تحرك النائب الأسير والسياسي المخضرم والمناهض العنيد للاحتلال مروان البرغوثي أمين سر حركة فتح في الضفة الغربية وعضو المجلس التشريعي بسرعة البرق حينما رأى أن المأزق يكبر في ظل الحصار الشامل على الشعب الفلسطيني ويزداد ضراوة لدى اندلاع اقتتال بين الأخوة أي بين فتح وحماس وسعى أن يكون مبادرا مع بقية ممثلي الفصائل الأخرى للعمل على إيجاد حل لمثل هذه التظاهرة الخطيرة وفي أحسن الأحوال العمل على إيجاد وثيقة تضمن التركيز على الخطوط العامة المشتركة بين كافة الفصائل طالما أن الذين في خارج السجن لم يتمكنوا من التوصل إلى حل وتفاهم ووقف للاقتتال ربما هم الذين عملوا على تصعيد الأوضاع حسب عدد من المراقبين .
تحرك البرغوثي باتجاه الشيخ عبد الخالق النتشة احد قياديي حركة حماس ووجه بارز لها سواء داخل السجون أو خارجها ومعروف عن الرجل الذي أمضى هو الآخر أكثر من عشر سنوات داخل السجن حرصه على الوحدة الوطنية ويفضل أن يركن الفئوية جانبا حينما تحتد الأزمة ، واستمع النتشة من البرغوثي إلى عدد من الاقتراحات والآراء ودرسها عن عمق ، وشاركهم في ذلك الشيخ بسام السعدي من الجهاد الإسلامي وعبد الرحيم ملوح نائب الأمين العام للجبهة الشعبية ومصطفى بدارنة من قياديي الجبهة الديمقراطية وجميعهم معتقلون في سجن هداريم وهؤلاء هم الذين تواجدوا ليمثلوا فصائلهم في السجن ولم يتوفر احد آخر من الفصائل الأخرى ولو توفر لقام البرغوثي بإشراكهم في ذلك بغض النظر عن وزن التنظيم الذي يمثله فهو معني بحشد اكبر قدر ممكن من الفصائل والقوى لمشاركتهم في هذه الوثيقة التي اعتبرت بمثابة قنبلة سياسية فجرها البرغوثي في الوقت المناسب لا سيما وأنها أحرجت حركة المقاومة الإسلامية حماس من خلال قيام ممثلها بالتوقيع وعلى ما يبدو دون أن يضع قيادته في الخارج بصورة الوثيقة أو بمعنى آخر لم يتسنى له بذلك بحكم قيود السجن وعقباته فبادر النتشة للتوقيع في اعتقاد منه انه يضمن موقف قيادته التي فاجأتها الوثيقة وحاولت التملص منها بطريقة أو بأخرى على اعتبار أن الوثيقة مست بعض الثوابت المتمسكة بها حماس كموضوع الموقف من منظمة التحرير أو من المبادرة العربية السلامية التي طرحت في مؤتمر القمة ببيروت .
أما حركة فتح فقد أعربت عن سرورها واغتباطها لهذه الوثيقة التي اختصرت المسافات لديها وسارع الرئيس عباس بوصفها أنها وثيقة تاريخية بل ذهب ابعد من ذلك لدى افتتاح مؤتمر الحوار الوطني في كل من رام الله وغزة الأسبوع الماضي حينما هدد الفصائل وبالأحرى حينما هدد حماس بهذه الوثيقة قائلا انه سيطرحها للاستفتاء الشعبي في حالة عدم توصل الفصائل لتوافق خلال العشر أيام من بدأ الحوار الأمر الذي جعل حركتي حماس والجهاد الإسلامي من اعتبار ذلك تهديدا ومن قبيل الإملاء والابتزاز حسب تصريحات قياديين في الحركتين ،أما بقية الفصائل التي تلاشت الفوارق فيما بينها وبين فتح والرئيس عباس فقد أعربت عن حماسها لفكرة عباس لدرجة أن البعض منهم اعتبر ذلك قنبلة من الرئيس عباس ـ فيما استخف مراقبون بفكرة الاستفتاء الذي يحتاج إلى عشرات الملايين من الدولارات في الوقت الذي يجوع الشعب فيه بينما قال آخرون أن الاستفتاء جاء متسرعا للغاية لا سيما وان القضية لا تحتاج إلى استفتاء تحتاج إلى مزيد من الحوار الهادئ حتى لو اخذ وقتا أكثر .
وباختصار هنا لا بد من القول أن البرغوثي رغم انه متهم من قبل أقطاب في فتح انه سبب في خسارة الحركة بالانتخابات التشريعية الأخيرة حينما ساهم في تشرذم حركة فتح من خلال تأسيسه لكتلة المستقبل إلا انه وبعد الوثيقة وخاصة إحراج حماس بالطريقة التي حصلت بها أصبح البرغوثي يحظى على إجماع فتح .
يوصف البرغوثي البالغ من العمر نحو 48 سنة انه رجل اللحظات الحاسمة حيث سجل تاريخه عددا من الأحداث التي تدل على ذلك واهم تلك الأحداث هي مبادرته بتأسيس الجناح العسكري لحركة فتح مع انطلاقة الانتفاضة الثانية والذي أطلق عليه اسم " كتائب شهداء الأقصى " ، فمبادرته المذكورة اخرج حركة فتح من مأزق كبير للغاية حينما كانت قد انخرطت في أوسلو بل كانت صاحبته فاقتضي عليا تجميد جناحا العسكري وكل أنشطتها العسكرية وهذا بالفعل ما حصل وحينما اندلعت الانتفاضة ورأى كيف حماس والفصائل المعارضة الأخرى عملت في الجانب العسكري من خلال أجنحتها العسكرية وأصبحت تكسب نبض الشارع فسارع مروان بتقديم اقتراح للرئيس ياسر عرفات على ضرورة تشكيل جناح عسكري إذ لا يكفي الانخراط في العمل العسكري من خلال مشاركة العناصر الأمنية لكسب الشارع وبالفعل أطلق مروان مبادرته الشهيرة ليكون من جديد جناحا عسكريا للحركة رغم أن بعض قادة فتح الذين لم يكونوا على علم بمثل هذه المبادرة السرية سبق لهم أن نفوا بان يكون هناك جناح عسكري لحركة فتح وخاصة حينما اغتيل حسين عبيات في بيت لحم وهو الشهيد الأول الذي تغتاله مروحيات عسكرية في الانتفاضة الثانية ونعته حركة فتح على اعتبار انه قائد الجناح العسكري في جنوب الصفة فقام احد أعضاء اللجنة المركزية بتعميم تصريح صحفي ينفي فيه وجود جناح عسكري لفتح ردا على بيان النعي وذلك حسب مصادر قيادية في الحركة .
ولذلك فقد اعتبرت مبادرة مروان المشار إليه مبادرة خلاقة وجاءت في الوقت المناسب وأخرجت فتح من مأزقها ولتضعها في ألمصاف الأول من الجانب الكفاحي فقدمت كتائب الأقصى الشهداء تلو الشهداء وسجلت العديد من المآثر الكبرى في المجال العسكري خلال سني الانتفاضة ومازالت .
ومن المآثر التي لا يمكن لأحد إهمالها وتمكن مروان من تسجيلها ببراعة إلا وهي لدى اعتقاله رفض التجاوب مع محققيه في موقف " افتخر به كل أبناء الشعب الفلسطيني " حسبما قال صديقه عيسى قراقع الذي أوضح أن ذلك يعبر موقفا بطوليا يضاف إلى سجل الخلود والشرف للشعب الفلسطيني .
ومن بين اللحظات الحاسمة التي سجلها البرغوثي أيضا عندما كان في نيته الترشح لانتخابات الرئاسة مقابل الرئيس أبو مازن حيث مورست عليه ضغوط هائلة من أقطاب حركة فتح للترشح وظل مروان ومن مكان سجنه يتابع الموقف دون أن يبدي رأيه في الموضوع سواء بالسلب أو بالإيجاب وفي اللحظات الحاسمة ووسط ترقب شديد أعلن فيه موقفه الشهير بالوقوف خلف محمود عباس فكان له وقع كبير حاز على مزيد ممن الاحترام والتعاطف .
أما في المشهد الأخير واثر تعثر البرايمرز الداخلي لفتح وتجاوز نتائجه وفي ظل التجاذب الخطير بين ما اصطلح عليه جيل الشباب وجيل الشيوخ أقدم مروان البرغوثي على تأسيس كتلة المستقبل الفتحاوية لتناهض الكتلة الرسمية لفتح في الانتخابات التشريعية لتنقسم فتح إلى قسمين في مشهد خطير للغاية ، وقد أقدم مروان البرغوثي على ذلك كأحد أشكال الاحتجاج على تشكيل كلفتة فتح الرسمية من جهة ومن جهة أخرى إرضاء لقاعدة فتحاوية كبيرة احتجت على شكل تشكيل القائمة الرسمية فحبس الجميع الأنفاس بمن فيهم البرغوثي ومناصريه لغاية رضوخ قيادة فتح لمطلب البرغوثي وأنصاره ليترأس القائمة الموحدة التي خاضت الانتخابات التشريعية بغض النظر عن الهزيمة التي منيت بها فتح في هذه الانتخابات والتي أدخلتها إلى مأزق لم تخرج منه بعد .
إلى جانب كل تلك المواقف فقد كان مروان البرغوثي رجل اللحظات الحاسمة ورجل المهمات الصعبة لدى تنظيمه في كل ساحات المعركة ومعمعان العمل سواء في قريته كوبر أو في جامعته بير زيت أو في الساحة الأردنية عندما ابعد إليها في أواسط الثمانينات وقد حاز على احترام الجميع بمن فيهم ممثلو الفصائل المختلفة الذين كانوا يوصفونه بأنه رجل وحدوي
ومهما يكن من أمر فان تحرك مروان الأخير زاد لرصيده نقاطا ايجابية للغاية واثبت ليس انه رجل المهمات الحاسمة وحسب بل عمق من الرأي الواسع الذي يقول انه الزعيم المنتظر ليس لفتح بل للشعب الفلسطيني برمته رغم المؤبدات الستة التي تقصم ظهره حسب العديد من أنصاره .