غزة ...تايوان الشرق الأوسط
بشرط تطويرها تكنولوجيا وترسيخ الاستقرار فيها
بقلم : الوف بن (هآرتس - 12-8-2008)
..بعد ثلاث سنوات من فك الارتباط تتشكل في غزة تدريجيا تايوان الشرق الأوسط. " منطقة متمردة" تابعة للسلطة الفلسطينية وفيها حكومة من دون اعتراف دولي من قبل الدول العظمي الإقليمية والخارجية.
غزة وتايوان؟ المقارنة تبدو بلا أساس حقيقي. هنا جيب محاط بالجدران ويضم مليون ونصف المليون فلسطيني فقراء وعاطلين عن العمل وهناك نمر اقتصادي. هنا معارك شوارع وعنف وهناك دولة قانون. هنا حكم يقوم علي قوة واستبداد تنظيم ارهابي تمأسس وهناك انتخابات وتبدل في الحكم. ولكن من الخطأ تشبيه غزة بتايوان المتطورة والوادعة اليوم.
يتوجب ان نتذكر كيف اقيمت تايوان ككيان مستقل قبل ستين عاما: من خلال حرب أهلية اندلعت في نهاية احتلال أجنبي. هناك ايضا ساد العنف ونظام قمعي واقتصاد مدمر.
الحكومتان الصينيتان في التبت وبيجين مثل حكومتي فتح وحماس في رام الله وغزة دعتا انهما الحكومة الشرعية للصين كلها وطالبتا العالم بمقاطعة الطرف الآخر. تايوان تحافظ علي بقائها اليوم تحت الرعاية الامريكية من دون اعتراف دبلوماسي وفي ظل الخوف من أن تحاول الصين السيطرة عليها مرة اخري. والازدهار الاقتصادي في تايوان سبق الصين بجيل، رغم ان الصين تعتبرها محافظة متمردة ونموذجا في نفس الوقت.
في غزة ينشأ واقع مشابه. حماس ترسخ حكمها متجاهلة السلطة في رام الله وتدعي الشرعية باعتبارها فازت في الانتخابات.
محمود عباس من ناحيته يتمتع باعتراف دولي كرئيس في الضفة والقطاع ويرفض الاعتراف بقانونية حكومة حماس، الا أنه لا يمتلك القوة ولا المكانة في قطاع غزة.
من الشائع الاعتقاد ان ارئيل شارون لم يمنح غزة لعباس بصورة ملائمة ولائقة ولذلك سقطت بيد حماس. هذا خطأ. هناك شك إن كان عناق شارون العلني لعباس والذي يعتبر في نظر الفلسطينيين عدوا غليظا ولدودا ليساعد في زيادة شرعية عباس. عباس أخطأ عندما لم ينتقل مع عائلته وحكومته من رام الله الي غزة ولم يبقَ هناك بدلا من انتظار المعروف والاحسان من إسرائيل الي أن يفرض النظام ويحرك الاقتصاد في القطاع.
هناك كان سيأتي لزيارته قادة ووزراء خارجية وهذه الزيارات كانت بدورها ستشكل ضغطا علي إسرائيل لفتح المعابر وبناء المطار وتطوير حقل الغاز الطبيعي في غزة. ولكن عباس ترك القيادة في غزة للمستوي الوظيفي المتدني وللعشائر المحلية. حماس قامت بابعادهم من دون اي جهد يذكر تقريبا.
الخطأ الثاني كان من جانب الأسرة الدولية التي أصرت علي ترسيخ اقتصاد غزة علي القطاع الزراعي ودفيئات المستوطنين التي اخليت من غوش قطيف. الزراعة بحاجة للارض والمياه وهي مصابة بنقص خطير في غزة كما تحتاج الي سهولة في الوصول الي السوق الامر الذي يعتمد علي المعبر الذي لا يخلو من المشاكل لاسرائيل.
بدلا من ان يركزوا وجود غزة علي معبر كارني الذي يغلق في مرات كثيرة بسبب الامن، كان من واجب السلطة الفلسطينية والمانحين أن يقيموا في القطاع صناعة تكنولوجيا راقية.
هل هذا تخريف؟ لا توجد في غزة كما نعلم مواد خام. ولكنها تمتلك الثروة الاهم في اقتصاد القرن الواحد والعشرين: شرائح سكانية شابة تمتلك طاقات ووقتاً شاغراً. مثلما كان في تايوان من الممكن بل ومن الواجب تعليم سكان غزة كيف يقومون بفحص برنامج الحاسوب وبنائه وتطويره باسعار منافسة. تصدير التكنولوجيا الراقية ليس بحاجة للنقل المباشر.
يضغطون علي مفتاح في الحاسوب فتنطلق البرامج والشحنة في طريقها عبر الانترنت من دون شاحنات وحواجز وقيود سياسية.عندما طرحت هذه الفكرة في حينه علي ممثل البنك الدولي رفضها ساخرا: "هذا جيد علي المدي الطويل". خطأ. المدي الطويل هو مجموعة من المدي القصير.
ما لا يبدأ الآن لا يتحقق في المستقبل. الإدارة الأمريكية والبنك الدولي أهدرا الوقت علي بلورة "اتفاق الحركة والوصول" مع اسرائيل الذي خرق فورا كما كان متوقعا. غزة بقيت من دون زراعة ومن دون تكنولوجيا راقية. لم يتبقَ لديها الا النقص والفاقة.
الانباء الجيدة هي ان الوقت ليس متأخرا. ان قامت حماس بتهدئة الشارع وحافظ علي التهدئة مع اسرائيل واستوعبت مسؤوليها لحياة السكان سيكون بامكانها أن تبني في غزة اقتصادا جديدا. لا حاجة لاهدار الوقت علي الزراعة ومن الواجب اعداد العاطلين الفلسطينيين عن العمل للعمل الحديث وعزل غزة تدريجيا عن الاعتماد علي معابر اسرائيل.
هذا لن ينهي الاحتلال ولن يقضي علي الارهاب ولكن ان تم تخفيض الضائقة وايجاد العمل للغزاويين ستخف وطأة العاصفة المتأججة تحت سطح الارض وسيكون ذلك انجازا هائلا وان ازدهرت غزة ستعطي الامل للفلسطينيين في الضفة الغربية. تخريف؟ فلتنظروا الي تايوان لتعرفوا.