رد: قصة حياة البطل الشهيد / يحيى عياش - ( كتاب )
ثانياً: إجراءات الحرب المضادة
مما يلفت انتباه أي متتبع ليوميات المهندس وورشة المقاومة التي عمل فيها، استخدام سلطات الاحتلال لأساليب إرهابية متعددة ومتنوعة استهدفت التأثير على الروح الجهادية للقائد القسامي ومجموعاته الاستشهادية أو التأثير على المواطنين الفلسطينيين بهدف ضمان تراجعه. ولأنهم يعتبرونه (مخرباً خطيراً ومفزعاً) ترك بصماته الظاهرة على الجمهور والجيش والسياسيين على حد سواء، فقد أرسلت وحدات خاصة في أثره ونصبت كمائن له في كل مكان سواء في القدس، أو في مخيمات اللاجئين وقرى الضفة الغربية. ولم يترك الإسرائيليون قرية أو جبلاً أو كهفاً أو بيتاً مهجوراً، إلا وداهمته وحدة مختارة من الجيش برفقة مستعربين ورجال مخابرات مزودين بصور مختلفة ليحيى عياش(46).
وكما هو الحال بالنسبة لكل شخصية أسطورية، تعاملت وسائل الإعلام الإسرائيلية مع يحيى عياش باعتباره ظاهرة أرقت أجهزة الأمن والاستخبارات والمجتمع الإسرائيلي على حد سواء، حتى اعتبر مناحيم ديغلى في مقال نشره بعد استشهاد المهندس أن مهمة القضاء على هذه الظاهرة تعد مهمة قومية. وقال ديغلي في تحليله الذي حمل عنوان (عياش نقطة في سلسلة): «إن الجهود الكبيرة التي بذلت لإلقاء القبض على المهندس والبيانات التي صدرت عن قادة أجهزة الأمن وعلى لسان السياسيين الإسرائيليين والحملة الإعلامية التي رافقت عملية المطاردة والحوادث التي تمكن من الفرار منها في اللحظات الأخيرة، كل هذه الأمور ولدت إحساساً بأن الأمر يتعلق بعملية انتقام على مستوى وطني. ولكنها تنطوي على كرامة مجروحة، ولذلك يجب أن نذكر بأننا نتحدث هنا عن حرب طويلة وقائمة واستنزافية هدفها الرئيسي هو المهندس الذي للأسف مارس تضليلاً محكماً للغاية على جهاز الأمن الإسرائيلي»(47).
وأما تسفى غيلات وموشيه زوندر اللذان كتبا تحليلاً بعد استشهاد المهندس أيضاً، فقد استعرضا تاريخ المهندس والعمليات المتتالية التي أعدها وخطط لها. وتحت عنوان (يوميات مطاردة: رابين أمر بإنهاء القصة)، قال الكاتبان: «لقد تحول المهندس لأكثر من عامين إلى كابوس يسيطر على قادة أجهزة الأمن الإسرائيلي، وتمكن خلالها من نثر عشرات القتلى الإسرائيليين في طريقه. وتمكن من تخطيط وتنفيذ عمليات تعتبر الأكثر إيلاماً وقتلاً، وبالمقابل تحول إلى رمز وطني فلسطيني وإلى نموذج يحتذى من قبل مؤيدي حماس والجهاد الإسلامي. غير أن هذا النموذج تحطم في الأسبوع الماضي في عملية مخطط لها وناجحة، وقد صرح جدعون عيزر نائب رئيس الشاباك سابقاً، والمسؤول عن عملية المطاردة وراء المهندس خلال العامين الماضيين قائلاً: تحول عياش إلى رمز يحظى بتعاطف واسع بين الفلسطينيين، ليس فقط بسبب الخسائر الكبيرة التي سببها للإسرائيليين وإنما أيضاً بسبب قدرته على الفرار باستمرار من بين أيدي أجهزة الأمن الإسرائيلية، وتضخمت صورته كرمز، فهو لم يكن يخطط ويعد العمليات فقط، وإنما كان يضلل المخابرات الإسرائيلية أيضاً. كان بيته في قرية رافات محاطاً بنقاط المراقبة، وكان الجنود وأفراد حرس الحدود يقتحمون البيت ويقلبونه رأساً على عقب يومياً، وقد تم استدعاء أخويه ووالديه مرات ومرات للتحقيق، غير أن عياش ببساطة لم يكن يأتي للبيت. وعندما تم اعتقال المقربين منه، كانت المعلومات التي أعطوها رهيبة، ففي حالة مثل حالة عياش كانت المخابرات الإسرائيلية بحاجة إلى معلومات حول الزمن الحقيقي، وحينما كانوا يتحدثون في المخابرات عن مبدأ القنبلة التي تستعد للانفجار فإنهم كانوا يقصدون يحيى عياش شخصياً»(48).
1- الضغط على العائلة
اللجنة القيادية الخاصة التي شكلها رابين لتنسيق عمليات المطاردة والبحث عن المهندس بين وحدات الجيش المختلفة وجهاز المخابرات العامة (الشاباك) وقوات الشرطة أوصت بتشكيل قوة مشتركة من المظليين وقوات المستعربين وضباط من الشاباك تكون مهمتها الرئيسة والوحيدة نصب الكمائن بشكل شبه يومي حول منزل المهندس في رافات ومداهمة منزل والديه وإجراء حملات بحث وتفتيش وتحقيق مستمرة مع العائلة، والتنكيل بأفرادها كلما استدعى الأمر لحملهم على التعاون. وزودت هذه القوة بصور مختلفة ليحيى عياش بعد أن تم مصادرة كافة الصور التي عثر عليها في منزل الشيخ عبد اللطيف عياش(49). وعمل في خدمة هذه القوة، عشرات المراقبين والمخبرين العرب من عملاء الشاباك الذين تخصصوا في المراقبة الدقيقة لمنزل المهندس ورصد تحركات عائلته، حتى أضحى كثرة هؤلاء مثاراً لسخرية الأهالي بعد أن انتشرت الحمير في الأحراش والأراضي المجاورة للقرية حيث نشرت سلطات الاحتلال هذه الدواب لاستخدامها من قبل المخبرين(50).
ومن الأمثلة البارزة على دور هؤلاء العملاء في المراقبة الشديدة وعلى مدار الساعة، قيام أحد العملاء بتسريب معلومة أن يحيى عياش يخطط لزيارة ذويه في أحد الأيام من شهر أيار (مايو) 1995. وعندئذ قام مئات من الجنود بمحاصرة القرية بأكملها بعد فرض حظر التجول، ثم فتش الجنود برفقة ضابط من الشاباك المنازل، وقاموا بتمشيط الحقول، وعاثوا فساداً في البساتين، ولكن المهندس لم يظهر هذه المرة(51).
مداهمة منزل المهندس ووالديه والتعرض لسكانهما شكل ممارسة شبه يومية لقوات الاحتلال استناداً لما يقوله الشيخ عبد اللطيف عياش (أبو يحيى). ففي التحقيق الصحفي الذي أجراه مراسل صحيفة يروشاليم العبرية، أوضح أبو يحيى معالم من الضغوط التي تعرضت لها العائلة، ومما جاء على لسانه: «لقد هددوا بنسف البيت بالصواريخ إن لم أكشف لهم أين يوجد يحيى، و لقد جاءوا إلى البيت عشرات المرات وهم لا يأتون في موعد محدد يأتون في الصباح وفي ساعات الظهر وفي المساء وعند منتصف الليل. وفي كل مرة يجبرون العائلة كلها على الخروج من البيت لعدة ساعات وأحياناً يرغمونني على الدخول معهم للبيت للبحث عن يحيى فهم يخشون من أن يكون داخله ويباغتهم الإمكانات النار، ولذلك فهم يستخدمونني كدرع تحسباً لذلك». ويضيف أبو يحيى أيضاً: «أنا أعلم أن اليهود يريدون قتله بأي ثمن، فجميع الضباط الذين زاروني في البيت قالوا لي أن يحيى يعتبر في عداد الأموات... إنهم يريدون الانتقام من كل أبناء العائلة، فشقيقا يحيى يقبعان في السجن، كما أن السلطات العسكرية صادرت تصاريح العمل. وأحد أفراد المخابرات الإسرائيلية قال لي، إنهم سيحولونني إلى متسول»(52).
ومن خلال رصد الاعتداءات والمضايقات التي تعرض لها والدا المهندس وشقيقاه بالإضافة إلى ابنه، فإن وسائل الإعلام المحلية والإسرائيلية والعربية قد دونت الأحداث والحوادث التالية:
أ- داهمت القوات الخاصة الإسرائيلية منزل المهندس للمرة الأولى في 25/4/،1993 وبعد تفتيش المنزل سلمت ذويه إشعار باسم يحيى عياش لمراجعة الإدارة المدنية. وعاودت قوات الاحتلال اقتحام المنزل مرة ثانية في 1/5/،1993 ثم في 8/5/1993 حيث قام الجنود بتكسير أثاث ومحتويات المنزل. كما داهمت قوات ضخمة قدرت بمئات الجنود تقلهم حوالي (60) سيارة عسكرية قرية رافات مساء يوم 21/6/،1993 وحاصرت منزلي المهندس ووالده بالإضافة إلى منزل ابن عمه، الدكتور فتح الله عياش، وأجبرت قوات الاحتلال الجميع على الخروج، ثم اقتحم الجنود المنازل الثلاث وقاموا بإتلاف محتوياتها وتكسير النوافذ وتخليع البلاط وتفجير غرفة من صفيح تحتوي على مولد للكهرباء يستخدمه الدكتور في عيادته عند انقطاع الكهرباء. وبعد انسحاب القوة المقتحمة، سلم ضابط الشاباك إشعارات لاثني عشر مواطناً من عائلة عياش لمقابلة الأجهزة الأمنية الإسرائيلية في قلقيلية(53).
ب- عادت قوات عسكرية إسرائيلية مرة أخرى وحاصرت القرية ثم اقتحمتها يوم الثلاثاء الموافق 6/7/1993. وعبث الجنود بمحتويات منزل أبو يحيى، وقام بعضهم بتكسير الأثاث انتقاماً من المهندس. وتعرض شقيقا المهندس، مرعي ويونس للضرب المبرح على يد جنود الاحتلال، فيما سلم ضابط الإدارة المدنية أبو يحيى بطاقة هوية خضراء لمدة ست أشهر(54).
جـ- اعتقلت سلطات الاحتلال شقيق المهندس، مرعي، وهو متزوج ولديه أطفال يوم 30/10/،1993 وأصدرت المحكمة العسكرية الإسرائيلية في نابلس عليه حكماً بالسجن لمدة (19) شهراً بتهمة التقائه مع أخيه في أحد المصانع بمدينة رام الله وتقديم خدمات ومساعدة له(55).
د- اعتقلت الشاباك الشقيق الثاني للمهندس، يونس، وهو طالب في السنة الأولى بجامعة بيرزيت يوم 11/12/1993 بتهمة لقاء أخيه في الجامعة. وقد حكمت المحكمة العسكرية الإسرائيلية على يونس بالسجن لمدة (24) شهراً(56).
هـ- اقتحمت الوحدات الخاصة الإسرائيلية منزل المهندس يوم السبت الموافق 5/11/،1994 واعتدى الجنود على والده البالغ من العمر (60 عاماً) بالضرب المبرح وشتم آخرون والدته المسنة بألفاظ نابية، وأيقظوا طفله (براء) بركلاتهم، وصوبوا بنادقهم تجاه رأس ابن العامين مهددين بقتله. وحاول أحد المجرمين إلقاء الطفل من نافذة المنزل، بينما هدد ضابط القوة زوجة يحيى قائلاً: «قريباً سنفجر رأسه مثلما يقتل زوجك رجالنا»(57).
و- وللمرة الثانية خلال أسبوعين، بات مجموعة من الجنود الإسرائيليين باللباس المدني ليلة 11/11/1994 داخل منزل عائلة المهندس في محاولة لمباغتة يحيى وإلقاء القبض عليه إذا ما حاول زيارة ذويه. وشكا آل عياش من أسلوب الجنود وضغوطهم على العائلة من أجل إقناع المهندس لتسليم نفسه. وكان جنود من الوحدات الخاصة تنكروا بصفة رجال صحافة قد مكثوا في المنزل قبل أسبوعين من هذا التاريخ للهدف نفسه(58).
ز- داهمت قوة عسكرية مساء يوم الخميس الموافق 15/12/1994 منزل المهندس، ومكث الجنود في المنزل لفترة طويلة، وقد عبث أحد الجنود في المزرعة التابعة للمنزل(59).
ح- داهمت قوات الجيش الإسرائيلي قرية رافات مرتين خلال يوم واحد، إذ أجرى الجنود وأفراد الشاباك حملة تفتيش في المرتين طالت غالبية المنازل يوم الثلاثاء الموافق 14/2/1995. واستغل الشاباك هذه الحملة لتحطيم بعض محتويات منزل والد المهندس(60).
ط- اقتحم الجيش الإسرائيلي، وللمرة الثالثة خلال أسبوع، قرية رافات يوم الأحد الموافق 16/4/1995. وداهم الجنود برفقة ضابط الشاباك منزل المهندس وأجروا فيه عملية تفتيش دقيقة حطموا خلالها الأثاث ونوافذ الغرف، واعتدوا بالضرب على الشيخ عبد اللطيف عياش، وحققوا معه حول مكان تواجد زوجة يحيى ووالدته اللتان غادرتا القرية منذ عدة أيام(61).
ى- فرحة العائلة بالإفراج عن مرعي عياش بعد أن أنهى مدة محكوميته يوم 17/5/،1995 وقرب الإفراج عن الشقيق الثاني لم تدم طويلاً، إذ داهمت قوات كثيفة من الجيش والشاباك عند آذان الفجر في نحو الساعة الرابعة من صباح يوم الأربعاء الموافق 20/9/1995 منزل العائلة واعتقلت بشكل استفزازي والدة المهندس بعد أن وضعت عصابة خاصة على عيناها وقيدت يداها بالقيود الحديدية، تماماً مثل أي معتقل دون مراعاة لكبر سنها ووضعها الصحي الصعب كونها تعاني من عدة أمراض مزمنة كالسكري والضغط وأزمة بالقلب وتتنفس برئة واحدة (اثر عملية جراحية أجريت لها قبل عدة سنوات)(62).
وأمضت أم يحيى 43 يوماً في تحقيق قاس ومتواصل حيث أودعت في زنزانة انفرادية مغلقة وسيئة التهوية في سجن المسكوبية، وأثر سوء حالتها الصحية نقلت يوم 4/10/1995 إلى مستشفى شعارى تصيدق بالقدس لتلقى العلاج، ولكنها تعرضت لمعاملة سيئة من قبل الأطباء والممرضات بعد معرفتهم هويتها حيث وجهوا لها شتائم بذيئة واستفزوها بالكلام(63).
وأعادت سلطات الاحتلال أم يحيى إلى الزنزانة بعد تحسن حالتها الصحية، ثم نقلت يوم 9/10/1995 إلى قسم الغرف في المعتقل بعد أن أكد محاميها بأن استمرار احتجازها في الزنازين يشكل خطراً على حياتها(64).
تقول المجاهدة أم يحيى: «كان التحقيق معي قاسياً مثل التحقيق مع أي شاب فلسطيني... وقد وضعت في زنزانة مغلقة وكان المحققون يوجهون لي الشتائم والإهانات بشكل مستمر ويبصقون عليَّ.وكنت أشعر بضيق في التنفس وقد ازدادت حالتي سوءاً واشتدت علي الأمراض. ولكني تحملت كل ذلك. وكان السؤال الوحيد الذي يوجهه المحققون لي: أين يحيى... دلينا على مكانه... أنت ذهبت عنده وتعرفين مكانه، ولم يصدقوا أنني لا أعرف أين ذهبت ولا أين مكانه»(65).
واشتملت لائحة الاتهام التي قدمت للمحكمة العسكرية في رام الله على عدة تهم وُجهت لأم المهندس، تضمنت: «أولاً استخدام وثائق مزورة للخروج من منطقة عسكرية مغلقة، وقد ساعدها في ذلك أحد أعضاء حركة حماس ويدعى حاتم إسماعيل. وثانياً، توجهت بطلب من ابنها يحيى إلى السجن المركزي في نابلس حيث التقت بأحد أعضاء حركة حماس هناك ويدعى أنور عياش، وطلبت منه الكشف عن مكان وجود مسدس أبلغها ابنها المهندس أنه موجود لديه»(66).
وأضافت الإذاعة الإسرائيلية إلى ما سبق، أن أم المهندس اعترفت أنها التقت بابنها وزوجته وابنه في غزة قبل خمسة أشهر ونصف(67).
وأخيراً تم الإفراج عن أم يحيى بكفالة مالية قدرها عشرة آلاف شيكل (3،3 آلاف دولار) إضافة إلى عشرين ألف شيكل كتعهد وقع عليه الشيخ عبد اللطيف. وقد اشترط القاضي للموافقة على الكفالة بأن تلتزم أم يحيى بالإقامة الجبرية الشديدة داخل بيتها، وحظر عليها الخروج من المنزل تحت أي ظرف من الظروف. وهكذا، انتقلت عائشة عياش إلى منزلها يوم 30/10/،1995 ورغم ذلك استمرت معاناتها الصحية التي تضاعفت بسبب العزلة عن العالم تماماً، فهي لا تعرف ما يحدث في القرية أو الشارع وحتى عند عتبة بيتها. وازدادت المعاناة باعتقال طبيبها الخاص، الدكتور فتح الله عياش، لمدة ثلاث أشهر إدارياً في معتقل مجدو. كما منعت سلطات الاحتلال الوالدة من مغادرة المنزل بعد أن شعرت بألم شديد في أحد أضراسها، وفشلت كل المحاولات للحصول على إذن للذهاب إلى طبيب الأسنان. فاضطر الشيخ عبد اللطيف إلى إحضار طبيب الأسنان يوم 11/12/1995 إلى المنزل للقيام بعملية خلع الضرس(68).
ك- فيما كان الشيخ عبد اللطيف وابنه مرعي منشغلان بمتابعة اعتقال أم يحيى ويحاولان عبر المحامي التخفيف من معاناتها، فوجئت العائلة بمداهمة قوات كبيرة من الجيش الإسرائيلي يوم السبت الموافق 23/9/1995 المنزل حيث قام الجنود باعتقال مرعي والاعتداء بالضرب المبرح على والده. ولم يكتف هؤلاء بهذه الهمجية، بل قاموا بجر الشيخ الكبير على الأرض إلى الموقع الذي تتواجد فيه سيارات الجيب العسكرية ثم تركوه ملقى على الأرض بعد أن هدده الضابط بالعودة واعتقال كل أقارب المهندس، وقال متحدياً: «سنجعلك تذوق الموت البطيء». وقد أدت هذه الاعتداءات إلى كسر في كتف أبو يحيى وفقدانه السمع في إحدى أذنيه إلى جانب عدم قدرته على الوقوف من شدة الألم والضرب الذي تعرض له حيث نقل لعيادة الدكتور فتح الله التي تعرضت أيضاً للمداهمة من قبل ضابط الشباك بحجة معرفة الأدوية التي تتلقاها أم يحيى التي كانت معتقلة في ذلك الوقت(69).
أما شقيق المهندس، مرعي فقد مدد اعتقاله بغياب المحامي، وأصدرت محكمة إسرائيلية أمراً حظر عليه الالتقاء بأي محام بدعوى متطلبات التحقيق معه. وتعرض مرعي إلى أسلوب تحقيق عنيف من قبل ضباط الشاباك في قسم تابع للمخابرات في بتيح تكفا حيث أبقي مقيداً وفي أوضاع جسدية مؤلمة، وفي حالة شبح مع وضع كيس يغطي رأسه، كما أنهم لم يسمحوا له بالنوم لفترات طويلة. وشكا مرعي بأنه تعرض للإهانة وضغوط نفسية شديدة عن طريق استخدام اعتقال والدته كوسيلة لإرغامه على الاعتراف بتهم وإفشاء معلومات لا علم له بها حول مكان اختباء المهندس(70).
ل- الحقد الأعمى على عائلة المهندس استمر حتى بعد استشهاد القائد القسامي حيث داهمت قوة إسرائيلية في نحو الساعة العاشرة مساء يوم الجمعة الموافق 1/3/1996 منزل الشهيد يحيى عياش وفتشته بحجة البحث عن مواد ممنوعة ثم قامت بتحطيمه بشكل كامل. وغادرت القوة المنزل في نحو الساعة الثالثة من صباح اليوم التالي. وعاودت سلطات الاحتلال حصار قرية رافات ثم اقتحامها واعتقال الشيخ عبد اللطيف وولديه يونس ومرعي يوم الأربعاء الموافق 6/3/1996 أثر العمليات الاستشهادية الأربعة التي نفذتها حركة حماس ثأراً للشهيد يحيى عياش. وقد أمضى الشيخ عبد اللطيف (35 يوماً) في معتقل مجدو بينما اعتقل يونس ومرعي لمدة ستة أشهر في سجن مجدو أيضاً. وكان اعتقالهما إدارياً، إذ لم توجه لهما أي تهمة سوى أنهما شقيقا المهندس(71).
ولم تكن هذه الوقائع آخر المعاناة لعائلة المهندس، فقد نسفت السلطات العسكرية منزل الشهيد عياش بالديناميت يوم الخميس الموافق 14/3/1996 في إطار حملة لمعاقبة أسر وعائلات المجاهدين الاستشهاديين. وتطايرت الحجارة في الهواء بعد أن ضغط خبراء المتفجرات على زر التفجير، ليتحول المنزل الذي كانت تعيش فيه زوجة الشهيد وطفلاه إلى كومة من التراب(72). وعلى الرغم أن قرية رافات تقع في المنطقة (ب) وفق تصنيفات اتفاقية طابا، إلا أن العدو الصهيوني رفض السماح بإعادة بناء منزل الشهيد لأسباب أمنية حسب قول المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي. وأوضح المتحدث العسكري الإسرائيلي بأن «عملية هدم منزل عائلة يحيى عياش تمت لأسباب أمنية بموجب أمر رسمي صدر عن قائد المنطقة الوسطى في الجيش الإسرائيلي وبتصديق من وزير الدفاع. ولذلك لن تسمح الحكومة بإعادة بناء بيوت الإرهابيين التي دمرت بمقتضى أوامر هدم ومصادرة»(73).
2- الانتقام من رافات
كان والد يحيى وزوجته وشقيقاه يدركون أنهم تحت المراقبة الشديدة من قبل القوات الإسرائيلية المزودة بأحدث معدات المراقبة والتجسس، ولذلك فإنهم قيد الاعتقال في المنزل ، وعندما كانوا يخرجون إلى بوابة المنزل الأمامية، فإنهم يخرجون فقط لإطعام الدجاج والعناية بأشجار الزيتون التي تعد المصدر الوحيد لدخل العائلة بعد منع سلطات الاحتلال الوالد والشقيقان من العمل في المناطق المحتلة منذ عام 1948. وقياساً على هذه الأوضاع، وبناء على حديث أهل القرية الذين لم يجرؤوا على مغادرة منازلهم بعد مغيب الشمس، فإن كل منزل في رافات كانا خاضعاً للمراقبة أيضاً، وتحدث السكان كذلك عن مواجهتهم كمائن ليلية نصبها رجال المخابرات الذين بذلوا مجهودات مكثفة لمنع وجود علاقة بين عائلة يحيى وبقية السكان. وعلى الرغم من ذلك، لم يبتعد أهل رافات عن عائلة المهندس، وإنما استمروا في الذهاب لمنزل الشيخ عبد اللطيف في زيارات خاطفة وفي مجموعات لأن السير في مجموعة يعد أكثر أمناً(74).
سلطات الاحتلال وخلال الأعوام الثلاث من المطاردة التي لم تخل من تبادل المواقع بين المهندس والكيان الصهيوني، عاقبت جميع سكان قرية رافات من خلال الحصار والمداهمات المستمرة وتفتيش المنازل والتحقيق مع أصحابها. وامتد هذا العقاب ليشمل جميع الحواجز العسكرية المقامة في أنحاء مختلفة من الضفة الغربية والدوريات الراجلة في شوارع المدن الفلسطينية، فقد كثف الجنود من عمليات التفتيش والاستجواب عندما كانوا يكتشفون حقيقة الشخص المار على الحواجز بأنه من قرية رافات أو عائلة عياش. وكثيراً ما تشدد الجنود في فحص بطاقات الهوية والأمتعة الشخصية، ووصلت الأمور في بعض الأحيان إلى احتجاز الشخص بضع ساعات، وكل ذلك لأنه من رافات(75).
وفي إطار حملتها المحمومة ضد قرية رافات، اعتقلت قوات الاحتلال جميع طلبة المدرسة الثانوية في القرية وعددهم (27) مع بداية العام الدراسي الجديد، فيما تعرض الدكتور فتح الله عياش، إلى مضايقات كثيرة حيث اعتقل إدارياً لمدة ثلاثة أشهر لأنه ابن عم المهندس. وليس هذا فحسب، بل تعرض لعملية تنكيل أثناء نقله إلى معتقل مجدو حيث تم إجباره على النوم في إحدى السيارات العسكرية في الليلة الأولى لوصوله المعتقل وضرب على رأسه(76).
وحدث نفس الأمر مع حوالي (50) شاباً من القرية بتهمة إجراء اتصال مباشر أو غير مباشر مع المهندس(77).
وتعرض للاعتقال أيضاً كل من كان له علاقة بيحيى قبل مطاردته، بحجة أن بعضهم سمح للمهندس بالمبيت في منازلهم وآخرين قدموا له الطعام. إذ أن، أحد شبان القرية اعترف وكأنه يفشي سراً خطيراً أنه طرح مرة السلام على يحيى وهو بعيد عنه فسجن بسبب هذه الجريمة عاماً كاملاً، وآخر حكم بالسجن ستة عشر شهراً لأنه أخذ ليحيى الطعام مع شاب آخر. وهناك ثالث، نام يحيى في بيته ليلتين متتاليتين، فكان جزاؤه السجن أربع سنوات ونصف فقط. وحتى مسجد القرية لم يسلم من الاقتحام حيث حاصرت قوة من الجيش الإسرائيلي المسجد بعد ظهر يوم الجمعة الموافق 2/12/،1994 وفاجئت المصلين أثناء خروجهم باعتقال شابين بتهمة تقديمهما المساعدة للمهندس(78).
ولم يحل استشهاد المهندس من استمرار فرض العقاب على قرية رافات، فقد حاصرت قوات الاحتلال القرية في أعقاب العمليات الاستشهادية الأربعة في شباط (فبراير) وآذار (مارس) 1996 وفرضت على سكانها حظراً للتجول لأكثر من شهرين متواصلين عانت خلالهما القرية من نقص شديد في المواد الغذائية، كما تكبد الأهالي خسائر باهظة لعدم تمكنهم من الوصول إلي مزارعهم(79).
وبدعوى صلة القرابة التي تربطهما بالمهندس، تدخلت قوات الاحتلال لمنع شقيقين من عائلة عياش من إقامة حفلة زفافهما، وهددت السلطات العسكرية التي قالت بأن لها ثأراً مع القرية، بقطع المياه عن رافات وحظر إعطاء سكانها تصاريح للعمل كخطوات انتقامية إذا ما استمر حفل الزفاف(80).
3- حملات اعتقال وتفتيش مكثفة
بزعم «شن حرب محكمة ضد الإرهاب تشمل الإرهابيين أنفسهم ومن يساندهم على حد سواء» وفق تصريحات نائب رئيس الحكومة ووزير الخارجية الإسرائيلية، شمعون بيريز في معرض دفاعه عن إجراءات الحكومة في الكنيست، شارك الآلاف من الجنود وعناصر قوات الأمن والاستخبارات في أوسع حملة مطاردة للمهندس(81). فمن إقامة الحواجز العسكرية وعمليات التفتيش في الأحياء والشوارع العامة في مدينة نابلس وقرى دير بلوط وكفر الديك وبروقين وطمون وقراوة بني حسان وعقربا وروجيت وكفر قليل وسالم وغيرها، إلى شن حملة اعتقال عشوائية ومفاجئة لعابري السبيل من مطلقي اللحى في الشوارع أو عبر الحواجز المقامة بين المدن الفلسطينية بصورة ثابتة أو بشكل مؤقت ومباغت. واتسعت الحملات الإسرائيلية لإلقاء القبض على المهندس لتمتد إلي المناطق المحتلة منذ عام ،1948 حيث ذكرت الصحف الإسرائيلية يوم 24/10/1994 بأن قوات الجيش والشرطة ووحدات الشاباك أقامت حواجز تفتيش على طريق وادي عارة في منطقة المثلث. وأشارت الصحف كذلك، بأن أفراداً من الشرطة يرتدون سترات واقية من الرصاص انتشروا يوم الأحد الموافق 23/10/1994 على عدد كبير من حواجز التفتيش التي أقيمت لهذا الغرض. وقال أحد أفراد الشرطة الذين شاركوا في حراسة الحواجز: «إن عياش شاب خطير وقد يطلق النار علينا في كل لحظة، ولذلك لا بد من الحذر»(82).
وقد اعترفت مصادر جهاز الشاباك بأن (1500) من نشطاء حركة حماس في الضفة الغربية قد اعتقلوا في الفترة ما بين شهري تشرين أول (أكتوبر) من عام 1994 وكانون الثاني (يناير) من عام 1995(83).
ولكن الجنرال ايلان بيران - قائد المنطقة الوسطى- رفع عدد المعتقلين ليصل إلى (2600) من بينهم ما يزيد عن ألف تم اعتقالهم بعد عملية بيت ليد(84).
وفي سياق التبريرات السياسية والعسكرية لهذه الاعتقالات الواسعة، كتب رون بن يشاي، الذي يعمل معلقاً عسكرياً في صحيفة يديعوت أحرونوت:
«توفر الاعتقالات الجماعية التي تقوم بها إسرائيل في أوساط مؤيدي حركة حماس أفضليات لأذرع الأمن التي تقوم بمحاربة أعمال العنف وحتى إذا كان المعتقلون من أعضاء الجهاز التنظيمي للحركة ولا يوجد بينهم حتى شخصاً واحداً ينتمي للخلايا التي تقوم بعمليات، فإن عمليات الاعتقال هذه يمكن أن تؤدي إلى التشويش على العمليات إذ تؤدي إلى المس بمعنويات الأعضاء الميدانيين وتوفر معلومات استخبارية كبيرة من أجل مواجهة الحركة. ولكن أما الاعتبار الأكثر أهمية والذي رجح كفة الميزان لصالح موجة الاعتقالات الكبيرة فقد تمثل بالاعتبارات العملية، إذ أثبتت موجة العنف الأخيرة مرة أخرى مدى صعوبة تغلغل المخابرات الإسرائيلية العامة «الشاباك» في صفوف الخلايا التي تقوم بعمليات. ولهذا السبب بالذات لا تؤدي عمليات ضد نقاط محددة إلى الأهداف المرجوة منها». وأضاف بن يشاي: «إعداد سيارة ملغومة يحتاج إلى نشاطات تنظيمية معقدة جداً، يشارك فيها أشخاص يقدمون مساعدات كثيرة وعمليات الاعتقال يمكن أن تؤدي إلى التشويش على إجراءات شراء مواد كيماوية وإنتاج مواد متفجرة وتشوش على عمليات شراء السلاح وربما تؤدي إلى الحيلولة دون سرقة سيارات وإعدادها من أجل تفجيرها. ويؤدي اعتقال المحرضين والذين يقدمون المواعظ في المساجد إلى وضع عقبات أمام استغلال الأماكن الإعلامية لنجاح العمليات وسيؤدي اعتقال المحاسبين إلى التشويش على توزيع الأموال على أعضاء هذه المنظمة وعلى عائلات الأعضاء وتمويل المؤسسات التي تؤهل الكوادر»(85).
ولم تكتف سلطات الاحتلال بالاعتقالات الجماعية والعشوائية لإرباك مخططات وخطط المهندس، إذ امتدت الإجراءات الإرهابية إلى مداهمة الجبال والكهوف والقرى إلى جانب توزيع المئات من المنشورات الورقية على المواطنين في مدينة نابلس، تضمنت الصور الشخصية للمجاهدين المطاردين وبعضها احتوى على اسم كل مطلوب وصورته الشخصية بالإضافة إلى توجيه إنذار بمعاقبة كل من يقوم بتقديم مساعدة لهؤلاء المجاهدين(86). وبحجة البحث عن يحيى عياش، تعرضت قراوة بني حسان إلى حظر تجول شبه دائم، واقتحمت قوات الاحتلال منزل الشيخ عزيز مرعي، والد القائد عدنان مرعي (أبو مجاهد)، عدة مرات، ووصل الأمر إلى مداهمة المنزل بمعدل مرتين أسبوعياً وفي ساعة متأخرة من الليل، ويقول الشيخ: «لقد بلغ الأمر حداً لا يطاق، لقد خلعوا البلاط وحطموا الأثاث والخزائن ومزقوا الكنبات بالسكاكين، وفي كل مرة ينبشون كل شيء في المنزل ويخلطون الأشياء بعضها ببعض»(87).
وفتشت قوات الاحتلال بحثاً عن المهندس عشرات المنازل بعد إخراج أصحابها منها في بلدة ياسوف يوم الاثنين الموافق 26/12/،1994 واعتدى الجنود بالضرب المبرح على العديد من الشبان(88).
وواصلت القوات الإسرائيلية استخدام نفس الأسلوب في حي المخفية بمدينة نابلس وقرية مردة الواقعة إلى الشمال من المدينة يوم 26/2/،1994 حيث رابط الجنود على مداخل القرية ولم يسمحوا للمواطنين بالدخول أو الخروج منها. وقد استمرت أعمال التفتيش طوال الليل، إذ قام الجنود بإطلاق القنابل المضيئة في سماء القرية. كما تعرضت قريتي سالم وعزموط إلى نفس الإجراءات الإرهابية وفي نفس اليوم. وتعرضت عشرات المنازل للمداهمة في قرية كفر الديك يوم الثلاثاء الموافق 28/3/1995 وحطم أثاث بعض المنازل(89).
أما المعتقلين من هذه القرى، فقد تشددت المحاكم العسكرية في الأحكام التي أصدرتها بحقهم بدعوى تقديم مأوى أو مساعدة للمهندس ومجموعاته. فالطالب الجامعي فتحي عبد الفتاح الحايك، وهو من زيتا - جماعين، صدر عليه حكم بالسجن سبع سنوات نصفها فعلي والباقي مع وقف التنفيذ بتهمة تقديم مأوى وخدمات للمهندس(90). كما حكم على الشابين عصام ومعتصم صبري موقدة (35 و25 عاماً على التوالي) بالسجن الفعلي لمدة عام بتهمة تقديم خدمات للمهندس، وعاودت سلطات الاحتلال اعتقالهما يوم 5/11/،1994 وفتشت منزليهما مستخدمة كلاب الأثر. وأدانت المحكمة العسكرية يوم 11/6/1995 شابين من قرية زيتا - جماعين هما ناصر الحايك وناهد إسماعيل بتهمة تقديم مساعدة للمهندس، وقضت المحكمة بسجن الأول تسعة أشهر ودفع غرامة مالية قدرها ألف شيكل، بينما نال الثاني حكماً بالسجن لمدة اثني عشر شهراً ودفع غرامة مالية قدرها ألف شيكل أيضاً(91).
4- تعذيب عنيف لمعتقلي حماس
لم يخف المسؤولون الإسرائيليون أن أهم وسيلة يحاربون بها المهندس ومجموعاته الاستشهادية هي الحرب الاستخبارية. ولذلك وجه الشاباك الذي عجز عن الحد من نشاط المهندس جل غضبه إلى معتقلي حركة المقاومة الإسلامية (حماس)،وأخضعهم لعمليات تعذيب شديدة وضغوط جسدية منتظمة من أجل انتزاع الاعترافات منهم. وبرر اسحق رابين، الذي كان مسؤولاً عن أعمال الشاباك بحكم منصبه، هذه الأساليب التي تتعارض تماماً مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وميثاق جنيف لمعاملة الأسرى والمعتقلين اللذين صادقت الحكومة الإسرائيلية عليهما بقوله: «إن العمليات الانتحارية ليست من فعل شخص واحد، بل من فعل شبكة كاملة تدرب الانتحاري وتعد له العبوة المتفجرة وتنقله إلى مكان الهجوم.. لا يمكن منع الانتحاري من الوصول إلى هدفه لأنه مستعد للموت، ولكن يمكن بل ويجب كشف كل العناصر التي تحيط به. وهذه الخطوة تحتاج إلى إجراء تحقيق ناجح ومفيد من قبل المخابرات الإسرائيلية. ومن يعتقد أنه يجب أن نتوقف عن استخدام هذه الأساليب يكون مخطئاً وسيتحمل مسؤولية تقليص قدرة جهاز المخابرات على مواجهة الهجمات الانتحارية ضد أهداف إسرائيلية»(92).
وبناء على طلب الجنرال كارمي غيون -رئيس الشاباك- منحت اللجنة المصغرة في الحكومة الإسرائيلية المعنية بمتابعة شؤون جهاز الشاباك محققي المخابرات تصاريح خاصة لاستخدام أساليب تحقيق عنيفة جداً وعمليات تعذيب منظم أثناء التحقيق مع معتقلي كتائب الشهيد عز الدين القسام. كما منحت اللجنة أولئك المحققين حرية أوسع للعمل دون قيود أثناء إجراء التحقيقات مع المعتقلين الذين يشتبه بانتمائهم لكتائب القسام(93).
زاهر جبارين الذي اعتقل في فترة مبكرة من بدء نشاط المهندس العسكري، تعرض لتحقيق قاس وعومل معاملة سيئة أدت إلى تردي حالته الصحية وانخفاض وزنه من 75 كيلو غرام إلى 45 كيلو غرام. وعلى الرغم من صدور الحكم عليه بالسجن المؤبد بالإضافة إلى أربعين عاماً أخرى، إلا أن سلطات الاحتلال أعادته إلى سجن نابلس المركزي في 15/10/1995 للتحقيق معه من جديد حيث أخضع للتعذيب الشديد على خلفية اتهامه بالاتصال من سجنه مع تلاميذ المهندس، عبد الناصر عيسى وعثمان سعيد بلال. وقد تبين بأن سلطات الاحتلال استهدفت أيضاً الحصول منه على معلومات إضافية حول المهندس وشخصيته(94).
وأما المهندس عباس السيد وهو أحد نشطاء حركة حماس في مدينة طولكرم، فقد منع من النوم طوال عشرة أيام إلى جانب تعرضه للشبح ويديه مكبلة للخلف على كرسي صغير جداً مربوطة بالأرض، فيما وضع كيس مغلق على رأسه، وتعرض للضرب باتجاه الصدر والرقبة باستمرار إلى أن فقد قواه وأصيب نتيجة ذلك بضيق مزمن في التنفس(95).
وكان المعلم الأكثر تميزاً في التعذيب الذي أوعزت حكومة رابين إلى الشاباك بالعمل على تطبيقه على كل من اشتبه باتصاله أو تقديمه العون للمهندس هو أسلوب الهز الذي يشكل خطراً على حياة الإنسان. وقد أدى هذا الأسلوب بالفعل إلى استشهاد المعتقل عبد الصمد حريزات بعد عشرين ساعة فقط من اعتقاله. وقد أكد البروفيسور ابينوم رافس من قسم الأعصاب في مستشفى هداسا - عين كارم بالقدس بأن «من شأن أسلوب الهز أن يؤدي إلى احتقان الدماغ وضرر دماغي ناجم عن الحركة بين الدماغ والجمجمة من شأنه تدمير خلايا الدماغ، ويزداد الضرر تدريجياً خلال عدة ساعات وخطورته مرتبطة بالمواصلة في الهز ودرجته. وإذا استمر الهز لفترة طويلة فإنه يسبب الموت. وفي حالة الضرر الجزئي فإن الشخص الذي يتعرض لأسلوب الهز سيعاني من آلام الرأس والدوار وحتى صعوبات في التنفس والسمع»(96). ويضيف الدكتور غورم فاغز، الأستاذ المساعد في جامعة كوبنهاجن الدانمركية، الذي زار مدينة القدس ضمن بعثة طبية لمنظمة العفو الدولية (امنستي) محذراً من استمرار استعمال طريقة الهز كأسلوب تعذيب: «طلبت من معتقل سابق أن يهزني مثلما هزوه ولكني أوقفته بعد 3 ثواني وكنت لا أزال أشعر بآثار هذا الهز حتى بعد 12 ساعة»(97).
وحول ما يتركه أسلوب الهز على المعتقلين، كتب المحامي اليهودي اندريه روزنطايل الذي دافع عن المجاهد المعتقل أيمن حجازي بعد زيارته لموكله في معتقل المسكوبية إلى قسم الالتماسات في النيابة العامة الإسرائيلية محذراً من الخطر على حياة أيمن الذي قال لمحاميه بأنه مضطر إلى الاعتراف بكل ما يريده المحققون نظراً لأنه سيواجه الموت أثناء التحقيق. ومما جاء في أقوال أيمن: «إن المحقق بنيامين أمسكني من ملابسي وكتفي وهزني خلال عشر دقائق (5 - 6) مرات، وفي نفس الوقت تعرضت للضرب على ظهري. وطوال خمسة دقائق لم أستطع أن أرى شيئاً، فيما عانيت من ألام شديدة في رأسي استمرت لعدة أيام. وقد حذرني المحققون أن التحقيق حتى الآن لا يساوي شيئاً مقابل ما سأواجهه في الليل»(98).
وأما الطالب في جامعة بيرزيت، أحمد إبراهيم سعيد، والذي اعتقل يوم 29/6/،1994 فقد ظل في جناح التحقيق بسجن عسقلان ما يزيد على 43 يوماً تعرض خلالها لتعذيب وتحقيق قاسيين بتهمة أنه نقل رسالة إلى يحيى عياش. ويقول أحمد في تصريح مشفوع بالقسم لمندوب منظمة العفو الدولية: «عصبوا عيني ووضعوني في سيارة عسكرية أنا ومعتقلاً آخر، وانطلقوا بنا من سكن الطلاب إلى سجن رام الله، وفي الطريق كانوا يضربوننا على أرجلنا ورؤوسنا... فقاموا بنقلنا إلى جهة كانت غير معروفة لدينا وهي سجن أشكلون المركزي... حيث قابلنا أو قابلتُ ضابط المخابرات وأبلغنا بأننا في سجن أشكلون، وأن عليّ قضايا كثيرة يجب أن أعترف بها، فعندما قلت له ليس عندي شيء وأن هذا لا أساس له من الصحة، قام بضربي ضربات متتالية وسريعة على صدري، وأخذ بالصياح والشتم. وبعد ذلك جعلني أجلس وأقف في أوضاع مؤلمة مدة من الزمن، واستمر هذا الحال طوال اليوم ليلاً ونهاراً.
وعندما كنا في جلسة التحقيق استقبلنا بنفس الأساليب: بالضرب عند الصدر والأصابع، والجلوس القرفصاء لمدة تتراوح أو تصل إلى ساعة، والوقوف في الشمس ثلاث أو أربع ساعات. وبين جلسات التحقيق هذه كنا نجلس على كرسي صغير من الخشب في وضع مؤلم، حيث أن رجلي الكرسي الأماميتين أقصر من الخلفيتين، وظهر الكرسي موضوع بشكل مائل بحيث لا يسع الظهر على حافة الكرسي، ونبقى على هذه الحال خمس ليالِ، والأيام التالية كنا نذهب إلى الزنازين. ونخرج إلى التحقيق من صباح الأحد حتى صباح الجمعة، واستمر هذا الحال طيلة شهرين ونصف، وبعد ذلك أصبحوا يعذبوننا يوم الجمعة. واستمر هذا الحال إلى أن حصل حادث الانفجار في ميدان «ديزنغوف» بتل أبيب، إذ وقفت 20 ساعة بدلاً من أربع ساعات في اليوم.وزاد الجلوس (القرفصاء) من ساعة إلى أربع ساعات، وأصبحوا يستخدمون أساليب أشد قسوة من التعذيب الجسدي، من قبيل الضغط على المعدة وعلى العمود الفقري وعلى مفاصل القدم. وكانوا يهددونني بالعقم باستمرار، ويذكرونني بأسماء أشخاص معتقلين سابقين استشهدوا في التحقيق أو خرجوا بعاهة من السجن. وبعد حادث التفجير في ميدان «ديزنغوف».. قضينا 11 يوماً متواصلاً بدون نوم».
ويضيف أحمد أنه أُجبر أثناء حرمانه من النوم، على أن ينبطح على كرسي في وضع مؤلم ويداه مقيدتان، ثم دفعه المحققون فانقلب على الأرض. كما أدخلوه زنزانة فيها أشخاص ذكروا أنهم يتعاطفون معه، وطلبوا منه تسليمهم «الرسالة» التي قيل أنه يحملها بغرض تهريبها إلى خارج السجن، وعندما رفض ذلك ضربوه. وطبقاً لتقرير منظمة العفو الدولية الذي تضمن الشهادة السابقة، فقد قُدِّم أحمد سعيد للمحاكمة يوم 22 نوفمبر/ تشرين الثاني 1994 متهماً بالحيازة غير المشروعة لمسدس ونقله من شخص لآخر، وبنقل الرسائل الخاصة للمهندس، وحُكم عليه بالحبس 30 شهراً، منها 23 شهراً مع إيقاف التنفيذ، ثم أفرج عنه يوم 12 يناير/ كانون الثاني 1995(99).
5- دراسة وتحليل شخصية المهندس
كان الشهيد محور العديد من الدراسات والأبحاث التي حاولت تحليل شخصيته من مختلف الجوانب، واشتملت الدراسات التي أعدها جهاز المخابرات الإسرائيلية على محاولة تحديد طريقة عمل القائد القسامي وكيف يوجه مجموعاته وكيف يختار العناصر.
ولعل أبرز ما نشر من هذه الدراسات، الندوة المفتوحة التي بثها التلفزيون الإسرائيلي (القسم العبري) من الساعة التاسعة وحتى العاشرة من مساء يوم الأربعاء الموافق 25/1/1995. ففي تلك الندوة استضاف التلفزيون أربعة خبراء إسرائيليين، اثنان من الجامعة العبرية، وثالث من الصحفيين المتخصصين في الشؤون العربية، وخبير رابع من الضباط السابقين في جهاز الشاباك. وتناول الخبراء الأربعة شخصية المهندس والجهود المبذولة لإلقاء القبض عليه أو التخلص منه إلى جانب تناول الصورة التي ارتسمت له في أذهان الإسرائيليين، ثم بث التلفزيون شريط مصور عن عائلة عياش والبيئة التي نشأ فيها (100) .
أيهود يعاري، المعلق في التلفزيون الإسرائيلي، كتب بدوره أن لكل مرحلة من مراحل «النضال الفلسطيني» رموزها، وأنه مثلما شكل عماد عقل رمز العمل العسكري في حركة «حماس» إبان الانتفاضة، فإن يحيى عياش يمثل الآن رمز العمل العسكري «الانتحاري» للحركة في مرحلة ما بعد اتفاق أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية. ومن جهته، أعرب رجل المخابرات الأسبق شمعون رومح بأنه لا يرى أن الصورة المرتسمة للمهندس مجرد وهم وخيال صنعته وسائل الإعلام من العدم، فلهذا الرجل سر في النجاح، كما يقول رومح. ويضيف الخبير الأمني «مع أسفي الشديد فلا بد لي أولاً أن أعرب عن تقديري وإعجابي بقدراته وخبرته وإلمامه إزاء كل ما يتصل بإعداد المتفجرات.. بعد ذلك لا بد من إبداء التقدير إزاء حقيقة أن هذا المطلوب لا زال نشيطاً لا يستكين ولا يهدأ.. يعمل بلا توقف.. يجند خلية تلو الأخرى.. يجدد النشاطات ويبعث فيها روح الحياة بعد كل ضربة.. وأخيراً لا بد من إبداء التقدير والإعجاب إزاء قدرة هذا الرجل على الاستمرارية والبقاء.. فإن دل ذلك على شيء فإنما يدل على أنه يفكر ويعمل بصورة صحيحة»(101).
أما أهارون كلاين، فيصف طريقة عمل المهندس في مقال نشره في صحيفة عال همشمار العبرية بقوله: «أنها ورشات صغيرة منتشرة في يهودا والسامرة وغزة، تصدر العمليات العدوانية... إنها عدد من المصانع المفصولة عن بعضها يوفر خط الإنتاج فيها مخرب مصمم على الانتحار وقتل أكثر عدد من اليهود». ويضيف كلاين مشيداً بيحيى عياش: «صنع المهندس متفجرات شديدة الانفجار، من مواد كيماوية. وانتج مادة متفجرة مماثلة للمتفجرات المعيارية»(102).
ووفقاً للوائح الاتهام التي قدمت ضد عدد من المجاهدين الذين اتهموا بمساعدة المهندس وعملوا معه، فبالإمكان استنتاج أساليب عمل يحيى عياش حيث استبدل مساعديه بين فترة وأخرى، إلى جانب اهتمامه بالانتقال من مكان إلى آخر بكثرة(103).
6- مطاردة بكل الوسائل المتاحة
لم يبق أمام اسحق رابين وحكومته من إجراءات لعرقلة نشاط المهندس ومجموعاته سوى الأمر بتشكيل لجنة أمنية أعطيت صلاحيات واسعة لاستخدام كافة الوسائل والإمكانات المتوفرة بغية تقديم خطط ومقترحات معنية أساساً بتحصين المناطق اليهودية. وكانت اللجنة برئاسة وزير الشرطة وعضوية كلا من: رئيس الشاباك، والمفوض العام للشرطة، ونائب رئيس الأركان، ومدير عام وزارة الخارجية، ورئيس شعبة التخطيط في هيئة الأركان، وقائد الجبهة الداخلية، ونائب مأمور الميزانيات في وزارة المالية، ومستشار رئيس الوزراء لشؤون الإرهاب، بالإضافة إلى منسق أعمال الحكومة في الضفة وغزة، وعدد آخر من كبار الموظفين والمستشارين. وأوضح وزير الشرطة الذي أعلن عن تشكيل اللجنة أمام الكنيست أنه تم أيضاً تعيين طاقم اقتصادي برئاسة وزير المالية يتولى بحث الأبعاد الاقتصادية للمقترحات، مؤكداً أنه «لا يعقل أن تخشى الأمهات الإسرائيليات على حياة أبنائهن في وسط البلاد»(104).
وبعد نحو شهر من تشكيل اللجنة الأمنية، أقر اسحق رابين مبادىء خطة الفصل التي أعدتها اللجنة والتي تتكلف نحو نصف مليار دولار، وتتضمن إقامة حاجز أمني وسياج وما بين (8-10) نقاط عبور على امتداد خط الفصل مع نشر قوات وإقامة أبراج مراقبة وشبكة إنذار مبكر، واستمرار حصار القدس ومنع أبناء الضفة والقطاع من دخولها، وتنص المبادىء الأمنية في خطة الفصل كذلك على وصف (مجال الفصل) إلى الشرق من الخط الفاصل، وهو مجال يرابط فيه جنود من الجيش وقوات حرس الحدود الذين ينتشرون على امتداده(105).
وبناء على خطة موشيه شاحل، يتم وضع مجسات وعيون إلكترونية تبث أشعة لايزر وترسل هذه الأشعة إشارات إلى مركز مراقبة إذا قام أناس باجتياز المنطقة. وفي الأماكن الاستراتيجية، يكون هناك مواقع مراقبة وأبراج حراسة تزود بأجهزة ومعدات للمراقبة في ساعات الليل والنهار شبيهة بتلك التي يتم استخدامها على الحدود مع سورية ولبنان. وبالإضافة لتلك الأجهزة يتم الاستعانة بدوريات أرضية متنقلة مثل سيارات الجيب والتراكتورات والمدرعات الخفيفة(106). وفي الأماكن الوعرة، يستخدم إضافة إلى الدوريات الراجلة سيارات خاصة،بينما تقترح الخطة إيجاد موجات حجرية بارتفاع عدة أمتار وحفر عميقة في المناطق الصعبة كالوديان العميقة، إلى جانب دوريات جوية لحراسة الخط الفاصل وإجراء مسح كل متر على طول الخط المقترح(107).
وأدخلت الأجهزة الأمنية الإسرائيلية كلاباً هجومية أمريكية تعتبر الأفضل تدريباً في العالم على اكتشاف المواد المتفجرة إلى حيز الخدمة في نطاق الشبكة الدفاعية على امتداد الخط الفاصل وفي مدينة القدس كذلك(108).
7- دور سلطة الحكم الذاتي
تفهمت سلطة الحكم الذاتي المحدود المشكلات الأمنية التي واجهت الكيان الصهيوني أثر العمليات الاستشهادية التي نفذها المهندس ومجموعاته القسامية، وقد صب في هذا السياق تصريح ياسر عرفات لصحيفة يديعوت أحرونوت، والذي أكد فيه «أن التعاون بيننا وبينكم سيحسن من القدرة على منع وقوع هجمات إرهابية، وأنا أطالب رابين منذ وقت طويل تشكيل لجنة مشتركة لمنع عمليات الإرهاب»(109).
وإلى جانب تأكيد رئيس الحكومة الإسرائيلية من جهته للتعاون بين جهاز الشاباك وجهاز الأمن الوقائي التابع للسلطة في كل أنحاء الضفة الغربية وقطاع غزة وليس فقط في مناطق الحكم الذاتي، ومع تمتع أفراد جهاز الأمن الفلسطيني بحرية نسبية في العمل والتنقل من جانب الإدارة الإسرائيلية، فإن المفوض العام للشرطة الإسرائيلية -اساف حيفتس- اعترف أيضاً بوجود تعاون في مجال تبادل المعلومات الاستخبارية والإرشاد المهني(110).
وفي ضوء تعهد ياسر عرفات بمواصلة سلطته التعاون مع العدو الصهيوني من أجل منع تكرار العمليات الاستشهادية، وهو الإعلان الذي جاء في أعقاب العملية الاستشهادية في رامات اشكول بمدينة القدس في شهر آب (أغسطس) عام ،1995 فقد جرت عدة لقاءات بين قادة أجهزة الأمن والاستخبارات من الطرفين للتنسيق في مكافحة كتائب الشهيد عز الدين القسام. وبدأت هذه اللقاءات حين التقى اسحق رابين كل من: اللواء نصر يوسف (قائد الشرطة الفلسطينية)، والعميد أمين الهندي (رئيس المخابرات العامة)، والعقيد محمد دحلان (رئيس جهاز الأمن الوقائي في قطاع غزة). بينما التقى ياسر عرفات قائدي المنطقة الجنوبية والقوات الإسرائيلية في قطاع غزة(111).
وعقد لقاء آخر في 16/9/1995 بفندق هليتون في منتجع طابا المصري، مثل الجانب الإسرائيلي فيه شمعون بيريز (وزير الخارجية)، والجنرال ايلان بيران (قائد المنطقة الوسطى)، والجنرال عوزي ديان (رئيس شعبة التخطيط)، والجنرال كارمي غيون (رئيس جهاز الشاباك). ومن الجانب الفلسطيني، حضر ياسر عرفات وأحمد قريع وصائب عريقات والعقيدان جبريل الرجوب ومحمد دحلان. وبعد المداولات، وقع الجانبان بروتوكولاً أعده الجنرالان بيران وغيون(112). وأما اللقاء الثالث، فقد عقد مساء السبت الموافق 7/10/1995 في حاجز ايرز، تعهد خلاله الجانب الفلسطيني بزيادة وتعزيز الجهود ضد مجاهدي الكتائب المطلوبين لسلطات الاحتلال، والتعاون لمنع وقوع العمليات التي ينفذها يحيى عياش ومحمد الضيف(113).
ومن نتائج هذه اللقاءات، برز بشكل ملفت إصدار أمر من قبل رئيس السلطة الفلسطينية لكافة الأجهزة والقوى الشرطية والاستخبارية بالقبض على المجاهدين يحيى عياش ومحمد الضيف باعتبار أنهما الرأس المدبر لعمليات كتائب الشهيد عز الدين القسام. فبعد الاجتماع الذي عقده ياسر عرفات مع قادة الشرطة يوم الخميس الموافق 24/8/1995 خرج اللواء نصر يوسف ليعلن أمام مراسلي وكالات الأنباء العالمية: «تلقينا أوامر من ياسر عرفات بملاحقة يحيى عياش ومحمد الضيف وإلقاء القبض عليهما»(114).
ويضيف قائد الشرطة الفلسطينية: «أعطى الرئيس تعليمات في هذا المجال للأجهزة، والآن البحث جاري. ونحن معنيون بشكل أساسي وحازم ألا تكون مناطقنا لا منطلق ولا مكان عمل داخلي ولا منطلق لعمل خارجي متطرف. وكل الإجراءات هي قيد السرية، ومن السابق لأوانه الحديث في هذا الأمر، وإن شاء الله نصل إلى نتائج إيجابية في هذا الموضوع. ولكن، بلا شك بالنسبة ليحيى عياش هو عبارة عن شخص واحد، وعملية البحث عن شخص يشبه البحث عن إبرة في كومة قش. ولذلك نحتاج جهد مكثف ونحتاج شيء من الدقة في التحرك والبحث»(115).
ويؤكد العميد موسى عرفات، رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية، ما صرح به اللواء نصر، ويضيف في مقابلة صحفية: «وردت إلينا أخبار عن وجود يحيى عياش في غزة، ونحن نقوم حالياً بالتحقق منها. وقد سمع العالم كله أن الرئيس عرفات أصدر توجيهات في هذا الخصوص»(116).
وذهب اللواء زكريا بعلوشة، رئيس جهاز الأمن العام الفلسطيني، بدوره إلى أبعد من ذلك حين وصف الشهيد يحيى عياش بالأسطورة المزيفة. ولكن ما يهمنا هو الأوامر التي أصدرها ياسر عرفات حيث نسبت الإذاعة الإسرائيلية للواء بعلوشه قوله: «إن عرفات أمرنا بالعمل على إلقاء القبض على يحيى عياش بسرعة رغم أنه لم تتوفر للآن أية معلومات حول مكان وجوده وإذا ما توفرت هذه المعلومات سنعتقله فوراً.. يجب إلقاء القبض عليه لإيصال هذه الأسطورة إلى نهايتها، ولا يجب أن يعيش مثل هؤلاء الأشخاص بين أوساط الشعب الفلسطيني»(117).
أما من ناحية عملية، فقد أوكل ياسر عرفات إلى حكم بلعاوي (عضو اللجنة المركزية لحركة فتح ومنسق الشؤون الأمنية في سلطة الحكم الذاتي) مهمة ملاحقة المهندس وكلفه بتشكيل غرفة عمليات خاصة بهذه المهمة الدقيقة بعد أن فشلت الأجهزة الأمنية الإسرائيلية والفلسطينية في تصفية القائد القسامي أو إلقاء القبض عليه، أو حتى حصر أماكن تواجده(118). وإلى جانب هذا التوكيل، شكل رئيس السلطة الفلسطينية جهازاً أطلق عليه (دائرة العمل الخاص) بقيادة الرائد مازن الجرتلي (أبو علاء) الذي كان مسؤولاً عن أمن منظمة التحرير الفلسطينية في أوروبا الشرقية، واتبع هذا الجهاز بالمخابرات العامة التي يقودها العقيد طارق أبو رجب، وضمت الدائرة إلى جانب الرائد أبو علاء حوالي ثمانين ضابطاً وعنصراً معروفين بالقسوة والعنف، وتركز عمل الدائرة على اختراق الكتائب القسامية واعتقال مجاهديها حيث كان لها دور بارز في إطلاق النار على المجاهدين المطاردين واعتقال عدد منهم إلى جانب المشاركة في انفجار حي الشيخ رضوان والذي أسفر عن استشهاد القائد كمال كحيل(119).
وعلى أرض قطاع غزة، حاصرت الشرطة الفلسطينية يوم 9/1/1995 أحد المنازل في منطقة (جباليا/ النزلة) بعد الاشتباه بوجود يحيى عياش فيه، ولكن الحصار انتهى دون أن تعرف السلطة ما إذا كان المهندس موجوداً في البيت أم لا. وعاودت قوات كبيرة من الشرطة الانتشار في شوارع وأحياء ومخيمات القطاع للتفتيش والتدقيق في الأشخاص والسيارات يوم 23/8/1995 بحثاً عن المهندس بعد ورود معلومات أمنية إسرائيلية بأنه يتنقل متخفياً ومتنكراً في قطاع غزة ويحمل هوية مزورة وينسق مع محمد الضيف. وفي يوم الثلاثاء الموافق 29/8/،1995 داهمت قوات معززة من جهازي الأمن الوقائي وأمن الرئاسة (القوة 17) حي الأمل بخان يونس. وحاصرت الشرطة منزلاً بجوار مسجد الرحمة، واقتحمته بعد تحطيم أبوابه ثم أطلقت النار بكثافة في الهواء واعتقلت ثلاثين شخصاً بعد أن فشلوا في العثور على المهندس داخل المنزل(120).
وفي سجون السلطة وزنازينها، ذاق المعتقلون ويلات العذاب والتحقيق الشديد والذي فاق ما تعرض له المجاهدون في معتقلات وسجون الاحتلال الإسرائيلي. فعلى سبيل المثال، يقول المعتقل كمال أبو جلاله من سكان مخيم البريج، وكان معروفاً بانتمائه لحركة فتح ونشاطه بتزويد (صقور فتح) بالأسلحة بأنه اعتقل وحقق معه في سجون السلطة بتهمة بيع سيارة المجاهد حاتم إسماعيل -مساعد المهندس وضابط الاتصال مع عبد الناصر عيسى- ويضيف أبو جلاله: «حققوا معي بشكل جنوني حيث أدخلوني لزنزانة يوجد بها شناكل وربطوا يدي من الخلف ورفعوني إلى أعلى عن طريق بكرة وضربوني بوحشية، وشددوا الكلبشات الحديدية حتى نزفت دماً وظهرت جروح كبيرة في جميع أنحاء جسمي»(121).
|