Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showpost.php on line 218

Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showpost.php on line 223
منتديات شباب فلسطين - عرض مشاركة واحدة - قصة حياة البطل الشهيد / يحيى عياش - ( كتاب )
عرض مشاركة واحدة
قديم 07-03-2008, 08:54 AM   #2
السيف عدي
I ♥ PALESTINE

قوة السمعة: 0 السيف عدي will become famous soon enough

افتراضي رد: قصة حياة البطل الشهيد / يحيى عياش - ( كتاب )

سادساً: المعلم والتلاميذ

تحفل كتب التاريخ الإنساني بشكل عام بأسماء المئات، بل الآلاف من القادة والأبطال الذين قدموا مساهمات جليلة لشعوبهم ودولهم. ومن بين هؤلاء ليس من اليسير أن نجد أفذاذاً يتركون وراءهم مدرسة ترثهم في منهاج عقيدتهم ومسيرة جهادهم. ولا يختلف معنا أحد، حتى أعداءنا الصهاينة أنفسهم، أن القائد الرمز يحيى عياش يعد أحد هؤلاء الأفذاذ بتميزه في دقة التخطيط والتنفيذ إلى جانب توريثه مدرسة متكاملة في القيادة والتخطيط والخبرة العملية والفنية. فهذا رئيس جهاز المخابرات العامة (الشاباك) الذي جعل جل اهتمامه، ووضع كافة الإمكانيات المتاحة لمطاردة المهندس، باعتباره عدو الدولة الأول، يعترف بقدرة القائد القسامي وتميزه في هذا المجال.

ويجد الجنرال كارمي غيون نفسه مدفوعاً لهذا التصريح، بعد أن وصلته تقارير عملائه ومحققيه بأن المهندس قد بدأ تخريج أفواجاً عديدة من تلاميذه النجباء. ولذلك، صرح الجنرال الإسرائيلي بألم: «لقد آن الأوان بعد ثلاث سنوات لتصفية المهندس. فكل يوم يمر دون القبض عليه يزيد من مهمتنا تعقيداً، إذ أنه يتعلم باستمرار وينشر ما يتعلمه بين النشطاء الذين يرون فيه بطلاً يريدون المشي على خطاه ورفع جزء من الثقل عنه»(208). كما نشر المعلق السياسي في صحيفة دافار مقالاً عبر فيه عن نفس المخاوف حيث قال: «من الطبيعي أن يوجه رجال الأمن إصبع الاتهام إلي المهندس يحيى عياش، فهو مسؤول عن تنفيذ أربع عمليات على الأقل، وتخطيط أربع عمليات أخرى، وتجري ملاحقة عياش على نطاق واسع، ولكن بدون جدوى. فليس عياش وحده يعرف سر العبوات المتفجرة، وبالتالي فإن إلقاء القبض عليه لن يؤدي إلى وقف العمليات»(209).

الجهاز العسكري لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) شهد مراحل وأطوار مختلفة، ابتدأ من استخدام السكين والقنبلة الحارقة وغيرها من الوسائل وحتى وضع الخطط والبرامج لشراء السلاح أو الحصول عليه بطرق عدة وتنفيذ الهجمات والكمائن النوعية. وخلال تلك الأطوار، كانت هناك محاولات لتصنيع المتفجرات وتجهيز العبوات الناسفة، إذ أن حماس عانت لفترة نقصاً كبيراً في الكوادر الفنية المؤهلة وذات الخبرة في هذا المجال. ولذلك، كان يرافق المحاولات السابقة وقوع حوادث أدت إلى استشهاد العديد من المجاهدين مثل الأبطال عامر ثوابته وعبد الرزاق أبو شخيدم وهشام السقا وغيرهم. وحين جاء يحيى عياش، وضع أساساً متيناً وسد نقصاً خطيراً كانت تعاني منه كتائب الشهيد عز الدين القسام. ولم يكتف المهندس بذلك، بل وضع خبرته الفنية في خطط قدمها لقيادته تقضي بتدريب أكبر عدد من الكوادر القادرة على إعداد المتفجرات بمثل كفاءته(210).

وإن كنا لا نملك معلومات دقيقة حول جهود المهندس في تدريب تلاميذه، فإن العمليات العسكرية التي نفذها تلاميذه والوقائع الميدانية وما كشفته المخابرات الإسرائيلية عن اعتقال بعض الخلايا التي نظمها المهندس يعد مرجعاً أساسياً لنا للحديث عن هذا الجانب. ويشير المعلق العسكري المعروف، زئيف شيف في تحليل يعد مرجعاً أساسياً لنا للحديث عن هذا الجانب، حيث كتب تحت عنوان (الإرهاب قد يفاجىء مجدداً) فيقول: «إن خلايا حماس التي جرى اعتقال أفرادها مؤخراً على يد جهاز المخابرات الإسرائيلية تشكل دليلاً لنشاطات متشعبة وواسعة تجري تحت السطح من قبل المهندس يحيى عياش. وهذا يعني أنه على الرغم من النجاح في إحباط عدد من الهجمات فقد تواجه إسرائيل بصورة مباغتة موجة عنف واسعة جديدة»(211).

وفي تقرير سري حول حركة المقاومة الإسلامية (حماس) رفعته الأجهزة الأمنية الفلسطينية لرئيس السلطة يوم 10 آذار (مارس) ،1996 نجد إشارات كثيرة للدور الذي قام به المهندس. إذ يشير التقرير إلى أن القائد يحيى عياش قام -قبل انتقاله لقطاع غزة- بتشكيل خلايا سرية في مناطق الضفة الغربية الثلاث، الوسط والشمال والجنوب، ووضع على رأس كل منطقة مسؤولاً. ودرب المهندس تلك الخلايا على تجهيز ووضع المتفجرات للقيام بالأعمال الجهادية. ويقول التقرير في فقرات أخرى بأن القائد القسامي، أصر أن تبقى أسماء المجاهدين غير معروفة في قطاع غزة، وكان الهدف من ذلك هو رغبة المهندس بأن تكون المجموعات العسكرية في الضفة الغربية منفصلة تماماً عن قطاع غزة نظراً للظروف التي تواجه قيادات الحركة الإسلامية في القطاع وممارسات السلطة الفلسطينية ضدها(212).

ولم يغادر المهندس الضفة إلا بعد أن اطمأن إلى البنية التحتية للكتائب هناك وقوتها ومتانتها وسلامة تشكيلها. وعند هجرته لقطاع غزة، سلم القائد القسامي المسؤولية لقادة ميدانيين قادرين على تحمل المسؤولية من أمثال: طاهر قفيشة وجهاد غلمة -مسؤولا الخليل وبيت لحم، ومحي الدين الشريف - مسؤول القدس، ويعقوب نزال محيسن - مسؤول رام الله والبيرة، وعبد الناصر عيسى - مسؤول نابلس.

1- وحدة الأهوال ترد بالبارود والنار

حينما نكتب عن (وحدة الدفاع عن المدنيين الفلسطينيين) كما سميت في بداية تشكيلها أو (وحدة الأهوال)، وهو الاسم الذي اشتهرت به بعد ذلك، فإننا نكتب عن البطولة بكل أبعادها، والجهاد بكل مضامينه، والرجولة بكل معانيها. فحياتها كلها جهاد، ووقت مجاهديها كله جهاد ومقاومة، واسم قائدها جهاد.ويكفي هذه الوحدة فخراً، أنها حققت ذلك الوعد الإلهي الذي يؤكد حقيقة (^كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله)، وأضحت مصدر رعب لكل صهيوني في منطقة عملياتها.

خاض جيش الاحتلال ومخابراته مطاردة شرسة وراء الوحدة القسامية، وأخذت صور جهاد غلمة وطاهر قفيشة وحامد يغمور مكاناً في جيب كل جندي يخدم في الضفة الغربية، ومعلقة بشكل دائم في مواقع الجيش الصهيوني في منطقة الخليل. ورغم ذلك، مضت الوحدة بعملياتها البطولية مطيحة برؤوس العسكريين والمستوطنين دون أن تعبء بتهديدات قائد المنطقة الوسطى بجيش الاحتلال والتي جاءت شهادة لها وليس ضدها. فبعد العملية الجريئة ضد الحافلة رقم (160) بالقرب من مفترق القزازين، وقف الميجر جنرال ايلان بيران قائلاً: «إننا نخوض صراعاً ضد هذه الخلية الصعبة جداً، ولكننا سننالها مهما كانت المهمة صعبة وسنطاردها حتى ننجح»(213).

ويعود أساس هذه الوحدة إلى أول مجموعة تشكلت لكتائب عز الدين القسام في منطقة الخليل بقيادة الشهيد عماد عقل، ولئن قاد النشاط الاستخباري لسلطات الاحتلال إلى اعتقال عدد من أفرادها ومن بينهم جهاد غلمة وطاهر قفيشة، فإن مجاهدينا لم يأبها بالجدران العالية ولا القضبان المتعامدة. وما هي إلا أشهر قليلة حتى حررا نفسيهما مع المجاهد أمجد شبانة من معتقل الظاهرية القريب من الخليل وعادا مجدداً لكتائب عز الدين القسام. وبعد استلام يحيى عياش لغرفة العمليات المركزية في الكتائب، قام بتنظيم المجموعة من جديد تحت اسم (وحدة الدفاع عن المدنيين الفلسطينيين) حيث نفذت عدة عمليات عسكرية أسفرت عن مقتل وإصابة اثنان وعشرون جندياً ومستوطناً، واستطاع جهاد وطاهر في معركة وادي القاضي التي خاضها خمسة من المجاهدين ضد عدة مئات من جنود الاحتلال بتاريخ 23 آذار (مارس) ،1994 واستمرت (18) ساعة أن يخترقا الطوق العسكري وينسحبا إلى قاعدتهما بسلام. ويومها سئل أحد ضباط الاحتلال في الخليل كيف استطاع الجنرال وهو اللقب الذي أطلق على جهاد غلمة أن يهرب من بيت يطوقه مئات الجنود؟ أجاب: «إن لجهاد ألف روح»(214).

وإثر استشهاد أمجد أبو خلف، أعاد المهندس تشكيل الوحدة من جديد، وأصبحت تعرف باسم (وحدة الأهوال) نظراً لامتلاكها صواريخ مضادة للدروع من طراز (لاو). وقامت الوحدة بشن أول هجوم صاروخي على مبنى الدبويا الاستيطاني، وسط مدينة الخليل في 15 كانون ثاني (يناير) ،1995 حيث اخترق الصاروخ نافذة المبنى وتسبب في حدوث أضرار مادية بالغة دون وقوع إصابات بشرية(215). وفي الذكرى السنوية الأولى لمذبحة الحرم الإبراهيمي، شنت الوحدة هجوماً صاروخياً آخر على مقر الحاكمية العسكرية في منطقة الخليل. وأطلق المجاهدون الصاروخ الذي كان يحمل رأساً متفجراً باتجاه المبنى عن بعد مئتين متر من المقر متحدين كل أبراج المراقبة وكثافة جنود وضباط الاحتلال. وقد اخترق الصاروخ المبنى محدثاً انفجاراً بداخله، ثم واصل المجاهدون عمليتهم بإطلاق النار باتجاه مجموعة الجنود ورجال المخابرات الذين كانوا يتجولون في الساحة الرئيسة لمبنى الحاكمية مما أدى إلى وقوع إصابات في صفوف هؤلاء ودب الذعر والصراخ بينهم وهروبهم إلى داخل المبنى للاحتماء به دون أن يجرؤ أحد منهم على إطلاق رصاصة واحدة(216).

واستهدفت الوحدة في عمليتها الثالثة عام 1995 حافلة تقل عدداً من الجنود والمستوطنين كانت تسير بشكل يومي بين القدس ومستوطنة كريات أربع حيث نصب المجاهدون كميناً على سطح أحد المساجد المشرفة على الطريق عند مفترق القزازين مساء يوم الأحد الموافق 19 آذار (مارس) 1995. وأسفر الهجوم عن مقتل مساعد للحاخام المتطرف موشيه ليفنغر، مؤسس حركة غوش ايمونيم الاستيطانية وأحد مستوطني كريات أربع وإصابة ستة آخرين بجروح متفاوتة. ولم تتمكن الدورية المرافقة للحافلة من ملاحقة المجاهدين الذين انسحبوا إلى قاعدتهم بسلام(217).

استعان جهاز المخابرات الإسرائيلية بعلماء النفس وخبراء تحليل الشخصية في نشاطاتها لملاحقة وحدة الأهوال ومحاولة إلقاء القبض على أعضائها. ولمعرفة ضباط القيادة والعمليات في الجيش والمخابرات بنوعية المجاهدين القساميين، فإن الأجهزة الإسرائيلية اعتمدت سياستها المعروفة بقصف المنازل التي يختبىء فيها المجاهدون بالصواريخ قبل أن يتقدم أي جندي لاقتحامها. ففي ساحات القتال، لم يجرؤ الجنود المدججون بالسلاح على المواجهة والرد قبل نسف المكان على من فيه. ورغم ذلك، لم يستطع ضباط الاحتلال إلا أن يقفوا إجلالاً وإكباراً ويقدموا التحية لمجاهدي كتائب عز الدين القسام. وكمثال على ذلك، ما قاله الجنرال شموئيل غورين (القائد السابق للضفة الغربية) لصحيفة إسرائيلية، إذ جاء على لسانه: «لم يكن حامد يغمور هو الوحيد الذي رفض الاستسلام بالرغم أنه يعلم أنه لن يخرج من البيت حياً، كان جميع مقاتلي الجناح العسكري لحركة حماس يفضلون المقاومة حتى الموت على الاستسلام، إنه لأمر غريب وعجيب أن يبدي مقاتلو حماس هذه الإرادة القوية والعناد الكبير عندما يُحاصرون بالدبابات والجنود وتحلق الطائرات فوق رؤوسهم ومع ذلك لا يستسلمون، وإنه حقاً لشيء يثير الإعجاب أن يقاوم مقاتل ويصمد لأكثر من 12 ساعة في مواجهة مئات الجنود المزودين بأحدث الأسلحة والمعدات». ويضيف الجنرال الإسرائيلي: «لقد تحول هؤلاء المقاتلون إلى أسطورة في نظر قادة الجيش وجهاز الشاباك، بل لقد اهتزت المعنويات في صفوف الجنود لليأس من القضاء على هؤلاء. إذ أن مهمة البحث عن ما يقارب العشرين مطارداً من حماس تتطلب أكثر من 3000 جندي بالإضافة إلى المجهودات التي يستثمرها جهاز المخابرات وعملاؤه في جمع المعلومات الاستخبارية عنهم». ويختتم القائد السابق للضفة الغربية حديثه بتحذير الجمهور الإسرائيلي قائلاً: «إن العقيدة التي تحرك هؤلاء قوية وتمنعهم من الخضوع والاستسلام وإسرائيل لم تجرب مواجهة مثل هذا النوع من المقاومة، وعلى الإسرائيليين أن يتريثوا ولا يبالغوا بالفرح عند تصفية فرد من هؤلاء الإرهابيين»(218).

استشهد جهاد غلمة وطارق النتشة وعادل الفلاح بعد قصف سيارتهم في منطقة الحاووز بالضواحي الجنوبية لمدينة الخليل بتاريخ 16 نيسان (إبريل) ،1995 ويومها قال يوسي ساريد الذي كان يشغل منصب وزير البيئة في حكومة اسحق رابين: «بعد مقتل المخرب جهاد غلمة، ما يزال المرعب طاهر يتجول طليقاً». ونال حامد يغمور وطاهر قفيشة الشهادة بعد عدة محاولات فاشلة من قبل أجهزة الأمن والاستخبارات الإسرائيلية، إذ ترجل حامد إلى عليين في 2 حزيران (يونيو) ،1995 بينما سطر طاهر ملحمة جهادية جديدة بمواجهة قوات ضخمة وطائرتان مروحيتان ووحدات خاصة تحمل صواريخ مضادة للدروع في حي رأس الجورة بمدينة الخليل يوم الخميس الموافق 29 حزيران (يونيو) 1995(219).

لم تكن وحدة الأهوال هي الوحيدة التي أقامها المهندس في منطقة الخليل، فقد كشفت التحقيقات الإسرائيلية عن خلية مسلحة قالت أنها الأخطر، إذ أن أعضاء هذه الخلية تلقوا تدريبات على إعداد عبوات ناسفة متطورة بما في ذلك عبوات كيماوية، وعلى تفجير العبوات لاسلكياً بواسطة جهاز تحكم عن بعد. واتهم جهاز الشاباك الخلية القسامية التي كانت على علاقة بالقائد الشهيد حاتم المحتسب ثم القائد جهاد غلمة بأنها مسؤولة عن تنفيذ (13) عملية بواسطة العبوات الناسفة، عشر عمليات منها ضد أهداف عسكرية في الخليل وثلاث أخرى نفذت في بئر السبع. كما خطط قائد المجموعة، محمد نبيل عرفات، ونائبه شكري الفاخوري لتنفيذ سلسلة هجمات أخرى من بينها التخطيط لتفجير حافلة إسرائيلية بواسطة سيارة مفخخة على الطريق المؤدي من مستوطنة كريات أربع إلى مدينة الخليل إلى جانب وضع عبوات ناسفة في تجمعات عسكرية داخل المناطق المحتلة منذ عام ،1948 ومن ضمن ذلك بلدة حولون إلى الجنوب من تل أبيب ومحطة لنقل الجنود في مفترق المسمية وبيت هداسا في وسط الخليل(220).

وأما في مدينة بيت لحم، فقد أعلنت مصادر عسكرية إسرائيلية بأن جهاز الشاباك تمكن من كشف عدد من الخلايا الخطرة التي نظمها المهندس في إطار كتائب عز الدين القسام. وقالت الاستخبارات الإسرائيلية، بأن أفراد إحدى هذه الخلايا خططوا لتفجير سيارة مفخخة بالقرب من حافلة عسكرية في بيت لحم، ووضع عبوة ناسفة كبيرة في عربة قمامة وسط شارع يافا بالشطر الغربي من مدينة القدس. ووفقاً لمصادر الشاباك، خططت خلية أخرى لقتل ضباط كبار يعملون في الإدارة المدنية بمدينة بيت لحم، حيث جمعوا معلومات حول تحركات هؤلاء الضباط والطرق التي يسلكونها للوصول إلى أماكن عملهم في المدينة. وخطط أعضاء خلية أخرى لأسر جندي إسرائيلي في مدينة القدس عن طريق استخدام سيارة تحمل لوحات تسجيل إسرائيلية، ومن ثم نقل الجندي الأسير إلى منطقة آمنة بهدف إجراء مفاوضات لإطلاق سراح معتقلين فلسطينيين. ولئن دأبت، سلطات الاحتلال على تضخيم إنجازاتها وما تحققه في مواجهة الكتائب القسامية، فإن ما أعلنت هذه السلطات عن كشفه يلقى، بلا شك، جوانب مهمة على نشاط المهندس وتحركاته وآثاره. فقد أعلنت السلطات الإسرائيلية بأنها ضبطت بطاقات هوية إسرائيلية مزورة وكمية من الأسلحة والذخائر ومن بينها صاروخان من طراز (لاو) في حوزة عدد من المعتقلين، وأن المجاهد مهند جبارين (21) عاماً كان يقود هذه الخلايا ويوجهها وينقل التعليمات لأعضائها من المهندس، بينما تولى المجاهد محمد مللا، وهو من أهالي مخيم عايدة القيادة الميدانية(221).

2- مرحلة متقدمة لخلايا القدس الشرقية

منذ أن تسلم الجنرال كارمي غيون قيادة جهاز الاستخبارات العامة (الشاباك)، طرأ تغير على العمل الاستخباري من حيث أسلوب العمل ومن حيث أسلوب التحقيق باعتبار أن مكافحة الخلايا العسكرية لكتائب الشهيد عز الدين القسام تعد مهمة صعبة للغاية وفق ما أشار إليه المحققون. وفي إطار التعاون بين الشاباك والجيش الإسرائيلي، تمكنت سلطات الاحتلال من اكتشاف طرف خيط أدى إلى تفكيك خمس خلايا عسكرية أقامها «المهندس» في شرقي مدينة القدس، كانت قد وصلت إلى مرحلة متقدمة من التخطيط والتجهيز والإعداد لتنفيذ البرنامج الجهادي الذي كلفت به. وحسب المعلومات التي سربتها وسائل الإعلام الإسرائيلية، فإن المجاهد أيمن عبد المجيد سدر (29 عاماً) الذي يقيم في أبو ديس ويحمل هوية إسرائيلية تلقى وأفراد خليته تدريبات عسكرية في قطاع غزة بإشراف المهندس والقائد محمد الضيف لتنفيذ هجوم استشهادي في الجامعة العبرية، وفي مخبز (انجل) بالشطر الغربي من المدينة إلى جانب التخطيط لعمليات أسر جنود من تل أبيب وحيفا واللد. وزعم الشاباك بأنه اكتشف مخبأً سرياً في سيارة أيمن جُهز عن طريق أحد المعتقلين من أفراد الخلية لنقل الوسائل القتالية والمتفجرات. وكشفت المخابرات الإسرائيلية أيضاً بأن الخلايا الخمس اكتشفت قبل ساعات معدودة من موعد استلامها للمتفجرات التي كان من المفترض أن ينقلها مساعدون للمهندس(222).

وخططت خلية ثانية، عملت بقيادة موسى داود أحمد علامة (23 عاماً) الذي يحمل بطاقة هوية إسرائيلية أيضاً كونه مقيماً في حي رأس العامود بضواحي المدينة المقدسة، لتنفيذ هجوم بالأسلحة الرشاشة ضد حواجز وتجمعات تابعة للجيش الإسرائيلي إلى جانب وضع عبوات ناسفة في نقاط يتجمع فيها الجنود. وفيما يتعلق بالخلية الثالثة، تقول الشاباك بأنها كانت بقيادة رياض صالح دعنا الذي يسكن في بلدة أبو ديس ويعمل إماماً لأحد المساجد في البلدة القديمة، وخططت هذه الخلية لاختطاف حافلة ركاب إسرائيلية واقتيادها إلى الحدود المصرية ومن ثم اجتياز الحدود والشروع بإجراء مفاوضات لإطلاق سراح عدد من المعتقلين والأسرى في السجون الإسرائيلية. وأما الخلية الرابعة، فإنها شُكلت بهدف الحصول على أسلحة ووسائل قتالية بطرق مختلفة. ولهذا، قام أفرادها بجولات استطلاعية استعداداً لطعن جندي إسرائيلي أو مستوطن مسلح في القدس القديمة واختطاف سلاحه. كما اجتهدت الخلية في الحصول على بطاقات هوية إسرائيلية ونقل أسلحة بين المناطق المختلفة.(223)

الخلية الخامسة، كانت بقيادة أحمد محمود أحمد عريقات (28 عاماً)، وهو من سكان أبو ديس أيضاً، ونسبت إليه المخابرات الإسرائيلية ترؤس شبكة تنظيمية واسعة ضمت في عضويتها عدداً من أعضاء حركة حماس في المنطقة. وكانت مهمة هذه الخلية تجنيد المجاهدين وتدريبهم على استخدام الأسلحة الأوتوماتيكية والمسدسات، ونقل بعضهم إلى قطاع غزة لتلقي التدريب على تصنيع المتفجرات وتجهيزها(224).

3- فريق رباعي جديد

ويبقى يحيى عياش في ذاكرة الشعب الفلسطيني والأمة الإسلامية مثالاً ناصعاً للجندي الذي لا يريد سوى مرضاة الله سبحانه وتعالى وجنته. فها هو يقول في رسالته الأخيرة لقادة الحركة الإسلامية، وكأنه يريد أن ينام قرير العين: «لا تنزعجوا، فلست وحدي مهندس التفجيرات، فهناك عدد كبير قد أصبح كذلك، وسيقضون مضاجع اليهود وأعوانهم بعون الله»(225).

ولم يكن المهندس مغالياً أو متكبراً فيما كتبه، فهو معروف ابتدأ بجديته في هذه المجالات، واعتادت قيادته على تلقي كلماته بكل اهتمام، إذ أنه لا يُعرف إلا باذلاً للنفس والجهد وما يملك. وما هي إلا أشهر قليلة حتى بدأت تباشير التلاميذ الذين تربوا على يد المهندس، وتلقوا علومه وورثوا إبداعاته تترك بصماتها على أرض فلسطين. ولم يكن عبد الناصر عطا الله شاكر عيسى ومحي الدين الشريف، إلا أول الغيث في قافلة المجد والعز التي تخرجت من أكاديمية المهندس العسكرية.

كان عبد الناصر من نشطاء الإخوان المسلمين منذ عام ،1982 وأميراً للكتلة الإسلامية في جامعة النجاح الوطنية بمدينة نابلس لسنتين على التوالي. ولكن أميرنا أبى إلا أن ينشر نشاطه وجهاده خارج أسوار الجامعة، فطلب الانضمام إلى العمل العسكري لحركة حماس عام 1989. وكان له ما أراد، وتشكلت خلية عسكرية لتحضير العبوات الناسفة في مخيم بلاطة، تولى قيادتها وتنظيمها إلى أن وقع في الأسر وحكم عليه بالسجن ثلاثون شهراً، ونسفت سلطات الاحتلال منزل ذويه. وعلى الرغم من السجن ومعاناة النفس والأهل، إلا أن الأمير عاد للعمل الجهادي بوتيرة أشد وفعالية أقوى حيث اتصل بالمهندس أثناء وجوده في منطقة شمال الضفة الغربية وشاركه في جولاته الجهادية إلى أن انتقل مهندس الأجيال إلى قطاع غزة(226). ولم تكن علاقة عبد الناصر بالمهندس علاقة عابرة كما تشير سجلات الاستخبارات الإسرائيلية، ولذلك تعرض منزل عطا الله شاكر عيسى للمداهمة مرتين متواليتين خلال يوم واحد فقط. وكان السؤال الذي ردده ضباط الشاباك مهددين: «أين عبد الناصر؟ إذا لم يسلم نفسه فسيتم نسف المنزل مرة ثانية»، ويحتجز الصهاينة بطاقة هويته الخضراء التي حصل عليها قبل أسبوع فقط بعد معاناة ثلاث سنوات دون بطاقة(227).

لم يكن الأمير بحاجة إلى تلك البطاقة، فقد تبع معلمه، وغادر مخيم بلاطة إلى قطاع غزة مسجلاً في الجامعة الإسلامية هناك بشكل رسمي، وفي المقعد الأول بأكاديمية المهندس. وإلى جانب الأمير، جلس تلميذ آخر من عائلة تعود أصولها إلى مدينة خليل الرحمن، ولكنها تسكن منذ فترة طويلة ضاحية بيت حنينا في مدينة القدس. ولم يكن هذا التلميذ، سوى المهندس الإلكتروني محي الدين الشريف الذي اشتهر فيما بعد باسم (المهندس رقم 2). وسوياً، تلقى الاثنان من المهندس صناعة التفجير وقواعد التخطيط وتوجيه الخلايا وتجهيز العمليات وغيرها من البرامج.

اجتمع أربعة من الثلة الصادقة التي نفرت في سبيل الله لإعلاء رايته، لتدارس البرامج الجهادية وما يمكن عمله لتحقيقها على أرض الواقع. ويومها، لم يكن المهندس وأبو خالد وعبد الناصر ومحي الدين يعيشون في أحلام وردية أو في أبراج أصحاب النجوم والنياشين يوجهون ويأمرون. إذ تم توزيع المسؤولية بحسب الظروف والإمكانات، بحيث يتولى المهندس التوجيه والتخطيط من قطاع غزة ثم ينتقل عائداً إلى الضفة الغربية بعد ترتيب المجموعات والقواعد والملاجىء. وتكون مهمة أبو خالد، تنظيم مجموعات عسكرية متخصصة في أسر الجنود الإسرائيليين، والمشاركة في التخطيط، وبخاصة فيما يتعلق بالهجمات الخاطفة والكمائن وتوفير الوسائل القتالية. وأما التلميذان، فقد طلب المهندس من الأول (عبد الناصر) أن يستأجر شقة قرب مخيم بلاطة لتكون قاعدة لتجهيز العبوات الناسفة وتوجيه العمليات. ولنفس الأهداف، توجه محي الدين إلى المدينة المقدسة حيث أقام قاعدته القسامية النوعية الجديدة. وبين الاثنين، عمل المجاهد حاتم إبراهيم عبد الرحمن إسماعيل كضابط اتصال وتنسيق إلى جانب سفره بين الضفة الغربية وقطاع غزة لنقل التعليمات والإرشادات من المهندس وأبو خالد(228).

4- لبيب يترك تل أبيب في حيرة وقلق

عاد عبد الناصر ومحي الدين إلى الضفة الغربية في الأسبوع الأول من شهر يوليو (تموز) من عام ،1995 حيث اتجه عبد الناصر إلى مدينة نابلس، بينما أقام محي الدين في المدينة المقدسة. وبناء على التعليمات، استأجر عبد الناصر شقة تجارية في عمارة من خمسة أدوار في مدينة نابلس باسم مستعار، نقل إليها المواد الكيماوية وقطع من الأنابيب المعدنية وكمية من الأدوات الكهربائية. وفي هذه الشقة التي تحولت إلى مشغل لصناعة المتفجرات وتجهيز العبوات الناسفة، عمل عبد الناصر مع مساعده عثمان سعيد أحمد بلال (20 عاماً) بنشاط، وتمكنا من تركيب عدة حقائب احتوت على قطع أنابيب معدنية معبأة بمواد شديدة الانفجار ومتصلة بأسلاك وأجهزة تفجير(229).

وبموجب توجيهات المهندس، بادر عبد الناصر وحاتم في إقامة قاعدة تنظيمية في منطقة نابلس ارتكزت في البداية على تجنيد متطوعين لتنفيذ عمليات استشهادية. ولأنهما كانا معروفين بنشاطهما في حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، وشاركا مرات عديدة في فعاليات جهادية، نقل المهندس إلى تلميذه اسمي لبيب أنور فريد عازم (23 عاماً) وسفيان سالم عبد ربه جبارين (26 عاماً) كمرشحين لتنفيذ العمليتين الاستشهاديتين الأولى والثانية اللتين تقرر أن يتم تنفيذهما بالتعاون بين قاعدة عبد الناصر في نابلس وقاعدة محي الدين في القدس. وبناء على البرنامج الذي تلقياه من المهندس، فقد عمل القائدان محي الدين الشريف وعبد الناصر عيسى بحرص شديد بألا يتم الكشف عن أسماء المجاهدين الذين ينفذون العمليات الاستشهادية بعد استشهادهم. واستهدف المهندس من هذا الأمر، ألا يحصل الشاباك على أي معلومات تفيده في التحقيق بعد تنفيذ العمليات وترك ضباطه وخبرائه في حيرة من أمرهم(230).

بعد شرح طبيعة الهدف وتفاصيل الخطة وطريقة تشغيل المتفجرات، قام القائد عبد الناصر بنقل المجاهد لبيب عازم وحقيبة المتفجرات التي احتوت على أربعة كيلوجرامات وكمية من المسامير، في سيارته إلى ضاحية بني براك القريبة من تل أبيب حيث استقل لبيب الحافلة رقم (20) المتجهة إلى ضاحية رامات غان. وفي نحو الساعة الثامنة وأربعين دقيقة من صباح يوم الاثنين الموافق 24 تموز (يوليو) ،1995 مرت الحافلة بالقرب من مبنى بورصة الماس وأضحت على بعد مائة متر من زاوية شارع اباهيلل-لسكوف. وعندئذٍ، وقف المجاهد لبيب في وسط الحافلة، وشغل جهاز التفجير، ليدوي انفجار هائل دمر الجانب الأيسر من الحافلة تماماً وحطم جميع النوافذ وأحدث فجوة كبيرة في السقف، وانتزع غطاء المحرك ومخزن الحقائب. وعلى الأثر، أغلقت الشرطة الإسرائيلية المنطقة وهرعت عشرون سيارة إسعاف لنقل القتلى والجرحى حيث استقر ما اعترفت به الشرطة على ستة قتلى وواحد وثلاثون جريحاً من بينهم ستة بحالة خطرة(231).

ومع تواصل ردود الفعل الغاضبة لدى الشارع الإسرائيلي والدوائر السياسية بمختلف مشاربها، وقفت أجهزة الأمن والاستخبارات عاجزة عن تحديد هوية الاستشهادي والجهة التي تقف وراء العملية. ويشكل هذا العجز ضربة قوية لمصداقية أجهزة الأمن التي اضطرت لعرض صورة تقريبية للشهيد في التلفزيون الإسرائيلي والصحف على أمل التعرف على هويته بمساعدة مصادر عربية(232). وأعرب رئيس الحكومة الإسرائيلية عن خشيته من حصول عمليات لا تتبناها أي جهة، وقال في تصريح للإذاعة: «هناك ربما نوع جديد من الأعمال الإرهابية، إذ لم يعلن أي طرف مسؤوليته عن الاعتداء». وتابع اسحق رابين: «إن الصمت الذي يلزمه مرتكبو هذا الهجوم عائد ربما في رغبتهم بمراعاة السلطة الفلسطينية... قد يكون الإرهابي أتى من الخارج، لكن حتى في هذه الحالة، لا بد أنه حصل على دعم محلي»(233). ولئن توقعت مصادر استخبارية إسرائيلية أن تكون حركة حماس وراء العملية، بعد أن أشارت تقارير خبراء المتفجرات بوجود شبه كبير بين تركيبة المتفجرات المستخدمة في العملية وتلك التي استخدمت في العملية التي نفذها الشهيد صالح صوي، وظهور بصمات المهندس من خلال طريقة التنفيذ، فإن الناطق باسم الشرطة الإسرائيلية لم يستطع أن يحدد تلك المسؤولية بشكل رسمي حيث قال بأن الاتصال الهاتفي في الغالب لا يمتلك المصداقية الكافية للحسم بشأن الجهة التي نفذت العملية، حتى ولو جرى تبنيه على نحو واسع من قبل الإعلام. وانطلاقاً من ذلك، قال الميجر اريك بارشين: «إن أي تنظيم فلسطيني مناهض لعملية السلام لم يوزع حتى الآن شريط فيديو يعلن فيه مسؤوليته عن هذا الهجوم، كما حصل عادة مع العمليات الانتحارية السابقة. فالطرف المسؤول عن العمليات الانتحارية السابقة كان يذيع دائماً اسم المنتحر الذي نفذ العملية. ولذلك من بين الفرضيات أن المنتحر أجنبي إلا إذا كانت حماس تريد أن تخفي أنه من قطاع غزة لتجنب مواجهات مع السلطة الفلسطينية»(234).

كانت سلطات الاحتلال تدرك أنها بحاجة لمعرفة هوية منفذ الهجوم للبحث عن بقية أفراد الخلية التي تقف وراء العملية. ولذلك، بدأ الجيش الإسرائيلي حملة مداهمات في مناطق شمال الضفة الغربية، ثم نفذت حملة مماثلة في مناطق جنوب الضفة الغربية، غير أن أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية فشلت في الحملتين في العثور على ما يقود إلى هوية الشهيد لبيب عازم(235).

5- مستحيل أن يحصل مثل هذا في قلب مدينة القدس

حققت العملية الاستشهادية في رامات غان بتل أبيب نجاحاً متميزاً، ترك حكومة اسحق رابين وأجهزتها الأمنية في حالة ذهول، فللمرة الأولى لم يستطع ضباط الشاباك تحديد اتجاهات التحقيق. وقد كان هذا النجاح حافزاً أمام الفريق الرباعي الجديد للاستمرار في هذا النوع من العمليات إلى جانب التخطيط لأسر جندي من منطقة حيفا وإجراء مساومة عليه في مقابل معتقلين وأسرى في السجون الإسرائيلية. ولأن المعركة الاستخبارية بين الكتائب والشاباك اشتدت بعد عملية رامات غان وارتفعت حرارتها، فقد تدخل المهندس وأبو خالد بشكل مباشر لدعم عبد الناصر ومحي الدين اللذين عكفا على رصد الهدف الجديد الذي تمثل في الحافلة رقم (26 أ) التي تسير بين حي كريات يوفيل إلى جبل سكويوس بالمدينة المقدسة حيث الجامعة العبرية مروراً بمقر القيادة القطرية للشرطة الإسرائيلية في حي الشيخ جراح.

وطبقاً للخطة الموضوعة، فقد تقرر أن يقوم عبد الناصر ومحي الدين بتجهيز حقيبة متفجرة تحتوي على أنبوبتين معدنيتين يتم حشوهما بمواد (ت.ن.ت) ومسامير وصواعق تفجير كهربائية في الورشة بمدينة نابلس(236). وبعد ذلك، قام محي الدين الذي كان يساعده المجاهدان عبد المجيد دودين (33 عاماً) ورشيد الخطيب (28 عاماً) بنقل الحقيبة إلى المدينة المقدسة تمهيداً لتسليمها إلى المجاهد الاستشهادي سفيان جبارين الذي انتقل بدوره إلى القدس قبل يومين فقط من الموعد المفترض لتنفيذ العملية. وأما عبد الناصر ومجموعته، فقد باشروا بوضع الترتيبات والخطط لأسر جندي إسرائيلي حيث خرجت المجموعة في جولات استطلاعية عديدة(237).

أقفلت السلطات العسكرية الإسرائيلية قطاع غزة، ومنعت الدخول إليه أو الخروج منه، وشددت من حصارها العسكري ابتدأ من العاشر من آب (أغسطس) ،1995 بعد أن قام المهندس وأبو خالد بتسريب معلومات موثقة بأن الكتائب تعتزم تجهيز استشهادي من قطاع غزة لتنفيذ عملية كبيرة داخل مدينة تل أبيب. وتضمن التسريب كذلك، اسم الاستشهادي ومخطط العملية حيث أبلغت أجهزة الأمن الإسرائيلية نظيرتها في الجانب الفلسطيني بأن وائل طلب صالح نصار (23 عاماً) من سكان حي الزيتون بمدينة غزة تعاونه خلية من خمسة ناشطين من حركة حماس يحاول التسلل إلى تل أبيب لتفجير سيارة مفخخة من نوع فيات خضراء اللون(238).

وهنا، دخلت أجهزة الأمن الإسرائيلية والفلسطينية في سباق مع الزمن لمنع العملية التي كانت تعتقد بأنها نجحت لأول مرة في التقاط طرف خيط لها. وتعاونت الشرطة الفلسطينية بكل ما لديها، حتى تمكنت من محاصرة الاستشهادي المفترض مع المجاهدين القساميين عوض سلمى وإبراهيم النفار في منزل الأخير بحي الشيخ رضوان يوم الجمعة الموافق 18 آب (أغسطس) 1995. وبعد تبادل إطلاق النار بين المجاهدين الثلاثة ونحو (500) عنصر من رجال شرطة الحكم الذاتي يقودهم العميد موسى عرفات (رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية) تدخل مفاوضون من حركة حماس وأنهوا القضية على الشكل الذي أكمل المسرحية التي نسج المهندس وأبو خالد خيوطها. وسارع ياسر عرفات بحضور يعقوب تسور، وزير الزراعة الإسرائيلية الذي زار غزة في اليوم التالي إلى الإعلان عن نجاح الأمن الوقائي الفلسطيني في إحباط العملية الاستشهادية واعتقال الشخص الذي أشار اسحق رابين أنه الرجل (الانتحاري) الذي من المفروض أنه سينفذ العملية(239).

ومع أن قصة وائل نصار نجحت في جذب أنظار قوات الجيش وأجهزة الأمن الإسرائيلية باتجاه قطاع غزة لنحو أسبوعين تقريباً، إلا أن المهندس وأبو خالد رأيا بأن عليهما الاستمرار في مخططهما. فقام المهندس بتجهيز عبوتين ناسفتين تنفجرا بطريقة التحكم عن بعد، وسلمهما للقائد أبو خالد الذي نقلهما بدوره إلى مجموعتين قساميتين، حيث قامت الأولى بوضع العبوة على طريق الدوريات العسكرية بين مدينة خان يونس ومستوطنات غوش قطيف، لتنفجر بعد ذلك صباح يوم الخميس الموافق 17 آب (أغسطس) 1995 أثر مرور سيارة عسكرية إسرائيلية مما أدى إلى جرح جندي وفق ما اعترف به الناطق العسكري لجيش الاحتلال(240).

وفي الساعة السادسة والنصف من صباح يوم الجمعة الموافق 18 آب (أغسطس) ،1995 فجرت المجموعة الثانية عبوة ناسفة وضعتها على جانب الطريق الفاصل بين الحدود الفلسطينية - المصرية عند مخيم كندا بمدينة رفح أمام ناقلة جنود مصفحة، ولكن القيادة العسكرية الإسرائيلية تكتمت هذه المرة عن الإشارة إلى الإصابات التي لحقت بجنود الناقلة المصابة(241).

تحت عنوان (عرفات ورابين في قارب واحد) كتب المعلق السياسي في صحيفة هارتس، يوأل ماركوس معترفاً بنجاح المهندس وأبو خالد في تضليل الاستخبارات الإسرائيلية على الرغم من التعاون بين سلطة الحكم الذاتي والشاباك في هذه القضية. وجاء في تحليل ماركوس: «قبل عدة أسابيع، حصلت جهات أمنية إسرائيلية على اسم وعنوان شخص من حماس، يريد تنفيذ عملية انتحارية في إسرائيل، كانت المعلومات دقيقة بشكل لم يسبق له مثيل، بالإضافة لشريط تسجيل فيديو، يودع فيه الانتحاري هذا العالم في طريقه إلى الجنة، تم تبليغ عرفات بالمعلومات، مرفقة بتنبيه، إذا لم تلقوا القبض عليه خلال أربعة أيام، سنضطر أن نفرض طوقاً أمنياً، وفي يوم الجمعة، اعتقلت الشرطة الفلسطينية الانتحاري، ورفع الطوق الأمني الذي دام اثني عشر يوماً. بعد رفع الطوق الأمني، فتحت الأفواه الإسرائيلية وبالغت جهات عسكرية إسرائيلية بمديح السلطة الفلسطينية التي نفذت المهمة بسرعة، إذ قال ضابط من قيادة المنطقة الجنوبية: «هذا ما توقعناه من السلطة الفلسطينية، وهو استخدام الشدة ضد نشيطي حماس، ومن كان نائباً لقائد جهاز الأمن العام قبل فترة وجيزة، امتدح التعاون الاستخباري بين السلطة الفلسطينية وبين إسرائيل، وهم يستحقون كل الاحترام. ولكن لماذا كل الاحترام؟ وماذا بصدد عملية الباص رقم 26 في القدس؟»(242).

كانت الأمور تسير حسب المخطط حين غادر عبد الناصر وعثمان وحاتم مساء يوم السبت الموافق 19 آب (أغسطس) 1995 في إحدى رحلاتهم الاستطلاعية إلى منطقة حيفا. وتشاء الأقدار، أن يعتقل القائد عبد الناصر بعد أن أوصل المجاهدين إلى مكان إقامتهما حيث أوقفته دورية لجيش الاحتلال في شارع فيصل بمدينة نابلس. وينقل عبد الناصر على الفور إلى أقبية التحقيق، ويمارس الشاباك ألوان شتى من التعذيب النفسي والجسدي ضده في معتقل الجلمة القريب من حيفا. وعلى الرغم من الضغط بأساليب صعبة وقاسية كالشبح والهز والعزل الانفرادي، والحرمان من النوم والطعام والعلاج، وأوضاع عبد الناصر الصحية السيئة، إلا أن الطالب النجيب للمهندس أثبت لجلاديه صلابة المجاهد القسامي بصموده وعدم كشفه لاسم محي الدين ومجموعته مكتفياً بالإشارة إلى اتصاله بالمهندس والقائد محمد الضيف دون أن يذكر أي شيء عن العملية التي تم التخطيط لها في مدينة القدس. وجن رئيس الشاباك، الجنرال كارمي غيون حين نقل إليه محققوه بأن عبد الناصر كان يعلم بمخطط العملية الاستشهادية، وأنه لم يتكلم عنها إلا بعد أن اطمأن إلى نجاح محي الدين الشريف بتنفيذها(243). ولنحو شهرين، استمرت معاناة القائد عبد الناصر في أقبية التحقيق، وهذه المرة في سجن نابلس المركزي الذي نقل إليه، حيث أبلغ محاميه الذي زاره يوم الخميس الموافق 5 تشرين أول (أكتوبر) 1995 بأنه ما يزال يتعرض لأعمال شبح وتحقيق متواصلة لإجباره على الإدلاء باعترافات حول نشاط المهندس واتصالاته وأماكن تواجد المجموعات التي تعمل له(244).

اعتقل عثمان وحاتم في اليوم التالي، ودوهمت الورشة بعد خمسة أيام، وتوالت الاعتقالات التي طالت عدداً من نشطاء حركة حماس في مدينة نابلس. ولكن، هذه الإجراءات لم تنل من المجموعة القسامية المقدسية حيث عاود المهندس تنظيم عملية الاتصال مع محي الدين الشريف من جديد في فترة زمنية قصيرة، وطلب منه تنفيذ العملية في ذكرى جريمة إحراق العصابات الصهيونية للمسجد الأقصى المبارك. وبناء على التعليمات، قام محي الدين وعبد المجيد ورشيد بترتيب نقل المجاهد الاستشهادي سفيان جبارين في صبيحة يوم الاثنين الموافق 21 آب (أغسطس) 1995 إلى محطة الحافلات المركزية في الشطر الغربي من القدس بعد شرح طريقة تشغيل المتفجرات. وما أن وصلت الحافلة رقم (26 أ) إلى المحطة، حتى أخذ المجاهد سفيان مكانه في الجزء الخلفي منها، إذ أنها حافلة مزدوجة تتكون من شطرين موصولين بنظام خاص. وسارت الحافلة مخترقة الشوارع المزدحمة في حي رامات اشكول، وهو أول حي يهودي أقيم في القدس الشرقية بعد احتلالها عام 1967. وعند وصول الحافلة إلى مفترق ليفي اشكول في نحو الساعة السابعة وثلاثة وخمسون دقيقة، وهي ساعة الذروة الصباحية، وقف المجاهد سفيان ليكبس على جهاز التفجير مستغلاً اقتراب الحافلة رقم (9) التي تسير من جبعات رام إلى جبل الزيتون من الحافلة (26 أ)، ليدوي انفجار ضخم شطر الحافلة رقم (26 أ) إلى شطرين مدمراً الجزء الخلفي بشكل كامل، بينما لحقت أضرار بالغة في الحافلة الثانية من جراء ضغط انفجار العبوات التي قدر الخبراء زنتها بين 4 و6 كيلوجرامات. وظل المفترق حتى الساعة التاسعة والنصف أشبه بمستشفى ميداني حيث نشط موظفو شركة دفن الموتى في جمع أشلاء جثث وأجزاء من أجساد بشرية تناثرت في دائرة اتساعها عشرات الأمتار حول الحافلتين. ودفعت هذه المشاهد، ما زال بار-ناتاف، وهي شاهدة عيان أصيبت كغيرها بصدمة من هول ما شاهدته لأن تصرخ في وجه عيزرا وايزمان (رئيس الدولة) الذي حاول تهدئة الجمهور الغاضب بزيارته لموقع العملية: «مستحيل أن يحصل مثل هذا في قلب مدينة القدس.. هنا لسنا في غزة»(245).

وضعت سلطات الاحتلال كافة المستشفيات بالمدينة المقدسة في حالة استنفار وطوارىء لاستقبال القتلى والجرحى حيث أعلن الناطق العسكري الإسرائيلي عن خمسة قتلى من بينهم ضابط برتبة ميجر ومائة وسبعة جرحى صنفت جروح ثمانية منهم خطرة. ومما زاد في حالة الارتباك التي عاشتها الشاباك، صعوبة تحديد جثتين إحداهما لرجل والأخرى لامرأة. ودفع فرار شابة بدوية من خيمة أهلها ولجوءها إلى قبيلة أخرى تقطن في منطقة بيت لحم، وإبلاغ أهلها باختفائها منذ يوم الأحد، الشرطة الإسرائيلية إلى الاعتقاد بأن امرأة نفذت الهجوم(246)،واستمر هذا الاعتقاد حتى يوم الأربعاء حين اكتشفت الشاباك شريط الفيديو في مدينة نابلس.

أقامت قوات الاحتلال عدداً من الحواجز العسكرية على الطرق والمفترقات ومنعت مئات المواطنين الفلسطينيين من دخول القدس. ورغم كل الإجراءات التي اتخذتها السلطات العسكرية الإسرائيلية إلا أن المجاهد محي الدين الشريف تمكن من الاختفاء وتغيير أماكن تواجده مواصلاً العمل الجهادي على نفس النهج الذي سار عليه المهندس. وأما المجاهدان عبد المجيد دودين ورشيد الخطيب فقد وقعا في قبضة سلطة الحكم الذاتي أثناء عبورهما مدينة أريحا يوم 24 آب (أغسطس) 1995 حيث أصدرت محكمة السلطة على الأول حكماً بالسجن (12 عاماً) والثاني (7 أعوام) بتهمة المساس بمصالح السلطة الفلسطينية وترويج دعاية معادية لعملية السلام(!!)(247).

6- جنرال في مرمى الهدف

أمر اسحق رابين بصفته رئيساً للوزراء ووزيراً للدفاع ومشرفاً على أعمال جهاز الاستخبارات العامة (الشاباك) بتكثيف إجراءات البحث عن المهندس، وأوعز إلى ضباطه في لجنة الارتباط الإسرائيلية - الفلسطينية المشتركة بوضع أمر ملاحقة القائد القسامي على رأس القضايا الأمنية التي تُبحث مع سلطة الحكم الذاتي. ومن جهته، داهم الجيش الإسرائيلي في ساعة متأخرة من الليل (18/9/1995) قريتي رافات وقراوة بني حسان بعد محاصرتهما بشكل كبير منذ غروب الشمس، وأجرى عملية تفتيش واعتقالات في صفوف المواطنين الفلسطينيين. وتركزت أسئلة ضباط الشاباك المرافقين للقوة العسكرية على المهندس. وأما ياسر عرفات - رئيس سلطة الحكم الذاتي- فقد أصدر تعليماته الصارمة يوم الأربعاء الموافق 23 آب (أغسطس) 1995 إلى رؤساء أجهزة الأمن والاستخبارات الفلسطينية بالبحث عن يحيى عياش. وأكد اللواء نصر يوسف، قائد الشرطة الفلسطينية صدور مثل هذه التعليمات حين صرح للإذاعة الإسرائيلية: «إن عملية البحث عن يحيى عياش صعبة ولكن هناك تحركات وإجراءات حثيثة في هذا الاتجاه لا يمكن الكشف عنها في الوقت الحاضر»(248).

ولكن المهندس الذي يعمل وفق مبدأ (اعقلها وتوكل)، لم يثنه هذا التنسيق الجديد - القديم، واستمر في برنامجه الجهادي حيث أوفد المجاهد حاتم يوسف محمود زيادة (24 عاماً) وهو من مخيم جباليا القريب من مدينة غزة إلى الضفة الغربية بتعليمات للاتصال بمجموعة من المجاهدين في منطقة طولكرم بهدف إعادة إحياء منطقة شمال الضفة الغربية. ووفق المخطط، عمل حاتم على تجنيد وتنظيم عدة مجموعات ضمت خمسة عشر مجاهداً، لتنفيذ عمليات عسكرية بأساليب ونوعيات مختلفة ابتدأ من الهجمات الخاطفة والكمائن وحتى العمليات الاستشهادية، غير أن هذه المجموعات لم تباشر عملها الميداني نظراً لاعتقال حاتم في الأسبوع الثاني من شهر كانون أول (ديسمبر) عام 1995م(249).

وعاود المهندس الاتصال بالقائد محي الدين الشريف، وعمل على توجيهه نحو اثنين من المجاهدين من منطقة شمال الضفة الغربية شاركا المهندس وساعداه أثناء إقامته في منطقة رام الله، وكان لهما دور رئيس في التجهيز والإعداد للعمليتين الاستشهاديتين اللتين نفذهما سليمان زيدان وسلامة يوسف. وتبعا للاتصال والتنسيق، أضحى منصور يوسف شماسنه وراشد الحاج مسؤولين عن تجنيد نشطاء حركة حماس، وتنظيمهم في إطار مجموعات القدس التابعة لكتائب الشهيد عز الدين القسام. ومع نجاحهما في المهمة، نقل محي الدين الشريف إليهما عبوتين ناسفتين كبيرتين ومخطط للعملية التي تم الاتفاق على تنفيذها بين المهندس وأبو خالد ومحي الدين. ولم تكن تلك العملية سوى، نسف منزل الميجر جنرال داني روتشيلد، منسق شؤون الحكومة الإسرائيلية في الضفة الغربية وقطاع غزة، أثناء تواجده في داخله. وبعد عدة جولات استطلاعية، تسلل المجاهدان للمدينة المقدسة في نهاية شهر كانون أول (ديسمبر) ،1995 غير أنهما لم ينجحا في وضع العبوات الناسفة فعادا أدراجهما(250).

7- التلاميذ لا يقلون كفاءة عن المعلم

كان الصحفي الإسرائيلي ناحوم بارتي، أحد الإعلاميين القلائل الذين حاولوا تنبيه الحكومة الإسرائيلية إلى رد الفعل الذي يمكن أن يصدر عن حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في أعقاب اغتيال المهندس على يد أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية وعملائها. فقد كتب بارني في صحيفة يديعوت أحرونوت في السابع من كانون الثاني (يناير) ،1996 أي بعد يومين فقط من اغتيال يحيى عياش في غزة قائلاً: «إن السياسيين الإسرائيليين الذي يبتهجون ابتهاجاً عظيماً الآن لعملية تصفية يحيى عياش، سيثيرون صرخات احتجاج هائلة حول الإرهاب العربي الذي سيوجه ضدنا». كما كتب المحلل في الشؤون الأمنية، روني شيكد تعليقاً تحت عنوان «تلامذة المهندس يحيى عياش لا يقلون كفاءة عنه» متوقعاً موجة عنيفة من العمليات الاستشهادية ثأراً للمهندس حيث أشار: «إن تلاميذ عديدون للمهندس لا زالوا يتواجدون في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية، وهؤلاء قادرون على زرع القتل والرعب في إسرائيل». وتابع شيكد: «إن يحيى عياش لم يكرس جهوده فقط في صنع السيارات المفخخة والقنابل البشرية الحية، وإنما عمل على تنشئة وتربية جيل من مكملي دربه الذين سبق أن برهنوا في العمليات الانتحارية التي وقعت في رامات اشكول في القدس، وفي رامات غان قرب تل أبيب إنهم لا يقلون كفاءة عن معلمهم»(251).

والحقيقة، إن تلاميذ المهندس ليسوا بحاجة إلى كلمات ناحوم بارني ولا إلي تعليقات روني شيكد، إذ أن حالة الرعب والذهول التي سيطرت على المجتمع والدولة في نهاية شهر شباط (فبراير) ،1996 لم يشهدها الكيان الصهيوني منذ عدة عقود مضت. فقد خسرت الدولة العبرية خلال عشرة أيام فقط ما لم تخسره في بعض معاركها مع جيوش عربية جرارة، وأصبح كل إسرائيلي بعد العمليات الاستشهادية الأربعة في القدس وعسقلان والقدس وتل أبيب مهدداً ينتظر أن يأتيه الموت في كل لحظة ومن حيث لا يدري. وبعد الخسارة الكبيرة التي تكبدها الجيش والمستوطنون الصهاينة التي تمثلت بنحو (64) قتيلاً وما يزيد على (300) جريح في العمليات الأربع التي هندسها التلاميذ النجباء: محمد الضيف ومحي الدين الشريف وحسن سلامة، خسرت الدولة العبرية عنصري الأمن والاستقرار اللذين خاضت حروباً طاحنة من أجل تحقيقهما(252).

ومع تصاعد الأصوات الغاضبة للجمهور الإسرائيلي، وقف الجنرال كارمي غيون الذي أشرف شخصياً على الوحدات العسكرية التي اشتركت في عملية اغتيال المهندس ليصف العمليات الأربع بأنها «عمل محنك جداً» معترفاً في الوقت نفسه بأن غياب جسد المهندس لا يعني فقدان الروح الجهادية التي عملت من خلال هذا الجسد حيث قال: «لا أعتقد بأن شخصاً جاداً يتوقع تصفية العنف بعد اختفاء المهندس عن الخارطة. لقد هيأ المهندس تلاميذه، ويوجد إلى جانب المهندس أشخاص آخرون سيستمرون بأعمال العنف، وأعتقد بأن لديه تلاميذاً آخرين». وأما الأدميرال عامي إيالون الذي خلف الجنرال غيون في رئاسة الشاباك، فصرح للإذاعة الإسرائيلية في أعقاب العمليات الاستشهادية الأربع: «إن كتائب عز الدين القسام تتمتع بمستوى عال من التنظيم، وهي قادرة على تحويل المدن الإسرائيلية إلى مدن أشباح، إذ أن لدى هذه الكتائب احتياطياً يضم المئات من الشبان الذين يبدون استعداداً للتحول إلى قنابل بشرية»(253).

8- ملامح من الحياة السرية

لئن وجدت أجهزة الأمن والاستخبارات الإسرائيلية والفلسطينية صعوبات كبيرة في تتبع حياة المهندس وجولاته وأسلوب عمله وتنقلاته، فإنه من الصعوبة بمكان أن يحيط أي باحث مهما حاول في تفاصيل الحياة السرية ليحيى عياش. فالرجل لم يكن يترك آثاراً خلفه، ودائرة معارفه تكاد تكون مغلقة على عدد محدود من الأشخاص والمساعدين. ولكن هذا لا يمنع أن نقدم ملامح من الحياة السرية التي عاشها الشهيد الرمز أثناء إقامته في قطاع غزة، من خلال مقابلة أبو مصعب، وهو أحد مرافقي المهندس الذين عايشوه فترة من الزمن.فيقول أبو مصعب(254): «كان يعجبني في يحيى شجاعة قلبه، كان دائماً يقول لي: إن على الكريم أن يختار الميتة التي يحب أن يلقى الله بها، حتى إنه كان يغامر بالخروج في شوارع غزة بالسيارة، المرة تلو الأخرى، وكان يردد: قدر الله نافذ، ولا مفر من الموت. وفي الآونة الأخيرة كان يلاعب ابنه الصغير براء.. ويقول له: شد حيلك عشان أعلمك تصير زلمة».

ويضيف أبو مصعب: «يحيى لم يكن من النوع الذي يتحدث كثيراً، كان أغلب وقته صامتاً، إلا أنه كان يمازحنا ويمازح ابنه براء. كان كثيراً ما يفكر كيف ينفذ هجوماً هنا أو هناك، وكان يخرج متنكراً وبأشكال مختلفة، وكنا نعتقد أن يحيى معرض للخطر في كل وقت وثانية، ورغم أن الجهاز العسكري قد أوهم أجهزة الأمن الإسرائيلية أنه خرج إلى مصر إلا أن حالة الحذر ظلت قائمة. وكان تارة يخرج بجلابية طويلة وطاقية على رأسه. وتارة يخرج ببنطلون جينز وقميص قصير، وأغلب المرات كان يخرج في الليل، وحدث عدة مرات أن اجتزنا حواجز الشرطة الفلسطينية ورأينا جنود الاحتلال الإسرائيلي على طول الطريق الممتد من رفح حتى غزة، والحمد لله لم يتعرض مرة للاشتباه به». وحول شعور يحيى حينما كان يجهز أحداً من الناس للقيام بعملية استشهادية، يقول أبو مصعب: «يحيى نفسه كان يعيش الشهادة، ويتمناها، لكنه آثر أن يضرب داخل العمق الصهيوني أكبر عدد ممكن من الضربات، وكثيراً ما كان يقول: لو أنني كنت مكانه، إضافة إلى أنه كان يدقق في كل شيء وفي أصغر التفاصيل، كان الذي يسمعه حينها يظن أنه يرى الموقع أمام عينه، يحيى كان من الخبراء القلائل الذين أتقنوا فن تفخيخ السيارات، وهي ظاهرة لم يعرفها الشباب الفلسطيني منذ عهد الاحتلال، وبحق يعتبر يحيى مؤسس لمدرسة التفخيخ ورائد مدرسة الاستشهاديين. وحينما يتردد اسمه في وسائل الإعلام الإسرائيلية، كثيراً ما كان يضحك ويقول: هؤلاء جبناء. وحينما كانت بعض التقارير تتحدث عن الرعب الذي زرعه يحيى في نفوس الصهاينة، كان يذكر قوله تعالى بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى. وأذكر مرة أن التلفزيون الإسرائيلي بث تقريراً حول العمليات التي قام بها المهندس رحمه الله، وكان يحيى حاضراً فإذا بيحيى يقول: لسه الحبل على الجرار، والله إن شاء الله ما أخليهم يناموا الليل ولا يعرفوا الأرض من السماء. وفي الفترة الأخيرة كان يحب تلاوة القرآن ومطالعة الكتب والاستماع إلى نشرات الأخبار، وكان أحياناً يخرج ليتجول في شوارع غزة وكان أحياناً كمن يتودع منها يقول: إن نهاية الإنسان لا بد أن تأتي ما دام قدر الله قد نفذ».
  اقتباس المشاركة