رد: قصة حياة البطل الشهيد / يحيى عياش - ( كتاب )
رابعاً: تسديد حساب الحرم الإبراهيمي
صهاينة في الحرم الإبراهيمي
كان للمجزرة الوحشية التي ارتكبها المستوطنون اليهود بالتواطؤ مع جنود الاحتلال في الحرم الإبراهيمي الشريف أثناء أداء المؤمنين لصلاة الفجر يوم الجمعة الموافق 25شباط (فبراير) 1994 انعكاسات كبيرة ومؤثرة على مجريات الأحداث والعلاقات السياسية والدولية بين الدول ذات الاهتمام بالوضع السياسي والميداني للمنطقة. ومع تفاوت درجة التأثير بين دولة وأخرى، إلا أن حالة من الغليان والتوتر الشديدين سادت في كافة أنحاء المنطقة العربية والإسلامية والتجمعات والجاليات والأقليات العربية والإسلامية في دول المهجر والإقامة حيث طالبت الجماهير الفلسطينية والعربية والإسلامية بتعبير عفوي صادق بالانتصار لكرامة الأمة المهدورة والرد على الجريمة الغادرة و عدم الاكتفاء ببيانات الشجب والاستنكار وذرف الدموع خلال خطب المناسبات ومهرجانات التأبين.
وفي المقابل، واجه الجيش الإسرائيلي وأجهزة الأمن والاستخبارات بمختلف مسمياتها ووظائفها أوضاعاً معقدة جداً. فعلى الرغم أن حشد الجزء الأكبر من القوات الميدانية النظامية في الضفة الغربية وقطاع غزة وعلى طول الخط الأخضر الفاصل بين هاتين المنطقتين وفلسطين المختلفة منذ عام ،1948 لا يغير كثيراً من الوضع العسكري المعقد لمحاربة حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، ولن يكون قادراً على منع كتائب الشهيد عز الدين القسام من تنفيذ خططها وعملياتها العسكرية الجريئة، إلا أن القيادة العسكرية وضباط العمليات يرون بأن هذه الانطلاقة الوقائية إلى جانب الاعتقالات الاحترازية لأكثر من (1300) مواطن فلسطيني يتعاطفون مع حركة حماس يمكن أن تعيق من نشاط الحركة الإسلامية وتثقل الأعباء على الكتائب القسامية وتقلص من احتمالات نجاحهم في تنفيذ عمليات كبيرة.
تضاعف عدد الوحدات العسكرية الإسرائيلية التي تخدم في الضفة الغربية وقطاع غزة من (120) سرية إلى (480) سرية، وعززت الوحدات المنتشرة إجراءات الحراسة المتبعة حول محطات السفر المجاني التي يستخدمها الجنود على طرق المواصلات وداخل المعسكرات وفي محيط المستوطنات اليهودية. كما أعادت سلطات الاحتلال نقاط المراقبة العسكرية التي أزيلت في وقت سابق، وكثفت من الحواجز المفاجئة وتفتيش السيارات بما فيها تلك التي تحمل لوحات تسجيل إسرائيلية. وصدرت تعليمات عن قيادة الجيش الإسرائيلي للمستوطنين تقضي بعدم المرور في التجمعات العربية والتحرك من خلال قوافل تحميها سيارات عسكرية. وفي نفس السياق، وجه ضابط العمليات والاستخبارات تحذيرات إضافية للقادة العسكريين الميدانيين حول إمكانية وقوع محاولات لاستخدام سيارات مفخخة ضد معسكرات الجيش أو المستوطنات اليهودية. وتجاوباً مع هذه التحذيرات نصبت وحدات الهندسة سواتر ترابية على محيط المعسكرات وحول عدد من المستوطنات التي اعتبرتها الشاباك كأهداف محتملة للعمليات الثأرية.
1- برنامج من خمس مراحل
وجاء في بيان كتائب عز الدين القسام أن غرفة عملياتها «عقدت أحد أهم اجتماعاتها، واتخذت عدة قرارات ميدانية سيدفع المستوطنون ثمن تطبيقها غاليا». ويضيف البيان: «إن قيادة الكتائب درست الأبعاد الحقيقية للمجزرة، وقررت بالإجماع توجيه الرد المسلح من خلال خمس مراحل، كل مرحلة ستجعل الجيش الإسرائيلي والمستوطنين يبكون دماً على قتلاهم»(66). ومن خلال استقراء ملامح الخطة العسكرية وما جرى تطبيقه على أرض الواقع، يتضح بأن الرد القسامي على الجريمة تميز بدلالته وتوقيته وضخامته. ففيما يتعلق بالدلالة، تعتبر المراحل الخمس التي اشتمل عليها الثأر رسالة إلى القادة الإسرائيليين والمستوطنين اليهود مفادها أن جرائمهم تفتح باباً ومساراً لا نهاية له حين يعتدون على المواطنين العزل. وبالنسبة للتوقيت، فقد كان محكما وسليماً وذكياً كما سنرى حين نستعرض كل مرحلة على حدة، وأما النقلة النوعية في التخطيط، فقد تمثلت في ضخامة العمليات والعدد الكبير من القتلى والجرحى في صفوف الصهاينة، وهي خسائر لم تألفها الدولة العبرية من قبل.
2- سنابل عبد الرحمن حمدان
وقبل أن ندخل في تفاصيل وثنايا العمل الميداني للقادة الثلاثة، سيكون من الخطأ نسبة عمليات الثأر لرجل واحد أو حتى مجموعة حيث يدور الحديث عن شبكة واسعة جداً تشمل التخطيط وجمع المعلومات الاستخبارية المسبقة بخصوص الهدف وتحديد أسلوب التنفيذ وطريقة الاتصالات والنقل والخدمات. وعلى كل، فإن كل هؤلاء يحتسبون الأجر أولاً وأخيراً من الله سبحانه وتعالى ولا يلقون بالاً للإعلام أو الدعاية أو الشهرة. وليس سراً أن ما يصل وسائل الإعلام يقتصر فقط على دور الشهداء والمعتقلين في هذا الجانب أو ذاك.
جرى تشكيل مجموعتين استشهاديتين، الأولى في قطاع غزة وتتبع القائد أبو خالد وسنعود إليها في وقت لاحق. وأما الثانية، فقد شكلها المهندس وأبو جهاد وأطلقا عليها اسم (وحدة الشهيد عبد الرحمن حمدان)، وضمت في عضويتها كل من المجاهدين:
1- بشار حسن محمد العامودي: من مواليد مدينة نابلس عام ،1966 وشارك في فعاليات ونشاطات حماس في نابلس مند بداية الانتفاضة، فكان ينصب الكمائن لسيارات الجيش في منطقة رأس العين. وأصيب برصاصة دمدم في رجله أدت إلى تمزق فخذه، فمكث في المستشفى قرابة ثلاثة شهور وأمضى في السجن مدة سنتين خرج بعدها وهو عازم على العمل والشهادة. وهو متزوج ورزق بطفل بعد استشهاده.
2- سعيد محمد يوسف بدارنه: ولد في قرية يعبد عام ،1972 وتربى يتيماً بعد وفاة والده في بيت ملاصق لحائط جامع يعبد القديم. وبإصرار وعزيمة أنهى دراسته الثانوية بنجاح ولكن الأحوال المادية وكونه المسؤول عن البيت حالت دون إكمال الدراسة الجامعية. ومع اندلاع الانتفاضة، خرج سعيد مع الجماهير إلى الشوارع وسار في المظاهرات قائداً وموجهاً، حتى اعتقل يوم السبت 15نيسان (إبريل) 1994 وأصدرت محكمة عسكرية صهيونية عليه حكماً بالإعدام خفف لاحقاً إلى السجن المؤبد(67).
3- محمد مصطفى معالي سباعنة: مواليد قرية قباطية عام ،1967 وأصبح مطارداً إثر انكشاف أمر مشاركته في الكتائب ابتدأ من أيار (مايو) 1994. وكان قد اعتقل عدة مرات وتعرض لأساليب التعذيب الوحشية. وقد توفى البطل إثر مرض عضال في مستشفى المقاصد الخيرية بالقدس بتاريخ 24/8/،1994 وجرى تشيع جثمانه ودفنه في بلدته(68).
4- رائد محمد عبد الله زكارنه: ولد في قرية قباطية عام 1974 لعائلة كبيرة، وهو من شباب المسجد ويحضى باحترام خاص بين أقرانه. وقد اعتقل في شهر نيسان (أبريل) ،1993 وصمد في أقبية التحقيق (45) يوماً رغم العذاب والألم الذي تعرض له، ووقف وقفة مشرفة. فلم يركع أو يلين وتحدى ببطولة وشموخ الجلادين فلم يعترف. وبعد خروجه من المعتقل انضم إلى مجموعات المطاردين من كتائب القسام.
5- عمار صالح ذياب عمارنة: ولد في قرية يعبد عام ،1972 وواصل تعليمه في القرية حتى حصل على الشهادة الثانوية العامة. وخلال الانتفاضة شارك في الفعاليات، فاعتقل عدة مرات وأصيب مرات عدة أيضاً خلال المواجهات مع جيش الاحتلال.
6- أمجد ناصر حسين أكميل: ولد في قرية قباطية عام ،1972 وهو متزوج وله ثلاثة أولاد. وأصبح مطارداً ومطلوباً لسلطات الاحتلال في شهر يوليو (تموز) عام 1994.
7- أحمد سليم خليل أبو الرب: مواليد قرية قباطية عام ،1973 وقد أصبح مطلوباً لسلطات الاحتلال في شهر يوليو (تموز) 1994.
8- محمد أحمد صالح أكميل: مواليد قرية قباطية عام ،1975 وهو صديق رائد زكارنه ورفيق دربه. وقد اعتقل إثر مداهمة القرية في أواخر شهر آب (أغسطس) ،1994 وصدر عليه حكم بتاريخ 31/1/1995 بالسجن المؤبد إضافة إلى عشر سنوات لمساعدته وإخفائه الشهيد رائد(69).
ومنذ اليوم الأول لتشكيل وحدة الشهيد عبد الرحمن حمدان، ركز المهندس وأخيه أبو جهاد على ثلاثة محاور رئيسة شملت: الأهداف، والتوقيت، والإعداد. ففيما يتعلق بالأهداف، سرب المجاهدون عن طريق عملاء الشاباك الذين كانوا يتصيدون الأخبار عن برنامج المراحل الخمس بأن حركة حماس تنظر إلى مستوطنات نتساريم وغوش قطيف في قطاع غزة، وكريات أربع وقدوميم وتقوع في الضفة الغربية كأهداف عسكرية محتملة. ولهذا، قام سكان تلك المستوطنات أنفسهم بتعزيز الحراسات داخلها إلى جانب التعزيزات والتحصينات التي أقامها جيش الاحتلال وقوات حرس الحدود. وأما التوقيت، فقد كانت توقعات الشاباك والاستخبارات العسكرية بأن تشهد ذكرى يوم الأرض وذكرى مرور شهر على مجزرة الحرم الإبراهيمي (25/3) عمليات عسكرية كبيرة لحركة حماس. وبالنسبة لعملية إعداد المجاهدين، أظهر المهندس حرصاً شديداً على الجانب العملي والميداني وذلك من خلال تكليفه لأعضاء الوحدة ببعض المهمات العسكرية. فعلى سبيل المثال لا الحصر، جهز المهندس عبوة ناسفة موقوتة، وأرسل ثلاثة مجاهدين بقيادة سعيد بدارنة لوضعها على الطريق المؤدي إلى مستوطنة شكيد القريبة من بلدة يعبد غربي مدينة جنين لتنفجر مساء يوم الخميس الموافق 17أذار (مارس) 1994 أثناء مرور حافلة عسكرية إسرائيلية على ذلك الطريق. ولكن سلطات الاحتلال تكتمت عن الإصابات والأضرار التي لحقت بالجنود والحافلة التي أصيبت بأضرار.
وجه المهندس المجاهدين رائد زكارنة ومحمد أحمد أكميل للقيام بعمليات رصد واستطلاع للهدف الأول في برنامج المراحل الخمس، وهو حافلة عسكرية تمر كل يوم سبت على طريق (جنين- العفولة) تكون عادة مكتظة بالجنود المجازين من وحداتهم المرابطة في مدينتي جنين ونابلس. وبعد جمع المعلومات الضرورية، وضع المهندس المخطط التفصيلي للعملية مع القائد أبو جهاد، وأعد سيارة مفخخة بشحنة ناسفة زنتها سبعة كيلو غرامات وخمس قنابل يدوية. وحسب الخطة، كان من المفترض أن يستقل البطلان رائد ومحمد السيارة ويسيرا على طريق (جنين - العفولة) حتى تتوازى السيارة مع الحافلة العسكرية، وعندئذ يتم تجاوز الحافلة، ووسط عملية التجاوز يقوم المجاهدان بتفجير العبوات الناسفة. ولكن هذه العملية لم تنفذ، إذ جرى تغيير الخطة في اللحظة الأخيرة، كما أن ذلك الهدف لم يعد على أجندة برنامج المراحل الخمس نظراً للتعقيدات الفنية التي طرأت جراء تشديد سلطات الاحتلال لإجراءات الحراسة على طريق (جنين - العفولة)، وتكثيفها للحواجز العسكرية وبخاصة المفاجئة منها. وعلى الأثر، انتقل المهندس للهدف التالي، وهو محطة الحافلات المركزية في مدينة العفولة داخل المناطق المحتلة منذ عام 1948.
3- عرس في ذكرى الأربعين
يعتبر اختيار المهندس للهدف الجديد وأسلوب التعامل معه موقفاً، فقد حمل هذا الاختيار دلالات سياسية ومؤشرات عسكرية أدرك الكيان الصهيوني قبل غيره خطورتها على أمنه. ومن هذه الدلائل والمؤشرات يمكن تحديد التالي:
أ- التخطيط المحكم والعناية في اختيار الوقت حيث تم تنفيذ العملية مع انقضاء فترة الأربعين على جريمة الحرم الإبراهيمي.
ب- تمت العملية بأسلوب عسكري دقيق ومباغت فاجأ سلطات الاحتلال وأجهزة أمنها مما يعني قدرة حركة حماس العسكرية على تخطيط وتنفيذ عملياتها في أشد ظروف يقظة وترقب جيش واستخبارات وشرطة الاحتلال. فقبل العملية، أشار موشيه شاحل، وزير الشرطة بأن وزارته اتخذت كافة الانطلاقة اللازمة لمنع وقوع مثل هذه العمليات، وخصوصاً في ذكرى الأربعين لشهداء مجزرة الحرم الإبراهيمي.
جـ- تم تنفيذ العملية في عمق فلسطين وداخل المناطق المحتلة منذ عام 1948 التي يعتبرها الكيان الصهيوني (أرضاً إسرائيلية خالصة وبيتاً آمناً لليهود). وهذه النقطة تحمل في طياتها أكثر من مغزى، لعل أبرزه هو أن اتفاق غزة-أريحا لن يجلب الأمن لإسرائيل، مما يلغي نظريات بيريز القائلة بأن خروج الإسرائيليين من غزة سيؤدي إلى تقليص الهجمات التي يتعرضون لها.
بدأت كتائب الشهيد عز الدين القسام بالتجهيز والإعداد لتنفيذ العملية حين كلف المهندس أخاه بشار العامودي بنقل الأدوات والسيارة التي تم الاستيلاء عليها من داخل المناطق الإسرائيلية، في الأسبوع الأخير من شهر آذار (مارس) إلى مخزن قام مجاهدي قباطية باستئجاره في منطقة جنين. وفي وقت لاحق انضم المهندس إلى إخوانه في منطقة جنين وأشرف على تغيير رقمي المحرك والشاصي ثم باشر بتفخيخ السيارة بأكثر من (50) كيلو غراماً من المتفجرات وعدد من اسطوانات الغاز وكيس مسامير. وقام المجاهد بشار العامودي بتسليم السيارة بعد ذلك للمجاهدين أمجد أكميل وأحمد أبو الرب اللذين توليا ترتيب الدخول بها إلى مدينة العفولة. وأما المجاهد رائد زكارنة الذي تطوع لقيادة السيارة وتنفيذ الهجوم، فقد انتحل شخصية مواطن فلسطيني من سكان قرية المشهد في الجليل الأعلى، واجتاز الخط الأخضر مع المجاهد محمد مصطفى سباعنة الذي وفر لرائد هوية إسرائيلية باسم نزال أحمد كريم(70).
وفي نحو الساعة الثانية عشرة والنصف من بعد ظهر يوم الأربعاء الموافق 6نيسان (أبريل) ،1994 ووفقاً للخطة التي أعدها المهندس، تقدم رائد زكارنة بسيارته المفخخة نحو محطة الحافلات المركزية في مدينة العفولة وتتبع الحافلة التي تعمل على خط رقم (348) بعد خروجها من المحطة باتجاه (المجدل - مجدال هعيمق). وعند محطة انتظار الحافلات القريبة من المركز الثقافي بالشارع الرئيس لمدينة العفولة توقفت الحافلة. وفتح السائق بابها الأمامي لصعود الركاب. وعندئذ، تجاوز رائد الحافلة وأوقف سيارته على مسافة مترين فقط من مقدمة الحافلة وخلال ثوان، دوى صوت انفجار قوي حوَّل السيارة إلى أشلاء تطايرت على بعد عدة أمتار. كما تحطمت جميع نوافذ الحافلة واحترق هيكلها الداخلي وأصيب جميع من فيه بدرجات متفاوتة. كما جرح عدد من المستوطنين عندما تحطمت الواجهات الزجاجية لبعض المحلات التجارية القريبة بفعل انفجار السيارة.
وعلى الأثر، هرعت فرق الإنقاذ وسيارات الإسعاف، وهبطت الطائرات المروحية لإخلاء المصابين بجروح خطيرة. وكان المكان أشبه بساحة حرب حيث تناثرت جثث القتلى في الشارع، بينما كان عشرات الجرحى يصرخون والدماء تنزف من أجسامهم. وبلغت حصيلة العملية البطولية، ثمانية قتلى وواحد وخمسين جريحاً اعتبرت جراح تسعة منهم خطيرة جداً(71).
ويترجل رائد زكارنة إلى جنات الخلد بعد أن شفى غليل شعوب العالم الإسلامي التي كانت في توق شديد إلى الانتقام من الصهاينة. وشرب الصهاينة من نفس الكأس الذي شرب منه أهل الخليل قبل أربعين يوماً. وسيطرت حالة من الذهول على المجتمع الإسرائيلي، وخرجت تظاهرات هستيرية تطالب بالانتقام وتحمل اسحق رابين مسؤولية سقوط نظرية الأمن وتتهمه بالخيانة.
4- الكتائب وبصمات عيد الاستقلال
الانطلاقة القمعية التي اتخذتها حكومة اسحق رابين لم تكن مفاجئة، إذ أن حالة الهستيريا التي أصابت أركان الدولة والجمهور اليهودي، والفشل الذي منيت به قوات الشرطة وأجهزة الاستخبارات إثر عملية العفولة، دفع سلطات الاحتلال العسكرية إلى تشديد الطوق العسكري والحصار الأمني الشامل حول الضفة الغربية وقطاع غزة، وفي غمرة التهديدات العنيفة التي صدرت عن رابين بأنه سيقضي على المهندس ومن وراءه، أعطى رئيس الوزراء الإسرائيلي أوامره للجهات الأمنية والعسكرية بتشديد الإغلاق وعمليات التفتيش عن العمال الذين ما زالوا داخل المناطق المحتلة منذ عام ،1948 ووضع جميع الوحدات العسكرية التي تضم قوات من الجيش والشرطة وعناصر الأمن والاستخبارات وأفراد الوحدات الخاصة وقوات المظليين في حالة تأهب قصوى وألغى جميع الإجازات التي كان من المفترض أن تمنح للجنود بمناسبة احتفالات عيد استقلال الدولة حسب التقويم العبري الذي يصادف يوم الخميس الموافق 14نيسان (إبريل) 1994. وبموجب هذه الأوامر أيضاً، قامت الشاباك بحملة اعتقالات واسعة طالت أكثر من (2700) مواطن باعتبارهم منتمين أو مؤيدين أو متعاطفين مع حركة المقاومة الإسلامية (حماس). وتخلل عمليات الاعتقال مداهمة وتفتيش للبيوت بعنف وقسوة تجاوزت الغرض منها، حيث شملت تلك المداهمات تحطيم الأثاث وتخريب الممتلكات وترويع السكان الأمنيين(72). وفي غرفة العمليات المركزية لكتائب الشهيد عز الدين القسام، جمع المهندس مساعديه بعد انطلاق رائد نحو هدفه في العفولة للتشاور وتدارس المستجدات والتوقعات وأثار الانطلاقة الإسرائيلية على الجهاز العسكري لحركة حماس عامة وعلى مجموعة الشهيد عبد الرحمن حمدان وسط تصميم على تنفيذ المرحلة الثانية من برنامج الثأر لشهداء الحرم الإبراهيمي في ذكرى عيد استقلال الدولة العبرية، وفي غمرة احتفالاتها بذكرى الجنود الإسرائيليين القتلى حيث أراد المهندس اختراق كل الانطلاقة العسكرية والأمنية وتحطيم أسطورة أجهزة الأمن الصهيونية وزعزعة الأمن الداخلي للدولة العبرية. ومن جهة ثانية تحويل ذكرى إعلان تأسيس إسرائيل إلى يوم مناحة وبكاء على القتلى أسوة بمعاناة الشعب الفلسطيني في عيد الفطر الذي أعقب جريمة الحرم الإبراهيمي الشريف.
بعد إقرار غرفة العمليات المركزية لاقتراح المهندس وخطته الجديدة، والتي اشتملت على تنفيذ عملية مزدوجة في محطة الحافلات المركزية بمدينة الخضيرة داخل المناطق المحتلة منذ عام ،1948 أعد المهندس برنامجه الجهادي، وبدأت مرحلة الاستعداد واختيار الطاقم المساعد وعناصر الإسناد والدعم اللوجستي. وبناء على ضروريات السرية، تم توجيه المجاهد سعيد بدارنه عبر ما يعرف باسم (النقاط الميتة) لاستلام الخطة والتوجيهات وتفاصيل وطريقة استعمال المتفجرات. فقد تضمنت خطة العملية، تجهيز عبوتين ناسفتين بطريقتين مختلفتين. فالأولى، جرى تركيبها وتشكيلها بحيث يتم وضعها على الجسم، بينما ركب المهندس العبوة الثانية في حقيبة سفر صغيرة تشبه ما اعتاد جنود الاحتلال على استخدامها خلال تنقلاتهم من وإلى معسكراتهم. ووضع المهندس العبوتين وإرشادات الاستخدام وتفاصيل العملية والهدف في النقطة الميتة وهي مقبرة بلدة يعبد، ليستلمها سعيد في وقت لاحق.
ارتكب المجاهد سعيد بدارنه خطأ أمنياً فادحاً، أدى إلى الكشف عن أعضاء مجموعة الشهيد عبد الرحمن حمدان واعتقال عدد من المجاهدين الذين قدموا الخدمات والمساعدة للمجموعة، وهذا ما قاد فيما بعد إلى اعتقال سعيد نفسه بعد ثلاثة أيام من العملية. فقد رضخ المجاهد القسامي لتوسلات وإصرار صديقه الحميم ورفيق دربه عمار عمارنه بأن يقر ترشيحه لتنفيذ العملية الاستشهادية. وكان سعيد وعمار يسكنان في بيتين متجاورين في يعبد ومعروفان كصديقين من مؤيدي حركة حماس. ومن البديهي، ولكون عمار غير مطلوب لسلطات الاحتلال، أن تبدأ الشاباك بعد تنفيذ عمار للعملية حملة اعتقالاتها في بلدة يعبد وبالتحديد تستهدف الأصدقاء والمقربين لعمار، خاصة وأن نشطاء حركة حماس في البلدة ارتكبوا هم أيضاً خطأً آخر حين جابوا البلدة فور الإعلان عن العملية معلنين بأن منفذها هو عمار عمارنه بناء على معلومات وأوامر من سعيد بدارنه. وعلى كل، لا نملك أية معلومات أو أسباب يمكن أن تنقض هذا الاستنتاج. ونعود إلى المجاهد البطل سعيد بدارنه الذي قام بشرح تفاصيل العملية للمجاهد عمار عمارنه وطبيعة الهدف وطريقة الصعود للحافلة ثم اصطحبه يوم الثلاثاء الموافق 12نيسان (إبريل) 1994 إلى قرية برطعة الشرقية، وهي قرية عربية متاخمة للخط الأخضر وتقع ضمن المناطق المحتلة منذ عام ،1948 وباتا ليلتهما عند ظاهر ربحي كبها الذي لم يكن يعرف بنيتهما. وفي صبيحة اليوم التالي، ربط سعيد العبوة الأولى على جسم عمار وسلمه الحقيبة السوداء التي تحوي العبوة الثانية ثم أرشده إلى طريقة التفجير. وغادر سعيد عائداً إلى بلدة يعبد بعد أن اهتم بتأمين سيارة إسرائيلية من نوع سوبارو يقودها عاطف أحمد كبها وهو أيضاً من قرية برطعة الشرقية لنقل عمار إلى مدينة الخضيرة مقابل أربعين شيكلاً (13دولار أمريكي)(73).
وصل البطل عمار عمارنه وقد ربط على جسده عبوة متفجرة فيما حمل الثانية داخل حقيبة سوداء إلى محطة الحافلات المركزية في مدينة الخضيرة، ووقف في مكان الانتظار الخاص بالحافلة رقم (820) والتي تعمل على خط (العفولة - الخضيرة - تل أبيب). وعند الساعة الثامنة وخمسين دقيقة من صباح يوم الأربعاء الموافق 13نيسان (إبريل) ،1994 وفي غمرة انشغال الكيان الصهيوني بعيد الاستقلال وذكرى جنوده القتلى، توقفت الحافلة (820) في المحطة لإنزال ركاب ونقل آخرين. وعندئذ، صعد عمار إليها من الباب الخلفي بعد أن ترك الحقيبة المفخخة في الموقف بناء على تعليمات المهندس. وخلال ثوان قليلة، فجر البطل العبوات التي تحزم بها ليقضي شهيداً ويقتل مالا يقل عن خمسة بينهم ثلاثة جنود ويصيب نحو اثنين وثلاثين آخرين بينهم ثمانية عشر جندياً وفق ما اعترف به الناطق بلسان الشرطة الإسرائيلية. وقد تحطم الجزء الخلفي من الحافلة وأصيبت المحطة بأضرار مادية جسيمة، وعلى الفور دفع العدو بتعزيزات من الشرطة وحرس الحدود وطواقم من محققي الشاباك، بينما قامت فرق الإنقاذ والإسعاف بنقل القتلى والجرحى إلى المستشفيات. وخلال عمليات التمشيط التي قامت بها وحدات الهندسة وخبراء المتفجرات، عثر العدو على الحقيبة المفخخة قبل انفجارها بلحظات قليلة، ليتم تفجيرها في مكانها بعد إخلاء المنطقة(74).
حملة الاعتقالات التي نفذتها الشاباك بتعزيز من المظليين والوحدات الخاصة في أعقاب العملية طالت نحو (500) مواطناً فلسطينياً جديداً، وضمت أئمة مساجد وطلاب وأطباء وأكاديميين ممن استثنوا في الحملات السابقة. وقد قادت الاعتقالات وعمليات التعذيب الشديدة التي تعرض لها المعتقلون من منطقة جنين بشكل عام وبلدة يعبد بشكل خاص إلى اعتقال سعيد بدارنه واثنين من مساعديه بعد ثلاثة أيام. وفي ضوء هذه التحقيقات، واعتراف مجموعة منطقة جنين على المجاهد بشار العامودي ودوره كحلقة وصل بين المجموعة والمهندس، غادر المهندس وإخوانه بشار وأمجد وأحمد ومحمد المنطقة عائدين إلى نابلس حيث انضموا إلى ركب المطاردين مع القائد القسامي أبو جهاد، ليكون لهم موعد آخر مع الشهادة.
5- إنها الجنة تبغي ثمنا
اتخذ المهندس وأركان عملياته ومساعديه من قرية قراوة بني حسان والمنطقة المحيطة بها مأوى وقاعدة لتخطيط العمليات وتوجيه المجموعات الفدائية المقاتلة، ورفع القائد أبو جهاد من حالة التأهب في صفوف المجموعات العاملة بإمرته وزاد من إجراءات الأمن في المنطقة لحماية غرفة العمليات المركزية لكتائب عز الدين القسام وصديقه الحميم، يحيى عياش. وسوياً عمل القائدان على تنظيم عناصر جديدة وتدريبها وتوزيعها على المجموعات، وباشرا بالتخطيط لتنفيذ العمليات النوعية الثلاث المتبقية من برنامج المراحل الخمس. ولكن هذا الانشغال بتأمين الحماية وتعزيز المجموعات لم يحل دون استمرار برنامج التصعيد الجهادي بكافة الوسائل القتالية المتاحة ومشاغلة قوات الاحتلال وارباك خططها. ويمكن القول بأن هذه الاستمرارية قد ساهمت، بشكل كبير وفعال، في تدريب العناصر الجديدة ميدانياً وبالذخيرة الحية. فعلى سبيل المثال، أرسل القائدان القساميان المجاهد حسن مصطفى حسن الزاغة (18 عاماً) وهو من سكان حي رفيديا بمدينة نابلس لمهاجمة جندي الحراسة الذي يتولى أمن مركز شرطة نابلس، ليئور مزراحي، وهو من لواء جولاني بعد أن تولت مجموعة الاستطلاع رصد الهدف وتحديد طريقة الانسحاب. وقد تم الهجوم باستخدام المسدس في صبيحة يوم السبت الموافق 23 نيسان (إبريل) ،1994 وأسفر الهجوم عن إصابة الجندي بجروح خطيرة. ونجح المجاهد بالانسحاب، رغم إصابته بجروح في ساقه اثر إطلاق جنود إسرائيليين آخرين تصادف مرورهم بالقرب من المكان(75).
وفي تقدم تقني عبر عن مهارة المهندس وإبداعاته، جهز أبو البراء عبوة ناسفة تنفجر بالتحكم عن بعد بواسطة الهاتف اللاسلكي حيث قامت إحدى المجموعات الجديدة بزرع تلك العبوة على الطريق العام القريب من المقبرة الغربية بمدينة نابلس. وعند مرور سيارة عسكرية في حوالي الساعة الواحدة والنصف من صباح يوم الخميس الموافق 30 حزيران (يونيو) ،1994 فجر المهندس عبوته الناسفة لتتطاير السيارة في الهواء ثم ترتطم بالأرض محترقة. وقد اعترفت السلطات العسكرية بالعملية، ولكنها زعمت بأن التفجير قد أسفر عن جرح جنديين فقط. كما وضع المهندس عبوتين ناسفتين موقوتتين داخل محطة وقود خاصة بمستوطنة (غينوت شومرون) أعدتا للانفجار في صباح يوم الجمعة الموافق 1يوليو (تموز) ،1994 إلا أن العدو عثر على العبوتين وقام خبراء المتفجرات بتفكيكهما. وعلى الرغم من عدم وقوع إصابات أو أضرار، إلا أن المستوطنين أصيبوا بحالة من الهلع والخوف واعتبروا أن وضع العبوتين يشكل تصعيداً في العمليات التي تستهدفهم(76).
الوحدات العسكرية المحمولة والراجلة التي دفعتها قيادة جيش الاحتلال إلى المنطقة فشلت في تعقب أثار المهندس وأخيه أبو جهاد اللذين انسحبا بسلام مع مجموعاتهما باتجاه القاعدة الآمنة في منطقة قراوة بني حسان. ولم يكن القائدان القساميان يضعا رحالهما، حتى جوبها بإلحاح شديد من قبل المجاهد منصور عاطف ريان* [منصور عاطف ريان: ولد في قرية قراوة بني حسان عام ،1975 وهو من عناصر حركة حماس المعروفين بالقرية وإن كانت سلطات الاحتلال قد حاولت التشكيك به والزعم بأنه نفذ العملية لكي يبرهن للحركة بأنه ليس متعاوناً مع الشاباك. وقد اعتقل منصور يوم 6/7/1994 وحكم بالسجن المؤبد.] بأن يشركاه في العملية التالية، وهي مهاجمة مستوطنة (تنعيم) التي تقع شمال طريق (حوكسية شومرون) القريبة من قرية قراوة بني حسان. وأمام هذا الإلحاح، استجاب القائدان لطلبه وأكرماه بالدور الأكبر في العملية. ففي ساعة مبكرة من صباح يوم الجمعة الموافق 1/7/،1994 اقتحمت المجموعة الفدائية مستوطنة (تنعيم) وتوزع أعضاءها على شكل قتالي حول منزل الضابط في الاحتياط، يورام سكاوري (30 عاماً). وخلال ثواني معدودة، قفز المجاهد منصور إلى المنزل عبر النافذة، ودون أن يحدث صوتاً أو جلبة، طعن الضابط عدة طعنات في البطن والعنق والظهر ثم غادر المنزل تاركاً الضابط جثة هامدة بينما زوجته تتخبط بدمائها من جروح أصابتها اثر محاولتها الدفاع عن زوجها(77).
وبناء على الخطة التي وضعها القائدان القساميان، سارت المجموعة الفدائية بعد مغادرتها للمستوطنة على الطريق الترابي المؤدي إلى قرية قراوة بني حسان دون أن تزيل الآثار وذلك للتمويه على قوات الاحتلال وقصاصي الأثر. إذ إن المجموعة لم تستقر بالقرية، بل غادرتها على الفور عن طريق آخر حيث تولى أحد المجاهدين إزالة آثار الأقدام الجديدة. وقد انطلت الحيلة على السلطات العسكرية الإسرائيلية، خاصة وأنها اكتشفت العبوة الناسفة التي جهزها المهندس وتركتها المجموعة الفدائية عند مدخل المستوطنة، وهذا ما أغرى ضباط الشاباك الذين تحمسوا لتتبع الآثار اعتقاداً منهم بأن ذلك سيقودهم للمطلوب الأول على قائمتهم وصديقه. ومما يدل على الأهمية التي كانت توليها سلطات الاحتلال لعملية اقتحام قرية قراوة بني حسان، مشاركة الميجر جنرال ايلان بيران (قائد المنطقة العسكرية الوسطى) والجنرال شاؤول موفاز (قائد قوات الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية) على رأس القوة المهاجمة والتي قدرت بنحو (1000) جندي من الجيش والوحدات الخاصة وقوات حرس الحدود ترافقهم (100) سيارة عسكرية إضافة إلى طائرتين مروحيتين لسلاح الجو وعدة مجموعات سرية من قوات المستعربين تنكرت بزي نساء عربيات(78). في البداية حاصرت القوة الإسرائيلية القرية من جميع الجهات، وحمل ضباط من الشباك مكبرات الصوت ليعلنوا فرض حظر التجول والطلب من السكان التزام منازلهم وعدم الخروج. وبعد ذلك، أخذت الوحدات الإسرائيلية تطبق على القرية وتمشطها بيتاً إثر بيت إلى أن وصلت إلى خمس منازل متجاورة تعود لعائلة عاصي، ومن بينها منزل القائد أبو جهاد وشقيقه. ومع حلول الساعة الحادية عشر مساءً، أصدر الجنرال بيران أوامره بإطلاق الصواريخ على منزل أبو جهاد رغم أنه لم تطلق من داخله أي رصاصة. وبعد أن اطمأن قادة الجيش الصهيوني، اقتحم الجنود المنازل الخمس وقاموا بتحطيم أثاثها والعبث بمحتوياتها إمعاناً بالتخريب تغطية على فشلهم في النيل من المجاهدين(79).
وعلى الرغم من نجاح الخديعة، إلا أن المقام في منطقة قراوة بني حسان لم يطل، فقد اعتقل المجاهد منصور ريان يوم الأربعاء الموافق 6يونيو (تموز) 1994 إثر كمين نصبته الوحدات الخاصة الإسرائيلية للمجاهد أثناء زيارته لمنزل العائلة في قراوة بني حسان. وعليه، غادر القائدان القساميان المنطقة نحو مدينة نابلس حيث كان المجاهد علي حجة وهو أحد القائمين على خدمة الكتائب القسامية قد استأجر شقة في منطقة المخفية لسكن القائدين قبل عشرة أيام. وبعد استقرار المجموعات العسكرية في مدينة نابلس، تدارس القائدان الوضع العام لغرفة العمليات المركزية والظروف التي تمر بها منطقة شمال الضفة الغربية، ووجدا أنه من الأنسب في تلك الظروف أن يتم نقل غرفة العمليات المركزية إلى منطقة جنوب الضفة الغربية، وبالتحديد إلى مدينة الخليل. ولكن عملية الانتقال لم تتم، فقد تسارعت الأحداث ابتداء من اعتقال المجاهد علي حجة ومغادرة المهندس وأبو جهاد إلى حارة الياسمينة إثر ذلك، وانتهاء بالمعركة العنيفة التي دارت بين الأبطال علي عاصي ويحيى عياش وبشار العامودي وقوات كبيرة من جيش الاحتلال حاصرتهم في المنزل الذي كانوا يتحصنون فيه.
كان بشار يعلم أن المنزل الذي انتقل إليه مع أخويه أبو البراء وأبو مجاهد غير آمن، ولكن المجاهدين الثلاثة اعتبروا انتقالهم إليه مؤقتاً ريثما تزول حالة الارتباك التي سادت في جهاز الأمن ومجموعات الدعم اللوجستي إثر اعتقال المجاهد علي حجة. ولأن قدر الله نافذ، والجنة بإبلاغ ثمناً، فقد شاهد أحد المجرمين المرتبطين بجهاز الشاباك المطاردين الثلاثة يدخلون إلى منزل مهجور يعود إلى عائلة جاد الله في حارة الياسمينة بالبلدة القديمة من مدينة نابلس. وما أن وصلت معلومات العميل إلى الضابط المسؤول عنه، ومن ثم إلى الجنرال يعقوب بيرى (رئيس الشاباك) والذي كان يولي حملات البحث والمطاردة لقتل المهندس اهتماماً شخصياً ومباشراً حتى بدأت الحرارة بالارتفاع وانشغلت أجهزة الهاتف داخل مقر الشاباك، وفي مقر رئاسة الأركان وقيادة المنطقة الوسطى بالاتصالات المتبادلة لحشد قوات منتخبة من الجيش والمظليين لهذه المهمة الخاصة. وفي نحو الساعة الثانية من فجر يوم الاثنين الموافق 11يوليو (تموز) ،1994 فرضت سلطات الاحتلال نظام منع التجول على مدينة نابلس وقطعت خطوط الهاتف إيذاناً بانتشار نحو ألف جندي من قوات المظليين والوحدة السرية الخاصة (دفدفان) بالتعاون مع أفراد من جهاز الشاباك، ولأن الهدف من العملية كان واضحاً ومحدداً، فقد أخذت الوحدات العسكرية الإسرائيلية تضيق الحصار حول حي الياسمينة من كافة الاتجاهات، وإن كانت طبيعة المنطقة التي يقع فيها الحي فد شكلت عائقاً أمام القوات المهاجمة. إذ أن البيوت المتلاصقة في البلدة القديمة من مدينة نابلس قد عطلت أحكام الحصار على المنزل الذي كان يتواجد فيه المجاهدون الثلاثة(80).
في البداية، طالب قائد الوحدات الإسرائيلية عبر مكبرات الصوت المجاهدين الثلاثة بالاستسلام وتسليم أنفسهم. فرد الأبطال بوابل من نيران الأسلحة الأوتوماتيكية، واشتبكوا مع القوات المهاجمة التي حاولت اقتحام المنزل في معركة ضارية استمرت حتى الساعة الرابعة صباحاً. وطبقاً لما أفاد به شهود عيان من سكان الحي، فقد قُتل ضابط إسرائيلي على الأقل وأصيب آخرون بجروح متفاوتة. وبعد توقف تبادل إطلاق النار، أوفد قائد القوة الإسرائيلية مواطن من سكان الحي لإقناع المجاهدين بتسليم أنفسهم، إلا أن القساميين رفضوا هذا العرض واستأنفوا إطلاق النار باتجاه الجنود لفترة محدودة عاد بعدها الهدوء يخيم على المنطقة. واستغل المجاهدون فترة الهدوء وإعادة تجميع قوات الاحتلال بالتغطية على مغادرة المهندس للمنزل. فانسحب يحيى دامع العين على فراق أخويه اللذين أصرا بشدة عليه بتنفيذ هذا الأمر لما يعرفانه من حاجة القساميين لهذه الكفاءة العلمية المبدعة. ولكن الأمر لم ينته عن هذا الحد، فقد طاردت قوات الاحتلال المهندس، وقامت بحملة تمشيط واسعة في مدينة نابلس بحثاً عنه، غير أنه بحمد الله وتوفيقه نجح في الوصول إلى إحدى القواعد السرية لحركة حماس بسلام(81).
أما في الطابق الثاني من المنزل المحاصر حيث تحصن علي وبشار، فقد استؤنف تبادل إطلاق النار واستمر دوي الرصاص وانفجارات القنابل اليدوية حتى الساعة السادسة والنصف صباحاً. وعندئذ، اجبر جنود الاحتلال أحد المواطنين على اقتحام المنزل بعد أن زودته بمهدة وشاكوش، ويبدو أن العدو أراد استغلال هذا الشاب لتحطيم الباب. وبعد فشل هذا الأسلوب الجبان أخرج قائد القوات المهاجمة من جعبة إجراءاته الإرشادات سلاح التدمير لكسر شوكة المجاهدين. وبدون سابق إنذار قصفت قوات العدو الطابق الثاني بالصواريخ المضادة للدبابات، ثم قامت وحدات (دفدفان) الخاصة والتي رابطت على أسطح المنازل المجاورة بإمطار الطابق الثاني بوابل من الرصاص مستخدمة الأسلحة الأوتوماتيكية. وفوجىء العدو ببقاء المجاهدين على قيد الحياة بعد القصف الصاروخي، إذ استمر تبادل إطلاق النار بين الطرفين نحو ربع ساعة. وعلى الرغم من استشهاد البطلين علي وبشار، إلا أن قوات الاحتلال تجنبت الاقتراب من المنزل، إذ طلب الجنود من ثلاثة أشخاص ممن تم احتجازهم بعيداً عن المكان بربط أرجل الشهيدين بالحبل وسحب الجثتين إلى الخارج ووضعهما على الأرض أمام المدخل(82). وهناك، أطلق الجنود النار بشكل وحشي على الجثتين. كما شوهد أفراد الجيش والوحدات الخاصة يطلقون النار بالهواء ابتهاجاً ويرقصون ويتصافحون مهنئين أنفسهم على هذا الإنجاز الذي علق عليه خبير الشؤون الأمنية والاستخبارية، روني شيكد حين كتب في يديعوت أحرونوت عن المعركة يقول: «عامان كاملان حاولت أجهزة الأمن الإسرائيلية فيهما اعتقال علي عاصي وجندت خلال هذه الفترة قوات عديدة من أفراد الاستخبارات والجنود وحرس الحدود وفرق المستعربين، ولكنه أفلح في كل مرة في الإفلات من الطوق الذي فرضوه على كل مكان اختبأ فيه. ولكن عندما دنت الساعة التي كتب عليه الموت فيها، فعل ذلك بكل جرأة مع رفيق دربه وكفاحه بشار العامودي»(83).
6- خلية صيادي الجنود
يجب أن نعترف بأن استشهاد القائد أبو جهاد ترك جروحاً عميقة لدى كتائب الشهيد عز الدين القسام بشكل عام، وصديقه الوفي الذي عاش أوقاتاً صعبة حزيناً على فراق رفيقه. وعكف أبو البراء، بعد أن تجاوز هذه المحنة، على ترتيب أوضاع منطقة شمال الضفة الغربية وتوزيع المسؤوليات. ولكنه لم يسلم الراية إلا بعد أن وضع المنطقة على الطريق الصحيح مرة أخرى وسار بها إلى سابق العهد. فجهز مجموعة فدائية ووضع في تصرفها وسائل قتالية وسيارة من نوع (سوبارو) تحمل لوحة تسجيل إسرائيلية، وسلمها خطة كمين تتضمن مهاجمة سيارة نقل عسكرية تسير على الطريق الرئيس في منطقة الغور الشمالي في ساعة متأخرة من المساء باتجاه مستوطنة ميحولا القريبة من مدينة بيسان حيث، خرجت المجموعة القسامية في ساعة متأخرة من مساء يوم الأربعاء الموافق 3 آب (أغسطس) 1994 وتتبعت السيارة العسكرية ثم تجاوزتها، وأثناء عملية التجاوز ، أطلق المجاهدون نيران أسلحتهم الرشاشة على جنود الاحتلال داخل سيارة النقل، فأوقعوا عدة أسطورة مباشرة في صفوف ركابها. وقد اعترف الناطق العسكري الإسرائيلي بالعملية، ولكنه زعم بأنها لم تسفر سوى عن إصابة أحد الجنود بجروح بالغة الخطورة(84).
بعد هذا النجاح عاد المهندس إلى منطقة الوسط وتولى ترتيب أوضاع الوحدة المختارة رقم (6) على وجه التحديد بعد الظروف الاستثنائية والقاسية التي مرت بها. ولمعرفة هذه الظروف والأوضاع التي وجدها المهندس أمامه، لا بد من العودة بضعة أشهر إلى الوراء، وتحديداً إلى شهر تشرين أول (أكتوبر) من عام 1993. وكنا قد أشرنا في معرض الحديث عن الوحدة المختارة رقم (صفر) إلى المجاهدين الستة الذين جرى تنظيمهم في منطقة القدس لهدف محدد وهو أسر جندي إسرائيلي والاحتفاظ به حياً تمهيداً لمبادلته بعدد من المعتقلين الفلسطينيين لدى الكيان الصهيوني.
ولأن الوقت قد حان للحديث عن هؤلاء المجاهدين وعلاقتهم بالمهندس، نعيد إلى الذاكرة بأن الوحدة المختارة رقم ستة هي الشقيقة التوأم للوحدة المختارة رقم صفر. فالخليتان نظمتا للعمل في نفس الوقت تقريباً وإن كان قد أنيطت بهما مهمتين مختلفتين. وقد ضمت وحدة صيادي الجنود ستة مجاهدين اتصفوا بالجرأة والإقدام وسرعة الحركة والمباغتة، وجميعهم يحملون الجنسية الإسرائيلية بسبب مكان السكن. وهؤلاء المجاهدون هم:
أيمن أبو خليل (22 عاماً)، وحسن تيسير عبد النبي النتشة (22 عاماً)، وعبد الكريم ياسين بدر المسلماني (23 عاماً)، وطارق إبراهيم اسحق أبو عرفة (21 عاماً)، وراغب رفيق عابدين (20 عاماً)، وعصام طلعت أحمد قضماني (19 عاماً).
ولتحقيق الهدف الذي نظمت هذه الوحدة من أجله، انتقل المجاهد حسن النتشه للسكن في بلدة بني براك القريبة من القدس حيث يعيش يهود متدينون، فتعلم اللغة العبرية وتقاليد وعادات المتدينين حتى أجاد الحديث بتلك اللغة أكثر من غالبية اليهود، إذ أنه اكتسب مهارة التحدث بأكثر من لهجة. ولهذا، كانت مهمة حسن أثناء تنفيذ العمليات هو التوجه إلى الجنود والتحدث إليهم وإقناعهم بعرضه السفر مجاناً بسيارته. وكان المجاهدون ينتدبون ثلاثة من بينهم في كل عملية حيث يتظاهر الثلاثة بأنهم يهود متدينون - يرتدون الكيبة ويستخدمون سيارة تحمل لوحة تسجيل إسرائيلية. وبهذا الشكل، خرجت الوحدة بسيارتها في مساء يوم الأربعاء الموافق 20نيسان (إبريل) 1994 وتمكنت من أسر الملازم شاهار سيماني (21 عاماً) أثناء انتظاره عند محطة كريات ملاخي القريبة من بئر السبع، إلا أن الضابط الذي يخدم في وحدة (دفدفان) اكتشف الأمر وحاول المقاومة مما أضطر المجاهدين إلى التخلص منه وإلقاء جثته في اليوم التالي في مكان قريب من بيت حنينا. وقد أصيب المجاهد أيمن أبو خليل أثناء العراك بكسور في كتفه ورجله مما جعله يغيب عن المشاركة في العملية التالية، والتي استهدفت أيضاً أسر الجندي أرييه فرنكتال (19 عاماً) الذي كان في طريقه يوم الأربعاء الموافق 6يوليو (تموز) 1994 من قاعدته في بئر السبع إلى منزله في مستوطنة (جمزون) الواقعة بين مطار اللد والرملة. ولم تتمكن الوحدة الفدائية مرة أخرى في الاحتفاظ بأسيرها حياً. فقد عثر على جثته داخل منزل مهجور في قرية كفر عقب التي تقع شمال المدينة المقدسة. وفي كلتا العمليتين استولى المجاهدون على الأسلحة العائدة للجنديين ووثائقهما الشخصية. واستناداً للوائح الاتهام التي وجهتها المحكمة الإسرائيلية للمجاهد أيمن أبو خليل فيما بعد، حاول مجاهدو الوحدة المختارة القيام بعمليات أخرى إلا أن النجاح لم يحالفهم بسبب حالة الاستنفار التي أعلنتها قوات الاحتلال في صفوف وحداتها العاملة في مدينة القدس، إلى جانب تركيز محققي الشاباك نشاطهم لتعقب الوحدة، إذ أن اكتشاف جثتي الجنديين في مكانين قريبين من القدس أثار الشبهات بأن المنفذين هم من سكان المدينة المقدسة(85).
كان هذا هو وضع الوحدة المختارة رقم (6) التي شكلت بجهود مشتركة بين المهندس والقائد محمد الضيف، وكلف المهندس بعد انتقاله للمدينة المقدسة في صيف عام 1994 بتولي أمورها وتوجيه دفة القيادة نحو تحقيق المهمة الرئيسة وهي أسر جندي والاحتفاظ به حياً. وعلى هذا الأساس، أتصل المهندس بالمجاهد حسن النتشه الذي انتدب لتولي القيادة الميدانية للوحدة في أعقاب إصابة أيمن أبو خليل، كما أعاد المهندس خطوط الاتصال مع القائد محمد الضيف في مدينة خان يونس، والذي أوفد المجاهد صلاح جاد الله كضابط اتصال وتنسيق. وأثمرت هذه الاتصالات بعودة الوحدة المختارة للعمل من جديد بدافع وحماس يتجاوز ما كانت عليه في بداية تشكيلها. ففي فجر يوم الجمعة الموافق 12آب (أغسطس) ،1994 انطلق أربعة مجاهدين بقيادة حسن النتشه في سيارة (رينو 9) حصلوا عليها عن طريق المجاهد المصاب أيمن أبو خليل. وكان الهدف المبتغى أسر جندي يتولى حراسة المنزل الذي استولى عليه الإرهابي أرييل شارون في وسط القدس والعودة به إلى مكان آمن قامت القيادة بتحديده لهم. ولأسباب لم تحدد حتى الآن، لاحقت دورية للشرطة الإسرائيلية سيارة الرينو في نحو الساعة الرابعة وثمانية عشر دقيقة وطلبت منها التوقف ثم انضمت دوريتان أخريان من الشرطة لعملية المطاردة حيث وفدت الأولى من وادي الجوز، بينما جاءت الثانية من شارع السلطان سليمان. وبعد عدة دقائق، استدعى العدو قوات ضخمة من الشرطة وحرس الحدود لإقفال المنطقة الممتدة من سوق الحلال القديم وحتى مفترق شارع صلاح الدين (باب الساهرة). وفيما بدت المنطقة أشبه ما تكون بساحة قتال توقفت سيارة المجاهدين عند حاجز أقامته الشرطة بين متحف روكفلر والمدرسة الرشيدية الثانوية في باب الساهرة، فتوجه ثلاثة من أفرد الشرطة الإسرائيلية نحو السيارة، وعند اقترابهم منها، فتح المجاهدون النيران بكثافة من بندقيتين من طراز (أم-16) وبندقية من طراز (جاليلي). ومع سقوط أفراد الشرطة الثلاثة بعد أن مزق الرصاص كافة أنحاء أجسادهم، تبادل القساميون إطلاق النار مع دوريات العدو قبل أن ينجحوا في مغادرة المكان. وعند وصول سيارة الرينو منطقة وادي الجوز، اشتبك المجاهدون مرة أخرى مع قوات حرس الحدود، حيث استمرت المعركة فترة طويلة تم خلالها تبادل إطلاق الرصاص بكثافة. وطبقاً لماأورده المجاهد حسن النتشه، فقد سقط نحو عشرين جندياً إسرائيلياً بين قتيل وجريح، فيما أصيب المجاهد عصام قضماني بجروح خطيرة أفقدته الوعي(86).
نجح المجاهدون في تشغيل سيارتهم التي أصيبت بعشرات الطلقات، وتمكنوا من مغادرة المنطقة وتجاوز قوات الاحتلال وحواجزها. ولكن السيارة تعطلت مجدداً في منطقة قريبة من فندق حياة ريجنسي تسمى (حي السمار) وهي منطقة تفصل بين ضاحيتي العيسوية و شعفاط. وعندئذ، انسحب القائد حسن النتشه مع اثنين من إخوانه راجلين نحو منطقة الرام ظناً منهم بأن المجاهد عصام قضماني قد استشهد. وقد عثرت قوات الاحتلال على السيارة وبداخلها المجاهد المصاب في نحو الساعة الثامنة من صباح نفس اليوم، إلا أن التحقيق لم يسفر عن شيء. ولذلك شنت السلطات العسكرية الإسرائيلية عمليات اعتقال وحملات مداهمة لعدد من المؤسسات الإسلامية في القدس. وفي نفس الوقت فرض العدو طوقاً أمنياً شاملاً على الأحياء العربية ونصب الحواجز العسكرية على مداخلها، بينما أجرت الشرطة عملية تفتيش من منزل لآخر في حي الشيخ جراح في نحو الساعة التاسعة والنصف. ومن خلال المستندات التي كانت في السيارة، توصلت الشاباك إلى صاحب السيارة الذي اعتقل بتهمة التعاون مع أفراد الخلية. وقاد التحقيق مع هذا الشخص، إلى المجاهد أيمن أبو خليل الذي كان قد غادر منزله متحاملاً على إصابة للاطمئنان على إخوانه بعد أن سمع عن الاشتباك. وبناء على المعلومات التي سربتها الشاباك، فإن الاتصال الهاتفي الذي أجراه أيمن ببقية أعضاء الخلية الذين كانوا في منزل راغب عابدين قد حدد مكان تواجد المجاهدين. فاعتقل أيمن أبو خليل في حوالي الساعة العاشرة وخمس دقائق أثناء تواجده في منزل عمته بوادي الجوز، بينما جهزت الوحدات الخاصة الإسرائيلية قوة كبيرة لمداهمة منطقة الرام حيث بدأت المعركة بفرض القوات الإسرائيلية طوقاً أمنياً مشدداً على البلدة، ثم أقامت الوحدات الخاصة التي انتشرت داخلها عدة حواجز على مختلف الطرق. ويبدو أن المجاهدين شعروا بحركات غير عادية تجري داخل البلدة وبخاصة قرب منزل المجاهد راغب عابدين الذي خرج لتفقد المنطقة. وبعد عودة راغب اتفق المجاهدون على مغادرة المنزل والبلدة حيث استقلوا سيارة من طراز (فولكسفاجن كابينة) في نحو الساعة التاسعة إلا دقيقتين من مساء يوم الجمعة. وبالقرب من أحد الطرق الفرعية، فاجأ القساميون فصيل من الوحدات الخاصة كان يكمن هناك وأطلقوا عليه نيران أسلحتهم الآلية لعدة دقائق فأوقعوا أسطورة قاتلة في صفوف عناصره. ولكن المجاهدين الأربعة تعرضوا بدورهم لوابل من الرصاص أطلقه جنود إحدى الدوريات العسكرية التي طاردتهم مما أدى إلى إصابتهم واصطدام سيارتهم بجدار ثم توقفها. وخلال تبادل إطلاق النار، نجح المجاهدان حسن وعبد الكريم في كسر الطوق الأمني والحصار ومغادرة المنطقة بينما أصيب راغب في رأسه بجروح بالغة الخطورة (توفى متأثراً بجراحه بعد يومين)، واستشهد طارق إثر قيام جنود الاحتلال الإمكانات النار عليه من مسافة قصيرة على الرغم من عدم تمكنه من الحركة بسبب إصابة في يديه وكتفه(87).
أما المهندس، الذي كان ينتظر منذ ساعات الصباح الأولى في قاعدته السرية بالمدينة المقدسة، فقد باشر بإجراء الاتصالات وإرسال مجموعات لاستطلاع الخبر. ومع توالي وصول المعلومات عن المعارك التي خاضتها خلية صيادي الجنود وما جرى لأعضائها، أبلغ المهندس جهاز الأمن التابع لحركة حماس بأن المجاهدين حسن النتشه وعبد الكريم بدر لم يصلا لأي من القواعد السرية لكتائب الشهيد عز الدين القسام وأن الاتصالات معهما مقطوعة. وعلى الأثر، أعلن الاستنفار وحالة الطوارئ لدى كافة المجموعات والخلايا الأمنية العاملة في منطقة الوسط، وانتشر الجميع يستقصي المعلومات والأخبار إلى أن تم العثور على الاثنين وإعادتهما إلى المدينة المقدسة، فقد تبين بأن المجاهدين المصابين لم يستطيعا الاتصال بالمهندس بسبب القوات العسكرية الكبيرة التي كانت تطاردهما، مما اضطرهما إلى دخول منطقة أريحا التي تخضع لسلطات الحكم الذاتي حيث مكثا هناك أسبوعاً قبل أن يعودا متخفين إلى القدس.
وعلى الرغم من صعوبة ما حدث، وجسامة التضحيات التي قدمتها الوحدة المختارة رقم (6)، إلا أن المهندس وإخوانه في العمليات المركزية لكتائب عز الدين القسام يدركون جيداً أهمية الهدف الذي شكلت هذه الوحدة من أجله. ولأن إخراج المعتقلين وتحريرهم من أقبية التعذيب الصهيونية، لم يغب لحظة عن تفكير وخطط الجناح العسكري لحركة حماس، فقد طلبت القيادة القسامية من القائدين يحيى عياش ومحمد الضيف أن يجعلا جل اهتمامهما في الفترة القادمة تحقيق هذا الهدف. ووضعت تحت تصرفهما كافة الإمكانيات المتاحة وخدمات الدعم اللوجستي وغيره. وباشر القائدان القساميان، فور تلقيهما التعليمات، بجمع المعلومات ووضع التفاصيل الدقيقة والمهمة لخطة أسر جندي إسرائيلي. كما اتفق القائدان على اختيار الأبطال صلاح جاد الله وجهاد يغمور وزكريا نجيب، وغيرهم من بين الذين تم ترشيحهم لعضوية الخلية الجديدة. وأضيف في وقت لاحق المجاهدين حسن وعبد الكريم.
7- عيد رأس السنة العبرية
تقاطعت عملية الإعداد والتخطيط والتجهيز لأسر الجندي الإسرائيلي التي أنشغل فيها الثنائي يحيى عياش ومحمد الضيف بشكل أساسي، مع المخطط الذي اعتمد لتنفيذ العملية الثالثة من برنامج المراحل الخمس للثأر لشهداء الحرم الإبراهيمي الشريف. ولكون هذه العملية قد قطعت شوطاً كبيراً سواء بالنسبة لرصد الهدف ووضع الخطة وتفاصيل التنفيذ، فقد استقطع المهندس من جهده ووقته لوضع اللمسات النهائية لتلك العملية والتي كان من المقرر أن تكون عملية استشهادية داخل المناطق المحتلة عام 1948. واختارت غرفة العمليات المركزية في كتائب عز الدين القسام توقيت العملية بحيث تتزامن مع احتفالات العدو الصهيوني بعيد رأس السنة العبرية والذي يبدأ عادة في يوم الاثنين الموافق 5 أيلول (سبتمبر) 1994.
وبناء على الخطة المعدة ركب المهندس عبوات ناسفة تزن حوالي مئة كيلو جرام من المتفجرات المصنعة في سيارة من نوع سوبارو تحمل لوحات تسجيل إسرائيلية، قام أحد المجاهدين بالاستيلاء عليها يوم الأحد الموافق 28 آب (أغسطس) 1994 من حي النبي يعقوب في القدس. وسلم المهندس السيارة المفخخة للمجاهدين أمجد أكميل وأحمد أبو الرب لنقلها إلى المنطقة الشمالية من الضفة الغربية كمرحلة أولى في عملية إدخال السيارة إلى المنطقة المحتلة منذ عام 1948.
تمكن المجاهدان القساميان من تجاوز الانطلاقة الأمنية المشددة وحواجز التفتيش الفجائية التي أقامها العدو على المداخل ومفترقات الطرق والشوارع الرئيسة. ووصل أمجد وأحمد بالسيارة إلى منطقة نابلس مساء يوم الخميس الموافق 1 أيلول (سبتمبر) ،1994 غير أنهما لم يستطيعا نقلها إلى فلسطين المحتلة عام 1948. فقد قدر الله سبحانه وتعالى لهم الفوز بالشهادة ومجاورة النبيين والصديقين والشهداء، إذ انفجرت العبوات الناسفة -لسبب غير معروف- أثناء قيادتهما للسيارة في مكان ناء بمنتصف الطريق بين قريتي عقربة ومجدل بني فاضل الواقعتين جنوب شرقي مدينة نابلس(88).
8- أسماء لها تاريخ
ليس من المبالغة القول بأن اسحق رابين لم يكن يتوقع الصفعة المفاجئة التي تلقاها من حركة المقاومة الإسلامية (حماس) بعد أن شعر طوال الأشهر القليلة الماضية أن عمليتي العفولة والخضيرة ربما تكون آخر مبتكرات المهندس في الحرب القائمة بين كتائب الشهيد عز الدين القسام وجيش الاحتلال. فقد اعتقد رابين خطأ بأن عودة ياسر عرفات إلى غزة سينهي فاعليه حركة حماس ويحولها إلى تنظيم لا يختلف عن غيره من الفصائل الفلسطينية التقليدية. وهذه الأحلام التي راودت رابين وعاش على أنغام إيقاعاتها انتهت في شهر تشرين أول (أكتوبر)، وتحولت بسرعة كبيرة إلى كوابيس مرعبة طاردته حتى أكثر الأماكن آمناً في دولته. ففي غضون عشرة أيام فقط، اعتبرها المحللون العسكريون الصهاينة بأنها من أطول وأصعب الأيام التي مرت على رابين كرئيس للوزراء، نفذت كتائب الشهيد عز الدين القسام ثلاث ضربات موجعة ومتتالية، عبرت عن قدرة الجناح العسكري لحركة حماس على اختراق جميع الحواجز الأمنية والعسكرية والاستخبارية في المناطق المحتلة منذ عام ،1948 والتي يعتبرها الصهاينة قلعتهم وحصنهم الآمن. وبذلك تكون حركة حماس قد نقلت المعركة مرة أخرى إلى ساحة الصهاينة وبثت الرعب في صفوف مجتمعهم من جنود ومستوطنين. كما عبرت العمليات عن قدرة حركة حماس على اختيار تواريخ تنفيذ العمليات وأماكن التنفيذ بطريقة تخدم أهداف الحركة.
وبالإضافة إلى كل ما سبق، فإن المهندس وإخوانه في الجهازين الأمني والعسكري قد نجحوا في خداع جهاز الشاباك وجيش الاحتلال. ففي أعقاب انفجار السيارة المفخخة في منطقة نابلس يوم الخميس الموافق 1 أيلول (سبتمبر) ،1994 أوعزت الشاباك لجيش الاحتلال وقوات الشرطة الإسرائيلية بشن حملة اعتقالات في منطقة قلقيلية اعتقداً منه بأن المهندس وإخوانه من طلاب الشهادة يتخذون من تلك المنطقة قاعدة آمنة ينطلقون منها. وبالفعل، داهمت قوات العدو منازل (15) موطناً فلسطينياً وفتشتها قبل أن تعمد لاعتقال أصحابها(89).ولكن المهندس كان في قاعدته الآمنة في أكناف بيت المقدس يخطط مع مساعديه لترتيب أوضاع المناطق الثلاث، الشمال والوسط والجنوب، وينتدب القادة العسكريين ويوزع المهام والواجبات بينهم. ولئن كنا سنعود إلى هذا الأمر فيما بعد، فإن ما يهمنا حالياً هو الترتيبات التي اتخذها المهندس ومحمد الضيف فيما يتعلق باستكمال برنامج المراحل الخمس وتنفيذ عملية أسر الجندي التي كُلف الاثنان بالتخطيط لها وتنسيق الجهود بهذا الشأن.
إجراءات التنظيم وتوزيع الطاقات التي وُضعت بإمرة المهندس اشتملت على تشكيل ثلاث مجموعات خاصة بغرفة العمليات المركزية لتنفيذ ثلاث عمليات نوعية محددة وفق برنامج زمني وضعه المهندس ومساعديه. وبالإضافة لعدد من المساعدين ومجاهدي الدعم والخدمات المساندة ضمت تلك المجموعات أعداد متفاوتة من المجاهدين الرئيسين. فالمجموعة الأولى، والتي حملت اسم (وحدة الشهيد رائد زكارنة) تشكلت من الأبطال: حاتم إسماعيل، وعصام الجوهري، وحسن عباس. وثلاثتهم جاءوا من قطاع غزة، فالأول من مخيم البريج أصلاً ويسكن المدينة المقدسة، والثاني مولود في شبرا الخيمة بجمهورية مصر العربية عام 1975 وحضر إلى قطاع غزة بتأشيرة سياحية في 14 يوليو (تموز) واتصل مع القائد محمد الضيف وأبلغه بأنه (حضر للاستشهاد على أرض الرباط)، والثالث مولود بحي الدرج بمدينة غزة عام 1975 أيضاً واعتقل في السابق وحكم عليه بالسجن لمدة ثلاث سنوات بتهمة تقديم خدمات للقائد الشهيد عماد عقل، وخرج من المعتقل قبل ثلاثة أشهر فقط من تنفيذ الهجوم.
وضمت المجموعة الثانية التي عرفت فيما بعد باسم (وحدة الشهيدين راغب عابدين وطارق أبو عرفة) كلاً من: صلاح جاد الله* [صلاح الدين جاد الله حسن سالم: ولد في حي الشيخ رضوان عام 1972 لعائلة مهاجرة من برير عام ،1948 وأصيب خلال الانتفاضة مرتين بالرصاص الحي وتعرض للضرب من قبل جنود الاحتلال مرتين أيضاً. وقد اعتقل بتاريخ 6/8/1992 بتهمة تقديم خدمات لكتائب عز الدين القسام حيث كان أحد ضباط الاتصال بين الضفة والقطاع، ومكث في السجن حتى 14/12/1993.] وحسن النتشه وعبد الكريم بدر وجهاد يغمور وزكريا نجيب بالإضافة لعدد آخر من المجاهدين الذين عملوا بإمرة القائد محمد الضيف في المنطقة الجنوبية من قطاع غزة. وأما بالنسبة للمجموعة الثالثة، وهي (وحدة الشهيدين عبد المنعم أبو حميد وزهير فراح)، فقد كان لها صفة اعتبارية بسبب الهدف أو المهمة التي أنيطت بها. ولذلك لم يعرف من هذه الوحدة سوى البطل صالح نزال صوى، الشهيد الحي من مدينة قلقيلية والذي كانت له مكانة خاصة عند المهندس .
كان عصام مهنا إسماعيل الجوهري يتمنى الشهادة منذ أكثر من عشر سنوات، وظلت هذه الرغبة الكامنة داخله تزداد يوماً بعد يوم. وترافقه حتى وصلت به أن يتطوع جندياً مقاتلاً في صفوف القوات المسلحة المصرية. ولكن الجيش المصري ما لبث أن أنهى خدمته بسبب نشاطه الإسلامي، بل صدرت ضده عدة أحكام بالحبس لمدد مختلفة وصل مجموعها أربعة عشر شهراً. وعندئذ، قرر صاحب القلب الكبير الذي امتلاء حباً بالشهادة على أرض الإسراء، أن يدخل فلسطين المحتلة بأية وسيلة وكان له ما تمنى، ووصل قطاع غزة في صيف عام 1994(90). وبعد عدة محاولات وجهود مضنية، استطاع المجاهد عصام الجوهري أن يتصل بكتائب الشهيد عز الدين القسام التي رتبت أمر نقله مع المجاهد حسن محمود عيسى عباس إلى مدينة القدس حيث استقبلهما المهندس وزودهما بالأسلحة والوسائل القتالية. والحقيقة أنه لا يعرف كم من الوقت مكث المجاهدان عصام وحسن في المدينة المقدسة، غير أن الثابت لدينا أن المدة كانت كافية لاستطلاع الهدف ودراسة الخطة وطريقة الهجوم والمهمة التي حدها المهندس.
تضمنت خطة العملية القيام بهجوم استشهادي في الذكرى الخامسة للمذبحة التي ارتكبتها قوات حرس الحدود ضد المصلين في المسجد الأقصى المبارك. وبناء على المعلومات الواردة من مجموعات الاستطلاع والرصد، فقد قرر المهندس بأن يكون الهدف المنشود هو النيل من رواد مجموعة المطاعم والمقاهي المنتشرة في شارع يؤال موشيه سلومون بحي نحلات شيفع وهو حي يهودي مجاور لشارع يافا في وسط الشطر الغربي من مدينة القدس. والسبب الذي جعل غرفة العمليات المركزية في كتائب الشهيد عز الدين القسام تختار هذا الهدف وتفضله على غيره من الخيارات البديلة هو حقيقة رواد هذه المطاعم وطبيعة عملهم. إذ أفادت المعلومات التي تجمعت للمهندس من عناصر الرصد أن معظم مرتادي المطاعم والبارات في ذلك الشارع من ضباط وكوادر ومحققي جهاز المخابرات العامة (الشاباك) حيث يقع المركز الرئيس للجهاز على بعد مائتي متر فقط من تلك المطاعم. واعتمد المهندس توقيت العملية بحيث تتزامن مع نهاية فترة المناوبة المسائية للعاملين في المركز.
وبعد الاتكال على الله سبحانه وتعالى، غادر المجاهدان عصام الجوهري وحسن عباس القاعدة بصحبة المجاهد حاتم إسماعيل الذي نقلهما بالسيارة إلى حديقة (الاستقلال) التي أقيمت على أرض مقبرة مأمن الله. وهناك، تفقد المجاهدان أسلحتهما التي اشتملت على بندقيتين آليتين من نوع كلاشنكوف ومسدسين وثمانية قنابل يدوية ثم ترجلا من السيارة، وسارا في طريق مبلط يسمى شارع هيلل حتى وصلا مفترق يسمى (ميدان صهيون)، وكان باستطاعتهما أن يرديا العشرات من المستوطنين الصهاينة في ذلك المفترق، لكنهما التزما بالأوامر والتعليمات.
وفي الساعة الحادية عشرة والنصف من مساء يوم الأحد الموافق 9 تشرين أول (أكتوبر) ،1994 وصل المجاهدان هدفهما، وشرعا فوراً بإطلاق النار بغزارة على كوادر ومجرمي الشاباك حيث كانا يفرغان مخازن الذخيرة ويستبدلانها الواحد تلو الآخر، كما ألقيا أربعة قنابل يدوية على الأقل. وسادت حالة من الذعر والهلع بين رواد المطاعم الذين تصرفوا بصورة هستيرية حيث كانوا يهربون بكافة الاتجاهات ويدوسون على بعضهم البعض. وتابع المجاهدان اللذان سيطرا على الوضع تماماً ضباط الشاباك الهاربين إلى داخل قاعات ومطابخ المطاعم والبارات التي ألتجؤوا إليها دون أن يجرؤ أولئك على استخدام أسلحتهم الشخصية. وبعد عشرة دقائق من بداية الهجوم، وصلت قوة من الشرطة الإسرائيلية وحرس الحدود وعشرات السيارات العسكرية، وبدأت حملة تفتيش واسعة في أزقة وسط المدينة المقدسة وعلى أسطح الأبنية بعد أن نصبت قوات أخرى حواجز عسكرية على مداخل القدس وأطلقت طائرة مروحية قنابل مضيئة. واندلع اشتباك عنيف جداً بين المجاهدين والقوات المهاجمة استمر أربعين دقيقة متواصلة، سقط خلالها عدد كبير من القتلى والجرحى في صفوف الشرطة وحرس الحدود، بينما استشهد عصام وحسن إثر إصابتهما برصاص ستة من جنود الوحدة الخاصة التابعة لحرس الحدود تمكنوا من مباغتة المجاهدين من الخلف. وقد حقق الله لصاحب العصبة الحمراء وأخيه حسن ما تمنياه ولقيا ربهما بعد أن نالا من العشرات من ضباط الشاباك وجنود الاحتلال، وإن كانت سلطات الاحتلال قد اكتفت بالاعتراف بمقتل خمسة من كوادر الشاباك ومجندة واحدة وإصابة أربعة عشر آخرين بجروح وصفت إصابة عدد منهم بأنها خطيرة(91).
9- الحرب خدعة
في الوقت الذي كان فيه اسحق رابين وأركان حكومته وقادة جيشه يتفقدون موقع المعركة البطولية في مدينة القدس، ويتلقون تقارير ضباط المخابرات حول الكابوس الذي عاشته الدولة العبرية ونتائج عمليات البحث والتفتيش التي أجرتها قوات الشرطة وحرس الحدود التي استمرت حتى الساعة الثالثة من فجر يوم الاثنين، كان المهندس وإخوانه في غرفة العمليات المركزية يستقبلون وحدة الشهيدين طارق أبو عرفة وراغب عابدين العائدة بأسيرها الثمين، لتبدأ بعدها فصول الملحمة الخالدة التي هزت أركان الكيان الصهيوني وطغت على أخبار وكالات الأنباء وجعلت حكومة اسحق رابين وحلفائها يعيشون (120) ساعة من حرب الأعصاب. وتعتبر عملية أسر العريف نحشون يهودا فاكسمان (20 عاماً) وهو جندي مقاتل في لواء جولاني أطول وأقسى عملية فدائية ينفذها فدائيون فلسطينيون، إذ لم يسجل تاريخ فلسطين الحديث وعلى مدى سنوات الصراع والكفاح المسلح أي عملية استمرت مثل هذه المدة من الزمن.
وحين يعود بنا الزمن إلى يوم الأحد الموافق 9 تشرين أول (أكتوبر) ،1994 نجد أن الأوامر قد صدرت للوحدتين الفدائيتين بالتحرك في نفس الوقت تقريباً. إذ تحركت وحدة الشهيد رائد زكارنه نحو هدفها في القدس، بينما غادرت وحدة الشهيدين طارق أبو عرفة وراغب عابدين قاعدتها نحو مدينة الرملة بحثاً عن جندي يقف منتظراً في محطة أو مفترق طرق سيارة تقله بالمجان إلى الوجهة التي يبتغيها (المعسكر أو المنزل). وقد عبرت الخطة التي اعتمدها المهندس ومحمد الضيف وجرى تنفيذها على أرض الواقع عن ذكاء في التخطيط العسكري وإبداع من قبل الوحدة الفدائية في تنفيذ الأوامر. ومن خلال استقراء أحداث العملية البطولية ميدانياً، يمكن تلخيص تلك الخطة وما رافقها من خداع وتضليل مارسته كتائب الشهيد عز الدين القسام على سلطات الاحتلال وأجهزة أمنها. ولعلنا لا نكون مخطئين إن قلنا بأن حركة حماس كادت تحقق هدفها من تلك العملية، ألا وهو الإفراج عن عدد من المعتقلين والأسرى في سجون الاحتلال، لولا الخيانة والتواطؤ الذي مارسته سلطة الحكم الذاتي والذي أدى إلى أن تنتهي العملية بالصورة التي حدثت. وعلى كل، سارت أحداث العملية وفق الخطة المعدة على النحو التالي(92) :
1- استأجرت الوحدة الفدائية الطابق الثاني من منزل في قرية بير نيبالا، وقام المجاهد زكريا نجيب بإعداده وتجهيزه لإخفاء الأسير فيه. وقد شارك المهندس بشكل مباشر في تلغيم النوافذ وإحكام إغلاقها بالمتفجرات إلى جانب تلغيم المدخل الرئيس والبوابة الحديدية.
2- توجه المجاهد جهاد يغمور للبلدة القديمة بالقدس واشترى من إحدى المحلات أربعة قبعات صغيرة وقبعتين سوداوين لمتدينين يهود. وفي يوم الأحد الموافق 9 تشرين أول (أكتوبر) 1994 توجه إلى شارع الملك داود لاستئجار سيارة كبيرة من نوع فولكسفاجن ترانسبورتر.
3- قاد جهاد السيارة المستأجرة إلى بير نيبالا، ليجد المجاهدين صلاح جاد الله وحسن النتشة وعبد الكريم بدر في انتظاره. وطبقاً للخطة، أخذ حسن معه بندقية جاليلي ومسدس بينما تسلح كل من عبد الكريم ببندقية عوزي وصلاح بمسدس وقيود (كلبشات) وجنازير وأقفال وأكياس نايلون.
4- وضع المجاهدون الأربعة القبعات التي يعتمرها عادة اليهود المتدينون على رؤوسهم، وانطلقت بهم السيارة باتجاه فلسطين المحتلة عام 1948. ومن مفترق اللد، توجهت السيارة شمالاً إلى بيتح تكفا حيث لاحظ المجاهدون العريف نحشون فاكسمان يقف على جانب الطريق بالقرب من مستوطنة بني عطروت القريبة من مطار اللد في انتظار سيارة تقله إلى مدينة الرملة لزيارة صديقته.
5- توقفت السيارة قرب الجندي الإسرائيلي، وعرض عليه جهاد أن ينقله إلى مبتغاه، فصعد إلى السيارة. وعند وصول السيارة، منطقة مطار اللد، سيطر حسن وصلاح وعبد الكريم على العريف الإسرائيلي وقيدوه بالكلبشات المعدنية وغطوا عينيه بقطعة قماش سوداء ووضعوا كيس نايلون أسود على رأسه بما يسمح له بالتنفس ثم قيدوا رجليه بسلاسل حديدية.
6- قام حسن وجهاد بعد ذلك بتهدئة الأسير وطمأنته بأنهم لن يقتلوه وأن هدفهم هو المحافظة على حياته ريثما تستجيب حكومته لمطالبهم بإطلاق سراح عدد من المعتقلين في السجون الإسرائيلية.
7- طلب المجاهدون من أسيرهم أن ينبطح على أرضية السيارة التي توجهت نحو القدس، وتجاوزت الحاجز العسكري دون أن يلاحظ الجنود ما يجري داخل السيارة.
8- أنزل جهاد المجاهدين الثلاثة وأسيرهم في بيرنيبالا، ثم عاد إلى منزله في بيت حنينا لإحضار آلة تصوير تلفزيونية كان قد استأجرها في وقت سابق. وبواسطة هذه الآلة، تم تصوير الأسير جالساً أمام صلاح، وقام أحد المجاهدين بتلقين العبارات والأقوال التي يتعين على فاكسمان قولها في النداء الذي وجهه إلى والديه وإلى اسحق رابين، بينما تلا المجاهد صلاح جاد الله نص بيان كتائب عز الدين القسام باللغة العربية معلناً مسؤولية حركة حماس عن العملية.
9- وفق خطة المهندس، بقي حسن وعبد الكريم في المنزل لحراسة الأسير، بينما عمل جهاد كمسؤول عن الاتصالات بين المجاهدين الثلاثة والقائد محمد الضيف الذي تقرر بأن يدير المفاوضات ومتابعة التطورات. وأما المجاهد زكريا نجيب، فقد حددت مهمته بتزويد المجاهدين وأسيرهم بالمواد التموينية والغذائية وتلبية كافة احتياجاتهم إلى جانب نقل الأخبار المهمة إليهم.
10- سافر جهاد في صبيحة اليوم التالي (الاثنين) إلى قطاع غزة، حاملاً معه شريط الفيديو وبطاقة هوية الجندي. والتقى جهاد بصاحب مصنع للطوب في مدينة غزة يدعى محمد علي حرز الله (أبو علي) وسلمه الشريط والهوية.
11- انتقل القائد محمد الضيف إلى منزل أبو على، وقامت إحدى المجموعات القسامية بإحضار مصور وكالة رويتر في قطاع غزة وطلبت منه تصوير القائد وهو يحمل بطاقة هوية الجندي وبيده بندقية من طراز (أم-16) شبيهة ببندقية فاكسمان. وقرأ محمد الضيف بيان كتائب عز الدين القسام الذي تضمن مطالب حركة حماس للإفراج عن الأسير وهي: الإفراج الفوري والسريع عن الشيخ أحمد ياسين وصلاح شحادة وزعيمي حزب الله عبد الكريم عبيد ومصطفى الديراني بالإضافة إلى جميع معتقلي كتائب عز الدين القسام و180 أسيراً من حركة حماس والجهاد الإسلامي وفتح وحزب الله والجبهة الشعبية والديمقراطية والقيادة العامة والمعتقلات الفلسطينيات.وقد تضمن البيان أيضاً، تحديد الساعة التاسعة من مساء يوم الجمعة الموافق 14 تشرين أول (أكتوبر) 1994 كموعد نهائي لتنفيذ المطالب السابقة، وإلا فإن الكتائب ستقوم بقتل الجندي والاحتفاظ بجثته.
12- طلبت الكتائب من مراسل وكالة رويتر تسليم الشريط الخاص بمحمد الضيف للتلفزيون الإسرائيلي الذي قام ببثه يوم الثلاثاء. وفي يوم الأربعاء سربت الكتائب شريط الفيديو الذي يظهر فيه الأسير مع المجاهد الملثم صلاح جاد الله. وبذلك تكون حركة حماس قد ضللت أجهزة الأمن والاستخبارات الإسرائيلية التي انطلى عليها الأمر، وبدا وكأن الجندي محتجز في قطاع غزة. وقد عزز المجاهدون هذا التضليل، بتسريبهم لشائعات بأنه تم نقل الأسير من منزل إلى آخر في غزة. كما سرب جهاز الأمن الخاص بحركة حماس معلومات في نفس اليوم (الأربعاء) عن تحركات مشبوهة في منزل بعبسان الكبرى التي تقع إلى الشرق من خان يونس، حيث قامت الشاباك برصد هذه التحركات وأرسلت قوات تابعة لدورية هيئة الأركان الإسرائيلية التي وضعت على أهبة الاستعداد لتنفيذ عملية الاقتحام. وقد اتضح فيما بعد للشرطة الفلسطينية التابعة لسلطة الحكم الذاتي التي داهمت المنزل بأن أفراد حماس الذين كانوا في داخله لا صلة لهم بالعملية.
13- عامل المجاهدون أسيرهم معاملة حسنة حيث سمحوا له بحلق ذقنه وتبديل ملابسه ومكنوه من الاستماع إلى برامج الإذاعة العبرية.
14- كان من المقرر أن يطلق المجاهدون سراح أسيرهم في حالة الاستجابة لشروطهم، إذ كانت الأوامر بأن يقتاد جهاد يغمور الجندي إلى منطقة معينة قريبة من الشارع. ومن هناك يجري، جهاد اتصالاً مع الحكومة الإسرائيلية ويبلغ عن مكان وجود الجندي.
استنفرت حكومة اسحق رابين كافة قواتها وأجهزة أمنها، وجندت الآلاف من الجيش والشرطة وطواقم الاستخبارات في حملات التفتيش بحثاً عن العريف نحشون فاكسمان. وأصدرت سلطات الاحتلال أمراً عسكرياً بإغلاق الضفة الغربية وقطاع غزة وعزلتهما عن العالم الخارجي بهدف منع إخراج فاكسمان أو جثته. وشملت استراتيجية الحكومة الإسرائيلية للتحرك ثلاثة أصعدة: ممارسة ضغوط كبيرة على السلطة الفلسطينية وتحميلها مسؤولية إعادة الجندي سالماً، وتحريك جميع أجهزة الاستخبارات (الموساد، الشاباك، آمان) وجمع كافة المعلومات لمعرفة مكان احتجاز الجندي، واستنفار الوحدات الخاصة ونقلها إلى المناطق المتاخمة لقطاع غزة للتدرب على سيناريوهات محتملة للقيام بعملية إنقاذ. وعلى الرغم من علم رابين أنه وفقاً لاتفاق أوسلو فإنه لا يستطيع استخدام قوة عسكرية داخل منطقة الحكم الذاتي إلا بعد إبلاغ السلطة الفلسطينية، فإنه كان على استعداد لاستخدام قوات من الجيش الإسرائيلي إذا ما اتضح له مكان احتجاز الجندي متجاهلاً وجود السلطة الفلسطينية.
وأما سلطة الحكم الذاتي، فقد تكشفت حقيقتها والدور الذي لعبته في البطش بأبناء الشعب وبدت صورة طبق الأصل عن جيش انطوان لحد في جنوب لبنان. فقد قامت شرطة الحكم الذاتي ومخابراتها بجهد كبير لملاحقة المجاهدين من كتائب الشهيد عز الدين القسام، وقدمت للعدو كل المعلومات المتوفرة لديها، وعملت كل ما بوسعها لمساعدة الشاباك. فمن المشاركة في دوريات مشتركة مع جيش الاحتلال في تمشيط قطاع غزة إلى التحقيق بعنف وبشدة فاقت ما دأبت أجهزة المخابرات الإسرائيلية على القيام به مع (400) من أعضاء وكوادر حركة المقاومة الإسلامية. كما شاركت سلطة الحكم الذاتي وتواطأت بشكل فاضح في مؤامرة الخداع والتضليل عبر الإيحاء بأن العدو قد استجاب لشروط المجاهدين حيث أسهم ذلك في إعطاء فرصة زمنية جديدة (24 ساعة). وجاء طرف الخيط في تحديد مكان احتجاز الأسير من أعلى المستويات في سلطة الحكم الذاتي. فمن خلال تحقيق المخابرات الفلسطينية مع أعضاء طاقم وكالة أنباء رويتر في قطاع غزة، كشفت السلطة الفلسطينية شخصية أبو علي وحددت المنزل الذي جرى فيه تصوير القائد محمد الضيف. وبعد وجبات شديدة من التعذيب الجسدي والنفسي، توصلت السلطة الفلسطينية إلى رقم هاتف قاد إلى المجاهد جهاد يغمور.
قدم ياسر عرفات شخصياً اسم جهاد يغمور إلى مبعوث رئيس الوزراء الإسرائيلي، يوسي جينوسار الذي اجتمع به عند حاجز ايرز يوم الخميس الموافق 13 تشرين أول (أكتوبر) 1994. وبذلك تكون سلطة الحكم الذاتي هي المسؤولة عن عدم الوصول بالعملية إلى محطتها الأخيرة، وبالتالي حرمت المئات من المعتقلين ومن بينهم أعضاء في حركة فتح من الخروج إلى الحرية. فقد التقطت أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية طرف الخيط، واعتقلت جهاد يغمور مساء الخميس من بيته، واستمر التحقيق معه حتى فجر الجمعة. وبدأ جهاد بالاعتراف بالمعلومات المتوفرة لديه مرغماً وتحت ضغط عنيف لم يسبق له مثيل من التعذيب الجسدي. وهكذا، حددت سلطات الاحتلال المنزل الذي يحتجز فيه العريف نحشون فاكسمان، ورغم ذلك فقد بقيت المفاجأة التي خطط لها المهندس وأعدها للقوة المهاجمة طي الكتمان. ومع كفاءة الشاباك وآمان والموساد والكوادر الفنية وطواقم الضباط الذين جلسوا لوضع خطة اقتحام المنزل، إلا أن أحداً منهم لم يكن يتوقع احتمالية تلغيم الأبواب الحديدية والنوافذ والمداخل المؤدية للدور الثاني من المنزل.
تقدمت طلائع القوات الإسرائيلية المشاركة بالعملية إلى محيط المنزل دون اكتشافها، مساء يوم الجمعة الموافق 14 تشرين أول (أكتوبر) ،1994 وأخذ الجنود يراقبون أي حركة داخله. وبعد عشرين دقيقة من وصوله، غادر المجاهد زكريا نجيب بسيارة كان يقودها بنفسه بعد أن أوصل الطعام للمجاهدين وأسيرهم. وقد اعتقلت القوات الإسرائيلية زكريا بعد ابتعاده عن مجال رؤية المتواجدين داخل المنزل. واقتنع الجنرالات بأن العريف فاكسمان ما زال حياً حين قال لهم زكريا بأنه رآه مستلق على الأرض يأكل (كنافة)، فأصدروا الأمر بمواصلة العملية العسكرية ومحاصرة المنزل من كافة الجهات ريثما تصل الوحدة الخاصة المسماة (دورية هيئة الأركان) التي كلفت باقتحام المنزل وتحرير الأسير.
وحدات الرصد الإسرائيلية اكتشفت بأن المنافذ العشرة كانت محكمة الإغلاق بأبواب حديدية بينما غطيت النوافذ ببطانيات حجبت الرؤية عن وحدات الرصد والقوات المهاجمة فيما بعد. وفي محاولة لتضليل المجاهدين، طلب اسحق رابين بإغلاق طريق غزة - عسقلان، وشوهدت سيارات إسعاف تتجه جنوباً مما حدا بوكالات الأنباء إلى التحدث عن عملية عسكرية يجري التخطيط لها في قطاع غزة. ولكن هذه الحيلة لم تنطل على كتائب عز الدين القسام، إذ أن عدم وصول جهاد يغمور إلى المنزل صباح يوم الجمعة كما كان متفقاً، جعل المجاهدين يشعرون بأن شيئاً ما قد حصل، ولذلك طلبوا من زكريا العمل على ترتيب عملية الاتصال والانتقال من المنزل. وفي غضون ذلك، جهز الأبطال الثلاثة أسلحتهم تحسباً لأي طارىء.
وفي الطرف المقابل، بدأت القوات المهاجمة الزحف نحو المنزل في نحو الساعة الثامنة إلا عشر دقائق من مساء يوم الجمعة. وفيما كان الجنرال يعقوب بيري (رئيس جهاز الشاباك) يداعب أحلامه قائلاً لمساعديه: «إن أول شيء سأفعله هو إحضار نحشون فاكسمان إلى بيته القريب جداً من بير نيبالا لأفاجىء عائلته وهم يوقدون الشموع إيذاناً بحلول يوم السبت»، فوجئت الوحدات الخاصة الإسرائيلية المهاجمة بالباب الحديدي السميك الذي يؤدي للدور الثاني وقد لحقت به أضرار طفيفة من جراء المتفجرات التي وضعت لنسفه، ومع فقدان العدو لعنصر المفاجأة، جاء دور المفاجأة التي أعدها المهندس، فقد توالت الانفجارات في وجه الجنود الإسرائيليين الذين حاولوا الدخول عن طريق النوافذ والباب الجانبي مما أدى إلى سقوط عدد كبير منهم بين قتيل وجريح. وحين نجحت قوة بقيادة الكابتن نير فوراز، في دخول المنزل عن طريق نافذة المطبخ، اصطدمت بمجاهد كان يتخذ موقعاً قتالياً في الغرفة المجاورة للصالة. وبعد نحو خمسة دقائق من تبادل إطلاق النار العنيف سقط خلالها الكابتن الإسرائيلي وعدد من جنوده صرعى، انسحب المجاهد إلى السلم الداخلي لمجابهة قوة أخرى كانت تحاول التقدم عن طريق الباب الجانبي. وتمكن البطل من مفاجأة القوة الإسرائيلية وإصابة معظم جنودها ومن ضمنهم خمسة ضباط قبل أن يترجل شهيداً إلى عليين. وعندئذ، واصلت القوة المتبقية الركض نحو الدور الثاني حيث يحتجز فاكسمان، لتكون المفاجأة التالية بوجود باب خشبي سميك جرى تفخيخه ووضعت كمية من الأثاث ورائه، ومع إخفاق القوة المهاجمة في كسر قفل الباب، عرض العدو على المجاهدين أن يستسلما، فرد البطلان باللغة العبرية بأن فاكسمان قد قتل وأنهما سيقاتلان حتى الموت. واستمر تبادل إطلاق النار الكثيف لعدة دقائق، عدها القادة والجنرالات الذين كانوا يتابعون المعركة عن كثب بأنها ساعات طويلة، وحين توقفت المعركة بعد استشهاد البطلين، وجد رئيس شعبة الطاقة البشرية في جيش الاحتلال نفسه أمام مهمة عصيبة. فقد انزوى رئيس جهاز الشاباك الذي كان يعد نفسه لنقل البشرى لعائلة فاكسمان بعيداً عن دائرة الضوء تاركاً للجنرال يورام يئير مهمة تبليغ عائلة العريف الإسرائيلي بمقتل ابنهم(93).
يعتبر العدد الكبير من المصابين في صفوف الوحدات الإسرائيلية المهاجمة، وإن كان الناطق العسكري الإسرائيلي قد حاول التقليل من شأنها وقصرها على ثلاثة قتلى وعشرين جريحاً، دليلاً على فشل قدرة القوات الإسرائيلية الخاصة التي تمتلك ترسانة ضخمة من الوسائل القتالية والتكنولوجيا في مواجهة ثلاثة شبان يمتلكون أسلحة تقليدية. ولا يقتصر الأمر على هذا الشأن، إذ عجزت كافة أجهزة الاستخبارات وأذرعها وعلى مدى ستة أيام في معرفة مكان احتجاز الجندي الأسير، وكان هذا العجز سيستمر لمدة أطول لولا مبادرة المسؤولين في سلطة الحكم الذاتي بإبلاغ اسحق رابين عن المجاهد جهاد يغمور. وعملياً، فإن العملية كادت أن تحقق النجاح الكامل لو بقي مكان احتجاز الأسير مجهولاً. وقد تسبب اكتشاف العدو للمنزل في إضاعة الورقة القوية التي كان من الممكن عبر اللعب بها إتمام العملية على الوجه المأمول به.
10- الشهيد الحي يهتف في ساحة ديزنغوف
بدت علامات الكآبة والذهول واضحة على وجه اسحق رابين وهو يلقي البيان أمام الصحافيين وممثلي وسائل الإعلام الإسرائيلية والعالمية موجزاً الوقائع التي حدثت أثناء اقتحام قوات العدو المنزل الذي تحصن فيه مجاهدو حماس مع أسيرهم وهو الجندي الإسرائيلي نحشون فاكسمان في بير نيبالا، وكان هو شخصياً أحد شهودها. ولأن التاريخ لا يكرر نفسه في كل مرة بالطريقة نفسها، فإن العلامات التي بدت على وجه رابين تختلف عما نقله مراسلي وكالات الأنباء قبل ثمانية عشر عاماً حين أعلن رابين نفسه تحرير الرهائن الإسرائيليين من مطار عتيبى بأوغندا.
وهكذا، أصبحت عنتيبي شيئاً من الماضي بعد أن خلقت كتائب الشهيد عز الدين القسام ظروفاً وأوضاعاً جديدة مع مرور الزمن جعلت رئيس الحكومة الإسرائيلية يتلعثم وهو يتلو بيانه فيما جلس يهودا باراك، رئيس هيئة الأركان العامة في جيش الاحتلال إلى جانبه مطاطىء الرأس. واعترف رابين وهو يلعق جراح هزيمته، بأنه يواجه نقصاً كبيراً في المعلومات عن المهندس الذي أعد ونفذ العمليتين في القدس وبيرنيبالا، كما أقر رئيس الحكومة الإسرائيلية بكفاءة كتائب عز الدين القسام حين قال في مؤتمره الصحفي: «لقد تمكنت حماس من خداعنا وتضليل الاستخبارات الإسرائيلية عندما توهمنا جميعاً بأن الجندي المخطوف موجود في غزة»(94).
وعلى الرغم مما آلت إليه نتيجة أسر العريف نحشون فاكسمان، إلا أن العملية تركت آثاراً إيجابية كثيرة وحققت لحركة حماس إنجازات ونجاحات عديدة وعززت موقع الحركة السياسي والعسكري والتنظيمي والإعلامي. وإذا ما تجاوزنا هذه الإنجازات، نظراً لكون المجال ليس ملائماً التعرض لها في هذا الموضع، نجد أن العملية وضعت المهندس أمام تحد مزدوج. فجانب سلطة الحكم الذاتي بات غير مأمون على الإطلاق، كما أن حكومة اسحق رابين أعلنت استنفار كافة أجهزتها وقواتها العسكرية والأمنية والاستخبارية ووضعت كل الجهود والإمكانيات في الحرب الشاملة ضد حركة حماس.
ولأننا أمام مجاهد نذر نفسه وجهده وحياته لله، فإن المهندس لم تكن لتين عزيمته أو تصاب بالفتور أو التراجع. وعلى هذا الأساس يمكن تناول التحرك السريع لمهندس الأجيال لتنفيذ الضربة الثالثة التي خطط لها والتي جاءت لتحتل المكانة الخامسة في برنامج المراحل الخمس للثأر لشهداء الحرم الإبراهيمي الشريف.
إذ انتقل القائد مع مساعديه إلى المربع الذي انطلق منه (رافات - قراوة بني حسان - الزاوية - سلفيت)، وباشر بالإعداد للعملية الاستشهادية الجديدة. ووفقاً للوائح الاتهام التي وجهتها المحاكم العسكرية الإسرائيلية لعدد من المجاهدين المعتقلين من قريتي الزاوية وقراوة بني حسان في وقت لاحق من عام ،1994 فإن المهندس وضع هدفين تحت المراقبة والرصد. وكان الأول يتعلق بساحة ديزنغوف وهي الساحة الرئيسة في الوسط التجاري لتل أبيب، وتعد هذه الساحة بالنسبة للعدو الصهيوني مرادفة لجادة الشانزيليزيه في باريس وبيكاديللي سيركس في لندن وتايمس سكوير في نيويورك نظراً لاتساعها والأشجار التي تحيط بجوانبها وكثرة المقاهي ودور السينما والمتاجر والمسارح فيها. وأما الهدف الثاني، فقد شكل السوق التجاري الرئيسي لمستوطنة بتاح تكفا القريبة من تل أبيب، موقعاً مقبولاً لتنفيذ عملية استشهادية توقع عدداً كبيراً من الإصابات وتجعل الإسرائيليين يبكون دماً. وبعد دراسة كافة الجوانب المتعلقة بالموقعين، استقر رأي المهندس على الهدف الأول، نظراً لتأثيره على الأمن الإسرائيلي عندما يتم اختراق قلب أكبر مدينة داخل العمق الإسرائيلي وتحويل الساحة الرئيسة فيها إلى ساحة هلع ورعب.
نفذ المهندس وعيده الخامس، وجهز الحقيبة المتفجرة وسلمها للمجاهد صالح صوي* [صالح عبد الرحيم حسن صوي: ولد في قلقيلية عام ،1967 فنشأ وترعرع والحقد يربو ويكثر في قلبه على من احتل أرضه.فانضم إلى الإخوان المسلمين قبل الانتفاضة المباركة بعام ليسير في طريق الجهاد بانضمامه لحركة حماس واشتراكه في فعالياتها. وقد اعتقل ثلاث مرات، وقضى أربعة عشر شهراً في سجون الاحتلال، خرج بعدها ليواصل حديث الجهاد والاستشهاد مع اخوته. واستمر على هذا المنوال حتى أصبح مطارداً من قبل الاحتلال بعد مجزرة الخليل مباشرة. ومنذ ذك الحين ، غدا أحد مساعدي المهندس ورفقاء دربه.] بعد أن دربه على طريقة تشغيل العبوات الناسفة، وشرح له خطة العملية وكيفية الوصول للهدف والهيئة التي يتعين عليه الظهور من خلالها حتى يتسنى له الصعود إلى الحافلة المتجهة إلى ساحة ديزنغوف. ولأول مرة، يطلب المهندس آلة تصوير سينمائية، ليقوم أحد المجاهدين بتصوير البطل صالح صوي وهو يلقي بياناً كتبه مهندس الأجيال باسم كتائب الشهيد عز الدين القسام بدأه بقوله: «أنا الشهيد الحي صالح عبد الرحيم حسن صوي أسكن مدينة قلقيلية الصمود.. كنت مطارداً قسامياً في كتائب الشهيد عز الدين القسام». وأضاف صالح وهو يتلو البيان المكتوب: «تحدث الحقير رابين والحقير باراك بأنه لم يكن لديهما أي خيار إلا قتل الخلية التي حافظت على حياة الجندي المخطوف نحشون فاكسمان وعدم تلبية مطالبنا الإنسانية بالإفراج عن جميع الأسرى والمعتقلين»، واختتم المجاهد قائلاً: «لم يكن أمامنا سوى خيار واحد، وهو جعل كل الشعب اليهودي رهينة الخوف والرعب اللذين ستبثهما عملياتنا الاستشهادية.. إن الحل الوحيد لقضيتنا هو الجهاد ولا حل غيره، فلماذا الركون لهذه الدنيا الفانية.. وإلى اللقاء على حوض الكوثر نشرب ماء لا نظمأ بعده»(95).
وبناء على الترتيبات المسبقة، قامت إحدى مجموعات الإسناد بتسهيل عملية انتقال الشهيد الحي إلى مدينة قلقيلية حيث بات ليلة الأربعاء في منزل عائلته ثم غادر في صبيحة اليوم التالي مع إخوانه الذين كلفوا بإيصاله إلى مدينة تل أبيب في رحلة المجد نحو العلا بعد أن حمله المهندس بحقيبة الموت لأعداء الإسلام. وحين وصل البطل إلى محطة الحافلات المركزية، ووقف ينتظر حافلة شركة (دان) رقم (90) التي تعمل على خط رقم (5) والذي يبدأ من بلدة حولون بجنوب تل أبيب وينتهي بمنطقة الفنادق في هيرتسليا مروراً بساحة ديزنغوف، لم يستطع إخفاء البسمة التي زينت شفتيه والفرحة التي غمرت طلعته البهية. ولم يكن أحداً يدرك سر هذه الفرحة أو مناسبتها، فهو الوحيد الذي يحسن الإدراك وقد تجمع أمامه المئات إن لم يكن الألوف من الملائكة الأطهار في هذا اليوم الجميل يزفونه بعد أن استنفرت حور الجنة وعرائسها وتنافسن للظفر بالشهيد العريس.
وقفت حور العين في طابور ممتد ترقب عريسها وتلوح له وهو يقفز الدرجات صعوداً في حافلة الشهادة الأجمل في نحو الساعة الثامنة وخمس وخمسين دقيقة من صباح يوم الأربعاء الموافق 19 تشرين أول (أكتوبر) 1994. وسارت الحافلة في طريقها المعتاد، وقد أخذ الشهيد الحي مقعده في الصف السادس خلف السائق، وخلال دقائق معدودة، وصل الموكب ساحة ديزنغوف، ولاحت الفرصة الذهبية للارتقاء حين اقتربت حافلة أخرى، وأضحت في محاذاة الحافلة رقم (90). وعندئذ هتف الشهيد بالنداء الخالد (الله أكبر) ثم فجر عبواته الناسفة لتتحول الحافلة إلى كومة من الحطام بعد أن تطاير سقفها كلياً وتناثرت قطع من الحديد الملطخة بالدماء في دائرة قطرها يتجاوز الخمسين متراً. ولم تسلم المحلات والمخازن والمقاهي، فقد أحدث الانفجار أضراراً جسيمة وفادحة في المنطقة التي اهتزت وتصاعد عمود من الدخان إلى علو ستة أمتار بفعل الحريق الذي اندلع في الحافلة، ويبدو أن العملية بما انطوت عليه من خسائر بشرية (22 قتيلاً و 47 جريحاً) ومادية (سبعة ملايين شيكل - مليونين وثلاثمائة ألف دولار أمريكي)، لم تهز تل أبيب فحسب، بل جميع أنحاء الكيان الصهيوني حيث أصيب الناس بالذهول وهرعوا في بعض المدن إلى الشوارع في تظاهرات صاخبة كانت تنادي بالموت للعرب والقضاء على حركة حماس، وتطالب باستقالة اسحق رابين ومحاسبة القيادات العسكرية والأمنية على التقصير(96).
ولأن عملية الثأر الخامسة لشهداء الحرم الإبراهيمي شكلت واحدة من أكثر العمليات قوة وتأثيراً ونجاحاً خلال ثلاثين عاماً من الكفاح الفلسطيني المسلح، فقد سعى رابين الذي قطع زيارته لبريطانيا فور سماعه الخبر وعاد لتل أبيب ليعقد اجتماعاً طارئاً لقادة الأجهزة الأمنية ومن ثم اجتماع للحكومة لدراسة الخطوات والإجراءات المضادة لحركة حماس. ومن المفارقات العجيبة، أن رابين لم يتخل عن غطرسته ولم يتواضع في ادعاءاته الزائفة حين حسم النصر لصالحه في معركته مع المهندس بحجة أنه ودولته كانوا الفائزين دوماً في معاركهم مع أعدائهم. ولكن رئيس الحكومة الإسرائيلية، لم يستطع المكابرة طويلاً، فها هو يعلن انكساره في نهاية الخطاب القومي الذي وجهه للشعب، ليأتي توعده على شكل استجداء: «أقول للخاطفين ومفجري القنابل، إن قوات الأمن سيمسكون بكم عاجلاً أو آجلاً»(97).
11- استنفار لمواجهة الهدف المركزي الأول
تجنبت السلطات الإسرائيلية الإعلان عن الإجراءات التي تنوي اتخاذها ضد كوادر ونشطاء حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، وإن كانت قد لوحت بتوسيع إطار حملة الاعتقالات والمداهمات لتشمل كافة المجالات والأجهزة التي تتبع الحركة بهدف ضرب وتقويض البنية التحتية وشبكة الدعم والمساندة التي تعمل في خدمة الجهاز العسكري. فعندما سئل شمعون بيريز الذي كان يشغل منصب نائب رئيس الحكومة ووزير الخارجية عن هذه الخطوات، أجاب: «لن نكسب شيئاً الآن إذا أعلنا عن أي شيء أو إذا خضنا في التفاصيل لأن هذه الإجراءات سرية بطبيعة الحال»(98).
وبعيداً عن تبريرات السرية، ومفردات الخصوصية التي حاول القادة السياسيون والعسكريون تقديمها، فإن سلطات الاحتلال لم تترك أصلاً وسيلة أو إجراء إلا اتخذته وطبقته على أرض الواقع في مواجهة كتائب عز الدين القسام. وبالتالي، لم يعد هناك ما يمكن اعتباره جديداً أو مستحدثاً. ولكن هذا لا يمنع من الاعتراف بأن لقاء قادة الأجهزة الاستخبارية وضباط الجيش في مختلف المستويات استهدفت شيئاً واحداً وضعته كهدف مركزي، ألا وهو المهندس، الذي اعتبرته عدو الدولة العبرية الأول والأخطر والأعنف منذ زمن طويل. فها هو معاون رئيس الحكومة الإسرائيلية يحضر اجتماعاً مشتركاً لرؤساء الموساد والشاباك وآمان ثم يخرج ليعلن بأن هؤلاء: «قرروا تلقين هؤلاء الأوباش درساً لن ينسوه أبد الدهر». ويضيف الجنرال الإسرائيلي في لهجة اتسمت بالتحدي: «إن مسألة وضع يدنا على يحيى عياش هي مسألة وقت فقط، ولذلك فهو يعتبر في عداد الأموات. وإن كان قد نجح في كل مرة بالإفلات بطريقة عجيبة، فإننا نقول له إن يد إسرائيل طويلة جداً، وقادرة على الوصول إليه في أماكن اختبائه الأكثر سرية.. من الآن فصاعداً لن يشعر بالأمن والآمان في كل مكان يتواجد فيه»(99).
لم تكن تلك التصريحات المتوعدة للاستهلاك الإعلامي، فقد تحركت قوات الجيش وحرس الحدود والشرطة وكافة أجهزة الاستخبارات على أكثر من صعيد وباتجاهات عدة بحثاً عن المهندس حيث شنت حملة اعتقالات ومداهمات تخللها نصب كمائن وشراك. واعتبر المحللون العسكريون والأمنيون الإسرائيليون تلك الحملة التي ضمت الآلاف من العسكريين والمخبرين بأنها الأوسع والأعنف في تاريخ الدولة العبرية. ولئن تسرب القليل من المعلومات حول هذه الحملة، فإننا سنذكر ما تناقلته وسائل الإعلام المحلية والإسرائيلية. ففي رافات، مسقط رأس المهندس، دفعت سلطات العدو بقوات كبيرة من الجيش وحرس الحدود ترافقها وحدات مستعربين وضباط من الشاباك إلى الجبال والمناطق المحيطة بالقرية. وأعادت تلك القوات نصب النقطة العسكرية الموجودة على مدخل القرية في اليوم التالي للعملية البطولية في تل أبيب. وتمكنت قوات الاحتلال من مراقبة الحركة داخل رافات عبر هذه النقطة(100). وحين أشارت تقارير وحدات المستعربين السرية بأنها تشتبه بوجود المهندس في منزله، داهمت قوات كبيرة من المظليين المنزل يوم السبت الموافق 29 تشرين أول (أكتوبر) 1994 وأجرت فيه عملية تفتيش دقيقة وواسعة حطمت خلالها معظم محتويات المنزل.
وسارت الأمور على نفس المنوال في قراوة بني حسان باعتبارها المستودع الرئيس وخزان المجاهدين الذي لا ينضب والذي يمد المهندس بمقاتلين ومساعدين حسب تقرير الشاباك، إذ داهمت مجموعة من الوحدات الخاصة ترافقها (15) دورية عسكرية القرية في نحو الساعة السادسة والنصف من صباح يوم السبت الموافق 22 تشرين أول (أكتوبر) 1994 وحاصرت محلاً تجارياً وسط القرية وحطمته واعتقلت محمد مصطفى مرعي (25 عاماً) بتهمة المساعدة في تقديم مأوى للمهندس وللشهيد صالح صوي ونقلهما في سيارته وتوفير آلة تصوير استخدمت في إعداد شريط الفيديو الخاص بالشهيد الحي. كما اتهمت الشاباك محمد مرعي بأنه جهز أربع صور فوتوغرافية وهوية إسرائيلية مزورة للشهيد صالح صوي وعمل كقناة لنقل المواد المتفجرة للمهندس. واعتقل العدو أيضاً بهجت عاصي (28 عاماً) وهو ابن عم الشهيد القائد أبو جهاد في نفس اليوم، وقدمت الشاباك في لوائح الاتهام التي وجهت إليه تجهيز منزله كقاعدة للمهندس والاشتراك بالتخطيط لعمليتين استشهاديتين كانتا من المفترض أن تستهدفا سوق بتيح تكفا وحافلة ركاب إسرائيلية قرب نابلس(101).
وتوالت الاعتقالات المنظمة لمن يشتبه بأنه قدم العون أو المساعدة أو الملجأ، وحتى من تصادف أن التقى دون ترتيب مسبق بالمهندس، وقد اعترفت الشاباك، بأن التقدم الذي أحرزته في مطاردتها للمهندس جاء بعد أن خولت اللجنة الوزارية لشؤون جهاز المخابرات التي يرأسها اسحق رابين شخصياً لمحققي الشاباك باستخدام أساليب الضغط والتعذيب الجسدي بشكل مكثف ومتزايد مع معتقلي حركة المقاومة الإسلامية (حماس) الذين تتوفر شبهات قوية تؤكد أن بحوزتهم معلومات حول المهندس. واستناداً لما ذكرته وسائل الإعلام الإسرائيلية، فقد أسهم استخدام هذا الأسلوب من الضغط الجسدي المشدد في انتزاع اعترافات من بعض المعتقلين قادت لاعتقال آخرين، ومن بينهم (43) عضواً من مجموعات الرصد والاستطلاع والخدمات والتموين الذين عملوا بخدمة المهندس بشكل أو بآخر في منطقة شمال الضفة الغربية(102).
وبطبيعة الحال، لا يمكن التسليم بهذه المعلومات أو اعتبارها من المسلمات، إذ أن الدعاية الصهيونية درجت على تضخيم إنجازات مخابراتها وجيشها وشن حرب نفسية بهدف النيل من عزيمة وقوة الطرف المقابل. فمن بين العشرات الذين ادعت سلطات الاحتلال أنهم من مساعدي المهندس، لم تقدم للمحاكمة سوى سبعة من بينهم الشيخ صبري حسين موقدة (65 عاماً) وهو إمام مسجد قرية الزاوية واثنان من أبنائه الذين اعتقلوا يوم السبت الموافق 5 تشرين الثاني (نوفمبر) 1994 بتهمة قيام الشيخ بتدريب المهندس على صناعة المتفجرات، في حين اتهم عصام ومعتصم صبري موقدة بتقديم المساعدة للمهندس وصالح صوي. كما أصدر القضاة العسكريون حكماً بالسجن ست سنوات منها ثلاثة سنوات بالسجن الفعلي على حازم فايز عمر فيومي (22 عاماً) وعبد الرحمن محمد سعيد حامد (27 عاماً)، والاثنان من مدينة قلقيلية بتهمة التعاون مع المهندس وتقديم خدمات للشهيد الحي(103).
ولا يقتصر أمر الحرب النفسية على عدد المعتقلين فحسب، بل إن قضية صمود هؤلاء المعتقلين وفاعلية إجراءات التعذيب الإرهابي الذي طبق عليهم تحتاج هي الأخرى إلى التوقف عندها. فقد ذكرت الصحف الإسرائيلية بأن أعضاء مجموعات الإسناد والخدمات الذين قالت الشاباك أنها نجحت في كشفهم واعتقالهم قد صمدوا أمام المحققين رغم المعاناة والعذاب الذي انصب عليهم، ولذلك -تضيف يديعوت احرونوت- وصل التحقيق معهم إلى طريق مسدود على الرغم من توفر معلومات لدى الشاباك تدينهم. وقد اتضح لمحققي المخابرات الإسرائيلية أن معظم المعتقلين اجتازوا فصلاً خاصاً تدربوا فيه على كيفية الصمود في التحقيقات التي تجريها الشاباك(104). ونتوقف عند هذه النقطة، ذلك أنها تعطي انطباعاً مهماً وصورة ناصعة جديرة بالدراسة حول نوعية الرجال الذين اعتمد عليهم المهندس حتى وإن كانت مهمتهم بسيطة أو ثانوية في مفهوم الحياة العصرية. فقد كانوا عند حسن ظن قائدهم وإخوانهم، فلم يخذلوهم ولم يقدموا للعدو منفذاً.
لم تكن سلطات الاحتلال لتكتفي بما حققته، إذ أن حملتها باتجاه المهندس لم تتقدم رغم هذه الإنجازات، وإن كانت قد أحدثت بعض الإرباكات في الخطط والبرامج لدى حركة المقاومة الإسلامية (حماس). ففي واحدة من فصول العلاقة القاسية التي نشأت بين أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية والمهندس، توسعت دائرة المطاردة لتشمل مختلف أنحاء الضفة الغربية. ففي مدينة نابلس، أجرت قوات الاحتلال عمليات مداهمة وتفتيش للمنازل طالت أيضاً عدد من قرى ومخيمات المدينة، وكان جنود العدو يستجوبون سكانها عن علاقتهم بالمهندس. وجرت أحداثاً مماثلة في سلفيت وقلقيلية حيث حوصرت المنازل في المدينتين وشنت قوات الاحتلال حملة تفتيش من منزل إلى آخر بحثاً عن يحيى عياش. كما قامت قوات أخرى بحملة اعتقال وتفتيش في مدينة طولكرم وقرى حبلة وكفر لاقف شملت منازل ومساجد اشتبه العدو أن المهندس قد يستخدمها كمخبأ له.
ووصل الإرهاب الصهيوني إلى مدن جنين ورام الله وبيت لحم في تصعيد ملفت للعيان، وكأن الدولة العبرية قد خرجت بجيشها وأجهزتها وكوادرها وطاقاتها وراء المهندس، إذ لم يبق إلا أن توجه النداء للجمهور اليهودي بمؤازرة قواته ومعاونتها في تلك العملية. ومع اتساع إجراءات البحث، توسعت حملة الاعتقالات، وأضحت تجري بطريقة عشوائية بعد أن كانت وفق قوائم معدة مسبقاً، ووصل عدد المعتقلين إلى أكثر من ألفين، وهذا عدد لم تشهده الضفة الغربية في تاريخها. واعترفت سلطات الاحتلال العسكرية بأن حملتها الرامية لإلقاء القبض أو قتل يحيى عياش قد امتدت إلى المناطق المحتلة منذ عام ،1948 بعد أن انتشرت الإشاعات داخل المجتمع الإسرائيلي بأن المهندس يختبىء هناك متقمصاً شخصية حاخام يهودي(105).
وقادت الشائعات وهوس المخبرين السريين آلاف الجنود وضباط الشاباك ترافقهم طائرة مروحية إلى إجراء عملية تمشيط واسعة يوم السبت الموافق 22 تشرين أول (أكتوبر) 1994 استغرقت ست ساعات. واستهدفت ست منازل مبنية بالحجارة في قرية بيت تعمر وهي قرية تقع على تل قرب بيت لحم، وغادر الجنود بعد «عملية بحث غير مجدية عن والأماكن عياش» وفق العبارة التي رددها الناطق العسكري مراراً، بخفي حنين في صف طويل من المركبات العسكرية(106). وتكررت مثل هذه العملية في مخيمات نابلس الأربع وعدد كبير من القرى وخاصة قراوة بني حسان، وشملت عمليات التمشيط والتفتيش يوم الأربعاء الموافق 2 تشرين ثاني (نوفمبر) 1994 الكهوف الواقعة في جبال جرزيم وعيبال اللواتي يحطن بمدينة نابلس من الشمال والجنوب.
منذ العملية البطولية في تل أبيب، لم يعد جنود الاحتلال وأفراد المخابرات ووحدات المستعربين يفارقون نابلس وقلقيلية والقدس ورام الله والخليل. وباعتراف الجنرال بنيامين بن اليعيزر الذي كان يشغل منصب وزير البناء والإسكان في حكومة اسحق رابين بأنها «حرب طويلة ومن يتعب أولاً سيكون الخاسر» فإن حادثة استشهاد الفتى مصطفى عاصي (16 عاماً) مساء يوم الاثنين الموافق 24 تشرين أول (أكتوبر) 1994 تدل بشكل واضح أن لغز المهندس قد أضحى كابوساً على جنود العدو الذين يطاردونه. ففي ظل أجواء التوتر والخوف التي انتشرت بين الآلاف من الجنود المنتشرين، قامت وحدة من المستعربين بنصب كمين عند مسجد قرية قراوة بني حسان بعد ورود معلومات بأن المهندس سوف يمر من هناك. وحين ظهر مصطفى عاصي، أطلق الجنود عليه النار وأصابوه في ظهره، فسقط عند باب بيته بعد أن مشى عدة أمتار. وعندئذ، ركض الجنود باتجاهه، وقالوا: «قتلنا المهندس». وعندما تبين لهم بأن مصطفى ليس المهندس المطلوب، بل صبي عابر سبيل، ألقى أحد المستعربين سلاحه وانفجر بالبكاء(107).
بإيجاز، لا يمكن إغفال التأثير الذي أحدثته الحملة الصهيونية ضد كوادر ونشطاء حركة حماس في الضفة الغربية على خطط الحركة وبرامجها، وبخاصة تلك التي تتعلق بالجهاز العسكري ومن ضمنه مهندسنا. ذلك أن الجهاد هو عمل مؤسسي يقوم على أكتاف وجهود المجموعة. ولأن يحيى عياش يمثل نموذجاً جديداً في العمل العسكري تخطيطاً وتنفيذاً ويتميز بكفاءته فيما يتعلق بتصنيع المتفجرات وتجهيز العمليات الاستشهادية وهو جانب كان مفقوداً في السابق، فقد ارتأت قيادة الحركة الإسلامية نقل المهندس إلى مكان جديد، أكثر أمناً حتى يتمكن من تنفيذ مشروعه الجهادي الجديد، ألا وهو توريث علمه وخبرته العسكرية إلى إخوانه حتى يتواصل الجهاد بنفس الوتيرة إذا ما غاب المهندس عن ساحة الصراع لسبب من الأسباب. ويستجيب الجندي لأمر قادته، ويغادر المهندس الضفة الغربية إلى قطاع غزة بعد أن أعاد ترتيب وتنظيم كتائب الشهيد عز الدين القسام في الضفة الغربية ووضع على رأس كل منطقة قائداً ومعاونين وقسم الاختصاصات وطرق الاتصال الآمن ونقل الوسائل القتالية والمجاهدين بين تلك المناطق وداخلها وعلاقتهم بالأجهزة الأخرى.
|