Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showpost.php on line 218

Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showpost.php on line 223
منتديات شباب فلسطين - عرض مشاركة واحدة - قصة حياة البطل الشهيد / يحيى عياش - ( كتاب )
عرض مشاركة واحدة
قديم 07-03-2008, 09:01 AM   #6
السيف عدي
I ♥ PALESTINE

قوة السمعة: 0 السيف عدي will become famous soon enough

افتراضي رد: قصة حياة البطل الشهيد / يحيى عياش - ( كتاب )

الفصل الرابع



خالد بجهاده



أولاً: جمعة الشهادة



إنه يوم الجمعة المباركة، الخامس من كانون الثاني (يناير) 1996م، وهو أيضاً 15 شعبان 1416من الهجرة النبوية الشريفة. وهذه الجمعة، لم تكن كأي جمعة، إذ فاضت المدينة المقدسة والمسجد الأقصى المبارك بالآلاف الذين تزاحموا، كل يريد شرف الصلاة في الصف الأول. فقد خرج الشيخ عز الدين القسام من أحراش يعبد، وحضر عبد القادر الحسيني من بيادر القسطل، وسار خلفهما الشهداء أفواجاً وجماعات وأسراب يملؤون المسجد الأقصى وساحاته وحدائقه وعند المداخل وفوق البوابات منذ ساعات الفجر الأولى، ويتجمهرون تغمرهم الفرحة بمشاركة فلسطين عرس ابنها الذي رسم البسمة، بسمة البطولة والثأر، على شفاه الصبايا والنساء والأطفال والشيوخ والشباب.



وطالت ساعات ثقيلة كما لم يكن من قبل، حتى صدحت الطيور الخضر من غزة هاشم نشيد الابتهال الجميل: جاء البطل، صانع الشهداء وأميرهم.. جاء السيف المدجج بعشق فلسطين، وهوى الشهادة. فاستعاد الشيخ الجليل عز الدين القسام وقع الصدى، ووقف ليهتف وتردد الجموع من خلفه: إنه جهاد نصر أو استشهاد.



وفي غزة هاشم، تجمع فتيان قبية ودير ياسين، وكفر قاسم وصبرا وشاتيلا. وبعد صلاة الضحى، خرجوا مع الفارس الكبير في موكب جميل أضاء سماء فلسطين، وعبثاً حاولت الجبال والوديان، فقد أودع الفتى الوسيم تلاميذه الراية، ونثر حكايته الأروع في طابور الشهادة الممتد في أرجاء الوطن.



في ذلك الصباح، توقف القمر الذي اعتاد أن يغيب زمناً ثم يعود حاملاً الموت لقتلة الأطفال، في مدارس يوسف عليه السلام. وطاف مودعاً الياسين والرنتيسي وصلاح وزاهر وعبد الناصر، ومئات آخرين حفظوا صورته وهو يلف الكوفية حول عنقه ويرسم على فمه ابتسامة خجولة حين ظهر نحشون فاكسمان في حلم حريتهم الجميل. وكالعادة، قالوا: إنه لا بد عائد.



وفوق أسوار القدس، اصطف الشهداء الأبرار يرقبون طلعة أميرهم الكبير وإمامهم في صلاة البطولة والأبطال عند منبر صلاح الدين. وأما عبد الرحمن وبشار فقد اصطحبا مهندسهما حتى الأقصى المبارك، وساروا به نحو محراب التحدي بين الصفوف التي كانت تهتف: أنت قائدنا وإمامنا يا صانع الشهداء.



1- التفجير باللاسلكي



عملية التفجير باللاسلكي تعتبر إحدى أحدث وأخطر وسائل الحروب السرية التي تستخدم فيها أسلحة غير تقليدية كالطائرات والمدفعية والجيوش، وهي وسيلة فعالة للقضاء على الخصم دون حاجة لمواجهة مباشرة. وعلى الرغم أنها تضمن الفاعلية وأمن المنفذين ووجودهم بعيداً عن مكان التفجير، إلا أنها أكثر تعقيداً من عمليات التفجير العادية، لأنها تحتاج إلى مراقبة مسبقة وإلى تحديد طرق سير الخصم، وأدق التفاصيل المتعلقة بتنقلاته. كما يضمن التفجير باللاسلكي، أو الموجه عن بعد، وقوع الانفجار في اللحظة المناسبة التي يكون فيها الهدف ضمن مدى تأثير الانفجار. ولذلك، تستخدم هذه الوسيلة لضرب الأهداف المتحركة والثابتة على حد سواء، أو الأشخاص الذين لا يتواجدون في الأهداف الثابتة بشكل دائم أو منتظم، ويبدلون باستمرار أوقات قدومهم إلى المكان وخروجهم منه، وقد استخدمت الموساد عمليات التفجير باللاسلكي وعمليات التفجير اللاسلكية في حربها المعلنة ضد قادة المقاومة الفلسطينية وبعض مسؤوليها(1).



ويمكن القول، وبأسلوب مبسط أن نظام التفجير باللاسلكي يتألف من الأجزاء التالية:

أ- جهاز لاسلكي (مُرسل) يبث موجات لاسلكية ذات ترددات معينة ووفق شيفرة خاصة. ويعمل هذا الجهاز المتطور ضمن مدى يتراوح بين كيلومتر واحد إلى عدة كيلومترات.



ب- جهاز لاسكلي (مُستقبل) يعمل على ترددات الجهاز المرسل ذاته، ويقوم بتحليل الموجات المستقبلة واستبعاد الموجات اللاسلكية غير المرغوبة (كموجات الإرسال الإذاعي والموجات الأخرى الموجودة في الجو على ترددات الجهاز المرسل). وعندما يتلقى الجهاز المستقبل الإشارة اللاسلكية وفق الشيفرة المحددة يحولها إلى جهد كهربائي يؤدي إلى تفجير الصاعق الكهربائي المتصل مع الجهاز.

ج- عبوة ناسفة بأحجام وأشكال تعتمد على طبيعة الهدف والحاجة.

د- صاعق كهربائي موجود داخل العبوة الناسفة ومربوط مع الجهاز المستقبل.

هـ- فخ لمنع فك الجهاز المستقبل أو العبوة في حالة اكتشافها. وقد نجح خبراء المتفجرات في تصميم أجهزة تنفجر عند اكتشافها من قبل الخصم.

و- راصد يستطيع رؤية الهدف أو تحديده، ويكون على اتصال مباشر مع الجهاز المرسل، سواء كان الاتصال لاسلكياً أم بالنظر أم بأية وسيلة اتصال ضوئية أخرى(2).



2- خطة اغتيال المهندس



أُثير الكثير من التساؤلات والتكهنات حول جريمة اغتيال المهندس، والمتآمرون المشتركون في تنفيذ الجريمة الغادرة، فقد نشرت وسائل الإعلام تفاصيل غامضة وتقارير متضاربة في بعض الأحيان. ولئن ما تزال قضية اغتيال مهندس الأجيال تتفاعل وتثير الكثير من علامات الاستفهام، خصوصاً حول الشخصية التي تقف حقيقة خلف عملية الاغتيال وكيف استطاعت الوصول إلى المهندس واختراق الجدار الأمني الذي أحاط به. إذ أن الجريمة، وبشهادة خبراء الاستخبارات كانت معقدة فنياً واحتملت وفق الشواهد الكثيرة التي أحاطت بها نسبة عالية من المجازفة والمخاطرة. ولكن جهاز الشاباك والسلطة السياسية الإسرائيلية التي أعطت الضوء الأخضر بالتنفيذ لم يجدا مفراً من قبول هذه النسبة، فالهدف ثمين ولم يتم الاقتراب منه بهذه الدرجة من قبل.



عمليات البحث والمقارنة التي أجريناها بعد جمع كافة ما نشر حول الجريمة، وبخاصة القصة التي رواها أسامة حماد، صاحب المنزل الذي استشهد فيه المهندس وآخر شخص شاهده على قيد الحياة، إلى جانب تقارير وسائل الإعلام الإسرائيلية من صحف وتلفاز وإذاعة، ومن خلال التفاصيل التي أمكن التحقق من صحتها، فإننا نقدم السيناريو التالي الذي نتوقع بأنه يمكن الاعتماد عليه:



1- أسامة حماد، عضو حركة حماس الذي يقيم مع عائلته في منزل من طابقين على بعد مئة متر من المفوضية العامة للشرطة الفلسطينية في بيت لاهيا يعرف المهندس منذ عام 1987. فقد كان أسامة طالباً في جامعة بيرزيت وسكن مع الطالب يحيى عياش في قرية أبو قش القريبة من الجامعة. وبعد أن تخرج أسامة من الجامعة في صيف العام ،1995 وعاد إلى قطاع غزة في شهر آب (أغسطس)، اتصل به المهندس للمساهمة في تقديم المساعدة والخدمات له، وبخاصة في مجال الاتصالات مع الضفة الغربية بعد أن انكشف أمر الهاتف الذي كان يستخدمه يحيى في مخيم النصيرات(3).



2- الاستخبارات العسكرية الفلسطينية التي يتزعمها العميد موسى عرفات هي التي اكتشفت علاقة أسامة بالمهندس في شهر أيلول (سبتمبر)، وقيام الأخير بإجراء الاتصالات من منزل والدة الأول. وحتى تلك اللحظة، لم تكن أجهزة الأمن الإسرائيلية على علم بهذه التفاصيل، ولكن مصدر مطلع في جهاز الأمن العام الفلسطيني يؤكد بأن العميد موسى عرفات المعروف بقربه من الشاباك، أبلغ عميلاً مزدوجاً قيل أنه كمال حماد (خال أسامة)(4).



3- وعلى وجه السرعة، نقل العميد المعلومات القيمة إلى قيادة الشاباك. وبعد أن اطمأن الجنرال كارمي غيون لصحة المعلومات الواردة عبر شبكة العملاء الواسعة التي يحتفظ فيها بمدينة غزة، أبلغ شمعون بيريز بصفته رئيساً للوزراء ووزيراً للدفاع. وفي الاجتماع العاجل والطارىء الذي دعى له بيريز، أعاد رئيس الوزراء الجديد تأكيد الأوامر والتعليمات التي أعطاها سلفه بالقيام بكل ما هو ممكن للقضاء على المهندس. واتفق قادة الموساد وآمان والشاباك على وضع خطة محكمة لاغتيال المهندس تشترك الأجهزة الثلاث في عمليات التنسيق وتبادل المعلومات والتنفيذ حيث أسندت القيادة الميدانية للجنرال كارمي غيون نفسه(5).



4- بعد تحديد الوسيلة المنوي استخدامها، وجد الجنرال غيون أن نقطة الضعف التي يمكن النفاذ من خلالها تكمن في سكن أسامة مع والدته في بيت لاهيا، وهي أولاً، منطقة قريبة من مستوطنة نتساريم، وثانياً، خال أسامة المدعو كمال حماد. ومن المعروف أن كمال حماد (45 عاماً) هذا يتعامل مع سلطات الاحتلال منذ عام 1970 حيث كان له ضلع في الوشاية بعدد من الفدائيين في ذلك الوقت، وهو يمتلك شركة مقاولات كبيرة قامت بأعمال عديدة لصالح الإدارة المدنية الإسرائيلية ونفذت مشاريع إسكانية كثيرة بعد أن سلمته سلطات الاحتلال أراضي حكومية وأملاك غائبين(6). وقد سافر هذا العميل قبيل انسحاب القوات الإسرائيلية من قطاع غزة إلى تونس حيث التقى مع ياسر عرفات وموسى عرفات وأبو علي شاهين ومحمد دحلان ورشيد أبو شباك وعرض عليهم تقديم بعض الأراضي ومشروع إسكان على سبيل الهدية مقابل غض الطرف عن عمالته وحمايته من أيدي حماس والجهاد الإسلامي. إذ تبرع العميل بشقة سكنية في الطابق الثالث من بناية (برج النصر) إلى العميد موسى عرفات. وفي مقابل ذلك، زوده قائد الاستخبارات العسكرية باثنين من العناصر المزودين برشاش كلاشنكوف لحراسته، تولى حماد دفع رواتبهما(7).



5- طلب الشاباك من كمال حماد التقرب من ابن أخته وإغرائه بالعمل لديه. ولأن أسامة الذي أنهى تعليمه مؤخراً وحصل على شهادة بكالوريوس لغة عربية ودبلوم تربية بدون عمل، فقد قبل دون تردد الوظيفة التي عرضها خاله، وهي الإشراف على تعليم أطفاله الأربعة عشر(8). ويوماً بعد يوم، تقرب كمال من ابن إبلاغهما محاولاً توثيق العلاقة معه حيث قام بإهدائه تليفون خلوي. وطبقاً لتعليمات الجنرال غيون، عاد كمال إلى ابن أخته طالباً الجهاز ليوم أو ليومين. وتكررت هذه الطلبات ما بين أربع وست مرات، وفي كل مرة كان يتذرع بأعذار مختلفة(9). ومن البديهي أن نستنتج أن الهدف من ذلك هو أن يعتاد أسامة على طلبات خاله، ولا تساوره الشكوك إذا ما عاد واستعار التليفون أثناء وجود المهندس. ورغم ذلك، يؤكد أسامة، بأن المهندس كان حذراً، إذ أنه كان يخشى استخدام هذا النوع من الأجهزة في اتصالاته لمعرفته بسهولة التنصت على المكالمات التي تجري من خلالها وإمكانية التحكم فيها من قبل العدو الصهيوني. وإذا ما اضطر إلى استخدام إحداها، كان يحيى عياش يفحص الجهاز ويطلب من غيره التأكد أيضاً(10).



6- تمكنت الشاباك من تتبع مكالمة تليفونية أجراها الشيخ عبد اللطيف مع ابنه، ومن خلال تلك المكالمة، اتضح للجنرال غيون بأن والد المهندس سيتصل بابنه على الهاتف العادي بمنزل أسامة حماد في الساعة الثامنة من صباح يوم الجمعة الموافق 5/1/1996(11).



7- وضع الجنرال غيون ومساعدوه خطة تفصيلية لاغتيال المهندس، بعد أن انتقل إلى موقع متقدم في مستوطنة نيسانيت القريبة من بيت لاهيا للإشراف بشكل مباشر على عملية التنفيذ حيث أقيمت غرفة قيادة أمنية ذات تجهيزات فنية عالية. وفي ذلك الموقع، استعان رئيس جهاز الشاباك بخبراء وفنيين قاموا بتركيب بطارية خاصة صنعها القسم الفني بالموساد في جهاز التليفون الخلوي الذي استعاده كمال حماد من ابن أخته في أواخر كانون أول (ديسمبر) 1995. والبطارية الجديدة كانت في الحقيقة بنصف حجمها العادي حيث وضعت المتفجرات التي يتراوح وزنها بين 40 و 50 غراماً في النصف الآخر. وكان كمال حماد قد دأب على التوجه إلى المستوطنة(12).



8- حاولت زوجة المهندس أن تستذكر الساعات الأخيرة للشهيد القائد، فتقول: «اشتاق كثيراً لقريته وأهله وعائلته. وكان يقول دائماً بأنه يريد العودة إلى هناك. وحدد وقتاً لذلك، قبيل عيد الفطر». وتضيف أم البراء، بأنه ودعها وطفليه صباح يوم الخميس، أي قبل يوم من استشهاده، وخرج من المنزل الذي يختبىء فيه بجنوب قطاع غزة للقيام بمهمة ليلية هامة جداً، وكان من المفترض عودته يوم السبت. ولذلك، طلب المهندس من زوجته أخذ ابنه عبد اللطيف صباح يوم الجمعة لختانه حيث فعلت، ولم تعلم أم البراء عن استشهاد زوجها إلا في ساعات المساء عندما حضر أصدقاؤه(13).



9- انتقل المهندس إلى منزل أسامة حماد في نحو الساعة (30:4) من فجر يوم الجمعة الموافق 5/1/،1996 وقام بتأدية صلاة الفجر ثم ذهب للنوم. وحسب القصة التي يرويها أسامة حماد بعد ذلك، فإنه كان من المفترض أن يتصل والد المهندس على تليفون المنزل في نحو الساعة الثامنة غير أن اتصالاً غريباً جرى في ذلك الوقت حين اتصل كمال حماد في الساعة الثامنة طالباً من ابن أخته فتح جهاز التليفون الخلوي لأن شخصاً يريد الاتصال به ثم قطع الخط الهاتفي، ولم يكن في خط الهاتف البيتي حرارة بعد هذا الاتصال. وفي نحو الساعة التاسعة، اتصل والد المهندس مستخدماً الهاتف الخلوي حيث رفعت زوجة أسامة السماعة وسلمتها لزوجها الذي كان نائماً مع يحيى في نفس الغرفة. فأيقظ أسامة المهندس ثم أعطاه السماعة. وبعد (15) ثانية تقريباً، وفيما كان أسامة يهم بالخروج من باب الغرفة تاركاً المهندس ليحدث والده، سمع دوي انفجار، فالتفت على الفور فرأي يد الشهيد القائد تهوي إلى أسفل، وغطى الغرفة دخان كثيف، ليتبين بعد ذلك أن المهندس قد استشهد(14).



10- طائرة مروحية تابعة لسلاح الجو الإسرائيلي حامت فوق المنزل في ذلك الوقت، يعتقد أنها كانت تقل ضابط الشاباك المسؤول عن تفجير الشحنة الناسفة التي زرعت داخل جهاز الهاتف النقال. فما أن تأكد الضابط من تشخيص صوت المهندس عبر أجهزة الرصد حين قال لوالده: «كيف حالك يا أبي، دير بالك على صحتك ولا تظل تتصل على الهاتف»، حتى ضغط على زر جهاز الإرسال لإرسال ذبذبة معينة لانفجار العبوة الناسفة لاسلكياً، فوقع الانفجار(15).



11- اتصل كمال حماد بعد ذلك بوالدة أسامة وسألها عن حالة ابنها، وإن كان بخير وفي صحة جيدة ولم يمسه سوء. فأخبرته أنه بخير، فقال لها: «معلش أمر الله نافذ»(16).



12- لم يعرف أسامة من هول الصدمة ما يفعله، إلا أنه تدارك نفسه سريعاً ومنع أياً من أفراد عائلته من الاقتراب من الغرفة التي كان فيها جثة الشهيد، واتصل أسامة ببعض أصدقاء المهندس من كتائب عز الدين القسام، وروى لهم كل شيء بالتفصيل، فأخذ المجاهدون جثة المهندس في ساعات الظهر وانطلقوا بها. وبعد ذلك قرروا وضع الجثة في مستشفى الشفاء(17).



13- عدد من قادة حركة حماس توافدوا على المستشفى لمعاينة جثة الشهيد، ومنهم الصحفي فايد أبو شمالة الذي يعرف المهندس منذ أيام الدراسة الجامعية. وقال فايد بأن الجهة اليمنى من وجه المهندس (من أذنه وحتى منتصف وجهه) كان مهشماً تماماً، وكذلك يده اليمنى، بينما لم يتأثر بقية جسمه إطلاقاً بالانفجار(18).



14- أكد أسامة بأن الشهيد كان يتمنى الشهادة وكان دائماً يردد «بأن على كل فلسطيني أن يتدرب على السلاح وأن يجاهد». ويضيف أسامة بأنه صباح يوم الجمعة وقبل صلاة الفجر بقليل عبر المهندس لصديقه بأنه يشعر بدنو أجله(19).

15- بيان الكتائب أكد ضلوع أطراف من السلطة الفلسطينية في التمهيد والتعاون وتسهيل مهمة منفذي الجريمة الغادرة بحق المهندس. وأشار بيان الكتائب أيضاً، أنه وحسب التقارير المرفوعة إلى قيادة الجهاز العسكري لحركة حماس، فقد أكد مسؤول الوحدة المكلفة بحماية الشهيد أن مجموعته نجحت قبل أسبوعين من الجريمة في ترتيب مغادرة الشهيد لموقع كان يتواجد فيه قبل مداهمة أجهزة استخبارات وشرطة السلطة بنحو نصف ساعة(20).



16- هرب كمال حماد إلى المناطق المحتلة منذ عام 1948 فور وقوع الجريمة حيث وصل عند المسؤولين عنه في جهاز الشاباك بمستوطنة نيسانيت، ثم نقل بعد ذلك إلى مدينة يافا حيث ما يزال يقيم هناك(21).



3- توقيت جريمة الاغتيال



لنحو أربع سنوات، وضع اسحق رابين الذي تعامل مع المهندس بصفته خصماً له، ملف تصفية القائد القسامي على رأس أولويات حكومته السياسية والأمنية، ولكن إحدى مفاجآت هذا الملف كانت في مقتل رابين على أيدي متطرف يهودي قبل أن تتمكن أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية من اغتيال المهندس. وبذلك، أضيفت فضيحة أخرى لملفات تلك الأجهزة التي كانت تصورها الدعاية الصهيونية بأنها أجهزة خارقة تكتشف الأحداث قبل وقوعها، وتستطيع الوصول إلى ما تريد بأقل جهد وأسرع وقت. وكان لاهتزاز ثقة الشارع الإسرائيلي بتلك الأجهزة، آثاراً مقلقة على القيادات الأمنية والعسكرية، فلا هي تمكنت من حماية رئيس الوزراء وأهم شخصية في البلاد، ولم تستطع القبض أو قتل عدوها الأول الذي أثار الهلع في قلوب الإسرائيليين(22).



وللخروج من حالة انعدام الوزن الذي أوقف أجهزة الأمن الإسرائيلية على حوافها، كان لا بد من القيام بفعل خارق يعيد الاعتبار لتلك القيادات داخل المؤسسة السياسية والأمنية في الدولة العبرية. ولعل هذا ما يفسر رفض شمعون بيريز استقالة الجنرال كارمي غيون أثر اغتيال رابين مباشرة، ثم قبولها بعد يومين فقط من تنفيذ جريمة اغتيال المهندس(23).



وفي الوقت الذي اعتبرت فيه جريمة اغتيال المهندس سببا في إعادة الثقة في أجهزة الأمن الإسرائيلية وتطمين الشارع الإسرائيلي بأن عدوه الأول قد جرى الانتهاء منه، وأن الانتقام قد حصل ممن أراق الدم اليهودي كما يردد قادة الاحتلال دائماً، فإن هناك هدفاً لا يقل أهمية، بل كان أكثر أهمية. وهذا الهدف يتمثل في جعل مقتل المهندس عنواناً لمرحلة جديدة، لا (مخربين) فيها، خاصة أن اغتيال عياش قد سبقه تصفية قادة عديدين مثل فتحي الشقاقي وهاني عابد وكمال كحيل وإبراهيم النفار ومحمود الخواجه وغيرهم. وعليه، كان ثمة رسالة صهيونية خلف جريمة اغتيال المهندس، خلاصتها أن زمن الفدائيين والأبطال قد انتهى، وأن هذا هو زمن القبول بإسرائيل والتعامل معها بواقعية(24).



وعلى الرغم مما روجت له السلطات الإسرائيلية، فإن هناك كثيرين في الجانب الإسرائيلي لم يكونوا مقتنعين بأن اغتيال المهندس سيوقف الجهاد والمقاومة وينهي الكفاح المسلح. وعلى الصعيد الفلسطيني، فإن جريمة الاغتيال أعطت حركة حماس فرصة لاستعادة نشاطها العسكري. فالصهاينة هم المعتدون، وهم الذين صعدوا، والاغتيال نفذ في غزة. وانطلاقاً من كل ذلك، فإن معسكر المقاومة قد ربح رغم الخسارة الكبيرة بفقدان الشهيد. ولعل تنفيذ تلاميذ المهندس للعمليات الاستشهادية الأربع خلال فترة زمنية قصيرة (عشر أيام) يعد تأكيداً لما سبق.



4- الأمريكيون يؤكدون دور السلطة الفلسطينية



بمجرد أن قطعت الإذاعة الإسرائيلية نشرة أخبارها لتكون أول من يعلن عن اغتيال المهندس ويورد أنباء الجريمة أشارت أصابع الاتهام على الفور إلى تواطؤ سلطة الحكم الذاتي في قطاع غزة ودورها سواء في إطلاق يد عملاء الشاباك ومطاردة المهندس والتضييق عليه وحتى التعاون المباشر مع أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية في تنفيذ الجريمة. وقد ظهرت خيوط هذا التواطؤ فور وقوع الجريمة، وتأكد الدور الرئيسي للعميد موسى عرفات ومقسم الهاتف في مدينة غزة. ومع ذلك، نجد أنه من المهم أن حماس لم تكن لوحدها في كشف تواطؤ سلطة الحكم الذاتي في تنفيذ الكيان الصهيوني لجريمة اغتيال المهندس. فهناك أيضاً، الإدارة الأمريكية التي رعت مؤتمر السلام والمفاوضات بين قيادة ياسر عرفات والعدو الصهيوني. إذ نقلت صحيفة نيوزداي التي تصدر في لونج ايلاند نيويورك عن مسؤول بمكافحة الإرهاب في مكتب التحقيقات الفيدرالية (FBI) قوله: «إن إسرائيل لم تتمكن من تحديد مكان عياش الذي يُعرف بلقب المهندس لمهارته في صنع القنابل رغم عامين من البحث. ولكن منظمة التحرير الفلسطينية هي التي رصدت في نهاية الأمر منزل زميل سابق لعياش في قطاع غزة حيث كان يختبىء أكثر الأشخاص الذين تطالب إسرائيل بالقبض عليهم»(25). وتضيف الصحيفة الأمريكية بأن متحدثاً إسرائيلياً امتنع عن التعقيب على التقرير الذي نشرته حيث قال يوري درومي، كبير المتحدثين الرسميين باسم الحكومة الإسرائيلية: «ربما يجب أن تسألوا السلطة الفلسطينية»(26).

  اقتباس المشاركة