Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showthread.php on line 639

Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showthread.php on line 1041

Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showthread.php on line 1046

Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showthread.php on line 1518

Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showthread.php on line 1523
بطاقة السحرية - الصفحة 7 - منتديات شباب فلسطين
نحن مع غزة


الإهداءات

العودة   منتديات شباب فلسطين > محطات عامـة > الــوآحــة الـعــآمّــة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 05-13-2009, 01:51 PM   #61
manal*****lolo
I ♥ AQSA
 
الصورة الرمزية manal*****lolo

قوة السمعة: 10 manal*****lolo will become famous soon enough

افتراضي رد: بطاقة السحرية

هل تحتاج شيئاً من البيت أو من السوق؟ لقد أحضرت معي قليلاً من الأكل ولوازم الغسيل والحلاقة..‏

كان الأب غائباً، شادر الفكر لم يستمع جيداً إلى حديث ابنه، كان غارقاً في هذيان داخلي مستمر يحيي الماضي الذي أدركه التلف والنسيان، حملق في وجه جمال بعينين غائبتين ثم استرسل في الحديث كأنه لم يتوقف قط عن الكلام.‏

- سأحكي لك لماذا أنهيت حياة ذلك الكلب، استمع جيداً أنت الوحيد الذي لا أريد أن يعاتبني ويتهمني زوراً وبهتاناً.. صمت قليلاً من الوقت كأنه يبحث عن الحدث أو العبارة التي سيبدأ بها هذا الاعتراف القسري، ثم أنطلق في اسهال كلامي مقضب، سريع كأنه أن الوقت قصير لا يتسع للحكاية بأسرها، انتبه الشاب الواقف بجانبه إلى القصة فأظهر اهتمامه للاستماع، أدار وجهه نحو الأب، ترك أمه تلوك نصائحها للوقاية من البرد وسوء التغذية، تحمس مصطفى عمروش للرواية، نسى التعب والانهيار الجسدي والنفسي، في اللحظة التي توقفت الأم عن الثرثرة منتبهة إلى الحكاية المروية بحماس، دخل الحارس الضخم يجر جبال الشحم المكدس على جسمه بصعوبة، تنحنح ثم صفق معلناً نهاية الزيارة.‏

سكت الأب عن الكلام ونظر تجاه الحارس بفضول زائد ثم قال:‏

- في الزيارة المقبلة، أحكي لك القصة بكل تفاصيلها، سلّم على جميع أفراد العائلة، وقل لهم بأنني في صحة جيدة ولا أريد أن تقلقوا عليّ..‏

أنسحب بخطى متثاقلة متبوعاً بالشاب الذي ما زالت أمه تمطره بالنصائح تلو النصائح، أنتظر جمال دخول الحارس المتمايل تحت وزن شحمه المتدفق من كل الجهات إلى بهوهم، ناوله القفة المغطية بمنديل مزركش، وغادر السجن بأسرع ما يمكن بعد أن تخلص من الأسئلة الملحاحة للأم، التي بادرته بالكلام دون استئذان، وهما يجتازان عتبة البهو الذي يفتح على الساحة الكبيرة المبلطة ببلاطات مربعة رمادية اللون، نظيفة وخالية من العباد والأشجار، مشت بجانبه ردحاً من الزمن، وهي تحكي قصة ابنها الذي لم يسمع نصائحها واختلط بمجموعة من اللصوص وأصبح يشاركهم سرقاتهم الليلية، إلى أن وقع في قفص الشرطة مؤكدة بأن ابنها طيب القلب، فلولا أولئك الأشرار الذين أغروه بالمال واللباس الفاخر المستورد، لما كان الآن داخل السجن، شاركهم مرتين فقط، وحينما أراد الانسحاب، هددوه بالقتل، وهو يتيم ليس له أب يدافع عنه ولا أخ كبير، لعنت الحظ الذي رزقها بتسع بنات كلهن معتكفات في البيت دون زواج ولا عمل.‏






عزَّ الـورودُ.. وطـالَ فيـكَ أوامُ
وأرِقْـتُ وحدي..والأنـامُ نـيـامُ
ورد الجميع ومن سنـاك تـزودوا
وطردت عن نبع السنـى وأقامـوا
ومُنعتُ حتى أنْ أحومَ..ولـمْ أكـدْ
وتقطعت نفسي عليـك ..وحامـوا
  اقتباس المشاركة
قديم 05-13-2009, 01:51 PM   #62
manal*****lolo
I ♥ AQSA
 
الصورة الرمزية manal*****lolo

قوة السمعة: 10 manal*****lolo will become famous soon enough

افتراضي رد: بطاقة السحرية

روت الأم كل ذلك وهما لم يجتازا السياج الخارجي، كأنها أمام القاضي تستعطفه وتتوسل إليه بالافراج عن ابنها البريء.‏

كان جمال حزيناً وكئيباً وأفكاره مبلبلة، ذهنه مشتت، لا يقدر على التركيز، أقلقته الأم المسكينة بحكاياتها وأحتار كيف يفلت منها دون أن يجرح عواطفها، فاغتنم فرصة قطع الطريق إلى الرصيف المقابل لسياج السجن، حيث تأخرت قليلاً، تنتظر مرور شاحنة محملة بالبضائع فأسرع خطاه دون أن يلتفت وراءه، قاصداً محطة الحافلات للعودة إلى قرية عين الفكرون، كان حزيناً لأن أباه سيقضي بقية حياته في السجن، جريمة قتل تعاقب بسنوات كثيرة مهما كانت دوافعها مشروعة نفسياً واجتماعياً، كان كئيباً لأنه سيفقد شفيقة، التي أحبها منذ الطفولة نهائياً، منذ اللحظة التي شاهد فيها الجثة الهامدة الملطخة بالدماء، ممددة وسط المقهى، وهو يتساءل بمرارة عن الفائدة التي جناها أبوه من وراء هذه الجريمة الجنونية في محاولة بائسة لإقناع نفسه بأن سلوك أبيه كان على حق.‏

حوافز منطقية! أحب أباه منذ الطفولة المبكرة واعتبره رجلاً كاملاً ولم يكن يتصور أن هذا الأب الطيب البشوش الهاديء، سيحمل البندقية في لحظة جنون ويطلق عياراً كاملاً على انسان، لم تخطر الفكرة على ذهنه بتاتاً، كان البندقية في الرواق المنزلي محكمة بحزام جلدي سميك لا يمسها أحد، حتى أضحت تحفة عادية تزين البهو كباقي التحف الزخرفية التي تعتني بها زوجة أبيه بعناية فائقة بازالة الغبار عنها وتنظيفها دوماً بقطعة قماش أبيض ناصع، وكم من مرة شاهدها وهي تزيل البندقية من مكانها وتجلس على البلاط وسط البهو لتنظيف الأجزاء المختلفة ابتداء من الأخمس مروراً بيد التعمير وعلبة المغلاق وقنطرة الزناد وصولاً إلى الماسورة ذات الثقبين، دون أن تجرأ على تفكيكها خوفاً من عدم معرفة تركيبها أو لأنها تتصور أن البندقية قطعة واحدة ملتحمة لأتفك، ثم ببطء ملحوظ كأنها تحمل صحناً من البيض، ترجعها إلى مكانها وتثبتها بإحكام، حينما كان جمال صغيراً كان يشاهد‏

أباه يحملها على كتفه الأيمن باعتزاز جلي، ويغادر البيت في الصباح الباكر ولا يعود إلا مع غروب الشمس، وفي حمالته الجلدية بعض الأرانب أو الطيور التي قضى اليوم كاملاً في ملاحقتها عبر التلال المجاورة للقرية، كان يخصص نهاية كل أسبوع للصيد البري، ثم بعد سنوات انقطع نهائياً عن هوايته، فأصبحت البندقية لا تبرح مكانها إلا للتنظيف، تساءل جمال مراراً لماذا لا يبيعها أبوه وينتفع بمالها حيث أنه لا يحتاج إليها، ولكن بعد التفكير وجد بأنها تحفة حربية يعزز بها ماضيه كلما تقدمت به السن مثلما يفعل الرياضيون بالكؤوس والميداليات التي تعلق على صدورهم في أيام العز والنجاح، في السنوات الأخيرة لم يعد يعير أي اهتمام لتلك البندقية المعلقة باحكام، لقد أضحت جزءً لا ينفصل عن أثاث البيت، لو كان يعرف مصيرها لاختطفها في دجى الليل ولدفنها في مكان قفر، لا يصل إليه الشيطان نفسه، ولكن هل هناك من يتنبأ بمصيره؟‏






عزَّ الـورودُ.. وطـالَ فيـكَ أوامُ
وأرِقْـتُ وحدي..والأنـامُ نـيـامُ
ورد الجميع ومن سنـاك تـزودوا
وطردت عن نبع السنـى وأقامـوا
ومُنعتُ حتى أنْ أحومَ..ولـمْ أكـدْ
وتقطعت نفسي عليـك ..وحامـوا
  اقتباس المشاركة
قديم 05-13-2009, 01:51 PM   #63
manal*****lolo
I ♥ AQSA
 
الصورة الرمزية manal*****lolo

قوة السمعة: 10 manal*****lolo will become famous soon enough

افتراضي رد: بطاقة السحرية

الفصل الثامن‏

غصت القاعة الواسعة بالمجاهدين الذين لم ينقطعوا عن الحديث الحار، بل أصر معظمهم على استحضار حوادث الأمس وروايتها بحماس مفرط مع اسناد الدور البطولي الأول لأنفسهم بكل تواضع واعتزاز مع اشراك الحاضرين كمشاهدين صادقين آمنين على أقوالهم، تبعثروا عبر ارجاء الصالة الواسعة مثنى وثلاثى ثم اختاروا لأنفسهم الأماكن الملائمة ومكثوا ينتظرون الافتتاح الرسمي للاجتماع، كان مكتب المنصة مرتفعاً قليلاً عن بقية الكراسي ومغطى بمقاش سميك أزرق اللون، وخلف المنصة على الجدار، بمسافة أقرب إلى السقف منه إلى البلاط علق اطار خشبي بداخله صورة شمسية لوجه جاد وصارم، يفرض الهيبة ويبعث في نفوس المحدقين إليه طويلاً شعوراً يمتزج فيه الخوف والاحترام إلى درجة التقديس، بصر نافذ، وشلاغم كثة سوداء، احتلت نصف الوجه، كانت الصورة بالأبيض والأسود ويبدو على الاطار الخشبي مسحة من الغبار تراكم عليه سنوات، ربما لم تنظف الصورة منذ تعليقها أول مرة، كأن الخادم لم يجد الجرأة الكافية لمواجهة البصر الثاقب المتحدي والاقتراب منها لإزالة الغبار المتراكم عبر الأيام والشهور، تأخر مصطفى عمروش قليلاً في مكتبه منشغلاً بجمع الوثائق لاحضارها إلى قاعة الاجتماع وفيما كان يستعد للخروج، دخل عليه رئيس البلدية وصافحه بحرارة غير اعتيادية وابتسامة عريضة نفعية، رجل في مقتل العمر، قوي البنية وأصلع الرأس، اشتغل "مُسَبِّلاً" أيام الثورة وساعد كثيراً من الشبان على الالتحاق بصفوف الجبهة وجمع الاشتراكات الشهرية من السكان بطريقة ذكية جعلته يقدم كمية مالية مرتفعة في نهايةكل شهر إلى المسؤول المكلف بايصالها إلى الأخوة في الجبال، ذاق مرارة السجون والتعذيب بعد وشاية مجهولة ومكث زهاء سنتين إلى أن أخرج في غمرة أفراح الاستقلال حينما فتحت أبواب السجون على مصراعيها ولفظت من بداخلها قبل أن يتعفَّن، خاض معركة انتخابات المجلس الشعبي البلدي مراراً فكان عضواً عادياً في الفرة الانتخابية الأولى ثم أصبح نائب رئيس البلدية في الفترة الانتخابية الثانية إلى أن تقلد أعلى منصب في قرية عين الفكرون في الانتخابات الأخيرة وبمساعدة كبيرة وجلية من السرجان الذي كان يرافقه دوماً في الحملة الانتخابية ولم يكن يتوقف أو يمل من مدحه وذكر خصاله كرجل صالح للخدمة العامة، وكن السرجان سخياً في توزيع أمواله على الذين يشك في كسب أصواتهم، مما أدى به إلى الاعلان قبل أسبوع أن تقديم المشروبات الساخنة والباردة سيقدم مجاناً في مقهاه يوم الانتخابات، الناس تشرب وتزيد بلا حساب، خزينة السرجان هي التي تدفع وإذا انتخب صديقه رئيساً للبلدية سيقيم حفلاً باذخاً لجميع أهل القرية بلا تفريق بين الأصدقاء والأعداء وسيكون المشوي هو سيد المأكولات وكل المصاريف هدية من السرجان إلى قرية عين الفكرون، في تلك الأيام كان المرشح بصحبة السرجان يعرض كل المشاريع الاقتصادية والاجتماعية التي ستنقل نهائياً القرية من التخلف والعزلة، وذلك بمساعدة مقاولات السرجان الذي أخذته غيرة لا حد لها على قريته الفقيرة، فأراد أن يعمل لإخراجها من الوحل لتكون في مستوى استقبال أكبر المسؤولين في الحكومة دون خجل، لم يكن مصطفى عميروش ينتظر مجيئه، ولم تكن تربطه علاقة متينة كالتي تربط بين صديقين حميمين يتمتعان بثقة متبادلة ويملكان ماضياً مشتركاً يجمعهما، أو يقرب شعورهما بالألفة والطمأنينة، تعرف عليه بعد الاستقلال في اجتماعات المجاهدين، فأصبحا يلتقيان مراراً للنظر في بعض القضايا المشتركة، ولم يكن مصطفى عمروش يجهل صداقته بالسرجان، ابتسم في داخله ساخراً ومستهزئاً لقد أدرك بحكم التجربة قصده من هذه الزيارة الخفيفة، " ها قد جاء "المير" ليرد جميله إلى الذي أوصله إلى الكرسي الوثير، جاء الكلب يدافع عن سيده ويصد عنه الأعداء، اشترى السرجان بماله نصف رجال القرية وأوصلهم إلى مناصب لم يكونوا يحلمون بها وها هم اليوم يظهرون مخالبهم للذوذ عنه واعطائه حقاً لا يستحقه مثلما أعطى لهم مالاً ومناصب لا يستحقونها، سخاء متبادل لكنهم لا يعرفون مصطفى عمروش، رأسه صلب كالاسمنت المسلح، إذا تماسك لا يكسره أحد وناشف كالصحراء القاحلة، تحفر ألف كيلومتر بالبلدوزر الروسي ولا تعثر على قطرة ما، وإن كانت لا تصلح حتى لشرب البقرة سأمرغ أنوفهم في الوحل وأمسح بهم غبار الشوارع ليدركوا أن الرجال رجال وان دارت الدنيا على قفاها يصمدون أمام الرعود والبروق والزلازل والفيضانات الهوجاء والرياح العاصفة التي تكنس في طريقها أشجار الكاليتوس والصفصاف مثما تكنس البعوض والفراشات.. دعهم ينبحون إلى غاية البحة ثم البكم.. قالوا ناس زمان "القافلة تمر والكلاب تنبح، خليهم ينبحوا".. صباح الخير سي مصطفى.. تبدو حيوياً ونشيطاً هذا الصباح "ادن، ادهن، لا يفيد معي لا دهان ولا عسل.. ابصق ما بجوفك ودعنا نستريح.." علق مصطفى عمروش في صمت على تحية الزائر ثم رد التحية بصوت هادىء أزاح الكرسي وألصقه مع المكتب وخطا خطوات قليلة يريد الالتحاق بقاعة الاجتماعات، لكن رئيس البلدية الأصلع أوقفه بلطف ممعناً فيه النظر ثم قال بلهجة متوسلة مستعطفة: كن رحيماً ومتسامحاً يا سي مصطفى، الدنيا لا تدوم لأحد، رجل مسن ترحمه في أيامه الأخيرة، نزوة شيخ هرم أراد بطاقة يتصور أنها تدخله الجنة تماماً مثل الطفل الصغير الذي يصرخ ويتمرغ على الأرض من أجل لعبة يتلهى بها ساعة ثم يرميها ليبحث عن أخرى، الشيخ الهرم مثل الطفل والحزب لا يخسر شيئاً، ومعظم المجاهدين موافقون على منحه بطاقة النضال رغم أنهم يعرفون أنه لم يناضل ولم يشارك في الثورة، ولكن الأيام تمر والناس تنسى وهو رجل يساعد القرية ببعض الانجازات الضرورية لتطورها...‏






عزَّ الـورودُ.. وطـالَ فيـكَ أوامُ
وأرِقْـتُ وحدي..والأنـامُ نـيـامُ
ورد الجميع ومن سنـاك تـزودوا
وطردت عن نبع السنـى وأقامـوا
ومُنعتُ حتى أنْ أحومَ..ولـمْ أكـدْ
وتقطعت نفسي عليـك ..وحامـوا
  اقتباس المشاركة
قديم 05-13-2009, 01:51 PM   #64
manal*****lolo
I ♥ AQSA
 
الصورة الرمزية manal*****lolo

قوة السمعة: 10 manal*****lolo will become famous soon enough

افتراضي رد: بطاقة السحرية

البطاقة ليست عادية أو تافهة لا تساوي شيئاً، إنها ليست ورقة بيضاء وعليها الصورة الشمسية فقط، بل هي رمز الثورة، إعادة اعتبار لرجال ونساء لبوا نداء جبهة التحرير الوطني ويدركون تمام الادراك أن نسبة النجاة بأرواحهم ضئيلة جداً، ومعظمهم دفع الثمن بحياته وترك أرملة ويتامى لم يملأ وأعينهم من ملامح وجوههم بعد أن مات معظمهم وهو مشتاق إلى وجه أمه الحنون أو نظرة زوجته الحزينة وهو يودعها أو صياح أطفاله المرحين، إن حمل هذه البطاقة شرف، لا يناله الخونة والحَرْكية، كانوا يُذبحون من الرقبة كالخرقان "بالبوسعاني" الصديء والذين نجوا من الذبح رغم أدلة الخيانة القاطعة ضدهم ينبغي أن يأكلوا الخبز ويغلقوا أفواههم ولا ينبشوا كثيراً لربما يطلع الزبل رأس مجاهد ما..‏

انقطع عن الكلام برهة من الزمن، تردد في إكمال الفكرة ثم فضل السكوت والانسحاب من الغرفة مباغتاً رئيس البلدية الذي لم يعثر على حجة يطيل بها الحديث والبقاء وحيدين داخل المكتب.‏

في الصالة الكبيرة ما زالت الأحاديث الثنائية والثلاثية مستمرة في صخب وحماس ظاهرين، صعد مصطفى عمروش إلى المنصة متبوعً برجلين، جلس الثلاثة ينتظرون أن يخيم الصمت للشروع في العمل، تنحنح مصطفى ودق على الطاولة دقات خفيفة بأصابعه وحينما التفت جميع الحاضرين نحو المنصة، بسمل طويلاً للاستعداد النفسي ثم "حَزْيلَ " مردداً العبارات العادية الجاهزرة التي ما فتيء يرددها في كل اجتماع منذ أصبح مسؤولاً على فرع منظمة المجاهدين بقرية عين الفكرون مصراً على تحسينها واضافة كلمة مناسبة رنانة سمعها من أفواه المسؤولين الحزبيين في الاجاعات العديدة في المحافظة أو العاصمة ثم باشر الموضوع بجد ورزانة.‏

نجتمع اليوم في جلسة استثنائية فريدة من نوعها، لم يحدث مثلها منذ الاستقلال في قريتنا ولا أظنه يحدث في أماكن أخرى من الوطن، قضية تبدو غريبة، خارجة عن المألوف، ولكننا لا ينبغي أن نستغرب من أي شيء في هذا الزمن، الذي فقدت فيه القيم معانيها النبيلة، وأصبح كل واحد يخيط لها قميصاً مثلما يليق به هو دون غيره، يلفظ القميص المتين جانباً ويلبسها قميصاً رثاً ممزقاً، لا يصمد أمام أول نسمة من البرد الخريفي المثلج، أطلب من الجميع إلا يجهروا بأرائهم إلا بعد تمحيص القضية جيداً، ويصارحوا ضمائرهم ويستحضورا أمامهم تلك الوجوه المشعة بالارادة والشجاعة والايمان المطلق بتحرير الوطن، هذه الوجوه التي عاشت معنا أياماً وشهوراً وسنوات، حينما كنا لا نشبع نوماً ولا خبزاً، ونتذكر تلك الوعود التي تلفظنا بها أمام أرواحهم المحتضرة قبل أن ندفنهم بسرعة البرق بين معركتين ملتهبتين، أن نتذكر تلك السهرات على ضوء القمر، نحلم بمثل هذا اليوم، وتلك الأناشيد المتعالية وسط الظلام، والتي كانت تبعث الدموع إلى العيون المتعبة الناعسة لتضاعف العزيمة والصبر ومواصلة الكفاح إلى أن ينسحب آخر عسكري فرنسي من هذه الأرض الطيبة، المسقية بدم الشهداء الطاهر...‏

تعالت عبر القاعة غمغمات وتمتمات تترحم على أرواح إخوة السلاح، اغتنم مصطفى عمروش الفرصة وسكت ملياً، ينظر إلى الأوراق المبعثرة أمام عينيه، كأنه يستنجد بها لاكمال خطابه، وحينما شعر بوخز النظرات المصوبة تجاهه، وبالصمت الذي حاصره أكمل قائلاً- إن جميعكم يعرف الهدف من هذا اللقاء، ولكنني سألخص المشكلة، كي تتضح الأمور ويرتفع اللبس، تقدم السيد تكوش أحمد الملقب بالسرجان بطلب إلى منظمة المجاهدين، يريد أخذ بطاقة نضال تشهد أنه شارك في صفوف المنظمة المدنية للجبهة، ولحد الآن الملف متوقف تنقصه شهادتان يدلي بهما مجاهدان معروفان بمشاركتهما الواسعة أيام الثورة، وبسلوكهما النزيه أيام الاستقلال ولحد الأن الملف بدون امضاء، لأن المعني بالأمر لا يعرف عنه مشاركته مع الجبهة، بل بالعكس، فإن سلوكه في تلك الأيام كان مشكوكاً في وطنينته وسمعنا أقوالاً كثيرة لا نذكرها إلا عند الضرورة، والآن النقاش مفتوح لمن له رأي في القضية.‏






عزَّ الـورودُ.. وطـالَ فيـكَ أوامُ
وأرِقْـتُ وحدي..والأنـامُ نـيـامُ
ورد الجميع ومن سنـاك تـزودوا
وطردت عن نبع السنـى وأقامـوا
ومُنعتُ حتى أنْ أحومَ..ولـمْ أكـدْ
وتقطعت نفسي عليـك ..وحامـوا
  اقتباس المشاركة
قديم 05-13-2009, 01:52 PM   #65
manal*****lolo
I ♥ AQSA
 
الصورة الرمزية manal*****lolo

قوة السمعة: 10 manal*****lolo will become famous soon enough

افتراضي رد: بطاقة السحرية

عاد الصمت من جديد يغطي الأجواء ويختلط بدخان السجائر المتكاثر السابح في الفضاء المتصاعد نحو السقف ومعه الأفكار المزدحمة التي تغلي داخل رؤوس متعددة، تريد المروق من سجنها لتسبح بدورها في الفضاء الرحب ، ممتزجة بالدخان والصمت، ولكنها تأبى الانعتاق.‏

تعمق من الانزعاج والقلق السائدين في تلك اللحظات، لحظات انتظار من سيفتح باب النقاش ويكسر الصمت وينقذ الجالسين من الانبهار والتيه والحيرة، تبودلت نظرات متسائلة مترددة لثوان عديدة، كأنه دهر بوزنه الثقيل، تحرك رئيس البلدية في مكانه، منزعجاً قليلاً، طاف ببصره حول القاعة ثم عدل من جلسته وقال بصوت مرتفع كي يسمع الجميع..‏

- أظن بأن سي أحمد، لو لم يكن متيقناً من مساعدته للثورة لما تقدم لطلب بطاقة النضال، صرح لي منذ فترة بأنه أعطى مائة ألف فرنك ضربة واحدة فيما كانت الناس لاتمنح إلا أربعين دورو في الشهر، أعطاها لجيلالي بن علي "المَسّبل" الذي ألقي عليه القبض فيما بعد وأعدم، كما كشف له بعض الأسرار الخاصة بالثكنة ويكون قد أوصلها إلى الأخوة بدون شك زيادة على كميات المؤونة التي أعدها لإيصالها إلى المركز، عبأ له ثلاثة أحمرة في ليلة واحدة، والجيلالي بن علي رحمه الله استشهد قبل الاستقلال بشهور قليلة، لذلك لم يتمكن السرجان من الاتصال بالمجاهدين ثانية.‏

"دافع عن سيدك أيها القواد.. لم لا يكون هو الذي باع الجيلالي إلى السلطات الفرنسية وقدمه إلى المقصلة، اختفى الجيلالي المسكين في ظروف غامضة وأعدمه الجيش الفرنسي بعد شهر فقط من ايقافه بعد تعذيب وحشي... أما سي مصطفى فهو على دراية بأمور كثيرة.. سأفجرها على رؤوسكم بعد قليل.." ثم رأيي أن بطاقةى النضال اليوم لا تفيد ولا تضر وهو كبير السن، فلا أمانع من أعطائها له وننهي هذه المشكلة الهامشية التي تخصص لها اجتماعاً بأكمله عوضاً عن دراسة بعض القضايا المصيرية..‏

وقبل أن يستوي رئيس البلدية في جلوسه، واضعاً رجلاً على رجل، راضياً بتدخله ودفاعه عن صديقه، انتفض شيخ مسن، نحيل بعمامة بيضاء، لف بها رأسه رغم الحرارة المرتفعة، كان منزوياً في آخر الصالة فوقف بثبات بظهره المقوس قليلاً وصاح بانفعال:‏

- يحسدوننا حتى على البطاقات التي نحملها في جيوبنا، نتلمسها من حين لآخر، كي نشعر برجولتنا التي نخاف أن تتبخر في هذا الزمن المقلوب سفيراً على عفير، أنا لا أعرف بأن السرجان شارك في الثورة ولا أعطى مالاً ولا مؤونة، كنت أعرف الجيلالي معرفة جيدة ولم يحدثني يوماً عنه، كيف تريدون له أن يتبرع بالأموال وهو الذي كان يرفض البيع ديناً للفقراء، بل كان يرفض البيع لأهالي المجاهدين ويغلق حانوته في جوههم.‏

واليوم تريدون ادخاله بيننا كمجاهد وربي.. ورأس كل الشهداء.. لو دخل المنظمة، لن تروا وجهي بعد اليوم في هذا المقر.. اذهبوا وابحثوا عن كل الخونة والحركية وعلقوا لهم الأوسمة وامنحوهم بطاقات العضوية في الثورة.. واطردونا نحن لأننا فقراء، لا نبرد ولا نسخن، استولى على كل شيء في القرية، ما بقي له إلا أن يأتي هنا ويهبط لنا سراويلناو.لم يقعد الشيخ في مكانه بل رفع خيزرانه واتجه نحو الباب لمغادرة القاعة، يرتعش جسمه من الغضب والانفعال الشديد، ألح عليه مصطفى عمروش بالبقاء الحاحاً متواصلاً، وقبل أن يصل إلى وسط القاعة، كان محاطاً برجلين يلطفانه ويطلبان منه الجلوس وابعاد النرفزة، انصاع لرغبة الأصوات الصادرة من كل مكان بين صفوف الكراسي وعاد إلى مكانه الأول رغم إلحاج مجاهد لإجلاسه بجانبه..‏






عزَّ الـورودُ.. وطـالَ فيـكَ أوامُ
وأرِقْـتُ وحدي..والأنـامُ نـيـامُ
ورد الجميع ومن سنـاك تـزودوا
وطردت عن نبع السنـى وأقامـوا
ومُنعتُ حتى أنْ أحومَ..ولـمْ أكـدْ
وتقطعت نفسي عليـك ..وحامـوا
  اقتباس المشاركة
قديم 05-13-2009, 01:52 PM   #66
manal*****lolo
I ♥ AQSA
 
الصورة الرمزية manal*****lolo

قوة السمعة: 10 manal*****lolo will become famous soon enough

افتراضي رد: بطاقة السحرية

هدّأ الجوّ وتناول الكلمة مصطفى عمروش من جديد ولفظ الحياء جانباً وبصق كل ما بجعبته من أسرار خبأها لسنوات أثقلت كاهله وخاف أن يلحقه الموت صدفة ويدفن السر معه.‏

فروى قصة الخيانة بتفاصيلها مثلما سمعها عن الخادمة العجوز بهدوء في البداية ثم تصاعد الحقد والندم على عدم معرفة الخبر في حينه، فانفعل وعلا صوته وضرب ضربات قوية على الطاولة، ويطلق من عينيه بريقاً مضيئاً، خيّم صمت جنائزي على الحاضرين أجمعين وانبهروا للخبر المفاجيء الصاعق، وجد بعضهم حجة دامغة ونهائية لرفض اعطاء البطاقة للسرجان وشملتهم غبطة داخلية واطمئنان للعثور على القرينة التي طالما بحثوا عنها في ذاكرتهم المبلبلة بتقديم العمر وتباعد السنوات، فيما صعق الآخرون وفقدوا أصواتهم كأن اعصاراً غزيراً باغتهم في عرس وهم يرتدون البذل الأنيقة المخصصة لمثل تلك الحفلات وهم ممددون على الحصائر والزرابي في عرصة الدار، تحت أشجار التين واللوزو الرمان، فينزل عليهم دفعة واحدة في سيل عارم ليأخذوا دوشاً بارداً دونما رغبة أو استعداد، فبعد أن اطمأنوا ليلة البارحة، في قصر السرجان على أن الاجتماع سيكون شكلياً فقط، وأنهم يمثلون الأغلبية الساحقة وستجهز البطاقة مباشرة بعد الاختتام ليوصلوها بأنفسهم إلى صاحبها، الذي سيرقص رقصة "هدّاوية" للتعبير عن قوته المطلقة وسطلته الكليانية على قرية عين الفكرون.‏

نخرهم القلق والخجل من جديد وشاهدوا الهزيمة والفضيحة مجسدتين أمام أعينهم، بأقدام ضخمة ثابتة، ومخالب مرعبة.‏

ولكن لحظة الدهشة المباغتة لم تدم طويلاً، إذ وقف رجل وسط القاعة دون استئذان من رئيس الجلسة مثلما تجري العادة في كل التجمعات الرسمية، ووجه أصابعه نحو المنصة مهدداً ومنذراً.‏

- إنها تهمة خطيرة يا سي مصطفى.. وستتحمل مسؤوليتك وحدك.. وسنطلب احضار هذه المرأة لتدلي بشهادتها أمام الجميع...‏

قاطعه مصطفى عمروش بعنف صائحاً:‏

- أنك تشكك في قولي كأنني مجرم أخاف من الحبس.. سأتحمل مسؤولية الاعتراف، وأنا مستعد لأشهد حتى أمام عزرائيل.. للأسف الشديد.. ماتت العجوز قبل أقل من سنة، لذلك أبقى أنا الشاهد الوحيد على قيد الحياة أو لنبحث عن "مسيو غوميز" لعله ينفي قولي هذا، وندون شهادته عوضاً عن شهادتي.. وأنا مقتنع بأن اعتراف العجوز صحيح مائة بالمائة، لأنها لم تبحث عني أوعن غيري لتعلن الخبر، بل التقيت بها صدفة، وعرفت الخبر صدفة أيضاً ثم أنها لم تقصد من اعترافها شيئاً، لافائدة مادية ولا معنوية، عاشت فقيرة خادمة وماتت معدومة.. مات ابنها شهيداً إنه سي عبد القادر بن حليمة الله يرحمه برحمته الواسعة وتاه ابنها الثاني في مصانع أو مناجم فرنسا، لماذا نشك في شهادتها؟ هل هناك ما يناقضها؟ السرجان كان صديق "مسيو غوميز" هاذ خبر شائع يعرفه الجميع، ثم أن العجوز كانت خادمة عند ذاك القَاوري، كل المعلومات تدعم خبر الخيانة، لم يكن السرجان حتى متعاطفاً مع الثورة، كان يحتمي عن الفرنسيين للحفاظ على حانوته ولإثراء جيوبه، شاركت بنفسي مع دورية من المجاهدين، اقتحمت منزله ليلاً لنحذره من غلق حانوته في وجه عائلات المجاهدين وسي حميد كان حاضراً معنا...‏

أيّا أتكلم ياسي حميد.. أوقف.. أوقف.‏






عزَّ الـورودُ.. وطـالَ فيـكَ أوامُ
وأرِقْـتُ وحدي..والأنـامُ نـيـامُ
ورد الجميع ومن سنـاك تـزودوا
وطردت عن نبع السنـى وأقامـوا
ومُنعتُ حتى أنْ أحومَ..ولـمْ أكـدْ
وتقطعت نفسي عليـك ..وحامـوا
  اقتباس المشاركة
قديم 05-13-2009, 01:52 PM   #67
manal*****lolo
I ♥ AQSA
 
الصورة الرمزية manal*****lolo

قوة السمعة: 10 manal*****lolo will become famous soon enough

افتراضي رد: بطاقة السحرية

التفتت الخزرات كلها نحو الرجل النحيل السن، الذي انتفض وافقاً، مؤيداً كلام مصطفى عمروش وروى ببطء وقائع تلك الليلة بتفاصيلها مع التأكيد على جميع الأقوال الواردة كأن لم يمر على الوقائع الا شهورٌ قليلة، ما زالت ذاكرته حية ومنقوشة نقشاً عميقاً ومتيناً.‏

- في أي سنة، حدثت هذه الزيارة الليلة؟ تلعثم سي حميد وتلكأ لمدة ثوان ثم أجاب، محركاً يده اليمنى في حركة دائرية تابعة لنبرات صوته المترددة.‏

- الله أعلم.. إن لم تخني ذاكرتي كان ذلك في سنة 1959...‏

ولم ينتظر السائل اكمال الجواب فوقف، وعلق قائلاً:‏

- أربع سنوات قبل الاستقلال.. الله نفسه يقبل التوبة حتى في فراش الموت، فكيف للجبهة أن لا تقبلها؟ هل فعل السرجان بعد ذلك، شيئاً يخالف أوامر الجبهة؟ هناك في المجاهدين من كان في الجيش الفرنسي موجهاً الرشاش ضد "الخاوة" ثم التحق بالثورة قبل سنة من الاستقلال ومع ذلك فهو اليوم مجاهد وثوري ومسؤول في أجهزة السلطة، فكيف تُقبل توبة البعض ونُرفض توبة البعض الأمر والسرجان على كل حال لم يحمل السلاح ولم يقتل أحداً خلافاً للبعض.. وأضم صوتي لصوت شيخ البلدية لأقول أن البطاقة بالنسبة لسي أحمد، لا تنفعه، لا تضره كما أنها لا تضر منظمة المجاهدين.. والقرية تستفيد من ثروته وتنهي مشكلة من المفروض أن لا تظهر أصلاً.‏

ساد ضجيج وسط القاعة لأن ثلاثة رجال وقفوا دفعة واحدة ونطقوا معاً غاضبين ورافضين الاقتراح، كل واحد منهم أصرّ وألح على أن يتكلم قبل الآخرين مما اضطر أمين الفرع لأن يتدخل ويفرض الانضباط ثم منح الكلمة لأكبرهم سنا ، تدخل وأفاض في الحديث ناقماً على الخونة والتجار الجشعين السارقين الذين لا يخافون الله وأن صلاتهم وصيامهم باطل ووصل به الغضب إلى شتم السرجان ونعته بأرذل الصفات.‏

تحمل رئيس البلدية قليلاً ثم رفع صوته لأن يوقف هيستريا الرجل، فلازمته في ذلك بعض الأصوات المؤيدة مما خلق جواً مشحوناً واتهامات ثنائية متبادلة بصوت مرتفع أجش، إلى أن وصل الأمر برجلين إلى التعارك الجسدي، فتدخل الآخرون لتهدئة الجوّ.‏

وبعد ذلك غادر القاعة بعض العصبيين من الناقمين على السرجان، رغم الحاح مصطفى بألا يفعلوا، كثر الهرج والمرج واختلط الحابل بالنابل وارتفعت أصوات جهورية في فوضى متشابكة، يصرخ الجميع ويهدد ولا أحد يستمع صخب يتعالى وضجيج مزعج مما أضطر مصطفى بعد استشارة الرجلين إلى الإعلان عن اختتام الاجتماع على أن يعقد في يوم لاحق سيحدد فيما بعد.‏






عزَّ الـورودُ.. وطـالَ فيـكَ أوامُ
وأرِقْـتُ وحدي..والأنـامُ نـيـامُ
ورد الجميع ومن سنـاك تـزودوا
وطردت عن نبع السنـى وأقامـوا
ومُنعتُ حتى أنْ أحومَ..ولـمْ أكـدْ
وتقطعت نفسي عليـك ..وحامـوا
  اقتباس المشاركة
قديم 05-13-2009, 01:53 PM   #68
manal*****lolo
I ♥ AQSA
 
الصورة الرمزية manal*****lolo

قوة السمعة: 10 manal*****lolo will become famous soon enough

افتراضي رد: بطاقة السحرية

الفصل الأخير‏

انخفضت الحرارة قليلاً، ومالت الشمس بجلال نحو المغيب، وطفق سكان قرية عين الفكرون يغادرون أوكارهم حيث كانوا مختفين من الأشعة المنثالة المسببة للرعن والصداع المزمن نائمين في اغفاءة قصيرة، خفيفة، ينتظرون برودة الجو، كي يبرزوا أنوفهم عبر الشوارع والأزقة الضيقة تماماً مثل الحلازن التي تغادر ثقابها وتلطل إلى الخلاء براداراتها، بعد سقوط الأمطار الخريفية الأولى غير آبهة بالأيدي الصغيرة التي تلتقطها بخفة وحماس وتلفظها داخل دلو أو كيس نيلوني، ويا للعاب السائل على الأفواه كلما ترائى للعين الصحن المملوء باللحم الحلزوني المطبوخ في الثوم والبطاطا والمرق الأحمر المفلفل.‏

إن الحرارة المضطرمة السائدة في بداية هذه الصائفة غير عادية مما أدى بالكثير من الشيوخ إلى التشاؤم والتطير من المستقبل القريب، فأكثروا الدعاء وأطالوا في أداء الصلوات، وكانوا يغلسون إلى المسجد كل مساء بعد العشاء، ويمكثون داخله متحملين الحرارة إلى حد الاختناق والروائح الكريهة المنبعثة من الجوارب المهترئة والأحذية المطاطية الشتوية التي ما زالت ترافقهم، ليذكروا الله طالبين منه ابعاد الكوارث عن عباده المؤمنين، في الساعات القليلة التي تلي الظهيرة مباشرة، تفرغ شوارع القرية من الراجلين والواقفين الشاردين، وتبدو كقرية شبحية، هاجرها أهلها لسبب ما، الكلاب بدورها تنزوي في أماكن مظللة بمحاذاة بعض الأسوار أو تحت كراسي الساحة العمومية التي تتوسط المباني وتقابل مقر البلدية العتيق الذي شيدته الادارة الفرنسية في بداية القرن لإرساء أول احصاء كامل لسكان المنطقة قصد المراقبة ثم التجنيد الاجباري في حروب بعيدة، وسمع مصطفى عمروش عمته خديجة تروي عن سلوك الموظفين الفرنسيين يسبقهم القايد بقنوره الصاعد كالمئذنة نحو السماء وبَرْنوسه الصوفي الساطع وأسئلتهم الغريبة، يدونون الاجابات التقريبية للسكان دون أن يتحققوا منها جيداً، ثم يعطون لكل صاحب أسرة ورقة بيضاء، خربشوا عليها علامات لا يفهمها أحد حتى أولئك "الطلبة" الذين يحفظون القرآن ذهاباً وإياباً، لم يتمكنوا من فك رموزها رغم تثبيت أبصارهم عليها لدقائق طويلة وتقليبها مرات عديدة ثم يعيدونها إلى أصحابها قائلين: "هذه لغة الكفار، ونحن لا حاجة لنا بها" وفي النهاية استغربت الكثير من العائلات من تلك الأسماء الغريبة المستهترة من بومَعْزة وبومعيزة وبوحْمَارة وبوبَقرْة بوفَرْد وبوعنزة وبوجَحْش ودْمَاغ العتروس وبوجاجة وبوالفول وبوشلاغم وبورَجْلة إلى آخر القائمة التي لاحد لها، فصبر الناس وتعودوا على هذه الألقاب، ولكن مجرد مرور فرحة الاستقلال، تهاطلوا على البلدية يريدون تغيير تلك الألقاب الحيوانية، ولما أحيلوا إلى المحكمة، تراجع الكثير منهم لأن في أذهانهم ، دخول المحكمة يعني الخروج منها إلى السجن غير أقصر طريق ممكن . لم يتنبه مصطفى عمروش إلى هذه الظاهرة إلا بعد أن تقلد منصبه في قسمة عين الفكرون وبدأت تمر قوائم المجاهدين والمناضلين والمترشحين إلى المجلس الشعبي البلدي وقوائم المنتخبين وأعضاء الاتحادات الجماهيرية، فاستغرب من شاكلة بعض الألقاب وتساءل كيف اقتنع بها أصحابها وأصبحت تلازمهم كظلهم، حينئذ تذكر حكايات عمته خديجة وتفاصيلها الكثيرة حول أول عملية احصاء سكاني عرفتها المنطقة.‏






عزَّ الـورودُ.. وطـالَ فيـكَ أوامُ
وأرِقْـتُ وحدي..والأنـامُ نـيـامُ
ورد الجميع ومن سنـاك تـزودوا
وطردت عن نبع السنـى وأقامـوا
ومُنعتُ حتى أنْ أحومَ..ولـمْ أكـدْ
وتقطعت نفسي عليـك ..وحامـوا
  اقتباس المشاركة
قديم 05-13-2009, 01:53 PM   #69
manal*****lolo
I ♥ AQSA
 
الصورة الرمزية manal*****lolo

قوة السمعة: 10 manal*****lolo will become famous soon enough

افتراضي رد: بطاقة السحرية

يغلق التجار أيضاً أبواب محلاتهم أثناء القائظة ويتلحقون بمنازلهم ليتيهوا في حسابات حانوتية يوجهدون أنفسهم في البحث عن أقصر وأربح طريق لجمع أكبر كمية ممكنة من النقود، ومع أذان العصر، يتشجع الشيوخ لاختراق تلك الحرارة التي تكون قد انخفضت، ليلتحقوا بالمسجد، وبعد انتهاء الصلاة، يتجرأ المدمنون على لعب الدومينو لمغادرة برودة البيت، وحجز طاولة وكراسي في المقهى المعتاد منتظرين وصول بقية أعضاء الفرقة المتأخرين، ومع الضربات القوية المدوية للقطع المستطيلة البيضاء على الطاولات المتجاورة التي تكاد تتلامس فيما بينها، يتبخر الصمت مع الحرارة، لفسح المجال واسعاً للضجيج والصخب والصياح وكلاكسون السيارات الحاد وركض الأطفال عبر الأزقة الضيقة، أثناء فترة القيلولة، كان مصطفى عمروش في منزله، ممداً فوق السرير، حائراً في أمره وأمر السرجان الذي يصر على أخذ البطاقة، تائهاً في ذكريات الماضي البعيد، وساخطاً على كثير من رفاقه لأنهم وقفوا مع مناصرة السرجان في اجتماع الصباح، أما السرجان فقد خرج من بيته قلقاً، غاضباً في بداية الظهيرة بجلابية صحراوية، بعد أن حاول التمدد والنوم دون جدوى، لقد أخبره أحد أصدقائه من المجاهدين الذين حضروا الاجتماع الصباحي، أنهم لم يتوصلوا إلى اتفاق في شأن ملفه، وأن مصطفى عمروش أجهر أمام الجميع متهماً إياه بخيانة الشهيد سعيد ستوح الجريح الذي كان مختفياً عند العجوز لالة فطومة، كان السرجان يتناول غذاءه حينما رن جرس الهاتف، وأخبره الصديق بتفاصيل الاجتماع، أخرسه الخبر وانقطعت شهيته، وأصبح قصره ضيقاً، يريد أن ينفجر داخله، لذلك غادره راجلاً قاصداً وسط القرية بالضبط إلى مقهاه لعله يصادف بعض معارفه، ليزيل الهم والغم بمرافقتهم، كانت صالة المقهى الواسعة فارغة من الزبائن في مثل تلك الساعة من النهار، ركض الخادم نحوه بمجرد أن لمست رجلاه العتبة الخارجية، ورحب به مهللاً ثم خيره بين أحسن الأماكن التي يفضل شرب قهوته فيها، غمغم السرجان كلاماً بين شفتيه واتجه صوباً إلى المصرف الخشبي الطويل، اتكأ عليه بمرفقه، وطب كأس ماء بارد يلفظ به العطش جانباً وقهوة ثقيلة، ثم رفع ذراعه الأيسر ومسح العرق المتلألأ على جبينه بكم الجلابية، مرّر النادل قطعة قماش بالية، مثقوبة على مساحة المصرف الفوقية، أمام السرجان الذي رفع مرفقيه بتثاقل وامتعاض ظاهرين، ثم قدم له القهوة مع السكرية البلاستيكية التي يحوم حولها الذباب، بعد ذلك فتح الثلاجة الكبيرة وأخرج زجاجة ماء تتصبب عرقاً، وانتقى كأساً نظيفاً من صندوق الأواني الموضوع قرب آلة القهوة العصرية التي غزت المقاهي الجزائرية في السنوات الأخيرة، مما أجبر الزبائن على استحداث مصطلح جد جديد يتلفظونه بالضغط على الشفتين كأن الكلمة وحدها لا تكفي للتعبير عن المعنى المراد، فيضيفون لها حركة الشفتين المضمومتين بقوّة ظاهرة مع ضغظ اللسان مع أعلى الحنك "قهوة بريس، يرحم والديك" فحطها أمام السرجان الشارد الذهن، كان يحدق في سحنته عبر المرآة المربعة، الكبيرة المثبتة أمامه على الجدار المقابل للشارع الرئيسي للقرية، شرب السرجان من الزجاجة مباشرة، في جرعة واحدة متواصلة حتى استوفى نصفها ثم حطها بقوة على المصرف وتنفس الصعداء، وقرب الفنجان إلى شفتيه ورشف القهوة بصوت مسموع كعادته دائماً، أدرك الخادم أن السرجان في حالة نفسية متوترة دون أن يحدد جوهرها مابين الغضب والحزن والارهاق النفسي، لذلك فضل الصمت والانشغال بغسل الكؤوس والفناجين والملاعق وترتيبها على اللوحات الخشبية المتراصفة أمامه.‏






عزَّ الـورودُ.. وطـالَ فيـكَ أوامُ
وأرِقْـتُ وحدي..والأنـامُ نـيـامُ
ورد الجميع ومن سنـاك تـزودوا
وطردت عن نبع السنـى وأقامـوا
ومُنعتُ حتى أنْ أحومَ..ولـمْ أكـدْ
وتقطعت نفسي عليـك ..وحامـوا
  اقتباس المشاركة
قديم 05-13-2009, 01:53 PM   #70
manal*****lolo
I ♥ AQSA
 
الصورة الرمزية manal*****lolo

قوة السمعة: 10 manal*****lolo will become famous soon enough

افتراضي رد: بطاقة السحرية

مكث السرجان على تلك الحالة، متكئاً على المصرف، شادر الفكر، سارحاً في خيالات شتى متناسياً القهوة، مدة من الزمن، حتى أيقظه رجل يدلف من الباب بصوته الرنان الطاغي على الصمت المخيم والجوّ المختنق، تصافح الصديقان وتبادلا التحيات بحرارة، سر السرجان لرؤية صديقه القديم بومالح عبد المالك الذي وصل القرية في نهاية الصبيحة، قادماً من العاصمة لزيارة عائلية، احتضنه السرجان بقوة كالغريق الذي يتشبث بقطعة خشبية لعلها توصله إلى الشاطىء قائلاً.‏

- بعثك الله إلي في هذا اليوم الملعون، لتنفذني من تعنت بعض الرعاة، لماذا لم تضرب لي تليفوناً من العاصمة، لانتظرتك.‏

- خير إن شاء الله.. لا تقلق يا سي أحمد.. الدنيا مليئة بالرجال، كلمتك في البيت منذ ربع ساعة وقيل لي بأنك خرجت راجلاً، فقلت إنك لا تكون إلا في المقهى، أو عند بعض زملائك.. الحمد لله أنني وجدتك، هكذا تكون لدينا فترة أطول للمناقشة، وسأبذل قصارى جهدي لمساعدتك..هيا بنا نبحث عن مكان بارد خارج القرية تحت الأشجار.. الجو مختنق في المقهى.. لا يطاق..‏

- اشرب حاجة باردة أولاً ثم..‏

قاطعه بومالح عبد المالك برفض مأدب ولكن السرجان أصرّ وألح وطلب له ليمونادة، فأسرع النادل وحطها أمامه بارتباك بعد ذلك غادر الرجلان المقهى يتجاذبان أطراف الحديث، متوجهين إلى سيارة بيجو 504، رمادية اللون ممعدنة، تعكس أشعة الشمس المنثالة بلا شفقة، إلى درجة يصعب النظر إليها ببصر ثاتب لمدة طويلة، كانت متوقفة في الشارع الرئيسي مقابل المقهى مباشرة، لاحظ السرجان أن السيارة جديدة، وصلت لتوه من ميناء مرسيليا، ما زال النيلون يغطي المقاعد الداخلية، فبارك لصاحبه الاقتناء اللامع والباذخ، وسأله عن ثمنها ودون انتظار استرسل صاحبه في سرد تفاصيل متعددة عن كيفية الشراء وتدبير العملة الصعبة بنسبة منخفضة، وكيف أنه توصل إلى التحصل على رخصة لاستيراد السيارات الخاصة من وزارة المجاهدين، رغم أنه اقد استفاد من رخصة أولى قبل قبل سنوات واشترى بها سيارة أيضاً، مما أعفاه من دفع ضريبة الحمركة، وكيف أخرجها من الميناء في يوم وصولها وهي معبأة بالبضائع المتنوعة من جهاز الفيديو والزرابي وقطع غيار والملابس الفاخرة وصندوق موز من النوع الرفيع دون أن يدفع ديناراً واحداً، لكونه يعرف صديقاً قديماً يشتغل جمركياً برتبة نقيب، انتظره عند النزول من الباخرة وساعده على العبور فوراً حارقاً طابور السيارات التي ينتظر أصحابها منذ يوم أو يومين، متذمرين خائفين ومستعدين للتنازل عن لباس أو خرطوشة من السيجارة الامريكية الفاخرة، أو زجاجة ويسكي، كي يتخلصوا من الطابور الممل والتفتيش والمستفز، الذي يمتد نصف نهار كامل إذا كانت السيارة التجارية معبأة إلى حد الفيضان، انطلقت السيارة الفاخرة، المكيفة عبر الشارع العريض وقبل أن تجتاز البناية الأخيرة انعطفت إلى اليمين وسلكت طريقاً ترابياً، مخلفة وراءها غباراً متطايراً، لم يزعج الرجلين لأن النوافذ الزجاجية المدخّنة السوداء مقفولة، وأنغام الموسيقى تنطلق من الراديو كاسيت المثبت في الوسط أسفل لوحة القيادة.‏






عزَّ الـورودُ.. وطـالَ فيـكَ أوامُ
وأرِقْـتُ وحدي..والأنـامُ نـيـامُ
ورد الجميع ومن سنـاك تـزودوا
وطردت عن نبع السنـى وأقامـوا
ومُنعتُ حتى أنْ أحومَ..ولـمْ أكـدْ
وتقطعت نفسي عليـك ..وحامـوا
  اقتباس المشاركة
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 08:16 AM.