.. هربت.. إلى الموصل! ذهبت إلى إلهام كملجأ أخير استقوي بدفئها وحنانها، على مغالبة ما بي. إلا أن أباها، الذي فتح لي الباب، طعنني بخنجر سام دون أن يدري.. فزادني مقتلاً: قال بفرح: -السيدة إلهام سافرت أمس إلى البصرة، مع ابن خالها المهندس رشدي، لقضاء شهر العسل.. سدت الأبواب في وجهي.. وما كان أمامي إلا العودة إلى القرية.. ووصلت أربيل ولم يكن في جيبي فلس واحد. لم يبق لديّ ما يكفي ليوصلني إلى أمي.. فارتأيت أن أقصد خالتي مريم لأستدين منها. لم أفكر بحل آخر.. تحجر عقلي لحظتها ومضيت لأستدين منها درهمين لاغير! لم أجد أحداً في بيت خالتي.. طرقت الباب مرات.. وحين لم أسمع رداً عبرت السور.. وكسرت النافدة المطلة على الصالة.. تماماً كما فعلت مع.. المرحوم مجيد.. تذكرت المجرم المجنون إسماعيل.. قارنته بالجمولي.. فوجدت تشابهاً كبيراً، دفعني لاقتحام غرفة زوج خالتي الخاصة. خلعت باب دولابه بحثاً عن درهمين، فوقعت مفاتيحه بين يدي! مصادفة غريبة أفرحتني إلى درجة أنستني نفسي.. وحفزتني على الإقدام بما لم يخطر على بالي أبداً.. من قبل..! استعنت بالمفاتيح على فتح خزانة الجمولي ومكتبته. وأخرجت الأوراق الهامة.. أخذت منها ما يفيد.. تلك التي تخص سعدو والسلماني، وصكوك ومستندات على المختار وأمي ونصار والحاج صالح فقط! ثم أخذت الملف الأحمر.. فقرأت به عقد قران السلماني.. عنوانه الجديد.. اسم زوجته وأسماء الشهود.. وأوراقاً عديدة ومستندات.. لم يتسن لي قراءتها أنذاك..)). |
||||
|
|||||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#153 | ||||
|
قوة السمعة: 130
![]() |
30 -
بعد الفجر بساعة، شعرت بأصابع خفية، ناعمة تلمس جبهتي الساخنة، بحنان وشفقة فتطفىء لهيبها. ولم تكتف، هزت كتفي برقة متناهية، فأيقظتني من رقدتي القصيرة. في البدء تنبهت إلى صوت موسيقا عذبة، شجية. يسري مع هسيس الأغصان وزقزقة العصافير..! فتحت عينيّ، فبهرني ضياء نور لامع! يشع في أرجاء الغرفة بشكل عجيب! رفعت رأسي عن الوسادة، لأتبين سره، فتراءت لي هالة نورانية تحيط بملاك جميل يسبح في الفضاء! دهشت، وزادت دهشتي حين رأيته ينحني لي باحترام! انشددت إلى ملابسه البيضاء الناصعة. وانتبهت إلى ابتسامته الحلوة، وإلى شفتيه الرقيقتين وهما تهمسان بحزم: -حانت النهاية يا كاكاحمه.. وآن أوان الرحيل..! انتظر مجيئه.. وإن تأخر أكثر من "المقرر".. ولم أرتعب أو أهتز رهبة. تقبلت الأمر برضى وسرور. وأبديت كامل استعدادي لمرافقته. لكني ناشدته برجاء، منحي ساعة واحدة فقط. كي يتسنى لي أن أشرح لزوجتي، ما لي وما عليّ.. لتكون على بينة وإطلاع تام، ومعرفة بما يجب أن تفعله بعد رحيلي. فحياتي انتهت، وما عاد هناك من داع لإخفاء الحقيقة عنها.. وكما قال الطبيب "ما من بصيص أمل" فمرضي عضال شديد، يصعب شفاؤه.. وعليها تكملة المشوار.. حنى رأسه موافقاً. وأعلمني بلسان حلو خافت، قبل أن يختفي. -تحققت أمانيك.. أحسست بالسعادة الخالصة، والراحة وأنا أستوي جالساً! فلقد تحققت أمنياتي حقاً.. انتهى الكابوس الذي عشته منذ سبعة أشهر.. تملكتني حالة عجيبة من الفرح والبهجة العارمة، والزهو.. إذ تخلصت من المأساة.. بعد أن عشتها معذباً..! عشت في جحيم حقيقي.. كنت أحسه في كل لحظة. لكني لم أقدر حجمه إلاّ الآن.. حين تحققت الأماني.. بشكل آخر.. وبرد جسدي..! شعرت بأني أعبر ذرا الحزن الشاهقة. تلك التي كنت أصلها كل يوم مرات ومرات.. وأقيم فوقها مجبراً.. أبكي عندها بصمت.. أندب حظي.. وأتمنى أن يتبدل نحو الأحسن.. عبرتها الآن في ثوان دونما دموع..! الآن ما عدت أتمنى إلا أن أرقد بسلام. فالنشاط بدأ يدب في أوصالي والحيوية أخذت تسري في جسدي وزال الألم وتلاشت الأوجاع.. وتفتحت شهيتي بصورة غريبة.. وأنا الذي تمنيت طوال الأيام الماضية.. أن تتحسن صحتي ويخف الألم الذي يكاد يمزق الأحشاء.. وفي كل ليلة كنت أتمنى أن يطلع الصباح عليّ وقد زايلني الوجع تماماً واستعدت نشاطي.. لكن ذلك لم يحدث قط.. إذ لم يفارقني الألم وفقدت شهيتي إلى الطعام.. وأخذ جسمي يهزل من يوم إلى آخر.. وقواي تضعف ساعة بعد ساعة.. كانت هدهد بجانبي، تغط في نومها، وأمي ذهبت بعد الصلاة إلى بشيرة، التي أسقطت أمس جنيها وهي في الشهر الرابع.. تركت السرير.. فتحت النافدة. كانت شمس الصباح في بدايتها، وخيوطها الذهبية بدأت تلمع بخفوت وراح سرب حمام يأوي إلى الفناء. تاركاً أعشاشه ليلعب في باحة الحديقة، ويفتش عما تعودت أمي وضعه له.. فاحت رائحة الورد بشدة. وعبقت الغرفة بعطرها مختلطاً برائحة العطر، الذي اشتريته لهدهد.. فانتشيت.. تمددت على الأرض بمواجهة القبلة الشريفة. رحت أتلو الشهادتين.. وأسترجع ما حصل.. تذكرت كل شيء.. تداعت الصور القديمة أمام عيني جلية واضحة، وبدون رتوش، مرقت أمامي بسرعة عجيبة وكأنها تحدث تواً! وفجأة انقطع الشريط.. وتفرق سرب الحمام.. حلق فزعاً.. وظهرت صورة أمي وبشيرة وهما ترقصان تتصدران مسيرة الفرح!. منذ سبعة شهور وأنا أعيش في كابوس.. كابرت كثيراً.. وكتمت سري خلالها، حتى لا أؤذي أمي وأجرح قلبها.. لكن إرادة الله.. لا مفر منها.. كابرت وقاومت حتى لا يكون مرضي حديث الجاد والساخر.. وحتى لا أصبح مجالاً للشفقة، تشق على الناس رؤيتي معذباً.. أدركت الختام وعرفت مصيري.. فحمدت اللّه، فسأموت وأنا مرتاح.. أمنت مستقبل أمي وزوجتي.. وولدي القادم.. سيدر عليهم الدكان ربحاً دائماً إضافة إلى إيجار المخزن وإيراد الأرض ما يكفيهم طوال العمر.. هدهد.. حبيبتي.. ستفتح عينيها على الطريق الجديد.. سترى النور قريباً.. كما أكد لي عيسى الذي تعهد بمتابعة علاجها.. وسيسافر مع عم مصطفى إلى بغداد لأجل إجراء العملية بعد عشرة أيام فقط من ولادتها.. بعد أن تم تحديد الموعد قبل أسبوع. |
||||
|
|||||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#154 | ||||
|
قوة السمعة: 130
![]() |
هدهد ستراني بعينيها ممثلاً بولدي الصغير.. وستتذكرني.. سيشبهني بالتأكيد..
-ابن عمي..!! ما بك؟ همست هدهد بهلع وهي تنحني قربي. خمنت إنها أفاقت على هذياني.. فحزنت.. هطلت دموعي.. أدركت حبي لها وقسوتي.. وقدرت معاناة تأنيب الضمير.. فتألمت عليها.. وندمت لأني لم أكاشفها.. وما دمت عاجزاً عن حمل سري إلى القبر.. فيجب مصارحتها بكل شيء.. وقبل انقضاء الوقت.. -تعالي يا هدهد.. تعالي.. اجلسي واسمعيني.. قريباً سترين النور.. -أنت نورعيني. -أنا راحل عنك بعد قليل..انتهت حياتي.. -لا.. لا تقل هذا.. لاتقل.. -هدهد.. يا حبيبتي.. اغفري لي.. -علام!! لم أشهد منك إلاّ المحبة والود.. -شيئان أطلبهما منك قبل موتي.. ألا تبكي عليّ.. لا تذرفي دمعة واحدة.. ستؤذينني وأنا في قبري.. وستؤذين عينيك وأنا أريد لهما النور. -بعدك لن أحتاج لنور. -لا.. يا هدهد.. من أجل ولدي.. ولدنا القادم..اغفري لي.. وعديني ألا تبكي.. وأن تعتني بأمي.. -إنها أمي.. يا كاكاحمه.. أمي.. -لا تبكي.. لا أريد أن تبكي.. إنها مشيئة اللّه. لقد صدق الطبيب في تشخيص حالتي.. وتوقع نهايته.. لكن نبؤته في تحديد الوقت لم تكن مضبوطة.. قال للممرضة "لن يبقى أكثر من ستة أشهر".. وها أنا سرقت منه شهراً وأربعة أيام! نسي أنني كاكاحمه!. |
||||
|
|||||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#155 | |
|
قوة السمعة: 0
![]() |
شكراً اخوي الطالب المجتهد
مع تحيااااااااااتي ابوعواد alfahd |
|
| اقتباس المشاركة |
|
|
#156 | |
|
قوة السمعة: 10
![]() |
شكرا لك الطالب المجتهد
|
|
|
||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#157 | ||||
|
قوة السمعة: 130
![]() |
عفوا ابو عواد
نورت الموضوع |
||||
|
|||||
| اقتباس المشاركة |
|
|
#158 | ||||
|
قوة السمعة: 130
![]() |
عفوا منال
نورتي الموضوع |
||||
|
|||||
| اقتباس المشاركة |
![]() |
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|