Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showthread.php on line 639

Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showthread.php on line 1041

Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showthread.php on line 1046

Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showthread.php on line 1518

Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showthread.php on line 1523
العصفور والريح - الصفحة 14 - منتديات شباب فلسطين
نحن مع غزة


الإهداءات

العودة   منتديات شباب فلسطين > محطات عامـة > الــوآحــة الـعــآمّــة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 05-14-2009, 12:38 PM   #131
الطالب المجتهد
I ♥ PALESTINE
 
الصورة الرمزية الطالب المجتهد
اللهم نجحني يارب
الحمد لله بخير ..

قوة السمعة: 130 الطالب المجتهد will become famous soon enough

افتراضي رد: العصفور والريح

كان عليَّ التمهيد لمجىء "الشفل" أصنع ممراً ليدخل حتى التل، كي يهده بمغارزه الحديدية الضخمة. ومن ثم يحمل ترابه إلى الوادي ليصنع منه ممراً عريضاً للسيارات..‏

على غير المألوف، وبصورة مفاجئة جاءت الخانم بحجة المشاركة. رحبت بها وشكرتها، وخمنت هروبها من جلسة الصلح بين حسان العائد نادماً، وبين أبناء المخرف برعاية المختار والملاّ..‏

-قبل أن أساعدك اشرح لي ما تنوي عمله..‏

انحنت عليّ لترى ما بيدي. فشممت رائحة طيبة. عُطر أنفاسها وشذى عطرها ملآتا روحي نشوة.. شممتها بعنف وأنا أرسم لها على الأرض قوساً كبيرة، يمثل الطريق الحالي الذي يؤدي إلى القرية. ثم رسمت خطاً مستقيماً قصيراً يصل بين طرفيه:‏

-بدل هذه الدورة الجبلية الطويلة، والمتعرجة، الشاقة والخطرة، سيكون هذا هو طريقنا الجديد بإذن الله.. بعد أن تدكه المداحل وتعبده المزافت..‏

-والله، إنها فكرة رائعة. لم تخطر على بال أحد، إكمال الطريق بأنفسنا.‏

-صحيح أنها ليست سهلة..‏

-لا.. لا تقل هذا يا بني.. التلال من تراب، يتفتت بضربة فأس.. والوادي ليس عميقاً.. يمكننا أن نملأه بأحذيتنا..‏

-لسنا مجبرين على ملئه بالكامل.. ما يهمنا هو الطريق..‏

-صحيح.. ما أسهل ذلك.. لنتوكل على اللّه..‏

قالت بإصرار. فباركت لها. وتمنيتها زوجة لعبد اللّه المختار.. تعينه في وحدته وتدفىء فراشه البارد..‏

شرعت معي تعمل بهمّة ونشاط، تكفيراً لذنبها بحقي طوال ساعتين.. وكان وجودها حافزاً قوياً للكثيرين.. إذ تدافعوا أفراداً وجماعات يساعدوننا..‏

بعد ذهابها طرت إلى عيسى، إثر معرفتي أنه لم يذهب إلى بيت الملاّ. مع إخوته..‏

أنهضته من نومه وشرحت له اقتراح الجمولي، وخلاصة الفكرة التي برقت في ذهني لتقسيم الديوان وبناء الصفوف.‏

-ماذا أراد الجمولي منك؟‏

سألني بعد انتهائنا من موضوع المدرسة. فأخبرته بوجود الملف الأحمر وتهديدي للجمولي. فحذرني بلهجة هادئة:‏

-زوج خالتك ليس ساذجاً.. قد يهاجم الدار بدورية أمن..‏

-لا تخف.. أنها في مكان آمن.. ليس بيتنا بالطبع، لقد جرب قبل الآن.‏

-لا تعطه الملف قبل تصويره.. أعطني الأوراق لأصورها غداً..‏

لنبق نسخة بيدنا وقت الحاجة.. كسلاح فعال ضده..‏

-أتذهب غداً إلى أربيل؟‏

-سأخذ أبي.. أتحب مرافقتنا..؟‏

-لا.. أرجو أن تسأل لي عن طبيب عيون جيد.. لأعرض هدهد..‏

-هدهد!! أحسنت يا كاكاحمه.. أحسنت..‏

-هذا دينار.. اشتر لي قنينة عطور أو أكثر..‏

-عطر نسائي بالتأكيد..‏

-طبعاً.. طبعاً..‏

-يالك من عفريت.. يا كاكاحمه.. بدأت تعرف أسرار النساء..‏


  اقتباس المشاركة
قديم 05-14-2009, 12:39 PM   #132
الطالب المجتهد
I ♥ PALESTINE
 
الصورة الرمزية الطالب المجتهد
اللهم نجحني يارب
الحمد لله بخير ..

قوة السمعة: 130 الطالب المجتهد will become famous soon enough

افتراضي رد: العصفور والريح

32 -‏

((ستر الله ولطف. وأنقذ برحمته وعطفه القرية من فاجعة كبرى، كادت تودي بحياة أربعين شخصاً..‏

انفجرت عجلة السيارة الكبيرة، الأمامية. أثناء عودتها فانحرقت عن مسارها. وبدل أن تهوي في الوادي اصطدمت بكتلة صخرية. حطمت واجهتها الزجاجية، وسمرتها في مكانها.. فحفظت أرواجاً بريئة من الضياع قبل أوانها..‏

لم يمت أحد. ولم تكن إصابات الركاب بليغة. ومع ذلك نقلوا جميعاً وعلى رأسهم المخرف، إلى مستشفى أربيل المركزي. بسيارة عسكرية، كانت تمر آنذاك..))‏

أخبرني عيسى بكل هذه التفاصيل. وهو يسلمني الملف والأوراق المستنسخة، وقنينة العطر.. ويعلمني بشأن طبيب العيون.. ويعود إلى أربيل ثانية للأطمئنان على أبيه.‏

ضجت القرية وعم الصخب، وتدافع الأهالي للنجدة بعد فوات الوقت.. إذ كان الجنود أسرع منهم بنقل الجرحى دون تلكؤ.. وبتكاتف الرجال تمّ سحب السيارة إلى الساحة، إبعادها عن الطريق الجبلي..‏

كنت واقفاً أتفرج عندما جاءني المختار:‏

-سأبذل كل جهدي في سبيل إتمام الطريق الجديد.. حسب اقتراحك يا كاكاحمه.. فكفى مصائب.. كفى ضحايا..‏

أفرحني موقفه.. وزاد فرحي بعد خطبة الجمعة، في اليوم التالي، إذ انبرى متحدثاً، كلماته المؤثرة أثارت الحمية بالرجال، فتوافدوا عقب الصلاة إلى موقع الطريق، يعلنون مساهمتهم، استعدادهم للعمل، كل بما يناسب عمره وصحته..‏

رأيت حسان بين الوافدين.. جاء على حياء، وربما رغماً عنه.. وبدا واضحاً أثناء عمله بجد، إنه يتحاشى التقرب مني خلال الساعات الأولى.. ثم بدأ يتقرب شيئاً فشيئاً ويحاول الاحتكاك بي، ليحادثني وينال كلمة إعجاب وإطراء، على تفانيه بالعمل..‏

كان العمل يجري ببطء متناه وبهمّة، حتى جاء الشفل في اليوم الثالث. فجرى بسرعة متواترة وإحكام.. وانقسم الرجال إلى حفارين وحمالين، ومعبدي طريق..‏

-إنها فكرة عظيمة يا كاكاحمه.. ما خطرت على بال أحد..‏

قال لي حسان. فجاملته قائلاً:‏

-بالسواعد الخيرة سينجز العمل على أكمل وجه، ويتحقق أملنا..‏

انتشى وازدان وجهه بابتسامة. وسكت كأنه يختار الكلمات المناسبة. عيناه أفصحتا تردده في مصارحتي بما يريد.. عجزه عن إخباري بما جاء من أجله. ولم أحتمل عذابه سألته:‏

-ماذا بك يا حسان؟ عقد لسانك كما أرى!‏

-نعم..نعم يا كاكاحمه.. فأنا خجل منك ولا أعرف كيف أبدأ! كيف أفتح الموضوع معك..‏

شعرت بمعاناته، حاولت التخفيف عنه. فمازحته.‏

-أنت لم تأت لتصالحني فحسب، بل لأصالحك مع الخانم فغرفاه مدهوشاً، وغمغم معترفاً:‏

-صحيح، واللّه صحيح..‏

ضحكت، فتشجع ليضيف:‏

-هذا ما سعيت له. أمي غاضبة عليّ! لا تكلمني ولا تريد أن تسمعني.. أقسمت ألا ترى وجهي! وحرمت دخولي إلى البيت!‏

-وأنت تعيش وحدك في جناح منفرد.. ككلب أجرب.‏

-تماماً.. آكل وأشرب وحدي.. أرجوك يا كاكاحمه أتوسل إليك.. كلمها، لتغفر لي وتصالحني.. سأتوب على يديك ويديها.. أنا مستعد لكل طلباتها.. سأنفذ ما تريد.‏

-اطمئن.. يا حسان.. سأكلمها بشرط..‏

-أوافق عليه قبل سماعه..‏

-المضيف.. الديوان الفارع..‏

-مابه؟‏

-نريده مدرسه للأطفال..‏


  اقتباس المشاركة
قديم 05-14-2009, 12:39 PM   #133
الطالب المجتهد
I ♥ PALESTINE
 
الصورة الرمزية الطالب المجتهد
اللهم نجحني يارب
الحمد لله بخير ..

قوة السمعة: 130 الطالب المجتهد will become famous soon enough

افتراضي رد: العصفور والريح

مدرسة!!‏

-سنقسمه إلى ستة صفوف دراسية، وغرفتين إحداهما الادارة وأخرى للمعلمين.. وفلوس البناء عليّ..‏

-لا.. وحق الله.. لن أدعك تدفع فلساً واحداً.. سيكون البناء على حسابي.. هدية مني إلى القرية..‏

-بارك اللّه بك.. هذا ما توقعناه.. أنا وعيسى..‏

-عيسى..!!‏

-نعم.. قبل أيام أخذته إلى الديوان.. أطلعنا على مساحته قسناها ورسمنا المخطط.. منذ شهر ونحن نبحث عن مكان مناسب.. لم نجد أفضل من ديوانكم.. الذي ما عاد بذي نفع.. لكم..‏

-لو كنتم أخبرتموني..‏

-ألم يحن الوقت للتتزوج وتريح أمك؟‏

بوغت بمقاطعتي السريعة وسؤالي المفاجىء.. ولم أمهله يلتقط أنفاسه، أردفت موضحاً ومشجعاً:‏

-المرأة التي ستدخل بيتكم ستساعد الخانم، وتسعدك.‏

-أتزوج؟! أمر لم يخطر على بالي أبداً.. لم أفكر به..‏

خطرت شذى في ذهني. وجدت الشخص المناسب لها. فبشيرة لم تفعل شيئاً إلى حدّ الآن.. فشلت مساعيها مع يوسف.. ربما لم تكلمه بشأن شذى.. وربما لم يوافق فعلاً..‏

أحسست بصداع، وسرى خدر بسيط في ساقي وأنا أجيب:‏

-لم تفكر!! أتراك ناقصاً؟ يجب أن تتزوج لتبعد عنك الأقاويل وتقطع ألسنة السوء، ولتستقر.. انتشى أكثر.. ابتسامة الرضا التي ملأت وجهه، مسحت الخجل الذي كان يحس به. وشجعته على القول:‏

-أترى ذلك ضرورياً يا كاكاحمه؟‏

-بل واجباً.. لا تدرك قيمة الزواج إلاّ بعد أن تخوض غماره.. ستجد فيه اللذة والسعادة والصحة..‏

-أنت تشجعني..‏

-قل لي، ألديك واحدة تحت الإبط؟‏

-لا.. وحق الله.. لأني لم أفكر بالزواج قبل اليوم.. أتقترح عليّ واحدة.. شريفة وجميلة؟‏

كأنه أراد اختباري.. جس النبض.. ومعرفة السر في اقتراحي.. ومع ذلك قلت بلا مبالاة:‏

-قريتنا ملأى بالبنات.. ما رأيك بابنة عمتي؟‏

-شذى؟!‏

-إنها تناسبك.. عمرها مناسب وأخلاقها حسنة، ولا ينقصها الجمال..‏

عرضت عليه شذى.. وكلي أمل بأن أتخلص من ورطتها. وأخلصها هي من النحس الذي يلازمها..‏

من جديد، أحسست بالخدر يتجاوز ساقي، ويسري في عروقي. وشعرت بصداع مفاجىء. وضعت كفي على جبهتي.. فسمعته يسأل:‏

-أيقبل الحاج صالح؟‏

-إذا نو..يت فسأ..كلـ.. مه..‏

-مابك يا كاكاحمه..؟ وجهك أصفر!‏

-.....‏

غمزني الألم دفعة واحدة فعاود سؤاله.‏

-هل تشعر بشيء؟ أتحتاج لمساعدة؟‏

-اتركني وا..ذ..هب..‏

-مستحيل.. تعال.. سأخذك إلى البيت..‏

لم يكمل.. تهالكت.. سقطت فجأة.. تمددت على الأرض خائراً.. وسمعته يصيح بأعلى صوته قبل أن يغمى عليّ.‏

-يا رجال.. يا..‏


  اقتباس المشاركة
قديم 05-14-2009, 12:39 PM   #134
الطالب المجتهد
I ♥ PALESTINE
 
الصورة الرمزية الطالب المجتهد
اللهم نجحني يارب
الحمد لله بخير ..

قوة السمعة: 130 الطالب المجتهد will become famous soon enough

افتراضي رد: العصفور والريح

33 -‏

أخبرتني أمي حين أفقت من غيبوتي، بعد ساعتين:‏

-الرجال حملوك إلى هنا، إثر سقوطك المفاجىء..‏

كانت تجلس عند رأسي، على السرير فزعة مرعوبة. بيدها كمّادة. وجهها أصفر وعيناها هلعتان، وشفتاها تبسملان، تتمتمان بقصار السور.. بينما جثمت هدهد على الأرض، وهي أكثر فزعاً ورعباً، تمسّد يدي وتبكي.‏

فطنت لما أصابهما بسببي. فوجب إدخال الأمان إلى قلبيهما، وإزالة الفزع..‏

لاعبت ذقن هدهد بأصابعي وطمأنتها، وأنا أبتسم لأمي:‏

-حبيبتي هدهد.. أنا بخير.. بخير.. لا تشغلي بالك.‏

تحركت بغبطة، مررت راحة كفها على جبهتي.‏

وسألتني برقة وحنان:‏

-مم تشكو با بن عمي؟‏

-التعب.. أرهقت نفسي بالعمل..‏

زفرت أمي بحرقة وألم، قالت ويدها تضع الكمّادة:‏

-من ذا يستحق أن ترهق نفسك لأجله؟!‏

ابتسمت لها. رفعت الكمّادة عن جبهتي. وضعتها بيدها.. وأبديت اعتراضي:‏

-لا يا أمي.. لا.. كل شخص في القرية يستحق أكثر مما عملته لهم.. أتدرين يا أمي كم سينفعنا الطريق الجديد، إذا تم؟‏

تهكمت.. حركت يدها اليمنى باستهانة، وكشفت عما يجيش في صدرها:‏

-إذا تم!! ما إن سقطت متهالكاً من شدة التعب، حتى تفرق الجميع.. نقلوك إلى هنا وانصرفوا هم إلى بيوتهم..‏

آلمتني أمي بقولها. شعرت بنغزة في القلب. وحتى لا يسري الإحباط في دمي قلت لها:‏

-يا أمي، أنا لم أجبر أحداً.. جاؤوا متطوعين للعمل، من تلقاء ذاتهم..‏

-كفاك تهوراً.. اشغل نفسك في الأرض.‏

ازداد ألمي.. إلاّ أني لم أظهر أمامها بموقف الضعيف. سكت.. تركت السرير.. وتناولت ما أشبعني..‏

واستفسرت عن المصابين في باص المخرّف. فتمنت أمي:‏

-لو يخلصنا اللّه من المخرّف..‏

-حرام يا عمتي..! ادْعي له بالشفاء..‏

تدخلت هدهد بأدب.. وسارعت أمازح أمي:‏

-ربما يكون النصيب.. يا خجة..‏

ضحكت هدهد وامتعضت أمي.. ودمدمت.‏

خرجت على الرغم من ممانعتها، وتوسلات هدهد للبقاء.. توجهت إلى موقع العمل.. لم أجد أحداً! حتى الشفل لم يكون في موضعه! فتفاقم ألمي وغضبي..‏

وكدّت أتهور بذهابي إلى المختار وشتمه، بسبب تقاعسه، نكثه للوعد الذي قطعه لي.. إلاّ أن العم مصطفى، استسخف تصرفي. قال ناصحاً وهو يجرني إلى بيته، من الطريق:‏

-ما بك يا كاكاحمه؟! أولاً، حل المغرب وحان وقت الصلاة. ثم إن الرجال لا يعملون بأجر كي نبقيهم.. ولا تنسى مصيبة الباص والجرحى الذين في أربيل.. أفقدت الجميع صوابهم.. فواجب زيارتهم وتفقد احتياجاتهم أمور شغلت العقول.. أنست الناس حتى أنفسهم.. ولِمَ هذه العجلة؟ أتريد إنجاز النفق والطريق في يوم واحد..! إن موسم الشتاء سينتهي، وسيبدأ الربيع.. وأمامنا وقت طويل.. وسننتهي من الطريق حتماً قبل انقضاء الصيف.. نريده عملاً متقناً لا يتضعضع من الريح، ولا ينهد من ثقل السيارات ولا ينجرف مع السيول القادمة.‏

أدركت الخطأ، وسوء تقديري للأمور وعواقبها. فتراجعت عما نويته.. وفتر غضبي..‏



كنا وصلنا الباب، فحاول إدخالي لتناول العشاء، فرفضت. اعتذرت بسبب معرفتي لعسر الحال عندهم.‏

فكرت بهم وأنا أتجه إلى المقهى. ورأيت وجوب مساعدتهم. وتساءلت مع نفسي بدهشة:‏

"كيف نسيتهم كل هذه المدة؟! يجب أن أكلف هدهد باعطائهم مبلغاً يعينهم. وبدل أن أعطي لعمتي المزيد من المال. لأزيد كرشها ضخامة.. سألتفت إلى خالتي الطيبة أمينة، لتشبع خبزاً.."‏

توجهت إلى مقهى نصار فوجدته مغلقاً! وقصدت بيته الجديد. فألفيته يلعب الدومينو مع يحيى!‏


  اقتباس المشاركة
قديم 05-14-2009, 12:40 PM   #135
الطالب المجتهد
I ♥ PALESTINE
 
الصورة الرمزية الطالب المجتهد
اللهم نجحني يارب
الحمد لله بخير ..

قوة السمعة: 130 الطالب المجتهد will become famous soon enough

افتراضي رد: العصفور والريح

الدنيا برد.. ولا أحد يأتي في المساء.. فكيف في الليل! شرح لي وانبرى يحيى يوضح موقفه بعد ترحيبهما:‏

-لا تظن بي الظنون يا كاكاحمه.. لم أزعل من أختك.. جئت مع افتخار من أربيل.. لتوي.. قلت: ارتاح دقائق وارجع إلى البيت..‏

-كيف حال عمي عثمان..؟‏

-بخير.. تركنا عيسى برفقته..‏

-وأنت! كيف حالك؟‏

تساءلت افتخار وهي تلج الصالة. بدت متعبة كأن الطريق ومصاب المخرّف تعاونا عليها:‏

-أخبرنا نصار بما حدث لك..‏

أضافت وهي تجلس أمامي فهونت عليها:‏

-تعب وإرهاق بسبب العمل.. زالا بعد الراحة والحمد لله..‏

-الحمد لله..‏

-الجمولي زار أبي في المستشفى البارحة.. وعيسى أوصاني، توصيتك بضرورة الاحتفاظ بالملف..‏

-أي ملف؟‏

سألتها فارتسمت الدهشة على جبينها.. وبادرني يحيى بعد فترة صمت:‏

-أوصى حسان على خمسين كيس إسمنت للمدرسة.‏

-وأنت، هي اشتريت ما يلزم الأرض من بذور؟‏

-لم يحن الوقت بعد.. وبالنسبة للعنب فالبذور لا تنفعنا بالتأكيد.. أوصيت على ألف شتلة وعود، من عنب الخليلي والآشوري وعنبنا الجيد.. وسأحصل عليها في وقتها.. وغداً بعد زيارة أبي سأشتري أنابيب إضافية..‏

-سأتي معك لأزور..‏

-لا.. لا يا كاكاحمه.. دع أبي بحاله.. لا يطيق رؤيتك دون أن ترافقك عمتي..‏

اعترض يحيى ساخراً.. فأبدلت دفة الحديث على الفور:‏

-ماذا فعلتم بالبيوت الثلاثة؟‏

فهم قصدي فزفر بألم:‏

-واللّه يشفى السيد عثمان.. تعهد حسان بإعادتها.. سنعطيه ثمنها ليعيد تسجيلها بإسمي..‏

-ولِمَ اشتراها السلماني؟ ألا تكفيه بيوته؟‏

استفسر نصار فأجابه:‏

-ليعلمها مخزناً للفواكه..!‏

دوّت كلماته في أذني، وظلت تدوي وأنا في الطريق إلى بيت عمتي، لمراجعة حساباتنا..‏

استقبلتني شذى بوجه باك، فسألتها:‏

-ما بك؟‏

-الفئران! سأجن.. كل يوم فأر أو أكثر..‏

-أهذا نصيبك يا بنت عمتي..!‏

امتعضت من ردي.. وزدتها امتعاضاً وأنا أدخل:‏

-هنيئاً لك.. عرسانك..‏

دخلت الصالة فوجدت عمتي منهمكة في الغزل! والحاج صالح يحتسي الشاي قرب السماور، الذي كان يئز أزيزاً..‏

-جئت متأخراً عن العشاء.. انتهينا للتو..‏

أعلمتني عمتي دون مقدمات.. لم أغضب ورددتها:‏

-إذا فاتك الزاد قل هنيئاً.. هنيئاً مريئاً يا عمتي..‏

-لا يقال للضيف هكذا.. يا مليحة..‏

وبخها الحاج فسوغت:‏

-ابن أخي ليس ضيفاً..‏

-لم آت لآكل يا عمتي..‏

-كل واحد يأخذ نصيبه..‏

نغزتني شذى وهي تدخل.. وأكملت ضاحكة:‏

-خيره بغيره..‏

أدركت ما وراء كلامها وقلت وحسان يخطر على بالي:‏

-الزهرة تولد أشواكاً يا شذى..‏


  اقتباس المشاركة
قديم 05-14-2009, 12:40 PM   #136
الطالب المجتهد
I ♥ PALESTINE
 
الصورة الرمزية الطالب المجتهد
اللهم نجحني يارب
الحمد لله بخير ..

قوة السمعة: 130 الطالب المجتهد will become famous soon enough

افتراضي رد: العصفور والريح

رشقتني بنظرة غاضبة وزمجرت:‏

-ماذا تقصد؟!‏

قهقه الحاج وصاحت عمتي فرحة:‏

-لا يقصد إلاّ الخير.. أنت أصيل يا بن أخي..‏

واستدارت نحو الحاج كأنها تستحثه على المشاركة بالحديث:‏

-أسمعت يا صالح؟‏

تابع الحاج قهقهته ثم سأل ابنته باستغراب:‏

-ألا تفهمين حقاً؟‏

هزت رأسها استهانة وزعقت بوجهي:‏

-المعنى!!‏

-واضح..‏

أجبتها باقتضاب.. وحتى لا أضيع الوقت سألت الحاج.‏

-هل حضرت أوراق الشراكة..؟‏

-إنها جاهزة.. متى ننزل لتصديقها..‏

-غداً إن شاء الله.. سنزور المخرّف ونصدقها.‏

-كما تحب..‏

كدت أنهض للمغادرة فإذا بعمتي تستوقفني، مستفسرة بخبث:‏

-ماذا ستفعل إذا خسرت تجارتنا؟‏

عجبت.. وقفت مدهوشاً.. تطلعت إلى المغزل وهو يدور في يدها.. وانتظر الجميع جوابي.. ولم أتردد:‏

-لا خسارة في التجارة.. اللهم إلا إذا كانت النية السيئة، نية الحرام مبيتة.. نية السرقة والنهب والاستغلال. وعلى فرض حدوث ذلك، فما الذي يمكن للحر أن يفعل؟‏

قلت بانفعال وغادرت البيت، دون أن أتناوزل قدح شاي! أو أفتح موضوع الحسابات التي جئت من أجلها! مردداً مع حالي وخبث عمتي يرن في أذنيّ:‏

-نفسي التي تملك الأشياء ذاهبة، فكيف أبكي على شيء إذا ذهبا..؟!‏


  اقتباس المشاركة
قديم 05-14-2009, 12:40 PM   #137
الطالب المجتهد
I ♥ PALESTINE
 
الصورة الرمزية الطالب المجتهد
اللهم نجحني يارب
الحمد لله بخير ..

قوة السمعة: 130 الطالب المجتهد will become famous soon enough

افتراضي رد: العصفور والريح

34 -‏

((في عصر اليوم الخامس، جاء العميد رأفت بزيّ مدني.. يحمل حقائبه..!‏

كنت في الحديقة ألاعب الطفلين، حين دق جرس الباب.‏

فتحت له بنفسي فرأيته.‏

صحّت توقعاتي وجاء على غير موعد.‏

تظاهرت بالبلاهة وأديت التحية العسكرية. حدجني بنظرة باردة، وأزاحني بقبضته ودخل..‏

هرولت صباح ناحيته مسرورة، مبتهجة، ولحق بها ميسر. فتلقاهما ببرود لا يليق بأب..!‏

بدا غاضباً، متوتراً، وهو يقودهما ويشير إليّ بنقل حاجاته.‏

حملتها وعدت إلى الحديقة، أحمد اللّه لأن حذري غلب ظنونه.. فضّلت البقاء في مكاني، ألوب في الأرجاء، بين الأشجار والأزهار.. دون أن أعرف ما الذي يتحتم عليّ فعله.. فهاهو يومي الأخير هنا.. ويجب أن أحسن التصرف ولا أثير شكوكه.. فربما يفرغ شحنات الغضب في رأسي.. بقيت ساعة ثم ما لبثت، دخلت غرفتي وأوصدت الباب.‏

بعد المغرب تصاعدت حدّة الكلام، وتعالى صراخ الزوجين وزعيقهما! وسمعت أصوات ضرب ومشادة، ثم هزّني نداء استغاثة من قبل الهام!‏

صدمت وساورتني مخاوف مزعجة، أرهبني صوتها الباكي، وحزّ في قلبي.. وطوال‏

دقائق ترددت في الاستجابة، وتلبية النداء. ثم اعتراني هاجس الرأفة والعطف، فلم أستطع السيطرة على أعصابي.. اندفعت لنجدتها دون مبالاة بشيء.. حتى بالعميد القاتل..!‏

ألفيت باب الصالة مغلقاً، والصخب يعم من ورائه. طرقته مرة بهدوء وبشدة مرات.. وحين لم أحصل على نتيجة قررت الدخول عنوة.. حاولت فتح الباب بدفعه بكتفي.. بكل ما آوتيت من قوة.. وكدت أكسره لولاه فتح وأطلّ برأسه، وبعينيه القادحتين!‏

نظر إليّ بذهول وفح في وجهي:‏

-ماذا تريد؟‏

وجدت الشجاعة لأنطق:‏

-سيدي العميد، ماذا يحدث عندكم؟‏

-لا شيء..‏

-أتحتاجون إلى مساعدة؟‏

-امش.. امش.. لا تتدخل..‏

جننت وكدت أقتحم الصالة، مسك كتفي بسرعة أبعدني وزعق آمراً:‏

-ابق في مكانك وإلاّ دفنتك..‏

أخرسني، فتراجعت مذعوراً بينما تواصل صراخ إلهام وبكاء الصغيرين.‏

خطوت إلى الوراء فارتشعت.. وندمت.. لخوفي.. لكن، وقبل أن يركبني الشيطان ويدفعني قدماً، حدثني عقلي بضرورة التروي والتحكم بأعصابي.. وعدم التهور.. فالعاطفة لن تنفع..‏

عدت إلى الحديقة، وظل الهاجس يلاحقني.. هاجس الرأفة، والعطف على الحبيبة، فمضيت إلى غرفتي..‏

لزمت السرير حتى الصباح، لم أنم تلك الليلة. سهرت مع ما جمعته لأبي الحق من صور ومجلات.. كنت خائفاً وجائعاً.. خائفاً على نفسي وعلى إلهام.. وجائعاً لأني لم أتناول ما يمسك الرمق.. وأنا الذي تعودت أكل وجبتين، والتهام كمية من الفواكة والحلويات، حسب رغبة الهام، لأكون عند حسن ظنها!‏

غفوت قليلاً لكني أفقت مذعوراً، وخيط من اللعاب يتدلى من فمي.. تحلب لعابي من شدة الجوع وامتلأت غيظاً.. وزاد جو الغرفة الكئيب من غيظي.. وتدريجياً بدأ السأم يدب في أوصالي.. وأضناني الجوع والجو الخانق.. وكدت أختنق وأنا أدفن رأسي في الوسادة محاولاً النوم، ونسيان معاناتي..‏



بعد الرابعة هدأ البيت واستكان.. ثم عاد الصخب يملأ أذنيّ.. وتخيلت أصوات صياح وبكاء.. وتنصتّ فلم أسمع أي شيء! انتظرت حتى العاشرة صباحاً.. وحين لم يرسل أحداً ما خلفي، فتحت باب الحديقة وتسللت خارجاً.‏

مضيت سريعاً أبحث عن أقرب بائع. تناولت عنده ما أشبعني.. وعدت لاهثاً أحمل خوفي ونهمي لمعرفة ما استجد. فألتقيت العميد خارجاً:‏

-أين كنت؟!‏

-فطرت ورجعت..‏

-خذ إلهام. أوصلها إلى أهلها وارجع إلى المعسكر.. خذ حاجاتك.. كلها..‏

راقبته وهو يبتعد. يركب سيارة أجرة ويمضي..‏


  اقتباس المشاركة
قديم 05-14-2009, 12:40 PM   #138
الطالب المجتهد
I ♥ PALESTINE
 
الصورة الرمزية الطالب المجتهد
اللهم نجحني يارب
الحمد لله بخير ..

قوة السمعة: 130 الطالب المجتهد will become famous soon enough

افتراضي رد: العصفور والريح

هرولت إلى الصالة فوجدت إلهام في أسوأ حال! كانت أعصابها متوترة، ووجهها متورماً، مدمى وعيناها الحلوتان حمراوين، دامعتين!‏

-ما الذي حدث؟‏

سألتها فردت باحتقار:‏

-كلب.. حقير.. انتقم منا.. طردوه من الجيش فأنزل حقارته برؤوسنا..‏

أشارت إلى باب غرفتها. تطلعت فثار استغرابي:‏

-ما هذه الحقائب؟ إلى أين ستذهبين؟‏

-طردنا الحقير.. ابن الحقير..‏

-ولِمَ توافقينه..! إنه بيتك أنت فلا تخرجي..‏

-كرهته.. لا أحب البقاء فيه أكثر مما بقيت.. حياتنا المشتركة لم تكن إلا فقاعة صابون.. فرقعت في أول ساعة..‏

-لماذا؟ ما الذي حدث؟‏

-دخل أمس فرآني أتكلم بالهاتف.. ادعى بأني لم أكترث بدخولهّ لم أحترمه..! لم أستقبله كما يجب، إذا لم أقطع حديثي عند مجيئه، وواصلت كنوع من التحدي! وجدها حجة.. فانهال عليَ ضرباً..‏

-لكن إلى أين.. ستذهبين؟‏

-سأعيش عند أبي مؤقتاً.. ستأخذني الآن إلى هناك لتعرف المكان.. فلابد أن نلتقي قريباً.. لابد..‏

-كيف؟‏

-لا أدري.. لكني سأتدبر الأمر.. وسأخبرك حتماً.. ستعرف العنوان وتأتي..‏

بكت فاحتضنتها:‏

-أتعرفين أنني لم أنمْ البارحة؟ ولو لم أدخل غرفتي لارتكبت جريمة..‏

مسحت دموعها وأخذت يدي بين كفيها..‏

-حسناً فعلت.. خفت عليك أكثر مما خفت على نفسي..‏

سمعت صوتك أمس وأنت تكلمه، فخفت أن تتدخل فيحدث ما لا يسر..‏

-أحببتك يا إلهام.. أحببتك..‏

-حبي لك أضعاف، أضعاف حبك لي.. فمعك شعرت بالمتعة والراحة والأمان.. أكثر بكثير مما شعرت بهامع هذا الحيوان.. ستة أشهر معك تعادل عشرة أعوام معه.. بل تعادل العمر كله..‏

بكت من جديد.. واسيتها وطلبت منها الهدوء.‏

-خروجك من البيت لا معنى له..‏

-أي بيت يا حبيبي؟! هذا بيت الحكومة، تابع لوزارة الدفاع.. وبالتأكيد سيخرجونه منه بعد شهر.. لا تتصورني غبية.. بيتنا الآخر ملكي أنا.. أجبرته على تسجيله باسمي حين زواجنا.. سأنتقل إليه قريباً سأدلك عليه حتماً.. انتظر إشارتي.. سآتي إلى المعسكر.. بسيارة أخي.. أو بل خضراء)).‏


  اقتباس المشاركة
قديم 05-14-2009, 12:41 PM   #139
الطالب المجتهد
I ♥ PALESTINE
 
الصورة الرمزية الطالب المجتهد
اللهم نجحني يارب
الحمد لله بخير ..

قوة السمعة: 130 الطالب المجتهد will become famous soon enough

افتراضي رد: العصفور والريح

25 -‏

شعرت بتغير معاملة الجميع لي، بعد حادثة النفق، خاصة عيسى! أخذ يتصرف بكثير من الحنان والعاطفة، والشفقة! فعلى الرغم من خروجه صفر اليدين من مسألة المدرسة، التي كان يأمل أن يكون مديرها، والتي انتهينا من بنائها حسب المخطط الذي جلبه الجمولي، من مديرية التربية مع موافقتها على فتح مدرسة ابتدائية في قريتنا، وقررت مباشرة عملها ابتداءً من بداية أيلول القادم، بملاك كامل من المعلمين.. لم يهتم، أو يتأثر.. بل أعلن كامل سروره.. وأبدى استعداده للمساعدة في كل جهد مبذول.. وظل الأمل يراوده بالتعيين فيها بالذات.. وصمم على الانتهاء من البناء في أقصر وقت، خشبة أن يتراجع "ابن السلماني" عن قرار تنازله عن المضيف..‏

وبمبادرة مشكورة منه، وبعد أن أقنعني بوجوب استغلال فرصة وجود "طبيب زائر"، لعرض هدهد عليه.. أخذها بمرافقة بشيرة إلى أربيل.. وعادوا يحملون البشرى العظيمة:‏

-بعد فحص دقيق استغرق ساعة كاملة أعلن الطبيب الروسي، إن مسألة هداية بسيطة للغاية، فهي لم تولد عمياء.. وضربة الجندي الحاقد على يافوخها لم تؤد إلى ضمور العصب البصري، وإن الألياف الدقيقة ما زالت سليمة.. وتحتاج إلى عملية جراحية في بغداد.. حدد موعدها في بداية الشهر القادم.. أي بعد عشرة أيام.. ولا تهتم يا كاكاحمه سأخذها مع عم مصطفى.. أعدك بذلك.. فكن مطمئناً.. إنها فرصة لا تعوض..‏

لم أصدق.. كدت أطير فرحاً أكثر من فرحة هدهد نفسها..‏

-ألا تؤثر العملية على الجنين؟‏

سألته فأوضح:‏

-أخبرته بشيرة بحمل هداية.. فضحك الطبيب وقال:‏

إنه سيخدرها موضعياً.. لأن البنج يضر بالجنين..‏

-ألا يمكن تأجيلها إلى موعد آخر..؟‏

-يمكن.. لقد خيرنا بين إجراء العملية بعد عشرة أيام.. أو بعد الولادة.. وعليه يجب أن تقرر أنت كي أتابع الأمر وأسافر إلى بغداد بعد يومين لمقابلة الطبيب لاعطائه موافقتنا وأخذ الموعد النهائي وتحديد وقت العملية..‏

أبقاني عيسى في حيرة وعاد إلى أربيل برفقة إخوانه لاخراج أبيهم، وهو آخر من بقي في المستشفى من المصابين.‏

عرض عليّ المختار وحسان والملا مساعداتهم المالية، وتعهد يوسف بتحمل مصاريف العلاج، مهما كانت.. يوسف الذي أوكلت إليه مهمة تصليح السيارة، أتيحت لي فرصة سؤاله عن أسباب رفضه الزواج من شذى، أجابني بهدوء:‏

-لقد أخبرت بشيرة حين عرضت الأمر عليّ، بأني لم أفكر بالزواج بعد رحيل بتول..‏

كانت فترة بناء المدرسة فرصة رائعة، لم أشأ إضاعتها. وحسب نصيحة نصار أجرت عمالاً لتهديم الجدران الداخلية لغرف ومرافق بيت جدي القديم. وبمشورته لم أبق سوى السقف، الذي دعمته بعوارض وأعمدة متينة.. وعندما انتهيت من تلحيظه وصبغه اتجهت إلى حسان.‏

-سمعت أنك تبحث عن مخزن..‏

-صحيح، ما عاد مبنى الوكالة يكفي..‏

-عندي ما تحتاج.. سأوجره لك بسعر معقول..‏

-يا ريت.. ستنقذنا من ورطة كبيرة وتخلصنا من مشكلة التخزين..‏

-إنه جاهز.. يمكنك الإطلاع عليه الآن.. بينما أكون عند الخانم.. جئت لمقابلتها حسب ما وعدتك..‏

-سأنتظرك عند الباب..‏

-تفرج على المخزن.. إنه بيت جدي القديم..‏

-لا.. لن أتحرك إلا بعد خروجك، كي يداخلني الأمان..‏

سلمته مفتاح المخزن وذهبت إلى مقابلة أمه الخانم.‏

استقبلتني المرأة بتهيب واستغراب. أصيبت بالهلع حال رؤيتها لي.. أدخلتني الصالة مضطرة وعيناها تتساءلان عما دفعني لهذه الزيارة وسببها..‏

أدركت ما يدور في مخيلتها فعذرتها، كونها تعيش وحيدة، وتخاف على سمعتها والناس لا يرحمون.. كما أن خشيتها من تنفيذ تهديدي القديم بضربها.. بدا واضحاً على جبينها..‏

لا أدري ما الذي حل بي! راحت عيناي تتطلعان بعجب، لمحتويات الصالة. أدهشني مخمل الستائر الجميلة المزركشة، وساتان الأرائك الفخمة، وأبهة الثريات الأربع وجمال السجادة ونقوشها البديعة.‏

-لن آخذ من وقتك الكثير.. اسمحي لي بكلمتين..‏

-ماذا أتريد يا كاكاحمه؟ زيارتك غريبة!‏

قالت بوقار.. فلاطفتها:‏

-أتخافين مني وأنا ابنك الثاني وأخوك!‏

انفرجت أساريرها، غير أنها بقيت على وقارها، كصبية في العشرين لا امرأة في الخمسين:‏

-حضورك في هذاالوقت يسبب لكلينا إشكالات، نحن في غنى عنها.. ولو جلبت هداية معك لكان أفضل لنا.‏

-إذن اطمئني.. حسان ينتظرني عند الباب..‏

استعادت عافيتها وعادت للسؤال:‏

-ماذا وراءك؟‏


  اقتباس المشاركة
قديم 05-14-2009, 12:41 PM   #140
الطالب المجتهد
I ♥ PALESTINE
 
الصورة الرمزية الطالب المجتهد
اللهم نجحني يارب
الحمد لله بخير ..

قوة السمعة: 130 الطالب المجتهد will become famous soon enough

افتراضي رد: العصفور والريح

جئت كوسيط، فاعل خير. وأسأل اللّه أن يمكنني من مساعدتكما..‏

حاولت مقاطعتي فاسترسلت:‏

-حسان ابنك الوحيد.. وإذا أخطأ بحقك، فسبحان الذي لا يخطىء.. أنت أمه وهو نادم ويطلب منك السماح والعفو.. والعفو يا حضرة الخانم من شيم الكرام..‏

بكت الخانم فجأة! مما شجعني على الاستمرار:‏

-لقد نخره الندم.. ويريد منحه فرصة، ليبدأ من جديد.. يتعهد بعدم تكرار ما فعل.. ماذا تقولين؟‏

لم تجب.. انخرطت في البكاء الخافت! متخلية عن وقارها المعهود..‏

وكأنها شعرت بالحرج، شاءت التراجع، البقاء على وقارها والاحتفاظ بهيبتها، لكنها لم تستطع.. راحت تبكي بصمت.. فحدست أن ذلك، وسكوتها إحجامها عن الردّ القاسي هو رضى وموافقة.. فلم أتأخر لحظة، كوّرت يدي كبوق، وناديت من شدة فرحي على ابنها، الذي خمنته واقفاً يتنصت:‏

-حسان.. حسان..‏

على الفور انزاح الباب، واندفع الشاب كالريح إلى أحضان أمه.‏

أخذ يديها، قبّلهما. قبّل قدميها بمحبة وندم..‏

-أطلب عفوك يا أمي وأنشد رضاك.. رضاك فقط.‏

قال لها وهو يحتضنها بحنان بالغ.‏

-مكافأة لأمك يا حسان. أنت مطالب بجلب خادمة لها.‏

تنبهت الخانم، رفعت رأسها تستبين المقصود. واضطرت إلى إخفاء وجهها، لأن عينيها كانتا تغصان بالدموع.. لكن أذنيها راحتا تصغيان..‏

-زوجة مخلصة تسعدكما معاً..‏

استطردت موضحاً، فلم تحتمل كبح تشوقها لمعرفة مغزى كلامي، كفكفت دموعها، استفسرت وفي صوتها ما يزال يرن الوتر الخائف:‏

-على ماذا تلمح يا كاكاكمه؟‏

-حسان بحاجة إلى زوجة تكون أهلاً لثقتكما، وتنال رضاكما..‏

انتفضت الخانم، تساءلت بمكر وإبهامها الأيمن يمسّد حاجبيها:‏

-هل اتفقتما من وراء ظهري كما اتفقتما على المدرسة؟‏

-استغفر الله يا أمي.. استغفر اللّه..‏

لاحظت ارتباك الخانم، رغم أنها لم تقم بأية حركة تشي بذلك.. وتأكدت حين جاملتها:-الأمر يعود إليك يا خانم..‏

إذ ردت بفزع وإصرار:‏

-بالطبع.. يعود إليّ..‏

عندئذ أدركت أن الوقت لا يسمح بطرح اسم "شذى" بنت عمتي.. وأنه ما عاد لبقائي معنى..‏

استأذنت منهما وخرجت...في الطريق، التقيت المختار كان يحث الخطى باتجاه داره. أوقفته متسائلاً:‏

-أين الشفل يا مختار؟‏

-أولاً، الحمد لله على سلامتك يا كاكاحمه.. والشفل سيأتي الأسبوع القادم.. وستأتي بعده المداحل والمزافت..‏

-ألم يستطع البقاء أكثر؟‏

-استأجرناه ثلاثة أيام فقط..‏

-نحتاجه لثلاثة أخرى..‏

ابتسم، وقال دون أن يتكلف في حركاته أو في نبرة صوته:‏

-حاضر يا كاكاحمه.. على الرأس والعين.‏


  اقتباس المشاركة
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 09:38 PM.