رد: قصة حياة البطل الشهيد / يحيى عياش - ( كتاب )
رائع أنت يا صانع الشهداء، رائع في حياتك وأروع عند استشهادك. فها أنت تجمع فلسطين كلها في يوم عرسك الجميل. ففي الشهادة تماماً كما في الحياة، كنت رمزاً لعظمة الأمة بتضحياتها وانتصاراتها. وخاب ظن القتلة والمنهزمون، فقد تعطرت الأرض بفوح من دم يحيى المتفجر، لتدب سخية معطاء تشحن نبض المقاومة في عروق كل تلك الجماهير من المحيط إلى الخليج، فتسري في شرايينها وتجدد دماءها، وتعطيها نفحة الأمل والقوة وتشد من عزيمتها وإصرارها على مواصلة دعوة الجهاد بعد أن كاد طوفان شعارات المتصهينيين أن يغرقها.
ها هي الجماهير تخرج مودعة، معلنة بيعتها للمقاومة والتحاقها والتفافها حول الكتائب المجاهدة التي خرجت طارق وياسر وعدنان وعلي وكمال ويحيى الذين كشفوا عن القلوب الغمة، وعن العيون غشاوة رانت على الأبصار دهراً.
لم يمت المهندس إذن، بل بشهادته تفجرت نشوة الحياة من جديد في واقع كاد أن يموت، ولئن كانت فلسطين تعلم أن الرجل الذي طارد الشهادة مثلما كانت سلطات الاحتلال الصهيوني تطارده لا بد راحل نحو مقعد صدق عند مليك مقتدر، غير أن للفاجعة وقعها الأليم لا تخففه احتمالات وقوعها الأكيدة. فما أن أعلنت القناة العبرية في التلفزيون الإسرائيلي ومن ثم الإذاعة نبأ الاغتيال حتى اهتزت أرجاء فلسطين، ودبت قشعريرة وسرى شعور حزين، وحاولت القلوب الفزعة أن تكذب أو تشكك. واهتزت الكلمات في الحناجر حين أعلنت حماس: توقف عقل الفتى العاشق وسكنت نبضات قلبه. فبكى كل شيء في فلسطين حتى كاد طوفان الدمع أن يغرق شوارع غزة وحارات نابلس وطولكرم والخليل.
ومر ليل الجمعة الباكية ثقيلاً على الجبال والوديان والناس بينما سكنت الأمواج في انتظار حزين. وفي الصباح، تراكض الباحثون عن وطن نحو رافات يعانقون جدران منزل المهندس متوعدين بالثأر، ومؤمِّنين على دعاء أم يحيى: «قلبي وربي رضيانين عليك». وكم تمنى أولئك لو أنهم تشرفوا بتشيعه أو على الأقل مشاهدة وجهه أو ملامسة كفه، فيتعلمون كيف يضرب وكيف يصنع لنا الحياة.
الشعب كله صار أهل يحيى، وصار يحيى هو الشعب كله، فعظمة الشهادة والإنجاز، أبت أن يكون المهندس ابن رافات وحدها، ولا ابن حماس دون غيرها. فكما كان عمله وحياته لكل فلسطين -من بحرها لنهرها- جاء استشهاده ليملأ كل فلسطين بالأمل والرجاء، تماماً كالبرق ليست انطفاءته إلا ميلاداً للحياة. وهذا الكلام ليس عاطفة أو تحيزاً، فها هو الصحفي فايد أبوشمالة ينقل لنا المشاعر التي سادت، وقد كان من أوائل الذين ألقوا نظرة على جثة الشهيد بعد نقلها لمستشفى الشفاء. إذ يقول أبو شمالة: «لا أستطيع وصف تلك اللحظات التي اختلط فيها الحابل بالنابل وخرج الناس من هول الصدمة وفداحة الخطب إلى الشوارع وكلهم يأمل آلا يكون الخبر صحيحاً، وبالنسبة لي فقد تلقيت النبأ كالصدمة ولم أستطع تصديقه في الساعات الأولى والتي كان فيها الخبر في حكم الإشاعة، وخرجت لأتحقق من صحته بنفسي وتجولت في الشارع وتوجهت إلى بيت لاهيا وبدأنا نبحث مع زملائنا من الصحفيين ونحن كالمشدوهين وتملكتنا جميعاً مشاعر عصبية ولم أعد أطق أن أسمع أحداً يسأل إن كان الخبر صحيحاً. كنت في قرارة نفسي أشعر أن اغتياله ممكن، لكن كانت مشاعري ترفض التصديق وتتمنى آلا يكون ذلك صحيحاً وأن يخسأ أعداؤه الذين كانوا يفرحون لاستشهاده.. ورغم أن المؤكدات بدأت تتوالى والقصة بدأت تتضح إلا أنني بقيت أصارع الحقائق بمشاعر الرفض للتصديق(27).
التجاوب الشعبي المدهش الذي ولده استشهاد المهندس يؤكد أكثر من معنى ويشير إلى أكثر من دلالة: فهو أولاً- استفتاء عفوي بأن خيار الجهاد والمقاومة لا يزال في قلوب أبناء فلسطين. وثانياً، أثبت الشعب الفلسطيني بأن من يعطي فلسطين بإخلاص وأمانة كعماد عقل ويحيى عياش يجد صدى أفعاله لدى الجماهير مجسداً في مسيرة عماد ويحيى. وأما ثالثاً، فإن كرة اللهب البشرية التي اندفعت لوداع المهندس هي في إحدى صورها تعبير صريح عن حالة الغضب ومشاعر الاحتقان التي يكنها الفلسطينيون لعدوهم رغم كل الاتفاقات والترويج لحالة الصداقة الجديدة.
1- فلسطين تعلن الحداد العام
«لست وحدي التي تفاجأت باستشهاد يحيى عياش، ولكن جميع الشعب تفاجأ أيضاً باستشهاده، فالناس توقعوا أن يظل المهندس حي، ويسمعوا عن عملياته.. نحن لسنا وحدنا الذين خسرنا يحيى عياش، وإنما خسره كل شعب فلسطين لأنه أشفى غليل كل طفل ويتيم، ومسح دموع كل أرملة وكل أم فقدت ابناً أو زوجاً، وانتقم للأيتام، الجميع خسروه وبكوا عليه»(28).
بهذه العبارات أجابت هيام عياش (أم البراء) وزوجة المهندس واصفة مشاعرها وانطباعاتها عن جنازة الشهيد ومهرجانات التأبين الكبيرة التي جرت له. ولم تكن زوجة الشهيد وحدها تحمل هذه المشاعر، فها هي أم البطل، تتحدى مراسل صحيفة معاريف العبرية الذي زار القرية لمقابلة العائلة، فتقول له: «في كل يوم تقام ليحيى زفة، في كل أنحاء الضفة والقطاع ما زالوا يقيمون مهرجانات التأبين له. يحيى ابني رجل فريد من نوعه، إنني فخورة به، وأزداد فخراً عندما أرى أن كل الشعب الفلسطيني هو يحيى»(29).
ما أن علت مكبرات الصوت في مساجد الضفة الغربية وقطاع غزة بتلاوة بيان النعي والتمجيد بجهاد الشهيد القائد، ثم استمرار حماس في إذاعة نداءاتها حتى ساعة متأخرة من الليل، حتى صعد الآلاف من المواطنين -شيباً وشباباً- إلى أسطح المنازل للاستماع إلى آخر البيانات بعد أن وقع نبأ الاغتيال عليهم كالصاعقة وإن كان الجميع توقعوا هذه النهاية للمهندس. وبات الناس تلك الليلة ولا حديث لهم سوى اغتيال المهندس(30). ومع بزوغ الفجر، توجه الناس إلى أكشاك بيع الصحف والباعة المتجولين لشراء الصحف التي أبرزت على صدر صفحاتها صور الشهيد وتقارير موسعة عن جريمة استشهاده وردود الفعل الفلسطينية والعربية والإسرائيلية والعالمية.وقد نفذت جميع نسخ الصحف في وقت مبكر من ذلك اليوم(31). ولوحظ خلو أوسع الصحف انتشاراً، وهي صحيفة القدس المقدسية من إعلانات التعزية باغتيال القائد القسامي بعد أن حظر الرقيب العسكري الإسرائيلي عليها نشر أية إعلانات رافضاً في الوقت نفسه أي حلول وسط كشطب بعض الكلمات والألفاظ(32).
ولثلاثة أيام، أعلنت الضفة الغربية وقطاع غزة الحداد العام، ورفعت الرايات السوداء، وأغلقت المحال التجارية أبوابها وخرجت الجماهير الغاضبة إلى الشوارع منادية بالثأر. وجرت مهرجانات التأبين والمسيرات الشعبية بمشاركة جميع القوى السياسية الفلسطينية وممثلين عن سلطة الحكم الذاتي. وعلقت الدراسة في الجامعات والمدارس، وأقيمت صلاة الغائب على روح الشهيد في العديد من المناطق، وبخاصة المدن الرئيسة(33).
ففي حين عم الإضراب الشامل مدينة القدس وضواحيها، وألصقت صور يحيى عياش في الشوارع، ووقعت صدامات ومواجهات عنيفة بين المتظاهرين وجنود الاحتلال، شهدت مدينة رام الله أيضاً إضراباً عاماً ومسيرة جماهيرية حاشدة في صباح يوم السبت، شارك فيها أكثر من (30) ألف رددوا الهتافات والشعارات الإسلامية والوطنية وأحرقوا الأعلام الإسرائيلية. وقد شارك في المسيرة إلى جانب حركة حماس، كافة الفصائل الفلسطينية ومحافظ المدينة وعدد كبير من قادة وكوادر القوى والأحزاب السياسية وضباط في الشرطة الفلسطينية حيث ألقيت كلمات باسم حركة فتح وحزب الشعب والجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية وحركة الجهاد الإسلامي والكتلة الإسلامية في جامعة بيرزيت، بالإضافة إلى كلمة حركة حماس ألقاها الشيخ حسن يوسف(34).
وعلى نفس الصعيد، انطلقت بعد صلاة ظهر يوم السبت مسيرة حاشدة من مسجد أريحا الجديد نحو مركز المدينة بمشاركة كافة الفصائل. وتجمهر أكثر من ألفي متظاهر أمام منصة البلدية حيث أشعلت النيران في أعلام إسرائيلية وألقيت العديد من الكلمات من قبل مختلف القوى السياسية(35). كما ساد الحداد والإضراب مختلف أنحاء مدينة نابلس، وأغلقت جميع المحلات في المدينة والضواحي أبوابها، وعمت المسيرات الشعبية مناطق عديدة، ندد المشاركون فيها بالإرهاب الصهيوني مطالبين بالثأر للشهيد. وواصلت مكبرات الصوت في مساجد المدينة بث آيات من القرآن الكريم وبيانات النعي داعية إلى التوجه إلى مقر جمعية التضامن الخيرية لتقديم التعازي باستشهاد المهندس للحركة الإسلامية. وأوقفت محطات التلفزة المحلية بالمدينة البث، واستعاضت عنه بإذاعة القرآن الكريم والأناشيد الإسلامية والوطنية وبيانات النعي، وبعضها بث فيلم عمر المختار. وفيما علق مجلس الطلبة في جامعة النجاح الوطنية الدراسة بالتنسيق مع إدارة الجامعة، انطلقت مسيرة كبرى ضمت ثلاثة آلاف في جنازة رمزية وهم يحملون تابوتاً عليه علم فلسطين، طافت شوارع نابلس مرددة الهتافات، والشعارات الإسلامية(36).
وما أن أعلن نبأ استشهاد المهندس، حتى خرج آلاف المواطنين من سكان محافظة طولكرم في مسيرة حاشدة جابت شوارع المدينة ومخيم طولكرم، ردد خلالها المتظاهرون الهتافات المؤيدة لحماس وكتائب الشهيد عز الدين القسام منددين بالكيان الصهيوني وبمفاوضات السلام، ومعاهدين الشهيد على مواصلة الجهاد حتى دحر الغزاة المحتلين. واتجه المتظاهرون نحو الشارع الرئيسي (طولكرم - نابلس) الذي يعتبر مسلكاً للدوريات الفلسطينية - الإسرائيلية المشتركة وأغلقوه لبعض الوقت، ومن ثم توجهوا نحو مركز المدينة حيث ألقى الشيخ محمود الحصري إمام مسجد الروضة كلمة نعى فيها الشهيد، مؤكداً أن الشعب الفلسطيني هو يحيى عياش. كما ألقيت كلمات باسم الجبهة الديمقراطية والجبهة الشعبية وحزب الشعب بالإضافة إلى محافظ مدينة طولكرم(37).
وفي مدينة قلقيلية المجاورة، عم الإضراب الشامل وانطلقت مسيرة من جانب بيت الشهيد أبو علي في وسط قلقيلية ضمت عشرات الآلاف من أبناء المدينة والقرى المحيطة في الساعة الواحدة من بعد ظهر يوم السبت. وشارك في المسيرة التي حملت جنازة رمزية للمهندس كافة المؤسسات الإسلامية والوطنية وأجهزة سلطة الحكم الذاتي ورافقتها فرق الكشافة حيث زُين النعش بالشعارات والأكاليل والبطاقات، وفتحت حركة حماس بيت عزاء للشهيد يحيى عياش في مقر الغرفة التجارية. وشهدت القرى المحيطة بمدينة قلقيلية مواجهة عنيفة بين المتظاهرين وقوات الاحتلال. ففي قرية حبلة التي تقع ضمن المنطقة (ج) حسب خطة إعادة الانتشار واتفاقية أوسلو، وقعت مواجهات بين حرس الحدود والمواطنين الفلسطينيين، فرضت أثرها سلطات الاحتلال نظام منع التجول على القرية(38).
أما مدينة خليل الرحمن، فقد أعلنت الإضراب الشامل حداداً على المهندس، وتعطلت حركة المواصلات العامة ولم ينتظم الطلاب في مدارسهم كالمعتاد. وغطت الشعارات التي تنعى الشهيد كافة أنحاء المدينة وجدران المنازل والمحلات التجارية، فيما علقت الأعلام السوداء فوق أسطح المباني. وأعلن نشطاء من حركة حماس، خلال استعراض عسكري قاموا به، حالة من الاستنفار العام في صفوف الحركة مؤكدين أن دم الشهيد لن يذهب هدراً(39).
وعلى غرار خليل الرحمن، عم الإضراب والحداد الشاملين مدينة بيت لحم والمناطق المجاورة لها، وشوهدت العديد من الشعارات التي تنعى الشهيد. وقد أكد العديد من المراقبين أن المدينة لم تشهد مثل هذا الإضراب في قوته والالتزام التام به من قبل جميع التجار والمواطنين منذ مدة طويلة(40).
وفي مدينة جنين، نظمت الفعاليات الوطنية والإسلامية مسيرات حاشدة تقدمتها جنازة رمزية وذلك يومي السبت والأحد. وطافت المسيرة الأولى التي شارك فيها حوالي عشرة آلاف مواطن شوارع وأحياء المدينة ومخيمها، حيث رفع المشاركون اللافتات والأعلام ورددوا الهتافات المنددة بالاحتلال وبعملية الاغتيال. وفي وسط المدينة، تحولت المسيرة إلى مهرجان جماهيري تحدث فيه الشيخ خالد سليمان والشيخ جمال عبد السلام وممثلين عن الجبهتين الشعبية والديمقراطية، أشادوا بالشهيد ومناقبه ودوره في مسيرة الجهاد وعاهدوه على التمسك بالقيم التي زرعها. كما انطلقت مسيرات شارك فيها مئات من الطلبة من مدارس جنين ومخيمها بعد أن أعلنت إدارات المدارس عن تعطيل الدراسة، وهتف المشاركون ضد الاحتلال وجريمته معلنين العهد والوفاء للمهندس. وافتتحت القوى والفصائل الوطنية والإسلامية ولجنة بلدية جنين بيت عزاء في قاعة البلدية لمدة يومين حيث أمته وفود تمثل الفعاليات والمؤسسات المختلفة(41).
وفي قطاع غزة، عم الإضراب الشامل وتوقفت جميع النشاطات فيما أخذت المساجد تذيع آيات القرآن الكريم، وعلقت الجامعة الإسلامية الدراسة، ونظم مجلس الطلبة مهرجاناً خطابياً شارك فيه ممثلون عن كافة الكتل الطلابية. وقال الصحافي علاء الدين أسعد صفطاوي واصفاً المشاعر التي سادت القطاع: «إن الشارع الفلسطيني أصيب بصدمة عنيفة إزاء نباء استشهاد الجنرال الإسلامي يحيى عياش. ليس هيناً على شعبنا أن يتقبل بصمت استشهاد هذا البطل. فهو شخصية وطنية كبيرة وليس رجلاً عادياً»(42).
ولم تكن الحركة الوطنية والإسلامية الأسيرة في سجون الاحتلال الصهيوني بعيدة عن التأثر بهذا الحدث الجلل. فقد اندفع المعتقلون في كافة السجون، وفور سماعهم لنبأ الجريمة، إلى الساحات العامة منظمين التظاهرات والمسيرات التي نددت بالاحتلال وأعوانه معربين عن سخطهم وغضبهم الشديد. ورفض أسرى الحرية الانصياع لتعليمات إدارة السجون التي أعلنت الاستنفار وفرضت حظر التجول على معتقل النقب بعدما هاجم الأسرى أبراج المراقبة العسكرية ورشقوها بأدواتهم وأغراضهم. كما قرر المعتقلون والأسرى، إعلان الحداد والإضراب عن الزيارات لمدة أسبوع، ورفعوا الرايات السوداء، ونظموا مهرجانات تأبينية حاشدة شاركت فيها كافة القوى(43).
لقد أظهرت جريمة اغتيال المهندس إجماع جميع شرائح المجتمع الفلسطيني وقواه السياسية في النظر نحو يحيى عياش بأنه يستحق بحق التمجيد والافتخار. فقد تابع المواطنون نشرات الأخبار عبر الإذاعات والتلفاز بغية الحصول على آخر مستجدات الجريمة. ووزع نشطاء حركة حماس ملصقات وصور حديثة للشهيد، فيما قام أصحاب المحلات التجارية والمواطنون بإلصاقها على مداخل محلاتهم وفي صدر منازلهم. كما أدى المواطنون صلاة الغائب في غالبية مساجد الضفة الغربية ترحماً على روح المهندس، فيما دعا الوعاظ والعلماء المسلمين إلى التوجه إلى قرية رافات وبيوت العزاء في المدن للتعبير عن تضامن الشعب مع أسرة الشهيد. وتقول إحدى عائلات مدينة نابلس، بأن نجليها (6 و4 سنوات) رفضا تناول الطعام يوم السبت تأثراً وحزناً، وبقيا أمام شاشة التلفاز لمشاهدة أحداث جنازة المهندس(44).
2- شد الرحال إلى قرية رافات
خيمت حالة من الحزن والذهول على قرية رافات، مسقط رأس الشهيد القائد، واكتظت بممثلي وسائل الإعلام المحلية والأجنبية ومصوري شبكات التلفزة، بينما توجه الآلاف من المواطنين إلى منزل المهندس فور إذاعة أنباء جريمة الاغتيال. فقد هرع سكان القرية في أسى وألم إلى منزل الشيخ عبد اللطيف، وجلس الرجال في إحدى الغرف والنساء في غرفة أخرى في جو لفه الحزن والحداد، وكانوا يستمعون إلى الإذاعة كل دقيقة على أمل أن يعرفوا شيئاً عن تفاصيل الاغتيال(45).
وجاءت أنباء استشهاد المهندس في الوقت الذي كان فيه أفراد الأسرة يحتفلون مع أبناء القرية بالإفراج عن مرعي عياش بكفالة مالية مقدارها 3500 شيكل حيث خرج يوم الخميس الموافق 4/1/1996 بعد اعتقال دام ثلاثة شهور وعشرة أيام في معتقل مجدو بتهمة إجراء اتصالات مع شقيقه(46).
ولذلك، وجد الصحفيون صعوبة بالغة في إجراء مقابلات مع أقرباء الشهيد لتأثرهم بشخصية المهندس، حتى أن صحفياً أمريكياً بكى أثناء مقابلته والدة الشهيد، بينما أبدى صحفي أجنبي آخر تعاطفه مع أفراد العائلة. وأبلغ مصور شبكة تلفزيون عالمية الشيخ عبد اللطيف إنه كان يتمنى الالتقاء بيحيى والتعرف عليه عن قرب «فلقد كان عياش أسطورة عالمية» على حد تعبيره. ورد أبو يحيى، وهو يتمالك نفسه: «إن كان يحيى قد مات، فهذه ليست النهاية، فهو ليس سوى واحد من آلاف الفلسطينيين للمضي على الدرب نفسه». وأضاف الشيخ الصابر: «لقد تمنيت الشهادة لابني كي يذهب إلى الجنة. مات يحيى ولكن فلسطين وشعبها لن يموتا»(47).
أما والدة المهندس التي سقطت مغشياً عليها من أثر الصدمة فور سماعها نبأ الجريمة، فقد احتبست دموعها بعد أن عادت إلى هدوئها وطلبت من زوار المنزل عدم البكاء على يحيى، قائلة لهم بصوت وعبارات واضحة: «أرجو الله أن تكون الجنة مثواه، يحيى شهيد، والشهداء لا يبكى عليهم أحد»(48). ولكن يونس، الشقيق الأصغر للمهندس، لم يستطع حبس الدموع في عينيه وهو يسمع عبارات والدته، وبرر ذلك بقوله: «شعوري مزيج من الفرحة والحزن، الفرحة لأن يحيى دخل الجنة، والحزن لأن الفلسطينيين فقدوا واحداً من أبطالهم»(49).
ويضيف يونس: «إنه قطعة من قلبي، فهل يستطيع الإنسان العيش دون قلبه»(50).
أما رافات، القرية، فقد وصفها أحد الصحافيين الأجانب في تقرير كتبه: «عندما تدخل قرية رافات الصغيرة ستجد أنها هذه المرة قد اختلفت عما قبل، في شكلها وفي سحنات وجوه أهلها.. فجدرانها تغص بصورة المهندس حتى لم تدع حائطاً ولا عمود كهرباء إلا وتربعت صورة المهندس عليه. والجدران تراكمت عليها الشعارات، شيء كتب بالأحمر وآخر بالأزرق، حتى تظن أن جدران رافات عبارة عن سبورة لأطفال المدرسة الابتدائية. وعندما تتجول في أزقة القرية ترى الأطفال ينظرون إليك ويشيرون بإصبعهم إلى صورة المهندس ليلفتوا نظرك إليها. أحد الأطفال الصغار اقترب مني وقال: أتمنى أن أكون مثله، وطفل آخر قال لي أن أمه بكت كثيراً في البيت عندما سمعت نبأ استشهاد المهندس.
كان اسم يحيى يتردد على كل لسان وفي كل مجلس، وكما يقول الحاج سعد الدين: «إن يحيى هو ابن القرية لقد افتخرنا به جميعاً، لقد رفع رؤوسنا». وأما السيد محمد سعيد فيقول: «إن خبر استشهاد يحيى كان كالزلزال في القرية، لا تجد أحداً إلا وهو يبكي عليه حتى أن بعض النساء أخذن يصرخن عليه بصوت عال حتى اضطررنا لإسكاتهن». ويضيف السيد محمد سعيد: «إن يحيى كان محبوباً في قريتنا لقد كان معروفاً عنه الأدب والحياء». ويقول الطالب يوسف (18 عاماً): «إن يحيى أصبح مثالاً لطلاب كثيرين، وقد أصبحوا يلصقون صورته على حقائبهم وكراساتهم وخصص بعض المعلمين في المدرسة حصة من حصصهم للحديث مع الطلاب حول المهندس». وفي المدارس التي درس فيها يحيى كانت صوره تملأ الجدران واسمه كتب بالخط العريض على طول الجدار يحيى.. لن ننساك مهندس الأجيال يحيى الشهيد الحي»(51).
الجيش الإسرائيلي أعلن حالة التأهب القصوى في صفوف قواته العاملة في الضفة الغربية وكثف من تواجده حول رافات والقرى المجاورة، ونصب الحواجز العسكرية الثابتة على مدخل القرية. ولكن الوفود المعزية بالشهيد التي تدفقت مستخدمة الحافلات والسيارات الخصوصية وبعضها مشياً على الأقدام استمرت بالتدفق على بيت الشيخ عبد اللطيف طوال ساعات النهار وحتى ساعات متأخرة من الليل(52).
وكان لهذا التجاوب الشعبي أثره العميق على عائلة المهندس، إذ أن بيت المهندس لم يخلو من الزائرين الذين وفدوا من كل فج وصوب، فمن نابلس والخليل وأريحا وحتى من مدن فلسطين المحتلة منذ عام 1948. ولم يبق أحد من الناس سواء من رؤساء البلديات، والوجهاء، أو المخاتير إلا وأم البيت يعزي بالمهندس البطل. ويقول أحد الزائرين من مدينة أريحا : «لقد جئت إلى هنا لأن يحيى هو ابن الشعب الفلسطيني، إن المدن الفلسطينية جميعاً حزنت على يحيى». ويضيف مواطن آخر جاء من رام الله: «إن حضورنا للتعزية في هذا البطل هو واجب»(53).
ويصف لنا الحاج ساطي عياش (90 عاماً)، جد الشهيد القائد، الذي توسط جلسة العزاء، مشاعره والآثار التي خلفتها تلك الوفود فيقول: «يا ليتنا خلفنا خمسين مثل أبو البراء، يحيى إنسان مؤمن وحافظ للقرآن، والذين قتلوه لا يحبون السلام»(54). وكما قال أحد جيرانه: «إن اسم رافات لم يظهر إلى العالم إلا بعد بروز اسم يحيى. إنه يمثل لنا تاريخاً مشرقاً، إنه حقاً رمز لهذا الشعب وليس من رمز آخر يضاهيه»(55). وأما مرعي -شقيق المهندس- الذي لم يتوقف عن مصافحة الناس طوال تلك الفترة، فقد رفع ذلك من عزيمته ومعنوياته حيث صرح: «أرادوا تحطيم معنوياتنا بحرماننا من وداعه، لكنها مرتفعة مثل الجبل الذي تقع عليه القرية»(56).
ولعل أشمل ما يؤرخ لما شهدته قرية رافات أثر استشهاد المهندس، ما كتبه عطا عياش -عم المهندس- الذي يقيم في الأردن بعد زيارته للقرية، إذ يقول: «وصلت إلى قرية رافات بعد يومين من استشهاد يحيى عياش وتوجهت نحو بيت والده، فوجدت الجموع الحاشدة والمئات من الرجال والنساء ما بين رائح وغاد.. سيارات تنزل حمولتها وسيارات تنقل العائدين من تقديم واجب العزاء.
جميع رجال القرية كانوا متواجدين، صافحتهم كأي واحد من غير أبناء القرية ولم ينتبه لي إلا عدد قليل منهم بسبب كثرة القادمين. وصافحت والدي الذي لم أره منذ سنوات. وصافحت اخوتي أعمام الشهيد وأولاد أخي أشقاء الشهيد، كانت لحظات لا تُنسى اختلطت فيها مشاعر الشوق بمشاعر الحزن ومشاعر الفخر.
وكفكفت دموعي وتمالكت قدر استطاعتي، وتلوت قول الله تعالى على مسامع الحاضرين (^إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويُقتلون وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن). في اليوم التالي، ومنذ الصباح الباكر أخذت الجموع تتوافد من القرى والمدن والمدارس والجامعات. وكان الجميع يهتف: «كلنا يحيى عياش» و«الله أكبر ولله الحمد»... الوفود تتوالى وكل وفد يضم عدداً كبيراً من الناس بلغ أحياناً أكثر من خمسمائة، ويحرص كل قادم على مصافحة آل الشهيد ولسان حال الجميع جملة واحدة «يحيى ليس ابنكم وحدكم، بل هو ابن الشعب الفلسطيني وابن الأمة الإسلامية». ويقف المتحدثون والخطباء ليذكروا الشهيد بما هو له أهل وكانت أجهزة تكبير الصوت تنقل الكلمات إلى أبعد مدى. وقد غطت محطات التلفزة المحلية التي تبث داخل الضفة الغربية بعض هذه الكلمات والزيارات، وكانت الأغاني الحماسية والأناشيد الإسلامية تصدح من حين لآخر.
ومن الوفود التي تركت زيارتها لآل الشهيد الأثر الكبير وفد مدينة خليل الرحمن الذي ضم أكثر من (350) شخصاً تمكنوا من الوصول من أصل (1000) شخص.
وإن نسيت فلن أنسى لحظة وصول والد الشهيد قادماً من غزة بصحبة والدته وأفراد أسرته بعد المشاركة في تشييع جثمان الشهيد، هتاف «الله أكبر» شق عنان السماء، ثم خنقت الجميع العبرات وانهمرت القبلات على رأس والد الشهيد.
وأخذ والد الشهيد يشرح بعض ما رأى وما سمع في غزة، وكان مما قال: إن عدد من خرج في جنازة الشهيد يقارب نصف مليون، كل أبناء قطاع غزة خرجوا. وبلغ طول الجنازة (12) كم. ولم أجد تفسيراً لخروج هذه الجموع الحاشدة إلا أن الله قد أحب هذا الشهيد فألقى محبته في قلوب أهل الأرض والسماء»(57).
3- أضخم جنازة في تاريخ فلسطين
ودع الشعب الفلسطيني جثمان الشهيد يحيى عياش باحتفال يليق بالأبطال، ولو قدر لأهلنا في الضفة الغربية وفي الشتات المشاركة، لفاق عدد المشاركين المليون. ورغم ذلك، خرج قطاع غزة من أقصى الجنوب في رفح وحتى أقصى الشمال في بيت حانون برجالهم ونسائهم، وشيبهم وشبابهم، وبأطفالهم وفتياتهم، ليودعوا المهندس الذي أرق على مدى السنوات الأربع الأخيرة مضاجع المؤسسة السياسية والأمنية في الكيان الصهيوني. وقدرت وسائل الإعلام عدد المشاركين بأربعمائة ألف شخص، في حين ذكرت القناة الثانية في التلفزيون الإسرائيلي أن عدد المشيعين بلغ ثلاثمائة ألف شخص(58). ورغم هذا الفارق في التقدير إلا أنه يبقى أكبر موكب تشييع شهدته فلسطين، إذ استغرقت مسيرة الموكب أكثر من أربع ساعات، وحين وصل الجثمان مقبرة شهداء الانتفاضة، كان آخر موكب التشييع ما زال عند مسجد فلسطين على بعد عشرة كيلو مترات(59).
استيقظ قطاع غزة في صباح السبت الموافق 6/1/1996 على مكبرات الصوت في المساجد وهي ترتل آيات القرآن الكريم، ولم يبق مسجد أو مصلى إلا وصدحت فيه آيات الذكر الحكيم. وفي الساعة العاشرة والنصف، بدأت الجموع تتوافد إلى مسجد فلسطين -أكبر مساجد غزة. وغصت باحة المسجد والساحة التي حولها بالآلاف عند اقتراب عقارب الساعة من الحادية عشرة، ولم يتسع المسجد والمنطقة لكل المشيعين الذين اضطر عدد كبير منهم للصلاة في الشارع. وأقبلت مظاهرة ضخمة بلغ تعدادها حوالي خمسة آلاف طالب سارت من الجامعة الإسلامية وجامعة الأزهر إلى مسجد فلسطين، ثم أقبلت مظاهرة أخرى من جهة مخيم جباليا وبيت لاهيا وشمال قطاع غزة ترفع اللافتات وصور المهندس، وحمل المتظاهرون أعلاماً خضراء ورايات سوداء إلى جانب الأعلام الفلسطينية وأكاليل الزهور(60). وكان مجلس طلبة الجامعة الإسلامية قد نظم في وقت سابق مهرجاناً خطابياً في الجامعة أحرق خلاله الطلاب أعلاماً إسرائيلية وهتفوا «الانتقام.. الانتقام يا كتائب القسام» داعين الجهاز العسكري لحركة حماس إلى «الانتقام بأسرع وقت لدماء يحيى عياش»، ثم انتظموا في مسيرة نحو مسجد فلسطين(61).
وهكذا بدأت المنطقة تمتلىء شيئاً فشيئاً حتى لم يعد هناك موطىء لقدم، مما اضطر العاملون في شبكات الإعلام والتلفزة العالمية إلى التناثر بين الجموع وهم يحركون آلات التصوير والأقلام بصعوبة بالغة لتسجيل أقوال الذين تجمعوا لوداع المهندس. وشقت دراجتان ناريتان تصاحبهما سيارة شرطة تابعة لسلطة الحكم الذاتي وتتبعهما سيارة إسعاف طريقها وسط الجموع الغفيرة. وما أن وقفت سيارة الإسعاف التي أقلت جثمان الشهيد، حتى هجمت عليها الجموع بعدما رأت النعش داخلها، وتعالت الهتافات: «الله أكبر.. الله أكبر» و«كلنا يحيى عياش.. كلنا يحيى عياش» و«لا تفرح يا بيريز كلنا يحيى عياش» و«الموت لإسرائيل.. الموت لأمريكا». وبصعوبة بالغة وشديدة أُخرج النعش من السيارة وأُدخل إلى المسجد، وتزاحمت عليه الجموع التي وقفت في ذهول شديد، فالبعض جلس على الأرض وأخذ يبكي بحرارة، والبعض أخذ يصرخ «الانتقام.. الانتقام يا كتائب القسام» و«فرحتك لن تكتمل يا بيريز». وألقيت المنشورات التي تحمل توقيع كتائب عز الدين القسام بالإضافة إلى صور الشهيد القائد من سطح المسجد، ثم جاء عدد من مجاهدي الكتائب وأخذوا يطلقون النار بغزارة، فاهتاجت الجماهير وأخذت تهتف «تحية لكتائب عز الدين»(62).
وكثر الهرج والمرج داخل المسجد، فقد تدافع المئات حول نعش المهندس، كلهم يريد أن يلقي النظرة الأخيرة على الشهيد، ولم تنفع محاولات الشيخ محسن أبو عيطة والدكتور محمود الزهار اللذين كانا على المنبر، وقد بح صوتهما وهما يناديان الجموع الغفيرة أن تبتعد عن النعش، ولكن أحداً لم يسمع، وكأنهم لم يصدقوا أن هذا المسجى أمامهم هو المهندس الذي دوخ دولة بأكملها. وتسببت حالة الإرباك والفوضى في تأخير صلاة الظهر أكثر من مرة. ولم يستطع القائمون على شؤون الجنازة السيطرة على الوضع إلا بعدما أعلن الشيخ محسن أبو عيطة بأن والد المهندس قد وصل من الضفة الغربية. فاندفع المئات نحو الشيخ عبد اللطيف عياش، وحملوه على الأكتاف، وداروا به حول المسجد وهم يهتفون: «كلنا يحيى عياش». ومن كتف إلى آخر، نقلت الجماهير والد المهندس وأدخلته إلى المسجد. وبعد معاناة شديدة، أقيمت صلاة الظهر ثم صلاة الجنازة على الشهيد(63).
دقيقة صمت سادت بعد الصلاة على الشهيد، ترقرقت فيها عيون الرجال والنساء بالدموع، وشوهد أحد رجال الشرطة الفلسطينية ممسكاً بمنديله وهو يبكي، وكان يقول: «كيف لا نبكي على مثل هؤلاء الأبطال». ولم تلبث هذه الأجواء المفعمة بالحزن والبكاء أن شحنت بالحماس حين أخرج الشباب نعش المهندس إلى شاحنة كبيرة لنقله إلى مقبرة الأوقاف الإسلامية (شهداء الانتفاضة) الواقعة إلى الشرق من حي الشجاعية بمدينة غزة. فقد انطلق مئات الألوف وراء الجثمان وهم ينشدون «اليوم يوم الغضب والثورة نار ولهب» وأخذ موكب الجنازة تتقدمه سيارات شرطة وقادة حركة حماس وممثلون عن كافة الفصائل والتيارات السياسية في قطاع غزة ومسؤولين من سلطة الحكم الذاتي، يشق طريقه ببطء شديد نتيجة الحشود البشرية غير المعهودة التي حرصت على المشاركة في زف الشهيد إلى مثواه الأخير، رغم المسافة الطويلة التي قطعتها مشياً على الأقدام. فقد امتلأت الشوارع والطرقات والأزقة وأسطح المنازل والشرفات، ولم يعد هناك شارع واحد يمكن المرور فيه، والكل كان يبكي -رجالاً ونساءً وأطفالاً وشيوخاً- وهم يرددون الهتافات والتكبيرات التي تعكس المشاعر الغاضبة والساخطة. ولأكثر من أربع ساعات، لم يستطع الموكب أن يصل إلى المقبرة، وإن كان قد استطاع أن يصل إلى شارع الوحدة -النصر مروراً بشارع عمر المختار الذي يعد أكبر شوارع قطاع غزة(64).
وعند نهاية شارع الوحدة، التفت الجماهير حول سيارة وفدت من أحد الشوارع الفرعية كانت تضم خمسة من قادة كتائب عز الدين القسام. واندفعت الجماهير تحمل المجاهدين الخمسة على الأكتاف باتجاه الشاحنة حيث قام المجاهدون بإطلاق النار تحية للمهندس. ثم حمل الشباب براء يحيى عياش على الأكتاف، ووضعوا بين يديه بندقية وساعدوه في الضغط على الزناد، بينما رددت الجماهير على الفور «الله أكبر»(65).
اقترب موعد صلاة المغرب، ولم تتمكن الشاحنة التي أقلت جثمان الشهيد من الوصول إلى المقبرة من كثرة حشود المشيعين، فاضطر أحباب المهندس إلى حمل الجثمان على الأكتاف. وعندئذ، اندفعت آلاف الأيدي تريد أن تنال شرف وثواب حمل جثمان الشهيد، وأدى كثرة المتزاحمين إلى تهلهل التابوت وتفكك عراه. وبعد جهد، وعناء شديدين تمكن المشرفون على الجنازة من إدخال الجثمان إلى المقبرة حيث اصطفت ثلة من الشرطة الفلسطينية، أطلق أفرادها (21) طلقة ثم قاموا بأداء التحية العسكرية للشهيد القائد. وقبل مواراة جثمان المهندس الثرى في مثواه الأخير، رفعت الجماهير وهي تهلل وتكبر وتصرخ بالثأر، الشيخ عبد اللطيف على الأكتاف وأوصلته إلى الجثمان، لإلقاء النظرة الأخيرة عليه وتوديعه. كما وضعت الوالدة الصابرة أم يحيى القبلة الأخيرة على جبين المهندس، مما أثار حماس الجماهير، فأخذت تهتف في سماء غزة «الله أكبر.. الله أكبر.. يحيى لن يموت.. يحيى لن يموت». وأطلق القساميون زخات كثيفة من الرصاص عند إنزال الجثمان للقبر، وعندئذ صدح عريف الموكب: «إن مرشحنا هو يحيى عياش، وإننا نفتح باب الترشيح لمن أراد أن يخلف المجاهد الشهيد يحيى عياش». فانطلقت آلاف الألسن تهتف: «نبايع على الشهادة.. نبايع على الموت في سبيل الله»(66).
وعادت الجماهير إلى حمل والد المهندس على الأكتاف وأوصلته إلى شاحنة كبيرة ثبت عليها مكبرات للصوت. وخاطب أبو يحيى مئات الآلاف من المشيعين قائلاً: «يا أهل غزة هاشم نحييكم ونشكركم على هذه المسيرة.. الشهيد ابنكم، منكم وإليكم.. ضحى من أجلكم وأجل وطنه الغالي، وهذا هو يحيى مات في أرضكم... هنيئاً لكم يحيى.. كلكم أبنائي وكلكم يحيى.. الله أكبر ولله الحمد.. إن يحيى ليس ابني لوحدي، فهو ابن كتائب عز الدين القسام». وأما والدة المهندس، فقد بادرت الجماهير بالزغاريد مرددة: «كلكم يحيى، كلكم أبنائي.. الله يحميكم ويحمي جميع الشباب.. يحيى أغاظ في حياته اليهود، وليس هناك ما هو أجمل من الشهادة»، ثم رفعت أم يحيى يدها ودعت قبل أن يغمى عليها بسبب الإجهاد والحزن: «الله يرضى عليك يا يحيى يا ابني.. أقبل يحيى شهيد يا رب.. الله يرضى عليك يا يحيى مع الشهداء.. جميعكم يحيى عياش»(67).
بآيات من الذكر الحكيم تلاها المقرىء الشيخ بسام الصيفي، ابتدأ كلمات التأبين حيث كان جمال زقوت -أمين سر حركة فدا- أول المتحدثين، ثم ألقى الشيخ نافذ عزام، أحد قادة حركة الجهاد الإسلامي كلمة تبعه الشيخ أحمد بحر، فالشيخ محمد طه وأخيراً ألقى الدكتور محمود الزهار كلمة باسم حركة حماس(68).
4- مهرجانات عزاء وتأبين في كل مدينة
ما حصل خلال الساعات الأربع أو الخمس، وهي الفترة الزمنية التي استغرقتها زفة الشهيد يحيى عياش من مسجد فلسطين وحتى مواراة جثمانه الطاهر في مقبرة الشهداء، من أمور وأحداث ومشاهدات لا يمكن لعدسة آلة التصوير أن تسجلها بدقة. فلئن سجل شريط الفيديو كيف كانت أمواج البشر تتقاذف النعش قبل أن يوارى الثرى، وكيف كان الشباب يتسابق ليلقي نظرة على جثمان الشهيد أو لمس النعش على الأقل، إلا أن الأشرطة لم تلاحظ عياناً كيف يكرم الله الشهداء وذويهم في الدنيا قبل الآخرة. ففي غزة، وكما يُحدث والد الشهيد، كان يحرص كثير من الناس على تقبيل يده، ولما كان يمتنع أو يرفض ذلك يقسمون عليه أنه إذا لم يقبلوا يده فسيقبلون قدمه. وفي نابلس، تجمع أكثر من ثمانين ألفاً من أبناء فلسطين في أكبر ميادين جبل النار ليشاركوا في تأبين المهندس، والسعيدة من النساء من كانت تلمس كتف والدة الشهيد أو تلقي نظرة على وجهها من بعيد لأنها لم تتمكن من مصافحتها. وعندما كان والد الشهيد يقف ملوحاً بيديه لتحية الجماهير، تنطلق الهتافات تهز الجبال «الله أكبر.. الله أكبر.. الله أكبر ولله الحمد كلنا يحيى عياش»(69).
وفي الضفة الغربية، قدم عشرات الآلاف واجب العزاء لقادة الحركة الإسلامية هناك. ففي جنين، افتتح بيت عزاء بمبنى البلدية حيث أمه العديد من الوفود الشعبية والنقابية. وافتتح في قاعة الغرفة التجارية الصناعية في مدينة رام الله بيت عزاء آخر، أمه أعداد كبيرة من المواطنين والعديد من ممثلي الفصائل والمؤسسات ووفد من العلماء المسلمين ورجال الدين المسيحي ومجموعة من كبار الضباط والمسؤولين في سلطة الحكم الذاتي. كما قام الآلاف بتقديم واجب العزاء والمواساة لشقيقي المهندس وأعمامه في قرية رافات، وزارت وفود طلابية وأكاديمية منزل الشهيد، وقدموا لذويه التعازي نيابة عن المجالس الأكاديمية والهيئات الإدارية ومجالس الطلبة وكافة العاملين(70).
وما أن انتهت أيام الحداد الثلاث، حتى بادرت المدن الفلسطينية إلى تنظيم مهرجانات التأبين التي جذبت عشرات الآلاف من عشاق المهندس وحماس، وكانت البداية في ساحة المهد بمدينة بيت لحم. فقد شهدت الساحة، احتفالاً تأبينياً حضره آلاف المواطنين، وشاركت فيه سلطة الحكم الذاتي بمختلف أجهزتها، وألقيت خلال المهرجان الذي نظم مساء يوم الثلاثاء الموافق 9/1/،1996 عدة كلمات من بينها كلمة الحركة الإسلامية ألقاها الشيخ غسان هرماس تبعه العميد أبو خالد اللحام، مستشار ياسر عرفات، ثم كلمات أخرى مثلت عدداً من القوى الفلسطينية مثل حركة فتح والجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية. كما نظم النادي الثقافي في جامعة بيت لحم حفلاً تأبينياً آخر يوم الأحد الموافق 11/2/،1996 حضره حشد كبير من طلبة الجامعة والفعاليات الوطنية والإسلامية ورجال الدين الإسلامي والمسيحي إضافة إلى والد الشهيد ووالدته وشقيقه وزوجته وابنه براء. وقد تخلل الاحتفال العديد من الأناشيد والعروض الرياضية، واختتم بتكريم عائلة الشهيد من خلال تقديم الهدايا الرمزية(71).
وفي حفل التأبين الذي نظمته الحركة الإسلامية في لواء سلفيت عقب الجنازة المهيبة للمهندس في قطاع غزة، شهدت قرية رافات تجمعاً حاشداً فاق الثلاثة آلاف مشارك، على الرغم من الحواجز المكثفة للجيش الإسرائيلي في محيط القرية والقرى المجاورة والتي منعت مئات السيارات من الوصول إلى رافات واحتجزت اثني عشر حافلة كبيرة وفدت من عدة مدن فلسطينية. ولأن المكان المعد للمهرجان لم يتسع للحضور، فقد اضطر العشرات للصعود على أسطح المنازل وسطح المسجد. وقد بدأ المهرجان في نحو الساعة (45:12) من بعد ظهر يوم الثلاثاء الموافق 9/1/،1996 بوقوف الحضور وتقديمهم التحية العسكرية للشهيد القائد ثم هتف المشاركون بالتحية للشيخ أحمد ياسين والشيخ عز الدين القسام. ووزع أهالي القرية كميات كبيرة من التمر على الحضور، بينما حمل مئات الأطفال والشباب صور المهندس ولوحوا بها وشاركهم العشرات من كبار السن والعجائز بالتلويح بالحطة والعقال. وبعد كلمتي الحركة الإسلامية وعائلة الشهيد اللتين ألقاهما الشيخ ماهر الخراز وعم المهندس، تم ذبح كبشين (عقيقة) عن المولود الجديد -يحيى الصغير ثم جرت مسيرة كبيرة طافت شوارع القرية وهي ترفع الأعلام والرايات وصور المهندس وانتهت إلى بيت الشهيد.وكان عبد الحميد عاصي -شقيق الشهيد علي عاصي- بين شقيقي المهندس طوال فترة المهرجان (72).
عند عودة والد ووالدة المهندس برفقة زوجته وطفلاه من قطاع غزة، كان في انتظارهم استقبال حاشد من الجمهور الفلسطيني كله حفاوة واحترام شارك فيه المئات. ورغم دلائل الإنهاك والتعب الشديد على وجه العجوزين، إلا أنهما لم يمكثا لوحدهما على الإطلاق، حتى بعد انتهاء أيام الحداد السبع التقليدية. ولفترة طويلة، استقبلت أسرة المهندس مئات المعزين الوافدين من مختلف أنحاء الأراضي الفلسطينية المحتلة(73). وفي عيد الفطر، وهو العيد الأول بعد استشهاد المهندس، تدفقت الوفود من كل مدن وقرى الضفة الغربية لزيارة بيت المهندس في وقفه تضامنية مما كان له أبلغ الأثر في التخفيف عن آل عياش. وتسابق الزوار على حمل البراء، نجل المهندس، وأخذ الصور التذكارية معه. ويقول يونس، الشقيق الأصغر ليحيى، أن هذا العيد هو الأول الذي يكون فيه وشقيقه مرعي خارج السجن منذ مطاردة العدو للمهندس. ويضيف يونس بأنه لم يتمكن من الخروج من بيت العائلة بسبب كثافة الوفود الزائرة(74).
ولئن تحولت مدينة خليل الرحمن إلى ثكنة عسكرية لكثرة عدد الجنود الذين يجوبون شوارعها والحواجز العسكرية التي أقيمت عند مفترقات الطرق مما حال دون تنظيم أي نشاط جماهيري تكريماً للمهندس الذي مسح دموع أيتام الحرم الإبراهيمي، إلا أن الحركة الإسلامية في بلدتي دورا وبني نعيم نظمتا مهرجاني تأبين. فقد اشترك ما يزيد على سبعة آلاف فلسطيني في مسيرة احتجاجية طافت معظم الشوارع في دورا، لتستقر بعد ذلك أمام مسجد دورا الكبير حيث افتتح الشيخ نايف الرجوب المهرجان التأبيني للشهيد. وكانت كلمة حركة (حماس) للشيخ فتحي عمرو الذي تحدث عن كرامات الشهيد ثم تحدث أحد ضباط شرطة الحكم الذاتي في البلدة حيث وجه التحية إلى الحركة الإسلامية وأبطالها. وبعد كلمة بلدية دورا، تحدث مندوب عن حركة الجهاد الإسلامي ومندوب عن الجبهة الشعبية ومندوب عن حركة فتح. وأختتم المهرجان بكلمة حركة حماس في بلدة دورا ثم كلمة الحركة الإسلامية في مدينة الخليل. وأما المهرجان التأبيني والمسيرة الحاشدة التي نظمتها الحركة الإسلامية في بلدة بني نعيم، فقد ضمت ثلاثة آلاف مواطن، وشاركت أيضاً جميع الاتجاهات السياسية في إلقاء الكلمات التأبينية(75).
وفي وسط مدينة نابلس، وبحضور عائلة المهندس وممثلي الفصائل والمؤسسات الفلسطينية، شارك نحو ثمانين ألف مواطن في المهرجان التأبيني المركزي الذي نظمته حركة (حماس) في نابلس ومخيماتها وقراها. وابتدأ المهرجان بمظاهرة حاشدة سارت في شوارع المدينة وهي تحمل نعشاً فارغاً تعبيراً عن السخط والغضب لعدم المشاركة في وداع الابن البار لفلسطين. وقد حمل المتظاهرون أيضاً، براء يحيى عياش على أكتافهم، وخلال الكلمات التي ألقاها ممثل الحركة الإسلامية في نابلس ومندوبي الفصائل والاتجاهات السياسية، بثت كلمة المهندس إبراهيم غوشة -الناطق الرسمي لحركة حماس- عبر الهاتف من عمان بالأردن(76).
وبمناسبة مرور أربعين يوماً على استشهاد المهندس وتكريماً لشهداء جنين - علان أبو عرة وعبد الرحيم جرادات وطارق منصور- نظمت الكتلة الإسلامية في جامعة النجاح الوطنية بنابلس مهرجان (عرس الشهداء) حضره عشرة آلاف شخص بالإضافة إلى عائلة يحيى عياش وذوي الشهداء الثلاثة. وافتتح المهرجان الذي جرى على أرض الجامعة يوم السبت الموافق 10/2/1996 بتلاوة عطرة من القرآن الكريم تلاه الاستعراض والكشافة الذين رفعوا الأعلام والرايات وصور شهداء كتائب القسام ثم ألقى الشيخ ماهر خراز كلمة تحدث فيها عن كرامة الشهداء عند الله مطالباً بوضع اسم المهندس فوق جميع كليات الهندسة في الجامعات الفلسطينية. وجدد جمال منصور في كلمته معارضة حماس للاتفاقيات والانتخابات، وندد بمقتل عناصر حركة الجهاد الإسلامي في غزة الأسبوع الماضي على يد الشرطة الفلسطينية.وبعد كلمة شقيق الشهيد علان أبو عرة، قام الشيخ جمال سليم بتوزيع الدروع التقديرية على عائلات الشهداء وسط تصفيق وهتاف الجماهير، بينما قام عدد من الشبان بحمل والد الشهيد ونجله براء على الأكتاف فوق المنصة(77).
أما مدينة غزة التي احتضنت جثمان الشهيد وودعته بما يليق بالقادة الأبطال، فقد أبت إلا أن تحيي المهندس بمهرجان تأبيني أعلنت من خلاله أنها قبلت التحدي. ففي يوم الجمعة الموافق 12/1/،1996 ضاق ملعب اليرموك بأكثر من عشرين ألف من أبناء فلسطين، ولم يعد هناك موطىء قدم. وبدأ الحفل بآيات من الذكر الحكيم ثم انطلق صوت عريف الحفل الشيخ محسن أبو عيطة هادراً ومعلناً لترتفع صور الشهيد يحيى عياش، فانطلقت البالونات وهي تحمل صور الشهيد صاعدة إلى السماء كما صعدت روح الشهيد. وهنا، رفع الآلاف صور الشهيد عالياً، وقام شبان ملثمون بإحراق علم الكيان الصهيوني. ومع بداية المهرجان، أرسل الشيخ محسن أبو عيطة برقية عاجلة إلى بيريز معلناً: «أننا قبلنا التحدي، ودفعنا ضريبة التحدي ولكن فاتورة الحساب لم تغلق، بل لم تفتح بعد. إننا على موعد لأن دمنا غال. ولن يذهب هدراً، فالدم يطلب الدم». وهنا، ظهر ملثمون من حركة حماس وهم يحملون صور المهندس، ويقفون فوق العلم الإسرائيلي، ويؤدون التحية العسكرية للشهيد القائد(78).
وتقدمت شقيقة الشهيد صلاح جاد الله برسالة نيابة عن زوجة المهندس مؤكدة أن يحيى لم يمت فهو حي في السماء وشبحه على الأرض يلاحق الأعداء. وأضافت ابنة حماس بأن يحيى طارده جيش بأكمله، وطارد هو جيشاً بأكمله، وتساءلت من انتصر، عياش أم الجيش؟ وهنا، هتف آلاف المواطنين بصوت واحد: عياش. وفي هذه اللحظات، تقدمت عناصر ملثمة ومكشوفة من كتائب عز الدين القسام، ودخلت بين الأجساد المتلاصقة لتصعد إلى المنصة وتؤدي التحية العسكرية للشهيد القائد وسط زخات من الرصاص والزغاريد والهتاف باختلاط عجيب، لم يعد المرء معه أن يفرق بينها. وقال أحد عناصر الكتائب: «لقد جئنا لنقول للمسؤولين في جهاز المخابرات الإسرائيلية ولزعماء دولة اليهود أنكم ستدفعون ثمن إرهابكم غالياً. نعم، لقد قتلتم المهندس، ولكنه ترك خلفه طابوراً من المهندسين». وعاهدت الكتائب الجماهير بألا يهدأ لهم بال حتى يصلوا لما يرض هذه الجماهير ويشف صدورها.وتحدث المهندس إبراهيم غوشة عبر الهاتف، ثم ألقى الدكتور محمود الزهار كلمة نيابة عن حركة حماس في قطاع غزة، تبعه الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي عبر الهاتف من دمشق، فقال الدكتور رمضان شلح: «إننا نبارك للشهيد ولوالدته وزوجته، ولحماس وللشعب الفلسطيني وأمتنا وأبارك جوهرة فلسطين وتاج الأمة، المهندس يحيي عياش». كما تحدث عبر الهاتف من دمشق أيضاً، أحمد جبريل -الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين (القيادة العامة)- فأكد أن الحديث عن رجل مثل يحيى عياش صعب وأن تضحياته وما قدمه من أجل فلسطين وعزتها قد جعله في مقدمة الرجال(79).
وعاشت منطقة رام الله واللواء في عرس حاشد حيث نظمت الحركة الإسلامية مهرجانات تأبينية للشهيد يحيى عياش في مدينة رام الله والبيرة ومخيم الأمعري. ففي يوم الجمعة الموافق 12/1/،1996 أقام مركز شباب الأمعري مهرجاناً تأبينياً في ساحة المركز ألقيت فيه كلمات عددت مناقب الشهيد. وتخلل المهرجان أيضاً الأناشيد الإسلامية والوطنية وعروض الكشافة(80).
وعبر أجواء حماسية، ووسط هتافات التحية للمهندس الذي تناثرت صوره الفوتوغرافية الملصقة على الصدور، تجمع أكثر من أربعين ألفاً في ساحة مدرسة الفرندز للبنين، يميناً وشمالاً وعلى جميع أسطح البنايات وحول الأسلاك الشائكة المحيطة بالملعب، من أجل المشاركة في إحياء مهرجان التقدير والاحترام للشهيد القائد وإعزازاً وإكباراً ومؤازرة لأهله وذويه. وقد بدأ المهرجان الذي جرى يوم السبت الموافق 13/1/،1996 بمسيرة كشفية انطلقت من مدرسة بنات البيرة الثانوية وسار خلفها شباب مدينتي رام الله والبيرة الذين تجمعوا من أجل تقديم واجبهم الإسلامي والوطني، وصاحب ذلك أيضاً عروض لمجموعة من الخيالة أطلق عليها (خيالة عياش). ثم افتتح المهرجان بتلاوة عطرة من آيات الذكر الحكيم، تبعها كلمة الكتلة الإسلامية في جامعة بير زيت، فكلمة المفوض السياسي لشرطة رام الله. كما تحدث المهندس إبراهيم غوشة عبر مكالمة هاتفية مسجلة بثت في المهرجان أكد فيها بأن دم الشهيد لن يذهب هدراً، وأن المجرمين الصهاينة سيدفعون الثمن آجلاً أم عاجلاً. ومن جهته، ألقى الدكتور محمد صرصور -نائب رئيس جامعة بيرزيت للشؤون المالية والإدارية- كلمة حيا فيها أهل الشهيد وأشاد به معدداً المناقب التي امتاز بها منذ تقدمه بطلب الالتحاق بالجامعة عام ،1984 ونقل تعازي رئيس الجامعة والطلبة لذوي الشهيد وأبناء الحركة الإسلامية(81).
وألقى والد الشهيد كلمة شكر فيها الحضور وكل الشعب الفلسطيني، وقال مخاطباً الجمهور: «في كل مرة حدثت فيها عملية عسكرية كانوا يقولون لي: مات عياش فيها، ولكني كنت أقول لهم: الله يرضى عليه،إن الشعب كله عياش». فتعالت الهتافات من قبل الجمهور: «كلنا يحيى عياش، بالروح بالدم نفديك يا عياش». وهنا، وقفت زوجة الشهيد تخاطب الجماهير قائلة: «والله إني لأعتز وأفتخر أن أكون زوجة للشهيد البطل يحيى عياش، وأقول لليئا رابين الحمد لله الذي جعلها تخسر زوجها قبل أن يهنأ بمقتل زوجي، إنها الآن حزينة على فراق زوجها، أما أنا فإني فخورة باستشهاد زوجي». فكانت هذه الكلمات وقوداً إضافياً لحماس الجماهير(82). وألقت لجنة المؤسسات الوطنية والإسلامية في مدينتي رام الله والبيرة كلمة في المهرجان أشادت فيها بالمهندس كرمز من رموز الحركة الوطنية والإسلامية، تبعها كلمة حركة حماس ألقاها الشيخ حسن يوسف، أعقبها تكريم لأهالي الشهداء(83).
ولم تتخلف مدينة جنين عن عرس الشهيد، فأقامت الحركة الإسلامية يوم الثلاثاء الموافق 16/1/1996 مهرجاناً تأبينياً حاشداً حضره نحو خمسين ألفاً من الرجال والنساء بالإضافة إلى ممثلين عن كافة الفصائل الفلسطينية وأهالي الشهداء يحيى عياش ورائد زكارنة وعمار عمارنة. وأكد الشيخ جمال سليم في الكلمة التي ألقاها باسم حركة حماس أن يحيى عياش احتل المرتبة الأولى في قلوب وضمائر الناس وأن استشهاده وحد الشعب الفلسطيني الذي هتف بأكمله باسم يحيى عياش. وفيما وجه المفوض السياسي للسلطة الفلسطينية في جنين تحيات الإجلال والإكبار للشهيد وكافة شهداء الشعب الفلسطيني، اعتبر عدنان الصباح في كلمته باسم الجبهتين الشعبية والديمقراطية أن الشعب موحد خلف شهداءه. كما تحدث الدكتور همام سعيد -النائب في البرلمان الأردني- عبر الهاتف، مؤكداً أن حركة الإخوان المسلمين في الأردن ستبقى تدعم نهج الجهاد وأنها لا تعترف باتفاقيات السلام. وألقى الشيخ جمال أبو الهيجاء، الناطق باسم الحركة الإسلامية في جنين، كلمة أيضاً تبعه خالد سعيد بقصيدة رثاء للشهيد يحيى عياش. وعبرت زوجة المهندس في كلمة عاطفية ألقتها في المهرجان أنها تفتخر بأن تكون زوجة ليحيى وأنها تحتسبه عند الله تعالى. وتخلل الاحتفال أناشيد وهتافات ورفعت فيه لافتات ضخمة رسمت عليها صور الشهيد(84).
وفي ذكرى أربعين الشهيد يحيى عياش، نظمت الكتلة الإسلامية في جامعة القدس مهرجان (عرس الشهادة) ضمن فعاليات (أسبوع العهد والوفاء) في قاعة كلية العلوم والتكنولوجيا بأبو ديس يوم 14/2/1996. وبدأ المهرجان بتلاوة آيات من الذكر الحكيم ثم كلمة الشيخ حسن يوسف، تبعه الشاعر خالد السعيد الذي استعرض عدة خواطر وأبيات كتبها في استشهاد المهندس. وعدد شقيق الشهيد في كلمته مناقب المهندس شاكراً القائمين على المهرجان وكافة الحضور، ثم ألقى أحد الطلبة كلمة الكتلة الإسلامية. وفي نهاية المهرجان الذي حضره جموع من المواطنين والشخصيات والطلاب وتخلله الأناشيد والهتافات، قدمت الكتلة الإسلامية الدروع لوالد الشهيد وبإصرار عياش ونجل الشهيد زهير فراح بالإضافة إلى درع شهيد مجزرة الحرم الإبراهيمي حاتم الفاخوري(85).
وبتجمع ما يقرب من أربعين ألفاً في ساحة الشهداء بوسط مدينة قلقيلية، أقام أنصار حركة (حماس) يوم الجمعة الموافق 23/2/1996 مهرجاناً تأبينياً للمهندس يحيى عياش بحضور العديد من الشخصيات التي تمثل مختلف الفصائل الفلسطينية، حيث رفعت الأعلام واللافتات وأطلقت الشعارات التي تندد بسياسة الاحتلال. وألقى الشيخ حسن يوسف كلمة حماس، فدعا إلى ضرورة إطلاق سراح المعتقلين في السجون الإسرائيلية وعلى رأسهم الشيخ أحمد ياسين(86).
5- المواليد الجدد يحملون اسم يحيى عياش
تحول اسم (يحيى عياش) إلى أحد الأسماء المحبوبة في الضفة الغربية وقطاع غزة، تخليداً لذكرى المهندس الأسطورة،إذ قامت (25) عائلة فلسطينية بإطلاق اسم (يحيى عياش) على مواليدها الذين ولدوا أيام الجمعة والسبت والأحد. ونقلت الصحف العبرية عن ذوي ثلاثة مواليد ذكور ولدوا في مشافي قطاع غزة يومي السبت والأحد وأطلق عليهم اسم (يحيى عياش) قولهم إن المهندس يحيى عياش يعتبر «قائداً فذاً وبطلاً قومياً وشعبياً والإفراج به». وذكر والد أحد هؤلاء الأطفال، وهو عضو في حركة فتح: «لست عضواً في حماس، إنني فلسطيني فخور جداً ببطولة المهندس... لقد أصبح شهيداً وهو يرقد الآن في جنان الخلد، لقد قررت إعطاء ابني هذا الاسم تخليداً لذكرى يحيى عياش، وآمل أن يصبح ابني مثله»(87).
6- أهالي الجولان يعزون بالمهندس
نظمت الفعاليات الشعبية والوطنية والبلديات في مرتفعات الجولان السورية المحتلة وفداً، قام بزيارة منزل عائلة الشهيد يحيى عياش في قرية رافات لتقديم التعازي نيابة عن أهالي الهضبة لآل عياش. وقد أعلن الوفد خلال الزيارة تضامن أهل الجولان الكامل مع عائلة المهندس، واستنكارهم لعملية الاغتيال. كما عبر الوفد عن استيائه للتصعيد الخطير من قبل الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، وسياسة التصفية الجسدية التي تقوم بها ضد المجاهدين الفلسطينيين. وجاء في كلمة رئيس الوفد بأن المهندس يعتبر نموذجاً للكفاح الفلسطيني وظاهرة جديدة حازت على ثقة الشعب الفلسطيني(88).
7- غضب شعبي في الأردن
أصابت الشارع الأردني حالة من الذهول في أعقاب الإعلان عن اغتيال المهندس، وسادت حالة من الحزن والشعور بالألم والمرارة في الأوساط الشعبية التي رأت في استشهاده خسارة كبيرة. وقد أظهر التعاطف الواسع مع الشهيد يحيى عياش وعائلته أنه لم يعد حكراً على حركة حماس أو الشعب الفلسطيني، بل تكرس كأسطورة ورمز وبطل وطني وقومي. فمظاهر الحزن كانت واضحة على وجوه المواطنين الذين تابعوا باهتمام كبير عبر وسائل الإعلام تفاصيل جريمة الاغتيال. ووقفت الفعاليات الأردنية الشعبية والحزبية وقفة تستحق التقدير، إذ توافدت هذه الفعاليات بالعشرات و المئات على بيوت العزاء ومهرجانات التأبين في عمان والزرقاء واربد، وسجل معظمهم كلماتهم المعبرة عن موقفهم إزاء الشهيد والحادث الجلل. كما أفردت الصحافة مساحات واسعة من صفحاتها لتغطية تفاصيل الجريمة التي احتلت صدر صفحاتها الأولى، بعد أن كانت تتابع باهتمام بالغ، ومنذ عدة شهور أخبار المهندس قبل استشهاده(89).
ففي مدينة عمان، توافد عشرات الآلاف من أبناء العشائر الأردنية والمخيمات الفلسطينية على بيت العزاء الذي أقامه ممثل حركة حماس بالأردن للتعبير عن تأييدهم للخط الجهادي الذي سارعليه الشهيد وعن إدانتهم للجريمة الغادرة. وكان من بين المشاركين رؤساء حكومات سابقون ووزراء، وقادة وأعضاء المكاتب السياسية، واللجان المركزية للأحزاب السياسية إضافة إلى ممثلين عن القوى والهيئات والنقابات والاتحادات الطلابية والجمعيات الخيرية في المملكة الأردنية(90).
وقام وفد من المجلس الوطني الفلسطيني بتقديم التعازي، وكتب سليم الزعنون في سجل التعازي العبارات التالية: «عندما عجزت الجيوش أن تقتل من الإسرائيليين -بل قتل الإسرائيليون مئات الآلاف زيادة عما قتلنا، وعندما عجز الفدائيون أن يقتلوا من الإسرائيليين، بل قتل الإسرائيليون أضعاف ما قتلنا جاء هذا الرجل الذي لم يتجاوز الثلاثين من العمر ليثأر لنا جميعاً.. ثأر للجيوش، وثأر للفدائيين، وثأر للأقدمين، وأعطى مثالاً حياً، وأعطى خوفاً ورعباً، وأعطى سجلاً في التاريخ سيبقى على مدى الدهر»(91).
كما أقيمت صلاة الغائب بعد صلاة يوم الجمعة الموافق 12/1/1996 وتليت أدعية على روح الشهيد وأرواح شهداء الإسلام. وأطلق على أحد مساجد عمان، اسم (مسجد الشهيد يحيى عياش) بدلاً من الاسم الذي كان يحمله، وهتف عدة مئات من جمهور كرة القدم في العاصمة بحياة الشهيد، أثناء مسيرة قصيرة عقب خروجهم من ستاد عمان الدولي مساء يوم الجمعة الموافق 12/1/،1996 ودعوا في هذه الهتافات أيضاً إلى الثأر والانتقام من قتلة الشهيد(92).
وأقامت جماعة الإخوان المسلمين مهرجاناً تأبينياً في مسجد الجامعة الأردنية تحدث فيه كل من المحامي عبد المجيد ذنيبات (المراقب العام) والنائبين أحمد الكوفحي وإبراهيم زيد الكيلاني. وقد اتسم المهرجان الذي حضره آلاف المصلين الذين ضاقت بهم جنبات المسجد وساحاته الخارجية بالإشادة بالشهادة والشهداء(93).
أما في مدينة الزرقاء، فقد استقبل أعمام الشهيد الزوار المهنئين في استشهاد المهندس يوم الثلاثاء الموافق 9/1/،1996 حيث تجمهر عدد كبير جداً وحضرت شخصيات إسلامية ووطنية عدة بالإضافة إلى نواب حزب جبهة العمل الإسلامي وممثلي حركتي حماس والجهاد الإسلامي بالأردن(94).
وأقام حزب جبهة العمل الإسلامي (فرع مأدبا) حفلاً تأبينياً للشهيد شارك فيها كل من النائب همام سعيد والأستاذ عبد الحفيظ علاوي يوم الثلاثاء الموافق 15/1/1996(95). كما أقامت الحركة الإسلامية في مدينة اربد جنازة رمزية ومسيرة، وتحدث في الجمهور الحاشد كل من الدكتور على العتوم والنائب أحمد الكوفحي(96). وأقام اتحاد الطلبة في جامعة اليرموك حفلاً تأبينياً للشهيد القائد في ذكرى مرور أربعين يوماً على الجريمة. وقدر عدد الحضور بنحو (700) طالب وطالبة(97).
وكان هناك العديد من الفعاليات التي لم تر النور، ومنها على سبيل المثال، الحفل التأبيني الذي دعت إليه نقابة المهندسين الأردنيين تكريماً للشهيد الذي أطلق اسمه على قاعة المحاضرات الرئيسة في مقر النقابة. ويذكر بأن الشهيد يحيى عياش يعد عضواً في نقابة المهندسين الأردنيين تحت رقم (7418) بقسم هندسة الكهرباء منذ عام 1993(98).
8- غضب وحداد يجتاح مخيمات لبنان
وداع المهندس في جنبات المخيمات الفلسطينية بلبنان لم يكن أقل غضباً من وداعه في شتى بقاع الزمان والمكان الفلسطينية. فقد نامت آلاف العيون الفلسطينية المثقلة بمرارات الشتات واللجوء اليومية وهي تكذب الخبر، لتصحو من جديد متسوحة بالحداد والفرح، حيث امتزج حزن الناس بفرحهم، واختلطت الدموع بالزغاريد في خضم مشاعر متناقضة أصبحت على مر فصول الحكاية الفلسطينية حكراً على الفلسطينيين وحدهم. فشاتيلا، وبرج البراجنة، ومار الياس، وعين الحلوة والبص، والرشيدية، ونهر البارد والبداوي وغيرها من المخيمات ازدانت جدرانها بصور الشهيد القائد، فيما علقت الرايات السوداء، والرايات الخضراء المزينة بالشهادتين على أسطع المنازل، وامتلأت ساحات الجدران بعبارات مثل: «عياش لم يكن الأول ولن يكون الأخير»، و«لن نقبل بأقل من رأس بيريز أو شاحال.. قسماً سنثأر» و«تلاميذ القائد عياش يعاهدون على الانتقام الموجع والسريع للشهيد القائد»، و«عياش.. سيد الشهداء وليس أخرهم»(99).
المخيمات لم تتردد لحظة بالحداد الوطني لمدة ثلاثة أيام. ففي مخيم برج البراجنة، أقيم في نادي الأقصى عزاءً مركزياً للشهيد أمه الآلاف من أبناء المخيمات حيث جرى تعليق عشرات الصور للشهيد وتصدرت لوحة ضخمة للشهيد عز الدين القسام صدر القاعة. ووقف مصطفى اللداوي -ممثل حماس في لبنان- لاستقبال المعزين والمهنئين ومنهم عشرات القادة الفلسطينيين من ممثلي الفصائل واللجان والروابط الشعبية في المخيمات الفلسطينية بالإضافة إلى حشد كبير من الشخصيات اللبنانية. وأكد جميع المتحدثين على إدانتهم للجريمة وتحميلهم سلطة الحكم الذاتي جانباً من المسؤولية. كما أجمع الشباب والشيوخ والأطفال الذين حضروا العزاء أن الشهيد القائد الذي أقض مضاجع الاحتلال سيخلفه تلاميذه في الانتقام له والمقاومة ضد الاحتلال(100).
وأقام تحالف القوى الفلسطينية في لبنان مجلس عزاء وتبريك بذكرى ثالث المهندس يحيى عياش في قاعة الشهداء بمخيم مار الياس شاركت فيه وفود حزبية لبنانية وحشد من أبناء المخيمات. كما أقامت الجماعة الإسلامية في منطقة صيدا احتفالاً تأبينياً للمهندس في مخيم عين الحلوة يوم الأحد الموافق 7/1/،1996 حضره الآلاف من أبناء المخيم، وتحدث فيه كل من الشيخ ماهر حمود -عضو تجمع العلماء المسلمين- والأستاذ علي الشيخ عمار -مسؤول الجماعة الإسلامية- ومصطفى اللداوي(101).
وفي مدينة طرابلس، أقامت الجماعة الإسلامية مهرجاناً حاشداً لتأبين الشهيد في قاعة كبيرة بأحد المساجد العمرية وسط المدينة، وتحدث خلال المهرجان كل من مصطفى اللداوي والشيخ سعيد شعبان -أمير حركة التوحيد الإسلامية- والنائب الدكتور فتحي يكن حيث أثنوا على بطولات الشهيد والشعب الفلسطيني. وطالبوا أبناء الشعب الفلسطيني بالثأر ومواصلة الجهاد حتى التحرير وطرد الاحتلال(102).
وفي إطار التضامن والمؤازرة، أبرق حزب الله والحزب التقدمي الاشتراكي وحركة التوحيد الإسلامية وتجمع اللجان والروابط الشعبية في المخيمات والفصائل الفلسطينية وعدد من النواب في مجلس النواب اللبناني إلى حركة المقاومة الإسلامية (حماس) معزين باستشهاد المهندس(103).
وفي ذكرى مرور أسبوع على استشهاد يحيى عياش، أقام حزب الله مهرجاناً حاشداً في حسينية السيدة فاطمة الزهراء ببيروت حضره الشيخ حسن نصر الله، الأمين العام للحزب، والشيخ فيصل مولوي (الأمين العام للجماعة الإسلامية)، ومحمد نزال (ممثل حركة حماس في الأردن) وعدد من كبار الشخصيات السياسية في حزب الله والفصائل الفلسطينية في لبنان بالإضافة إلى سفير إيران في بيروت. وألقى الشيخ حسن نصر الله كلمة أكد فيها أن المقاومة الإسلامية ضد الاحتلال تقف على خط تماس بين أكبر مشروعين يتصارعان على أرضنا، المشروع الغازي المستعمر والمستبد الذي تتغير قياداته ومواقعه ويبقى مضمونه على امتداد التاريخ ومشروع الصحوة والنهضة الذي يريد أن يحافظ على البلاد والعباد والخيرات والمقدرات والسيادة والكرامة والهوية. وأكد محمد نزال من جهته بأن المقاومة الإسلامية في الجنوب اللبناني ومقاومة حماس يجمعها خندق واحد، وأن العدو لا يفهم إلا لغة واحدة هي لغة القوة(104). وكانت الصحف اللبنانية ووسائل الإعلام قد أفردت جزءاً كبيراً من صفحاتها، ونشراتها الإخبارية لتغطية جنازة الشهيد في قطاع غزة، وتفاعلات القضية على الساحة الفلسطينية واللبنانية أيضاً.
|