Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showpost.php on line 218

Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showpost.php on line 223
منتديات شباب فلسطين - عرض مشاركة واحدة - قصة حياة البطل الشهيد / يحيى عياش - ( كتاب )
عرض مشاركة واحدة
قديم 07-03-2008, 08:58 AM   #4
السيف عدي
I ♥ PALESTINE

قوة السمعة: 0 السيف عدي will become famous soon enough

افتراضي رد: قصة حياة البطل الشهيد / يحيى عياش - ( كتاب )

أولاً: الآثار



يبالغ الإعلام الإسرائيلي عادة في التركيز على الشخصيات القيادية أو العسكرية الفلسطينية، ليكون أثر سقوطها بالغاً في نفوس الفلسطينيين والإسرائيليين على حد سواء. فبالنسبة للفلسطينيين، تريد أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، أن يشعروا بفداحة الخسارة وبالتالي عدم جدوى استمرار الجهاد والمقاومة العسكرية، بينما يستهدف هذا التركيز إشعار الجمهور الإسرائيلي بكفاءة أجهزة الأمن لديهم. ولكن هذا التفسير الذي ينطبق على حالات كثيرة سابقة لم يكن ليتلائم مع اهتمام وسائل الإعلام الإسرائيلية المختلفة مع الشهيد يحيى عياش. وهذا الأمر يقودنا إلى رؤية أخرى تقول بأن الإعلام الإسرائيلي يخاطب في برامجه العبرية الجمهور اليهودي، وبالتالي فهو يعكس توجهات الشارع. ومن هنا، فإن التركيز الإعلامي الذي حظي به المهندس هو انعكاس للحيز الواسع الذي احتله في أذهان الإسرائيليين بعد العمليات النوعية التي نفذها.



وأياً، كانت الرؤية التي تنطبق على المهندس، فقد تحول عياش إلى إخوانه حقيقية في أذهان أعدائه، وكذلك الأمر بالنسبة للفلسطينيين، حتى قال أحدهم للتلفزيون الإسرائيلي: « لقد عرفنا يحيى عياش رغماً عنا، وأصبح بالنسبة لنا بطلاً من كثرة ما ركزتم عليه»(14). ويقول (شيام بهايتا) في صحيفة الاوبزيرفر البريطانية: «بالنسبة للعديد من أبناء شعبه هو خليفة القرن العشرين للقائد المسلم صلاح الدين الأيوبي، الذي قضى على الصليبيين، واستعاد كرامة الأمة الإسلامية»(15).



لم يكن اسحق رابين محظوظاً، فقد واكب إبداعات المهندس العسكرية وتعرضت حكومته لاهتزازات أمنية وشعبية عنيفة طاردته حتى داخل حزبه. وبعد عدة محاولات، استخدم فيها رئيس الوزراء أساليب متطورة عديدة، بات اسحق رابين مقتنعاً بعجز قيادته الأمنية عن وقف المهندس ووضع حد للتآكل في شعبية حزب العمل لدى الجمهور الإسرائيلي. وإذا كان قرار إقالة الجنرال يعقوب بيرى عن رئاسة جهاز الشاباك هو المؤشر الأول على هذه القناعة، فإن ما لا يجب إغفاله في مقابل ذلك هو أن رابين كان مستعداً لأن يضحي ببعض قيادات الصف الأول في الأجهزة الأمنية من أجل تحقيق هدفه الذي لم يتحقق إلا بعد وفاته بثلاثة أشهر.



ومع انشغال المسؤولين الإسرائيليين، سياسيين وعسكريين في نشاطات مكثفة لاحتواء الآثار السلبية التي تركها المهندس في أوساط الجمهور الإسرائيلي، بدت حالة الارتباك واضحة على تصريحات وتصرفات أولئك المسؤولين. ولذلك، لم يستطع هؤلاء إخفاء حقيقة استنفاذهم كل ما في جعبتهم من إجراءات ضد المهندس والمجموعات الاستشهادية، إذ اعترف اسحق رابين في لقاء خاص مع لجنة رؤساء تحرير الصحف الإسرائيلية في تل أبيب بصعوبة المواجهة حين قال : «إن الإرهاب المتعصب الذي يرجع مصدره إلى الإسلام الأصولي يختلف عن الإرهاب الذي مارسته منظمة التحرير الفلسطينية من حيث لجوئه إلى العمليات الانتحارية. وتكمن المشكلة في صعوبة مواجهة الانتحاريين الفلسطينيين الذين يأتون لتنفيذ هجماتهم كونهم يدركون أنهم ذاهبون إلى الموت وأن روحهم ستصعد إلى السماء وفق اعتقادهم. هذا النوع من الهجمات لم تعرفه إسرائيل من قبل»(16). ويستدرك رابين في حديث آخر، محاولاً الدفاع عن حكومته ورد الاتهامات: «أنها حرب صعبة ضد أجهزة منظمة وضد هجمات يدعمها السكان ورجال الدين الذين لا يقلون عنهم جنوناً. ويجب أن ندرك كيف نصمد في هذه الحرب، وسيقع خلالها الضحايا. وللأسف الشديد لا أستطيع أن أقول أنه لن يقع المزيد من الضحايا»(17).



في مرات كثيرة اصطف القادة العسكريون خلف رئيس الوزراء ووزير الدفاع، بعد أن وضعهم يحيى عياش أمام السؤال الأبرز والمعادلة الصعبة. لكن، وحين يصرح الجنرال أمنون شاحك بأن «العمليات الانتحارية ستستمر، وكذلك الحرب التي نشنها ضد الإرهاب»، موضحاً بأنه «في أي حال من الصعب بل المستحيل إفشال عملية انتحارية»(18)، فإنه بذلك يزيد من حالة القلق والخوف التي سادت صفوف الإسرائيليين. ونفس الأمر ينطبق على مفتش عام الشرطة، الجنرال اساف حيفتس، الذي كان أكثر وضوحاً في اعترافه حين أشار بأن «الفلسطيني الذي يرغب بتنفيذ عملية انتحارية يستطيع المرور عبر المعابر والطرق بسهولة وهو يحمل عبوة ناسفة أو مادة متفجرة دون أن تكون عمليات التفتيش على الحواجز، ودوريات الشرطة الراجلة والمحمولة، والفحص الدقيق قادرة على الحد من هذه العمليات»(19).



وشارك الخبراء العسكريين والأمنيين في ماراثون الإشادة غير المباشرة بالمهندس وعكست أقوال الخبراء الشك الكامن في نفوس عامة الإسرائيليين، وتزايد هذا الشك في «مواجهة خصم أيديولوجي يرى في مواجهته لإسرائيل حرباً حضارية. والخصوم العقائديون عادة لا يمكن الالتقاء معهم في منتصف المسافة الفاصلة» حسب أقوال روني شيكد التي تصف الشهيد يحيى عياش(20).



وتحت عنوان (لا يستطيع أي جيش في العالم الرد علي الهوس الديني)، استعرض تسفى هرئيل الإمكانيات المتاحة أمام الجيش، وجهاز الشاباك وتوصل في النهاية إلى النتيجة التالية: «إن محاربة الانتحاريين محبطة إن لم تكن غير مجدية، فليس هناك منحه سياسية أو منطق سياسي يمكنهما أن يقتلعا الجنون المسيطر على من قرر أن يكون قنبلة حية... ليس لدى جيش الدفاع رد على المخربين الانتحاريين، وتشير التجربة أنه لا جواب على الهوس الديني فهو إرهاب من طراز جديد له حياته الخاصة وليس مشروطاً بالظروف السياسية أو الاجتماعية وهو مخيف، لمواطني إسرائيل وسكان المناطق»(21).



1- المهندس نجم السنة العبرية



لم يكن مفاجئاً أن ينقسم الجمهور الإسرائيلي في استطلاعين للرأي أجريا لحساب التلفزيون ومحطة الإذاعة الإسرائيلية بمناسبة حلول السنة العبرية الجديدة في 25 أيلول (سبتمبر) ،1995 في اختيار رجل السياسة الإسرائيلي الأول، كما أنه لم يكن مفاجئاً أن يختار أكثرية المشاركين في الاستطلاعين يحيى عياش «رجل السنة العبرية ونجمها»(22).وبعد أن عرض مذيع البرنامج، يوني بن مناحم الذي يعتبر مراسل الإذاعة والتلفزيون للشؤون الفلسطينية، سيرة حياة المهندس توجه إلى المشاهدين قائلاً: «كان من الواضح لدي وجوب اختيار المهندس كرجل هذا العام، فقد قمت بالتجول بين كبار المسؤولين في الإذاعة وأنا أحمل ورقة كتب عليها المهندس وفي النهاية اختاره الجميع». وأضاف بن مناحم: «عرضت الاختيار على والد نحشون فاكسمان الجندي الذي اختطف من قبل خلية من حماس وعلى أشخاص أصيبوا في عمليات فوافقوا على هذا الاختيار لأن عياش يمثل العنف بنظر الإسرائيليين. والعنف هو الذي حدد النفسية الوطنية والعامة لهذا العام، كما أن المهندس يؤثر فعلاً على مدى الإحساس الأمني لكل شخص في إسرائيل. واختياره يؤدي إلى الإحساس بالمأساة لدى ثلاثة أرباع الإسرائيليين»(23).



2- غضب وخوف



كتب مراسل صحيفة معاريف بشيء من التسليم أمام مناظر الرعب التي خلفها انفجار الحافلة في رامات أشكول بمدينة القدس«هناك انطباع بأن الأمر أصبح مألوفاً... انطباع بروتينية الموت. فالحياة والموت يتعايشان باستمرار عندنا والباص يتحول إلى وحش، إلى روليت، إلى وسيلة نقل محتملة للموت». ويتابع المراسل قائلاً: «كنا نعرف أن ذلك سيحصل عاجلاً أم آجلاً... لقد عادت الحياة إلى مجراها الطبيعي... وإلى الحلقة المقبلة»(24).



والحقيقة أن المراسل الصحفي الإسرائيلي أجاد التعبير ووصف الحالة التي سادت في أوساط الشارع اليهودي. فقد نجح المهندس والكتائب الاستشهادية ليس في توجيه الضربات فحسب وإنما في إثارة حالات مثيرة من الذعر والرعب الشديدين بين الإسرائيليين، وبخاصة أولئك القاطنين في المناطق والمدن التي كانت حتى فترة قريبة تعد بأنها أكثر تحصناً ومناعة في مواجهة المقاتلين الفلسطينيين. فعلى سبيل المثال، دأب سكان مدينة تل أبيب وضواحيها منذ زمن طويل على المراقبة من بعيد ومشاهدة المجابهة العسكرية بين المنظمات والجيش الإسرائيلي على الحدود أو في الضفة الغربية وقطاع غزة. ولكن، مع دخول المهندس إلى المواجهة، غدت مشاعر سكان تل أبيب والعفولة والخضيرة، وغيرها من المدن الساحلية تمتزج بخليط من الخوف والغضب في آن واحد. فبعد كل عملية استشهادية، يتجمع المئات من المتظاهرين بالقرب من مكان الانفجار وهم يهتفون ضد رئيس حكومتهم، مستقبلين المسؤولين الحكوميين بصيحات الاستنكار والغضب. وفي كل مرة، تحدث اضطرابات ومصادمات مع الشرطة، وغالباً ما حالت هتافات وشتائم الجماهير الغاضبة دون المسؤولين الإسرائيليين من زيارة أماكن الانفجارات، إذ اضطر رئيس الدولة العبرية (عزرا وايزمان) إلى مغادرة المكان في رامات أشكول قبل إتمام كلمته رغم أنه توسل للجمهور لكي يحتفظوا بهدوء أعصابهم(25).



في أعقاب عمليتي العفولة والخضيرة البطوليتين، انتشرت موجة من الذعر اثر مكالمات هاتفية من مجهول تلقتها عدة مؤسسات في مدينتي بيسان وطبريا حول هجمات استشهادية وشيكة يعتزم المهندس تنفيذها في المدينتين. كما تلقت العيادة الطبية الرئيسة في مستوطنة (بيت شان) وثلاث مؤسسات عامة أخرى اتصالات مماثلة وحملت نفس المضمون، وقد أدى ذلك إلى حالة من الفوضى عمت المناطق المشمولة بالتهديد حيث امتنع المئات عن مغادرة منازلهم فيما ألغى البعض مواعيدهم ولزموا أماكنهم(26).



وترك المهندس بصماته أيضاً على قطاع العمل حيث امتنع الكثير من الإسرائيليين بعد العمليات الاستشهادية في تل أبيب والقدس عن الذهاب للعمل هناك. ويقول عامل البناء نير دوروني الذي شهد عمليتي بيت ليد ورامات غان مبرراً ذلك: «إن من الخطر العمل هنا، إنني أخشى من مجرد ركوب أي باص». وتضيف ايف باومغرتن، الموظفة في بورصة تل أبيب: «إنه أمر مخيف أن تخرج في طريقك للعمل»، ويشهد موظف آخر بالبورصة نفسها حاول إخفاء مشاعره فيقول: «لست خائفاً لأنني مازلت أرفض تصديق حدوث ذلك هنا، ولكن بكل تأكيد لن أستقل أي باص بعد الآن»(27). ولم يكن أصحاب الشهادات السابقة وحدهم الذين أحجموا عن ركوب الحافلات العامة، فقد سجلت شركات سيارات الأجرة في مدينتي القدس وتل أبيب زيادة عدد الإسرائيليين الذين يسافرون في سيارات الأجرة عوضاً عن السفر في الحافلات. وقد رصدت الصحف العبرية هذه الظاهرة، وعزت السبب الرئيسي إلى خشية الركاب من السفر في الحافلات بعد سلسلة العمليات الاستشهادية، ونقلت يديعوت أحرونوت عن سائقي سيارات الأجرة أن الركاب يطلبون سيارات أجرة حتى في الحالات التي تقتصر على مسافة قصيرة جداً خشية أن يتعرضوا للاختطاف على يد الفدائيين. وقد أدت هذه الظاهرة إلى انخفاض أرباح شركة ايجد عام 1994 على سبيل المثال بنسبة 32% بالمقارنة مع العام السابق، وتكبدت الشركة خسائر مالية بلغت نحو 15 مليون شيكل (5 ملايين دولار) خلال شهري تموز وآب من عام ،1995 وهما الشهران اللذان شهدا وقوع عمليتي رامات أشكول ورامات غان(28).



والطريف أن بعض المراهقين الإسرائيليين استغلوا هلع الأجهزة الأمنية والجمهور من اسم المهندس، فقاموا بوضع كيس بطريقة تثير الشبهات بالقرب من إحدى محطات نقل الركاب في رامات اشكول بشمال القدس. وحين أخلت السلطات العسكرية المنطقة وباشر خبراء المتفجرات بتفحص الكيس وجدوا بداخله عشرات الطلقات ورسالتان تدعوان إلى مواصلة العمليات بالقدس تحملان توقيع يحيى عياش(29).



3- انخفاض معنويات ونوبات عصبية



ساهمت العمليات الاستشهادية في الكشف عن عدة ظواهر موجودة منذ أمد بعيد يمكن استثمارها لصالح الطرف الفلسطيني. وما نعنيه في هذا المجال اثر هذه العمليات على الجنود الإسرائيليين الذين من المفترض أنهم يحمون الجمهور ويبثون الهدوء والطمأنينة في صفوفهم. فعلى الرغم من زيادة وتعزيز التدابير الأمنية في المفترقات التي يستخدمها الجنود وحول الحواجز العسكرية ومنها إقامة سواتر ترابية كبيرة وزرع العديد من حقول الألغام، بهدف حماية أولئك العسكريين وإزالة المخاوف وعناصر الرعب التي انتشرت في أوساطهم بعد سلسلة العمليات الاستشهادية، إلا أن الأطباء وعلماء النفس الذين تجولوا في القواعد العسكرية وبين الجنود فشلوا في إحداث أي تغيير على بعض الحالات النفسية والعصبية مما اضطر الضباط المتخصصين في مجال الصحة النفسية إلى تحويل العشرات إلى المشافي(30).



وتنقل وسائل الإعلام الإسرائيلية بأن الجنود يسارعون بعد وقوع كل عملية استشهادية إلى الاتصال بذويهم الذين لا تقل حالتهم توتراً وذلك من أجل طمأنتهم. ففي أعقاب عمليات الثأر في نتساريم وكفار دروم، نقل مراسل صحيفة يديعوت احرونوت: «بعد وقت قصير من وقوع هجوم كفاردروم، وبينما كنا نحن الصحافيين نشق طريقنا إلى مكان الهجوم، أوقفنا جنود متوترون عند حواجز الجيش، وعلى لسانهم طلب واحد: دعونا نتصل من هواتفكم ببيوتنا لطمأنة أمهاتنا، ولنقول أن كل شيء على ما يرام»(31). وينقل المراسل أيضاً حديثاً دار مع جنديين، قال أحدهما ورمز لاسمه بالحرف (ص): «أنت لا تعرف من أين يأتيك المخرب، إنهم انتحاريون لا يحسبون لشيء ولا يبالون بشيء... إنهم يريدون الموت، أما نحن فلا نريد أن نموت، ولذلك فإن هذا يبعث على الخوف». ويضيف الجندي الذي يبلغ من العمر (19 عاماً): «إن كل سيارة عربية تمر أمامنا تثير خوفنا، وكل حركة مشبوهة تجعلك تقفز من مكانك ووراء كل شجرة قد يكون هناك مسلح يختبىء في انتظارك... أضف إلى ذلك القلق الذي يعانيه آباؤنا وأمهاتنا الذين يحضرون أبناءهم لبوابة المعسكر، وبعضهم زود أبناءه بهواتف متنقلة، حتى يكونوا على اتصال مباشر معهم في لحظات الأزمة»(32).



أما في بيت ليد، فقد عانى الجنود الناجون من نوبات هستيرية وعاش آخرون في حالة خوف مستمرة، وبعضهم لم يتمكن من العودة إلى مراكزهم، وطلب عدد منهم أن ينقلوا إلي ثكنات ومعسكرات بعيدة. كما أعرب آخرون عن الجزع الذي ينتابهم كلما اقتربوا من (مفترق الموت) على حد تعبيرهم. وقال أحد الجنود في رسالة وجهها إلى قائده مطالباً بنقله: «لا يمكنني أن أمر صباحاً أمام المكان الذي سقط فيه رفاقي، إذ تعود إلى ذاكرتي المناظر الفظيعة». ويضيف جندي آخر: «لا يمكنني بعد الآن الخدمة قرب بيت ليد فهذا المفترق يزرع الخوف في نفسي»، بينما أفاد جندي ثالث أنه يعاني من كوابيس مزمنة وأنه لا يستطيع الخلود إلى النوم منذ 22 كانون الثاني، موضحاً أن المشاهد الصعبة التي رآها تعود إليه من حين لآخر وأنه لم يعد يفلح في استعادة قدرته على الانتظام في حياته وخدمته العسكرية. وقد أطلقت الصحافة الإسرائيلية على هذه الظواهر وصف (مرض بيت ليد)(33).



4- لوثات أمنية



مع مرور الوقت ظهرت على جنود الاحتلال بوادر نفسية جديدة عبرت عن الحالة المعنوية المتردية التي وصلوا إليها. فمن تفجير أي سيارة يرتاب بها جندي مار بالصدفة أو ضمن دورية خشية أن تكون مفخخة إلى سرعة الضغط على الزناد وإطلاق النار على الأبرياء عند حاجز ايرز لمجرد الاشتباه أو الخوف أن يتحول الكيس الذي يحوي وجبة الفطور والغداء للعامل الفلسطيني إلى عبوات ناسفة تجعل من حامله (قنبلة بشرية) قادمة باتجاههم(34). ففي يوم 3/11/،1994 أغلقت تعزيزات كبيرة لحرس الحدود الشارع الرئيسي المار وسط مدينة نابلس، وقام خبير المتفجرات بإجراء فحوصات على سيارة من نوع مرسيدس كانت تقف في محيط المستشفى الوطني ومن ثم فجر السيارة عن بعد. وفجر خبراء المتفجرات سيارة أخرى كانت متوقفة قرب تجمع للسيارات في مدينة طولكرم يوم 4/6/1995 بواسطة رجل آلي متحرك بعد الاشتباه بأنها مفخخة، ولكن الخبراء لم يعثروا على شيء داخل السيارة (35). وتكررت هذه الممارسات في مدن ومواقع كثيرة، وفي كل مرة يجري تفجير السيارة ويعود الخبراء خائبين بعد فشلهم في تحقيق أي هدف في مرمى المهندس.



وامتدت حالة الهوس الأمني الذي عانى منه جنود الاحتلال إلى اعتقال وتعذيب أي فلسطيني يشبه في ملامح وجهه أو صورته القائد القسامي يحيى عياش. وسجلت وسائل الإعلام الإسرائيلية والفلسطينية الحالتين التاليتين:

أ- أوقف جنود الحاجز العسكري المقام على طريق نابلس - القدس يوم السبت الموافق 10/12/1994 سيارة عربية وأنزلوا الشاب عبد الله محمد مصطفى الخطيب (28 عاماً) وهو من قرية الزاوية بعد أن تيقن الجنود بأنه المهندس حيث بدت الفرحة على وجوههم، فأسرعوا إلى إبلاغ الضباط المسئولين بأنهم ألقوا القبض على المطلوب يحيى عياش. وفي الحال حضرت تعزيزات كبيرة بالإضافة إلى ضابط مخابرات وكلب بوليسي، وتم نقل الشاب إلى المسكوبية، واخضع لتحقيق وتعذيب شديدين لمدة يومين إلى أن تم استدعاء عميل يعرف المهندس شخصياً أنقذ عبد الله الخطيب. وبررت سلطات الاحتلال هذا (الخطأ) إلي اعتقاد جنودها بأن الشاب كان يحمل هوية مزورة(36).



ب- يوم الجمعة الموافق 5/5/1995 أوقفت وحدة عسكرية خاصة الشاب أمجد حجازي الجعبري (33عاماً) على نحو مباغت ثم طلبت حضور وحدات تعزيز من الجيش. وقامت سلطات الاحتلال بنقل الشاب إلى مقر الحكم العسكري في مدينة الخليل حيث باشر المحققون استجوابه باعتبار أنه يحيى عياش. وقد ارتسمت الدهشة على وجوه هؤلاء بعد أن اطلعوا على شخصيته واكتشفوا أنه ليس المهندس، فافرجوا عنه بعد ساعة.



وإلى جانب اعتقال الذين يشبهون المهندس، جرى تفتيش الفتيات المحجبات بشكل ملفت بحجج ومزاعم استهدفت إثارة الفلسطينيين ضد المهندس وحركة حماس. ففي أعقاب عملية بيت ليد، أوقف جنود الاحتلال سيارة عربية عند مفترق وادي الباذان، وألقى أحد الجنود نظرة داخلها، ثم أخذ يهتف: «حماس.. حماس... المهندس... المهندس». ويقول سائق السيارة، جلال خضر، وفي لمح البصر أسرع الجنود نحو السيارة، وشهروا أسلحتهم في وقفة استعداد لإخلاء النار مطالبين بأن تغادر شابة ترتدي الزي الشرعي السيارة، وإلا فإنهم سيدمرون السيارة بمن فيها. وبعد أن ضربوا شقيق الفتاة، واقتادوا جميع الركاب إلى مسافة عشرين متراً عن السيارة، أمروا الشابة بالخروج، فخرجت وقاموا بتفتيش حقيبتها. وبعد عدة دقائق، حضرت مجندة إسرائيلية، وفتشت الشابة الفلسطينية التي رفضت أن تنزع الخمار أمام الجنود. وغادرت الدورية العسكرية الإسرائيلية تجر أذيال الخيبة بعد أن اكتشفت أن الفتاة المحجبة لم تكن المهندس المطلوب(37).



وتكررت هذه الحادثة مرة أخرى، وهذه المرة مع الشاب عواد محمد سعادة وزوجته اللذان أوقف حاجز عسكري على طريق جنين -نابلس سيارة الأجرة التي استقلاها مع ركاب آخرين يوم 16/9/1995. وبعد أن رفضت الزوجة الاستجابة لطلب الجنود بكشف وجهها كونه يتنافى مع تعاليم الإسلام، أوقف الضابط المسؤول عن الحاجز جميع الركاب إلى أن حضرت مجندة وتأكدت بأن الزوجة ليست يحيى عياش كما أدعى الضابط في حديثه مع قيادته(38).



وفي المرة الثالثة، أطلقت قوات الاحتلال النار على سائقة محجبة اعتقاداً بأنها يحيى عياش. ويروى المواطن ناجي رؤوف زايدة تلك الحادثة: «خلال توجهي لمركز عملي سمعت أن نجلي صيب في حادث سير على مفترق نابلس- طولكرم. فذهبت وزوجتي بسيارتنا باتجاه الموقع، وطلبت من زوجتي التي ترتدي الخمار والزي الشرعي قيادة السيارة لأني لا أقدر على ضبط أعصابي، فانطلقت مسرعة. وفي مفترق عجه-جنين، كانت ترابط دورية عسكرية بين الأشجار لم ننتبه لأفرادها أو طلبها لنا بالتوقف، حيث فوجئنا بهم يطلقون النار بشكل جنوني. وبدت زوجتي بالصراخ، وفقدت السيطرة على السيارة وانحرفت إلى جانب الرصيف واصطدمت بشجرة زيتون. ولكن رحمة الله سبحانه وتعالي كانت كبيرة، إذ أصيبت زوجتي بالإغماء وأنا بخدوش بسيطة. وخلال ذلك، هجم الجنود علينا مشهرين الأسلحة، وهددوا الإمكانات النار علينا إن تحركنا. وفي دقائق معدودة حاصرت قوات كبيرة من الجيش المنطقة، وعرضت عليهم مساعدة زوجتي لأنني اعتقدت أنها أصيبت بالأذى، ولكن أهملوني، ووجهوا أسلحتهم نحوي وأجبروني على رفع يداي ثم القوني على الأرض. وبدأوا باستجوابي عن اسم سائق السيارة - أبلغتهم أنها زوجتي وهي بحاجة لعلاج. فضربوني واستدعوا خبير المتفجرات، وقالوا: أنت مساعد يحيى عياش الذي يجلس داخل السيارة. أكدت لهم أنها زوجتي وأن إهمال إنقاذها سيؤدي إلى وفاتها، ولكنهم كذبوني ووجهوا الأسلحة نحو السيارة، ثم اقتحموها وأخرجوا زوجتي... حاولت منعهم من كشف الخمار عن وجهها، إلا أنهم أوسعوني ضرباً وقالوا: امسكنا يحيى عياش. وعندما اكتشفوا أنها ليست عياش، صادروا هويتي وطلبوا مني مراجعة الإدارة المدنية»(39).



5- تآكل شعبية رابين والمطالبة برحيله



رسخت العمليات الاستشهادية تناقضاً شديداً بين السلطة السياسية الإسرائيلية وآراء ورغبات معظم الجمهور اليهودي. وكنتيجة حتمية لذلك، أظهرت استطلاعات الرأي العام تقدم بنيامين نتنياهو -زعيم تكتل الليكود- بشكل كبير على رئيس الوزراء وزعيم حزب العمل الذي كان يتبوأ دفة الحكم منذ يونيو (حزيران) 1992. وجاء ارتفاع شعبية نتنياهو الذي أظهر استطلاع أجراه معهد (هوتجي) تقدمه على رابين باثنين وعشرين نقطة إثر العمليات الاستشهادية في القدس وتل أبيب وبيت ليد(40). ولعل هذا ما دفع بالدكتور حاييم آسا، المستشار الاستراتيجي الأسبق لاسحق رابين، إلى إطلاق أبواق التحذير في اجتماع للرأي دعا له سكرتير عام حزب العمل وحضره مجموعة من الخبراء والعسكريين والمستشرقين من أن الحزب قد يفقد السلطة في انتخابات الكنيست الرابعة عشرة بسبب موجة الهجمات الاستشهادية المتصاعدة التي ستؤدي -حسب رأيه- إلى تقويض مسيرة السلام وعرقلتها(41).



هذه المعطيات أدت إلى احتدام الجدل في الأوساط السياسية وداخل كتلة حزب العمل نفسه حول عدد من القضايا المتمثلة بكيفية مكافحة هذا النوع من العمليات التي ينفذها المهندس وتلاميذه. وتجلى الصراع السياسي بين الحكومة والمعارضة بخطوات متسارعة اتخذتها المعارضة، ومن هذه الخطوات القيام بمظاهرات وإضرابات أمام مكتب رابين بمشاركة أعضاء كنيست من كتلتي تسوميت وموليدت(42).

وصعد الليكود بالتعاون مع أحزاب اليمين والحركات الدينية من وتيرة معارضتهم بتقديم ثلاث مذكرات بحجب الثقة عن الحكومة في 24/7/1995 مطالبين بوقف عملية السلام مع منظمة التحرير الفلسطينية، وقال بنيامين نتنياهو في معرض تشكيكه بإجراءات حكومة اسحق رابين: «كفى،إلى متى نقول الأمر مروع وفظيع. الكل يقول كفى، فلتفعلوا شيئاً. وهذا يعني حكومة مختلفة أو سياسة مختلفة تبدأ في حماية أرواح مواطنينا»(43).



وعبرت كتابات الباحثين السياسيين والمحللين عما يجول في خاطر الجمهور الغاضب الذي خرج عدة مرات وفي مناسبات متعددة مطالباً باستقالة رئيس الحكومة. فكتب أرييه كاسبى مقالاً في صحيفة هآرتس، دعا فيها إلى عقد هدنة مع حركة حماس. وبرر كاسبى هذه الرغبة بأن «الطريقة الوحيدة لتهدئة الساحة الداخلية هي توقيع اتفاق هدنة لفترة محددة، لنصف سنة مثلاً. فنحن محتاجون فترة لالتقاط الأنفاس وتهدئة الخواطر... فترة تمكن الحكومة من العمل بدون الهستيريا التي تسببها كل عملية». وأشار الباحث الإسرائيلي بأنه من الممكن الوصول إلى تفاهم مع حركة حماس شبيه بما تم التوصل إليه مع حزب الله في لبنان(44).



وذهب حاييم مشغاف ويوسى أولمرت إلى ابعد من ذلك، إذ دعا مشغاف إلى استمرار المظاهرات ضد سياسة الحكومة حتى تجري انتخابات مبكرة، واختتم مقاله بالقول: «يجب استمرار الاحتجاجات الجماهيرية، بدون كلل أو ملل، وبعزيمة، وهذا ما ينجح في كل مكان، حتى توافق بطانة رابين على إعادة تقييم قوتها بالانتخابات، وليس بعد عام». وأما يوسى أولمرت، فقد طالب رابين بالاعتراف بفشله وعدم قدرته على الإيفاء بوعده وضع حد للعمليات الاستشهادية. ومما جاء في مقال أولمرت الذي نشرته صحيفة يديعوت أحرونوت في أعقاب عملية رامات أشكول الاستشهادية: «لقد تعهدوا لنا في الثالث عشر من أيلول بإنهاء مئة سنة من الإرهاب، أوهموا الناس أن المسيرة السياسية الجديدة تضع حداً للإرهاب، على اعتبار أن الإرهاب تصاعد في ظل الجمود السياسي. ولكن من الواضح حالياً عدم إمكانية تحقيق هذا الوهم، لأن الأوهام تظل دائماً أوهاماً... يتوجب على حكومة أخفقت في هذا الجانب المركزي أن ترحل... فهل تنهض الحكومة لتقول: جربنا، يبدو أننا قد أخطأنا»(45).
  اقتباس المشاركة