Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showthread.php on line 639

Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showthread.php on line 1041

Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showthread.php on line 1046

Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showthread.php on line 1518

Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showthread.php on line 1523
العصفور والريح - الصفحة 13 - منتديات شباب فلسطين
نحن مع غزة


الإهداءات

العودة   منتديات شباب فلسطين > محطات عامـة > الــوآحــة الـعــآمّــة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 05-14-2009, 12:36 PM   #121
الطالب المجتهد
I ♥ PALESTINE
 
الصورة الرمزية الطالب المجتهد
اللهم نجحني يارب
الحمد لله بخير ..

قوة السمعة: 130 الطالب المجتهد will become famous soon enough

افتراضي رد: العصفور والريح

رأيت حمودة يتلوى بين أقدام الإخوة، يصرحّ متوسلاً يصيح متألماً، فرق قلبي وخشيت موته، أمرتهم بالتوقف والابتعاد عنه، ففعلوا....‏

تكوم أرضاً كجثة هامدة، تقدمت منه، قلبته بقدمي على قفاه، فحدجني بعينيه السالمة، يستعطفني فداخلني الأمان...‏

-عزيزة... أين عزيزة؟‏

صاحت الخالة زهرة وهي تدخل هلعة، فزعة.‏

فتصدي لها المختار، قائلاً:‏

-ستعود لكما اليوم... عرفنا مكانها... أرسلنا بعض الشباب مع سعدو لجلبها...‏

-وإذا لم تعد؟‏

-سندفع لك حقها كاملاً ... اذهبي الآن....‏

طردها فاستجابت مرغمة.... وعلى وجهها قناع الشك...‏

راقبتها وهي تبتعد ثم التفتّ إلى حمودة وخاطبته:‏

-اسمع... لا أريد أن أطيل عليك... فأنا أعرف نذالتك... وكفى مارأيناه منك... خذ حاجتك وارحل الآن...‏

سكتّ على شهادتك الزور، لكني لن أسكت الآن ...هيّا ارحل فمّا عادلك وجود بيننا....‏

بان العجب على وجوه الجميع واحتج عمي على الفور:‏

-إلى أين يذهب؟ سيموت إذا غادر القرية...‏

سخر عيسى وأفتى:‏

-صنف حمودة يموت من الجوع أو برصاص البلدية..‏

لم أبال بماسمعته ركزت بصري على حمودة وهددته:‏

-أمهلك ساعة واحدة، لتلم مايخصك... وإذا وجدتك بعدها ستندم... هيّا بدأ الوقت...‏

استبشر بقراري... استجمع قوته وندت عنه كلمة واحدة، وهو يزحف مبتعداً:‏

-حاضر..‏

ارتفعت بعض الأصوات مستنكرة رافضة، تطالب بتقديمه إلى المحاكمة،' فلم أعلّق أو أناقش لاسيما وقد تصدى المختار لهم، موبخاً، وآمراً، بالتزام الصمت...‏

وافرحني تدخل عمي السريع، الذي حسم الأمر:‏

-حمودة هذا ليس إلاّ خادماً... ادخلوا حاسبوا سيده...‏

-ومن قال لك إننا سنتركه يا عمي حسن؟ سترى بأم عينيك...‏

رد يحيى كأنه يتحدث عن لساني:‏

تطلعت إليه وهو يقترب مني بوجهه المتورم..‏

حاول أخذ البندقية من يدي، فرأى أخمصها المكسور.‏

ولم يفت ذلك في عضده، اندفع مع أخوته إلى بيت السلماني... اقتحموا المضيف،وحين لم يجدوا أحداً ولجوا الصالة والشر يلمع في أحداقهم...‏

بقيت مع حشد الأهالي ننتظر ماتسفر عنه الدقائق...‏

سمعنا أصوات سقوط أشياء وتكسر حاجات وصراخ الخانم!‏

وماهي إلاّ دقائق حتى خرج يوسف ليعلن بأسى:‏

-هرب منير السلماني وابنه حسان...‏

وأضاف حين شهد دهشتنا:‏

-تسللا خفية من الباب الخلفي وهربا كالفئران...‏

-لم نسمع صوت محرك سيارتهّ !! فمتى هربا؟!‏

تساءل نصار وردّ آخر:‏

-أنا سمعت...‏

-لن يهرب طويلاً...‏

أكد يحيى وهو يخرج غاضباً، وتبعته الخانم بثوبها الشتوي المزركش، ويشعرها الأسود المتهدل.‏

رأيناها تطل من مدخل الباب العريض، حاسرة، حافية تصرخ بانفعال وغضب شديدين.‏

-عيب هذا الذي تفعلونه ... عيب...‏

إهانة بليغة وجهتها للجميع دون استثناء.‏

وبازدراء بالغ تحركت لردها فسارع يحيى يوبجها:‏

-ألا تعرفين غير كلمة العيب؟‏


  اقتباس المشاركة
قديم 05-14-2009, 12:36 PM   #122
الطالب المجتهد
I ♥ PALESTINE
 
الصورة الرمزية الطالب المجتهد
اللهم نجحني يارب
الحمد لله بخير ..

قوة السمعة: 130 الطالب المجتهد will become famous soon enough

افتراضي رد: العصفور والريح

لأنها من أهل العيب...‏

أجبته بصوت عال فتنرفزت الخانم، وضحك الرجال:‏

-انتبه لنفسك يا كاكاحمة... واخجل من تصرفاتك ...‏

-زوجك كاد يقتلني... جئت لأتفاهم فغافلوني... ضربوني...‏

أخبرها يحيى فسخرت منه:‏

-ولِمَ يقتلك إذا لم تكن آذيته...؟‏

واستدارت صوب المختار لإهانته:‏

-وأنت ياعبد اللّه... يا مختارنا المحترم لِمَ تسكت ولم تتدخل؟‏

استاء المختار احتدَّ قائلاً:‏

-ياخانم، حاولت إنقاذ يحيى من بين أيدي المعتدين فمنعني الآغا...‏

-الكلب....‏

صحت معترضاً فتجاهلتني، واستمرت تهين المختار:‏

-السلماني أكبر من أن يفعل هذا يا عبد الله...‏

-لاكبير إلاّ الله يا خانم...‏

صدح صوت عيسى في آذاننا وانفجر المختار مؤنباً:‏

أتكذبينني!‏

-ومن أنت!‏

زعقت بوجهه باستهزاء فأخرسته. ولم أحتمل، اغتظت لجوابها وفكرت بتعريتها.. وضعها أمام الأمر الواقع:‏

-أتعرفين امرأة اسمها كهرمان؟‏

بوغتت الخانم، صفنت لثوان، تستعين بذاكرتها. ثم ردت بحماقة واقتضاب:‏

-لا.. ولِمَ تسأل؟!‏

-إنها امرأة فاسدة.. راقصة ملهى.. ومع ذلك تزوجها زوجك السلماني..‏

-كذب.. كذب.. يا حقير..‏

تجاسرت بالصراخ في وجهي فانفعلت. بصقت على وجهها وصحت:‏

-اخرسي.. لعة اللّه عليك، لماذا لم تتكلمي عندما زور زوجك وابتلع أرضنا؟‏


  اقتباس المشاركة
قديم 05-14-2009, 12:36 PM   #123
الطالب المجتهد
I ♥ PALESTINE
 
الصورة الرمزية الطالب المجتهد
اللهم نجحني يارب
الحمد لله بخير ..

قوة السمعة: 130 الطالب المجتهد will become famous soon enough

افتراضي رد: العصفور والريح

صعقت من شدة المفاجأة.. أذهلها تصرفي المستغرب وزاد ذهولها حين حاولت التقدم ناحيتها، لشد أذنيها منعني الرجال، ووقف المختار في طريقي.. وصارحها:‏

-كاكاحمه لم يكذب في حياته-ما يقوله صحيح-‏

تسللت إلى صوتها بحة غريبة وهي تغمغم:‏

-لا أصدق.‏

-حمودة ما زال في القرية.. يمكنك سؤاله لأنه كاتم أسراره، وابنك يعرف كل فضائح الآغا وعلى اطلاع تام عليها وربما كان شريكاً بها.‏

دهشت فارتفع صوتها ممزوجاً بنبرة أليمة:‏

-حسان!! سأفقأ عينيه إذا..‏

-وإذا رغبت في معرفة المزيد، يمكنني افادتك-إنني أعرف مكان البيت الذي اشتراه لها.. قبل ذلك.. ثقي أنني لن أسامحك. على جسارتك.. سأشد أذنيك وحق اللّه..‏

قلت لها ما بقلبي وانصرفت..‏

ولم تمص إلا ثوان حتى استعادت القرية نبضها. برد الجو كثيراً، وأمطرت السماء لعشرين ساعة متتالية، لم أبرح الفراش خلالها إلا دقائق.. هي أوقات ذهابي إلى الحمام. كنت آكل، أتناول طعامي وشرابي وأنا تحت الغطاء.. ولم أنتبه إلى توقف المطر إلاّ حين تناهى لأذني صياح الأطفال المفرح، وهم يلعبون كرة القدم في الساحة.‏

تحاملت على نفسي ونهضت. كان الوقت قبل الظهر. فتحت النافدة ورحت أتطلع إليهم بسرور كبير..‏

كانت هبة من ريح خفيفة تعبر، فتحرك الأشجار بينما يعتم الضباب الشفيف الطقس، ويمنع رؤية السماء، إلاّ من إشراقة بعيدة لشمس شباط.. تغيب خلف كتل من الغيوم المتدحرجة السريعة.‏

ولم يطل وقوفي، جاءني يحيي، أخذني إلى الأرض. وهناك أعلمني:‏

-الخانم تعهدت بتحمل كل الخسائر التي أحدثها رجال زوجها بنا، ودفع التعويضات المناسبة، ورجتني أن أقوم مقام ابنها حسان، في إدارة الوكالة مؤقتاً.. وكلفت سعدو الذي عاد ببقرته سالمة، برعاية الأبقار بمعاونه الخالة زهرة..‏

قبل الظهر، ونحن نتعاون على إعادة المياه إلى مجاريها السابقة، نزيل الأنابيب المحطمة، ونمد أخرى جديدة ونثبت الركائز. قالت هدهد بصورة مباغتة:‏

-اسمع صوت محرك سيارة!‏

توقفنا عن العمل. أصغينا، لنسمع جداً وتلفتنا نتفحص الطريق، فلم نر أو نسمع شيئاً!.‏

عادونا العمل ونحن نسخر منها، فإذا بها تضحك وتقول:‏

-ألم تسمعوا حقاً؟! الصوت واضح!‏

تبادلنا نظرات العجب وتنصتنا من جديد. فهمس يحيى بخجل:‏

-صحيح، هناك صوت سيارة قادمة.‏

سمعنا الصوت يأتي هادراً، من خلف التلال المحيطة بالقرية.‏

انتظرنا عدة دقائق فبانت سيارة الشرطة الخضراء.. وإذ خفقت قلوبنا رهبة لمنظرها، قدحت الفكرة برأسي مرة أخرى.. النفق!!.‏


  اقتباس المشاركة
قديم 05-14-2009, 12:37 PM   #124
الطالب المجتهد
I ♥ PALESTINE
 
الصورة الرمزية الطالب المجتهد
اللهم نجحني يارب
الحمد لله بخير ..

قوة السمعة: 130 الطالب المجتهد will become famous soon enough

افتراضي رد: العصفور والريح

هتف بي هاتف: أنسيت النفق يا كاكاحمة؟!‏

فأجبته بتأكيد: لا.. لم أنسه.. بل أجلته.. بقينا في أماكننا، لم نتزحزح. جلسنا ننتظر معرفة سبب مجىء المعاون مع أربعة عناصر من الشرطة..!‏

راقبنا السيارة وهي تتجه إلى دار المختار. وشاهدنا المعاون ينزل على عجل، ويلج كالفاتح.‏

أخذت قلوبنا تخفق بشدة، حين جاءنا الصبي راضي بن سعدو.‏

ليخبرنا:‏

-الشرطة جاءت من أجل يحيى ويوسف.‏

أبقانا في حيرة. وزادت حيرتنا حين استدعيا بعد قليل إلى بيت المختار. وهناك اعتقلا بناء على أمر من حاكم. تحقيق أربيل، استناداً على شكوى قدمها السلماني ضدهما.‏

صرخت بشيرة حين اقتادوا زوجها، كأنها فقدته إلى الأبد! مما حفز المخرف على إهانتها وإسكاتها.‏

-لم يشتك عليك السلماني! أليس هذا غريباً!‏

هكذا فاتحني أكثر من شخص، فلم أجب. إلاّ أني لم أتردد في إخبار الخانم. التي جاءتني معتذرة، طالبة العفو والسماح. بعد رفضي دعوتها لي بالحضور إلى بيتها.‏

قدمت صباحاً، دخلت بيتنا لأول مرة. وجلست تنتظر خروجي من الغرفة بصبر أيوب.‏

-لماذا لم يفعل يا كاكاحمه؟‏

-السلماني ليس غبياً. يخاف الفضيحة، ويخشى أن ينقلب السوء ضده.. يتوقع إذا اشتكى عليّ فسأقول كل شيء.. لذا فضل عدم زج آسمي..‏

-مثلاً..‏

استفسرت يلفها الاضطراب. كان خوفها مني واضحاً. وخوفها من سماع ما يرهبها أوضح..خوفها من انتقامي دفعها إلى الحضور مبكراً. حدست-وأمي تخبرني بمجيئها-إن يحيى وراء إقدامها الجرىء على الحضور.. ويبدو أنه نصحها بالإسراع في مصالحتي لتلافي الخطر الدائم.‏

-ألم أكن السبب في كشف جريمة قتل هبة. التي تستّر هو عليها..‏

-تستّر!! لماذا؟‏

-لأنها كانت عشيقته.. كانا يلتقيان سراً في دارك.. كل يوم.. وحين اكتشف نصار ذلك قتلها أمامي.. وساومه السلماني، ونجح في إقناعه بطمر الجثة حتى لا يتحمل وزر قتلها. وشهد زوراً برؤيتها تفر هاربة، مثلما شهد زوراً مع سعدو والجمولي على بيع وشراء الأرض الشرقية.‏

-عن أي شيء تتكلم؟‏

سألتني باستغراب فتابعت مدركاً عدم معرفتها بخفايا وأسرار زوجها، جهلها التام بكل ما دار ويدور.‏

-عن خيانته لك.. المحكمة كشفت زيف ما ادّعى.. فحكم عليه بسنتين سجن.. لكن شطارة محاميه زوج خالتي وسخاء يد حسان لمساعدة أبيه.. خفضا الحكم إلى ستة أشهر..‏

-أخبرني حسان: بأن سبب الاعتقال، عدم رضا الحكومة عنه.. لأنه رفض التعاون معها..!‏

قرأت في قسمات وجهها كآبة عميقة. أحسست وهي تتكلم كأنها تبكي، فلم أكتف:‏

-وماذا تريدين أن يخبرك عن أبيه؟ أنت لم تحضري المحاكمة.. فمن حقك ألا تعرفي..‏

-ومن هي كهرمان؟‏

-قلت لك إنها زوجته.. امرأة ساقطة، كانت تمتهن الرقص في ملهى النجوم بأربيل.. أوقعته بشباكها عن طريق الجمولي، وبمعرفته.. وحسان يعرف ذلك ويتستر.. سأعطيك عنوان البيت لتتأكدي بنفسك إذا رغبت..‏

-ولِمَ خبأت كل هذا عني؟ لماذا لم تخبرني من قبل؟ لماذا يا كاكاحمه؟‏

بحة الحزن في صوتها، آلمتني. فكررت عليها كلاماً كنت قلته لإلهام:‏

-كنت يا خانم، أسعى للمحافظة على ديمومة الفرح في عينيك..‏


  اقتباس المشاركة
قديم 05-14-2009, 12:37 PM   #125
الطالب المجتهد
I ♥ PALESTINE
 
الصورة الرمزية الطالب المجتهد
اللهم نجحني يارب
الحمد لله بخير ..

قوة السمعة: 130 الطالب المجتهد will become famous soon enough

افتراضي رد: العصفور والريح

30 -‏

((هذا الكلام ذاته قلته لإلهام، التي بوغتت بقرار إحالة العميد رأفت على التقاعد..‏

أخبرني السائق قبل أيام فأذهلني. وفضلت الصمت.‏

قال لي وهو يسلمني الحاجات اليومية:‏

-إنه اليوم الأخير يا كاكاحمه..‏

وإذ لحظ دهشتي استرسل موضحاً:‏

-أحيل العميد رأفت على التقاعد..‏

لم أسأله عن السبب. فهو بالتأكيد لا يعرف الإجابة. ولا علاقة له بالموضوع، لا من قريب أو بعيد.‏

صعقت عند سماع الخبر. ولم أشأ إخبار الهام بالنبأ حتى لا تصعق مثلي.‏

وتلك الليلة، اختلقت عذراً لأبتعد عن الخطر.. ونمت في غرفتي، خشية أن يباغتنا العميد ونحن عرايا على فراشه.‏

وفي الصباح اختلقت عذراً لعدم مجيء السائق. وكررت العذر في اليوم الثاني. وخرجت أتبضع بنفسي ما تحتاجه من سوق قريب.. وأنا أكثر حذراً في تصرفاتي معها..‏

كانت رهبتي من مجىء العميد على حين غفلة، أكبر مما تحتمله روحي المعذبة.. ورحت أتوقع دخوله بين لحظة وأخرى، لذلك حرصت على الابتعاد عنها، وبدأت في اتخاذ أقصى درجات الحذر. فوقعت بين نارين. نار الخوف والرهبة من دخول العميد المفاجىء، ونار الشهوة الطافحة لدى إلهام مثلما كان من المستحيل عليّ إسكات صوت الرغبة في أعماقي.. تعودت عليها وتلذذت معها.. ولا يمكن بتر صلتي بها.. بسهولة.. ودون تبيان السبب..‏

ولم يغب عن بالها ما آل إليه حالي.‏

كنا على مائدة الفطور حين خزرتني بعين ثاقبة. قالت بعدها بلهجة مزاح مبطن بالتأنيب:‏

-كأنما سهرة البارحة تمخضت عن مشكلة!‏

وحين صمتّ، ثار عجبها:‏

-ما بك! بتّ متردداً حتى في الحديث معي! لم تعد تنام معي حتى الصباح! تنفتل خارجاً قبل أن تنستر! تتسلل إلى غرفتك، وتحرص على البقاء بعيداً عن الصالة طوال النهار! قل لي ماذا حدث؟‏

استفسرت بتهكم واهتمام. فأجبتها بصراحة أخبرتها بما سمعته، فصعقت كما توقعتّ.‏

للحظات، ارتعش بدنها ثم جمدت في مكانها مذعورة. استغرقت في صمت محيّر..‏

فاجأتها بأمرغير متوقع. رفعت حاجبيها دهشة، ودار بؤبؤا عينيها رهبة:‏

-ولِمَ؟ ماذا حصل؟‏

نظرت إلى عينيّ بهلع مستنطقة إياهما، فقلت:‏

-لا أعرف.. أخبرني السائق قبل أيام..‏

-ولِمَ أخفيت الأمر عني؟ لِمَ؟‏

سألتني وهي تداري حزنها وتكتم غيظها. فأجبت:‏

-سعيت للمحافظة على ديمومة الفرح في عينيك..‏

برقت عيناها ارتياحاً وهمست بفرح:‏

-اتحبني إلى هذا الحد يا كاكاحمه؟‏

-وأكثر..‏

-يا حبيبي..‏

-لكن.. مع الأسف سينتهي كل شيء..‏

-ماذا تقصد؟‏

-سأعود إلى المعسكر حتماً..‏

قلت لها فجنت. أسودّت الدنيا في ناظريها، وهتفت بحرقة واختناق:‏

-مستحيل.. لن أدعهم يأخذونك مني.. لن أدعهم..‏

-ما عادت للعميد سلطة تخوله الحق بإبقائي في بيته. وما عاد باستطاعتنا أخذ الحرية..‏

لم تصدق ما تسمع.. اتسعت حدقتاها هلعاً وتساءلت:‏

-أيعود رأفت إلى هنا حقاً؟! أيبقى في البيت..؟ أمام عيني في الليل والنهار؟ لا.. لا.. لن أحتمل.. لن أحتمل.. سأنتحر.. سيجبرني على ذلك.. إذا لم يقتلني بيديه..‏

-ماذا تقولين؟‏

-هذا القاتل لن يدعني أهنأ.. لقد قتل العقيد حسام.. أخبرني بنفسه حين همّ بقتلي..‏

-بقتلك!!‏

-دس السم لي.. أراد قتلي.. وحين اكتشفت لعبته القذرة هددته بالفضيحة.. وجرى الاتفاق بينه وبين أبي.. على مبيته خارج البيت.. أخذوا منه تعهداً.. أبي وإخوتي..‏

أسبلت جفنيها بخشوع.. ثم أجهشت بالبكاء.. وتدريجياً اشتد بكاؤها.. فلم تقدر على أن تفصح أكثر..)).‏


  اقتباس المشاركة
قديم 05-14-2009, 12:37 PM   #126
الطالب المجتهد
I ♥ PALESTINE
 
الصورة الرمزية الطالب المجتهد
اللهم نجحني يارب
الحمد لله بخير ..

قوة السمعة: 130 الطالب المجتهد will become famous soon enough

افتراضي رد: العصفور والريح

31-‏



أفسدت الخانم بجسارة وجرأة، خطة زوجها الخبيثة التي شاء بها تحطيمنا جميعاً. وأسقطت بفطنتها وسرعة تحركها حجته باتهام يحيى ويوسف، وبالاعتداء عليه ومحاولة قتله.‏

ففي صباح اليوم الثاني، قادت جمعاً من النسوة. وذهبت بهن إلى مديرية شرطة أربيل، بسيارة المخرّف الكبيرة.‏

((هناك أدلين بشهادتهنّ المغايرة لإدعاء السلماني. اتهمنته بأنه سبب المشاكل ومفتعلها، والمحرّض الوحيد على الفتن والاضطرابات التي حصلت في قريتنا.. وفندن تلفيقاته بخصوص الإدعاء بمسؤولية الأخوين الموقوفيين. وشهدن بحسن أخلاقهما وشهامتها!‏

ولم تكتف الخانم بتكذيب زوجها، والتأكيد على بطلان حججه كافة وعدم صحة أقواله.. بل ذكرت للمحقق سرقة بقرة سعدو بأمره، والاعتداء على يحيى بعد تحطيم مضخة الماء وإتلاف الأنابيب. لكنها لم تذكر قضية الأرض الشرقية، بيعها المزور.. وشراءها.. وبعد أن اتجهت بهنّ إلى دار "الكهرماني" وتأكدت من حقيقة ما سمعته منك، ثارت ثائرتها وهددت السلماني "إنه إذا لم يطلقها، ولم يسحب دعواه على الأخوين في خلال يومين، فستثير فضيحة ما بعدها فضيحة! وستتقدم شكوى ضده تتهمه بسرقة أموالها، والتلاعب بدفاتر حسابات الوكالة".. وتأزم الموقف وتعقدت المشكلة فاضطر الجمولي-محاميه الخاص-إلى التدخل. وأقنعها بإنهاء القضية على خير.. مثلما أقنعني بعد جهد بعدم إقامة دعوى ضد المعتدين على زوجي وعلى أملاكه، وعدم إثارة قضية الاستيلاء على أرض أبي الشرقية بالتزوير.‏

تصرف الخانم الحاذق، الحازم والسريع، أنهى المشكلة. وأعاد يحيى ويوسف إلى القرية معززين مكرمين. في حين لم يجسر السلماني على العودة. بقي بعيداً عن بيئته وأملاكه، مما سهل لمطلقته الخانم السيطرة عليها، ووضع يدها على كامل ثروته. على الرغم من مجىء حسان بعد أسبوع-إثر توسط المختار-يحمل توكيلاً عاماً بإدارتها. لم تأبه به وأصرت على عدم رؤيته.‏

حسان وسّط الملّد ليصالحه مع يحيى، بعد أن أقسم بأن لايد له في كل ما حصل، وإن دوره اقتصر على حماية والده وتهريبه. لكنه لم يفلح في ترضية أمه ومصالحها.. رفضت استقباله ومنعت دخوله البيت، وأجبرته على السكن في الجناح الخارجي وحيداً، ككلب أجرب.. وأقسمت إنها لن تغفر له ولن تكلمه طوال عمرها..)).‏

استمعت للقصة من بشيرة التي ما إن أنهت حديثها حتى باغتتها بسؤالي:‏

-أين صارت قضية شذى؟ هل وافق يوسف؟ دهشت، بانت الدهشة في عينيها، فزجرتني:‏

-ألم تكف عن هذا السؤال؟ أضجرتني به وحق اللّه. سألتني إياه عشر مرات!‏

-عشر مرات؟! أنا؟‏

-نعم.. أنت.. قلت لك إنه رفض.. رفض..‏

في تلك الأثناء جاءت افتخار. سلّمت، ونقلت لي رسالة نصار.‏

-أرسلني لأخبرك: بأن الجمولي في ديوان السلماني..‏

ويريد رؤيتك..‏

آنذاك فقط تذكرت "الملف الأحمر" هرعت إلى غرفتي ملهوفاً، قلبت الفراش فوجدته كما هو، في المكان ذاته، الذي وضعته فيه منذ أيام.‏

تصفحت أوراقه فأنتشيت. وساورني الخوف من فقدانه. فقررت حفظه في مكان أمين...‏

خرجت من الغرفة فسمعت افتخار تحدث بشيرة:‏

-جاء يحثني على العمل معه في المشغل.. فلماذا لا تعملين أنت معه؟‏

-أنا! لا وقت عندي لأحك به رأسي.‏

-أي مشغل؟‏

سألت افتخار فسخرت:‏

-أنت الذي شجعته على فتحه محمد يشكرك كثيراً. لأنك فتحت له باب رزق لن يغلق.‏

-اسمعي يا افتخار.. احفظي لي هذا الكيس.. في مكان لا يعرفه حتى نصار..‏

قلت لها وأنا أسلمها أوراق الجمولي.‏

فاستفسرت بعجب، وعيون أمي وبشيرة ترمقني بفضول:‏

-ما هذا؟‏

-أوراق هامة احتفظي لي بها لمدة أسبوع فقط..‏

تركتها في حيرة وخرجت:‏

اتجهت مباشرة إلى مضيف السلماني، فوجدت زوج خالتي يجلس على نار، وحده، فبادرته:‏

-ماذا تريد يا جمولي؟‏

-اجلس.. أريد أن أحدثك.‏

-هل أرسلك السلماني؟‏

-لا.. جئت أسألك عن الأوراق.‏

-الأوراق!! أيّة أوراق منها؟! إنها كثيرة!‏

-كلها، كل الأوراق التي أخذتها من الخزانة..‏

-أمجنون أنت! عم تتكلم؟‏

جاء نصار.. دخل متنرفزاً. وتدّخل باحتقار:‏

-هل أسمعك قصته العجيبة؟ الأستاذ المحامي حامد الجمولي.. زوج خالتك المحترم جاء يطالبني بدين وهمي.. يحاول ابتزازي!‏

ابتسم الجمولي بخبث واستهزاء وقال:‏

-يا نصار!! لا ينفعك النكران..‏

قهقه نصار مما أغاظ الجمولي. وتفاقم غيظه حين استفزه.‏


  اقتباس المشاركة
قديم 05-14-2009, 12:38 PM   #127
الطالب المجتهد
I ♥ PALESTINE
 
الصورة الرمزية الطالب المجتهد
اللهم نجحني يارب
الحمد لله بخير ..

قوة السمعة: 130 الطالب المجتهد will become famous soon enough

افتراضي رد: العصفور والريح

أعندك ما يثبت قولك؟‏

زفر الجمولي بحرقة وأعلن:‏

-الصكوك سرقت!‏

قهقه نصار من جديد ثم سخر:‏

-سرقت! أم انتهى وقتها؟‏

صفن زوج خالتي يستوعب السخرية. فأكمل نصار:‏

-يا جمولي، أخذت حقك منذ أعوام.. فكفاك ابتزازاً لنا واستغلالنا.‏

-متى تشبع؟ اتق اللّه..‏

قلت له فزعق في وجهي بألم:‏

-كنت متأكداً بأنك السارق-قبل أن تصلني تهديداتك-فلم يدخل بيتي سواك.‏

-كنت عاقلاً، فاستوعبت رسالتي، فلو عاد رجالك لتفتيش بيتي لورطت نفسك.‏

-كيف سولت لك نفسك؟ كيف تجاسرت وسرقتها؟ سأمهلك خمسة أيام فقط لتعيدها.‏

-خمسة!! لماذا لا تجعلها ستة؟!‏

-أتسخر! يا لك من صلف! سأؤدبك وحق اللّه.. بعد اليوم الخامس سأتقدم بشكوى.. أتهمك بالسرقة.‏

أطلقت صفيراً وسألته باستخفاف:‏

-ما هو دليلك يا جمولي؟ وأين كنت طوال الشهور الماضية؟ ثم كيف سولت لك نفسك أنت سرقة أرضنا؟ كيف تجاسرت وزورت الوثائق وانتحلت بصمة أبي؟! لماذا وأنت زوج خالتي؟ اشتركت في جريمة قذرة لا يقدم عليها محام شريف أبداً..!‏

سكت مصعوقاً فتابعت:‏

-ثق بالله إنني سأتقدم بشكوى ليعاد التحقيق في كل قضايا الملف..‏

-ألم يعد لك السلماني أرضك؟ فماذا تريد بعد؟‏

-هل لاحظت نقصاً في دنانيرك المكدسة؟ هل سرق منها شيء؟ ما أخذت فلساً واحداً.. لأنني ما تعودت السرقة في حياتي.. وأنت تعرفني جيداً.. وأعترف أنني كنت غبياً.. لقد عدت إلى القرية سيراً على الأقدام.. لأن جيوبي كانت فارغة.. لم أكن أملك مالاً.. كنت غبياً فلم آخذ درهماً يكفيني.. لا تظنني أهتز لتهديك الفارغ.. أو أخاف منك.‏

اصفر وجهه بشكل مقيت. وبرزت عيناه وهو يستمع لبقية كلامي، متوقعاً أن أفجر قنبلتي في رأسه:‏



-إياك أن تلعب بذيلك.. سأسلم الملف الأحمر إلى الشرطة. ارتعش بدنه، انتفض متوسلاً:‏

-أعده لي.. إنها أسرار الناس!‏

-سأعيده بشرط.‏

ساومته فرد موافقاً:‏

-ما هو؟‏

-تجلب لنا موافقة على فتح مدرسة.‏

فوجىء، لم يصدق، أعتقد أنني أمزح. نظر إليّ بإمعان وقال:‏

-مدرسة!! ألا توجد مدرسة هنا؟‏


  اقتباس المشاركة
قديم 05-14-2009, 12:38 PM   #128
الطالب المجتهد
I ♥ PALESTINE
 
الصورة الرمزية الطالب المجتهد
اللهم نجحني يارب
الحمد لله بخير ..

قوة السمعة: 130 الطالب المجتهد will become famous soon enough

افتراضي رد: العصفور والريح

أدركت استسلامه فأوضحت له:‏

-لا.. السلماني أفشل كل محاولات فتحها..‏

نقر بإصبعه على فخذه وأعلن بعد ثوان:‏

-بسيطة.. أمهلني أسبوعاً.. ولكن أين ستفتحونها؟‏

-لا أدري! سندبر لها المكان المناسب، فيما بعد..‏

-ربما تأتي لجنة من مديرية التربية لدراسة أحوال القرية، معرفة عدد الأطفال الذين تجاوزا السادسة والاطلاع على موقع المدرسة المقترح.. ألا مكان جاهز في القرية..؟‏

-لا..‏

-ولم لا تفتحونها هنا..؟ مضيف السلماني واسع.. اقترح ببساطة فأدخل البهجة لقلبي. هتفت مؤيداً:‏

-إنه أفضل مكان.‏

-والآن.. أعطني الأوراق.. الملف..‏

-لا. يا زوج خالتي. لا..سيبقى مصاناً، في مكانه الأمين. حتى تنهي عملك..‏

-أعدك بشرفي..‏

-يقولون: شرف المحامي في محفظته..‏

سخر نصار فواصلت تهديدي:‏

-ليكن في علمك بأنني لست مغفلاً لأضعه في بيتي، مثلما تتصور.. كن عاقلاً.. فأي تهور سيقضي عليك..‏

سأسلمه إلى النائب العام دون تردد..‏

حدس جدية التهديد فلان، أظهر ليونته بقوله:‏

-دعنا نتفاهم يا كاكاحمه..‏

خفت من مراوغته.. وخداعه. قاطعته بحدة وحسم.‏

-انتهى التفاهم.. يا زوج خالتي.. نفذ شرطنا وعد إلينا ثانية.. مع السلامة..‏

انتفض غاضباً وخرج دون كلام.‏

-حسناً فعلت يا كاكاحمه.. أوقفته عند حده.. جاءني مهدداً فأخرسته، مثلما أخرسه المختار والحاج صالح..‏

-مكنني الله منه فقصمت ظهره.. آمنت بأن الخالق يمهل ولا يهمل.. آمنت..‏

أفضيت بما في صدري.. وخرجت.. بينما بقي نصار للتحدث مع الخانم بناء على رغبتها!‏

عدت إلى البيت فوجدت عمتي مليحة بانتظاري! استقبلتني أمي بوجه صارم. وراحت تسأل وتستفسر بإلحاح، عما تريده افتخار وعما جاء يفعله الجمولي في القرية! طمأنتها.. شرحت لها باختصار، وجلست أستمع لعمتي وهي تتحدث وتتحدث عن الجمولي "الحرامي"! الذي جاء يطالبهم بدين "لا أساس له"! وعن السلماني، الذي ظهر أنه متزوج من "ممرضة شابة"!.‏

ظلت تعيد وتصقل مما دعاني لسؤالها، وقد خمنت أن وراء قدومها أمراً آخر غير الذي حدثتنا عنه "الحرامي والممرضة"‏

-عمتي، هل تتكرمين بإعلامي-دون لف ودوران-عما جئت من أجله..‏

ارتبكت وتمتمت:‏

-أنا! لا.. لم أتِ إلاّ لرؤيتكم..‏


  اقتباس المشاركة
قديم 05-14-2009, 12:38 PM   #129
الطالب المجتهد
I ♥ PALESTINE
 
الصورة الرمزية الطالب المجتهد
اللهم نجحني يارب
الحمد لله بخير ..

قوة السمعة: 130 الطالب المجتهد will become famous soon enough

افتراضي رد: العصفور والريح

قولي يا مليحة.. ولا تخجلي..‏

شجعتها أمي. وبقيت هدهد صامتة، منهمكة في مغزلها وصوفها، وإن ظلت تصغي بأذنين مرهفتين.‏

تلعثمت عمتي. نقلت عينيها في الأرجاء. وتحركت شفتاها لتنطق بكلمتين:‏

-المحل الجديد-ماذا به، المحل الجديد يا مليحة؟!‏

استحثتها أمي بكراهية، فتوثّبت. التفتت نحوي وقالت بصراحة. ربما نكاية بزوجة أخيها الراحل:‏

-عمك الحاج صالح يقول: لو يمنحنا كاكاحمه مبلغاً آخر، يسعفنا بمائة، مائتي دينار..‏

استاءت أمي. أكفهر وجهها لدرجة المقت فناكدت خانقة القط:‏

-طمعتم بمال اليتيم يا مليحة! لم لا تبيعين أساورك الذهبية؟‏

جفلت عمتي، ارتعشت، تلعثمت، ومن جديد نقلت عينيها في الأرجاء. ثم تمتمت:‏

-نحن نسعى لتوسيع المحل.. الحاج يريد..‏

سفهت أمي أقوال عمتي وعادت لمناكدتها:‏

-إنها أفعالك أنت.. ولا دخل للحاج بها..‏

امتعضت عمتي مليحة. حدجت أمي بنظرة استرحام ثم تطلعت إليّ بتوسل شعرت بالعطف تجاهها، فأمنتها:‏

-أمهليني أسبوعاً يا عمتي.. سأراجع حساباتي مع الحاج.. وسأدفع ما أقدر عليه، إن شاء الله.. وأرجو أن يجهر الحاج أوراق الشراكة، لتصديقها عند كاتب عدل أربيل..‏

شكرتني وخرجت مسرورة. وإن نغزها طلبي الأخير.. إذ قيدتها بحبال الحق والشرع.‏

شعشع "النفق" في مخيلتي حال خروجها! حاولت الذهاب إلى الأرض.. فأخبرتني أمي بهطول المطر..‏

أردت التأكيد بنفسي. نهضت فدهمني الوجع.. أحسست فجأة بصداع حاد.. تذكرت نذالة الجمولي حين طردني من بيته.. ودوّت "كلمات الطبيب" وهو يهمس بها للممرضة"، في أذني.. فجريت إلى سريري.. مذعوراً وكأن النهاية حانت..‏

ولكي أخفف من شدة الوجع، ومن كبر مصيبتي.. لم أجد سوى الدموع، بعيداً عن عينيّ وأذنيّ هدهد..‏

رحت أسترجع أيامي وذكرياتي الحلوة. وبدوت كألأبله، أو كمن أبهظه ثقل الواقع ففاء إلى ظلال الماضي، يستلف أرجها وأريجها..‏

وبعد مضي ساعة تقريباً، طرأ بعض التحسن على حالتي، وخف الصداع. وعاد النفق بوابة أحلامي.. لم أطق الصبر.. لم أحتمل البقاء "فالعصفور لازم يشق الريح" تماماً، كما قال الملازم علي، وهو يدربني في معسكر الغزلاني تخيلت الطريق الجديد وأنا منطرح على السرير: خططت في خيالي وانتظرت ساعات حتى توقفت المطر.. فخرجت سراً، لأتحقق من صحة رسومي ودقة مشاريعي..‏

صعدت التل الكبير. تطلعت مبهوراً إلى سفح الجبل حيث متعت بصري بأشجار الفاكهة واللوزيات، المنتشرة بكثرة.. أوراقها الخضراء المغسولة بماء السماء هيجت مشاعري وأنعشت قلبي. وازداد انتعاشي إثر نزولي الوادي.. المكتظ بالأشجار المتنوعة والخضار، المشهورة بطعمها اللذيذ نتيجة لارتوائها من العين.. عين صغيرة ماؤها عذب، صاف، شفاف، مثل البلّور.. رأيت صورتي على صفحته المضاءة بنور النهار.. كنا نأتي أنا وأحمد نلعب هنا ونلهو.. أو أنا وافتخار سراً لنتبادل الغرام..‏


  اقتباس المشاركة
قديم 05-14-2009, 12:38 PM   #130
الطالب المجتهد
I ♥ PALESTINE
 
الصورة الرمزية الطالب المجتهد
اللهم نجحني يارب
الحمد لله بخير ..

قوة السمعة: 130 الطالب المجتهد will become famous soon enough

افتراضي رد: العصفور والريح

قست المسافة، العمق.. قمت بالمهمة وحدي. ثم أعدّتها في اليوم الثاني مع هدهد، لأتأكد. ولأسعد زوجتي في الوقت نفسه‏

كل من رآني سخر في أعماقه. كل من استمع لشرحي استهزأ بعينيه إن لم يفه لسانه خوفاً..‏

صحيح أن الأمر لم يكن سهلاً.. لكنه ليس مستحيلاً.. يحتاج لجهد الرجال وعضلاتهم، تفانيهم وصبرهم.. ارادتهم الفذة.. ولو كنت قادراً على إنجازه وحدي، لما طلبت مساعدة أحد.. وما احتجت إلى مشورة أحد.. أياً كان..‏

صممت على إنجاز الطريق مهما كلفني ذلك من جهد.. سأنجزه ليكون ذكرى خالدة في مخيلة الأهالي، بعد رحيلي كذكرى المسجد والمدرسة، التي ستتحقق.. حتماً.. سيقولون "هذا طريق كاكاحمه" فأفرح حتى وأنا في قبري..‏

أعدت هدهد إلى البيت. واتجهت إلى بيت المختار. أسأله عما جرى بينه وبين الجمولي، ولأوضح له طبيعة المشروع وفائدته..‏

في الطريق تراءى لي أحمد. رأيته مسجّى بدمه.‏

فهتفت موبخاً مستنكراً، متألماً:‏

-لماذا يا أحمد؟. لماذا فعلت ذلك العمل المشين؟!‏

نكس رأسه حياء فلمحت على هامته "أكليل شوك"! (حلَ الضيوف عند المختار، كانوا شباباً من الأنصار عرف أحمد أحدهم، وكان مطلوباً لقوات الأمن. فتسلل يخبر السلماني الذي اتصل بجهاز اللاسلكي. فدوهم بيت المختار بعد ساعة. واعتقل الشباب الخمسة رغماً عنه. ورغم معارضته الشديدة وتوسلاته، أعدموا أمامنا رمياً بالرصاص. ولولا فطنته وسرعته بإخفاء سلاحهم، لأعدم معهم دون ريب.. ومع ذلك شوّهت الحادثة سمعته، وأزالت هيبته. وألبسته ثوب العار، وإن أقسم بالمصحف أمام الأهالي مرات ومرات، أن لاعلاقة له بالموضوع.. ولكي يثبت للناس صحة ما يدعيه، وليسترد شرفه الذي هو أغلى من المال والبنين، بصق في وجه السلماني وصفعه وسط الساحة.. وترصد لابنه الوحيد الهارب.. وذبحه بيديه ذبحاً.. من الوريد إلى الوريد..)‏

شرحت للمختار ما يدور في رأسي وبينت فائدته للقرية. فافترّ ثغره عن ابتسامة صفراء، وراوغ:‏

-إنها فكرة مدهشة، لكنها ليست سهلة كما تتصورها.‏

-وليست صعبة يا مختار. بهمّتك وهمّة الرجال يمكن إزالة الجبال وليس هذا التل الترابي..‏

-آمنا باللّه..‏

-لا تحبط عزيمتي ولا تزرع اليأس في قلوب الرجال بموقفك المتخاذل هذا..‏

أحس بالإهانة تطعنه فغير لهجته على الفور:‏

-أنا بكامل الاستعداد.. قل لي ما الذي يتوجّب عليّ فعله يا كاكاحمه؟ أنا مستعد لتنفيذ كل ما أقدر عليه.. وسأضع يدي في يدك بشرط..‏

-شرط!! ماذا تريد يا مختار؟‏

-أن تذهب غداً إلى أربيل لتعرض نفسك على طبيب.. باغتني بطلبه، فأرهبني.. وحتى لا أدخل في متاهة معه وأثير شكوكه أكثر، أبديت موافقتي دون تردد..‏

-أوافق.‏

-غداً ستذهب مع عيسى سيأخذ والده إلى المستشفى لعرضه على طبيب خاص..‏

-نريد "سيارة شغل" تساعدنا في هدم التل وحمل التراب إلى الوادي.‏

-إنه أمر سهل-أمهلني بضعة أيام..‏

-لا تقل: انتظروا الحكومة، لتكمل الطريق.. لن يأتي منها سوى الخراب والقتل..‏

طرحت وجهة نظري وودعته. أردت الخروج فأوقفني هازئاً:‏

-الجمولي، جاءني مطالباً بالدين، فطالبته بالصكوك.. قلت له: اجلبها في المرة القادمة لأدفع لك مستحقاتك ونخلص.. إن كنت تطلبني حقاً..‏

-لن ترى وجهه أبداً.. لكن وجهي لن يغيب عن عينيك هذا الأسبوع تركت بيت المختار. وتوجهت إلى موقع "النفق" في البدء عملت وحدي. رفضت مساعدة هدهد. التي جلبها عرفان مع مغزلها وصوفها. وعاد يلعب مع أقرانه في الساحة. لم أسمح لها بمعاونتي، أجلستها أمامي. أتملّى في محاسنها، وأتسلى بحديثها وهي تغزل بخفة ورشاقة.‏


  اقتباس المشاركة
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 07:19 PM.