رد: قصة حياة البطل الشهيد / يحيى عياش - ( كتاب )
ثالثاً: قيادة القافلة
تنفست الحكومة الإسرائيلية الصعداء، وأخذ قادة الشاباك والاستخبارات العسكرية يتحدثون بفخر عما أسموه إنجازاً كبيراً كونهم قد أخرجوا ثلاثة من القادة العسكريين لحركة حماس من دائرة الصراع والحرب الفدائية. فقد استشهد مهندس العمليات العسكرية في قطاع غزة، جميل الوادي في أواخر حزيران (يونيو) في اشتباك بطولي على طريق البحر المحاذي لمدينة خان يونس ولحقه القائد البطل عدنان مرعي في آب (أغسطس)، وأخيراً القائد الفذ محمد عزيز رشدي في أيلول (سبتمبر). وفي الوقت ذاته، اشتدت المطاردة وعمليات الحصار على من تبقى من القيادات العسكرية التي واكبت انطلاقة وتشكيل كتائب الشهيد عز الدين القسام. ومع كثافة حملات التفتيش التي نفذت بتنسيق وتخطيط مشترك بين الجيش الإسرائيلي ووحدات الشرطة وقوات حرس الحدود، والتي طالت قطاعات واسعة من أبناء شعبنا بهدف تشديد الخناق على المجاهدين القساميين، تحول المهندس إلى شبح أسطوري، مرعب بالنسبة للإسرائيليين بكافة قطاعاتهم وتصنيفاتهم.
ومنذ تلك اللحظة التاريخية، أخذت الحرب بين الكتائب القسامية والكيان الصهيوني بعداً جديداًً عبر الجنرال بنيامين بن اليعازر الذي كان يشغل منصب وزير البناء والإسكان في حكومة حزب العمل عنه بقوله: «إنها حرب عصابات من جانب مجموعات صغيرة متلهفة إلى الموت»حسب تعبيره(44).
1- لو كان غير الجنة لأثرته
مع اقتراب الذكرى السنوية الثالثة للجريمة الصهيونية التي ارتكبت في ساحة المسجد الأقصى المبارك، ووفاءً لأرواح الشهداء الأبطال من كتائب الشهيد عز الدين القسام، عكف المهندس على وضع اللمسات الأخيرة في خطة الحملة العسكرية الجديدة ذات الثلاث أذرع. ولأن الشهيدين القائدين عدنان مرعي ومحمد عزيز رشدي لم يغيبا عن فكر وقلب ووجدان المهندس الذي كان دائم الذكر لهما ولسيرتهما الجهادية المباركة. فقد أصر يحيى على المساهمة في اثنتين من تلك العمليات وإطلاق اسمي الشهيدين عدنان ومحمد على المجموعتين المنفذتين. ولذلك، صمم المهندس عبوة ناسفة تنفجر بمجرد اللمس أو الضغط بحيث تؤدي مفعول اللغم الأرضي. وكلف المهندس أحد مساعديه في منطقة القدس بزرع العبوة في إحدى الحقول القريبة من مستوطنة (رامات راحيل) المقامة فوق أرض عربية في الضاحية الجنوبية لمدينة القدس. ولدى تجول خمسة من المستوطنين الصهاينة في ذلك الحقل، صعد أحدهم على العبوة في صبيحة يوم الجمعة الموافق 1 تشرين أول (أكتوبر) ،1993 مما أحدث دوياً هائلاً سقط بعدها الخمسة مضرجين بدمائهم. وقد اعترفت السلطات الإسرائيلية بالعملية، وأعلنت أن مستوطنيها نقلوا إلى مستشفى هداسا حيث فارق أحدهم الحياة متأثراً بجراحه(45).
«لا شك أن بصمات أصابع يحيى عياش مطبوعة أيضاً على هذه العملية الصعبة»، عبارة رددها قائد القوات الإسرائيلية في الضفة الغربية بعد زيارته لموقع الهجوم الاستشهادي الجريء الذي نفذه شيخ الاستشهاديين، سليمان مصطفى حسن زيدان ضد حافلة عسكرية بالقرب من مقر قيادة القوات الإسرائيلية في الضفة الغربية. ونتوقف هنا أمام الشهيد الخالد مع النبيين والصديقين والذي كان يبلغ من العمر زهاء اثنين وأربعين عاماً، ونتساءل: لماذا يشرك المهندس ابن الأربعين في عملية من هذا النوع؟ وهل كان يعاني من نقص في المتطوعين أو الاستشهاديين؟. والحقيقة هي عكس ذلك، فالاستشهاديون عددهم كبير وقوائم المتطوعين تمتليء بالعشرات بل قل بالمئات ممن نذر نفسه لله وللإسلام. ولكن الشهيد سليمان زيدان، الذي رافق المهندس منذ انتقاله إلى منطقة رام الله، ينام ليله في الكهوف ويقضي نهاره بين الجبال ملازماً ليحيى ظل متطلعاً إلى السماء، وحينما سنحت الفرصة ورأى الشيخ سليمان زيدان المهندس يجهز السيارة المفخخة بعبوات ناسفة شديدة الانفجار وقنابل يدوية ومسامير، ناشده بالله أن يكرمه بقيادة السيارة وتحقيق أمنيته بالشهادة.
وهذا الإصرار من قبل الشهيد سليمان زيدان، والذي عبر عنه بأساليب وطرق جعلت المهندس ينزل عند رغبة أخيه ويقدمه على المجاهد الذي وقع عليه الاختيار لتنفيذ العملية، يذكرنا بقصة الصحابي خيثمة سيد بني عمرو بن عوف وابنه سعد قبيل غزوة بدر الكبرى، فحين قال خيثمة لابنه: «لا بد لأحدنا أن يقيم فأثرني بالخروج وأقم أنت مع نسائنا»، أجابه سعد على الفور: «لو كان غير الجنة لأثرتك به، إني أرجو الشهادة في وجهي هذا». واستجاب الله سبحانه وتعالى لرغبة الابن ولقي ربه في بدر، ثم مضت الأيام وتعاقبت الليالي، وبقيت كلمات الابن تتجاوب أصداؤها في قلب الشيخ الكبير حتى أقبلت غزوة أُحد. فجمع الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه يستشيرهم في الخروج، وكان من بينهم خيثمة الذي أشار على الرسول برأي رآه ثم قال للرسول متوسلاً: «لقد أخطأتني وقعة بدر وقد كنت عليها حريصاً، وقد بلغ من حرصي أن ساهمت وابني في الخروج فخرج سهمه فرزق الشهادة، وقد كنت على الشهادة حريصاً - وقد رأيت ابني البارحة في النوم في أحسن صورة يسرح في ثمار الجنة وأنهارها وهو يقول: الحق بنا ترافقنا في الجنة فقد وجدت ما وعدني ربي حقا... والله يا رسول الله أصبحت مشتاقاً إلى مرافقته في الجنة، وقد كبرت سني ووهن عظمي، وأحب لقاء ربي، فادع الله يا رسول الله أن يرزقني الشهادة». فدعا الرسول لخيثمة أن يرزقه الشهادة وتحققت دعوة الرسول وتحققت أمنية خيثمة ولقي الرجل ربه وهو يذب الأعداء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد(46).
وكان لسليمان ما تمنى، وقاد السيارة المفخخة متتبعاً حافلة عسكرية إسرائيلية تحمل رقم (178) وتنقل جنوداً من القوات الخاصة في طريقهم إلى مقر قيادة القوات الإسرائيلية الذي يقع بالقرب من مستوطنة بيت إيل شمال مدينة رام الله. وبعد أن تخطى سليمان ثمانية حواجز عسكرية أقامتها سلطات الاحتلال بين مدينتي القدس ورام الله مستغلاً لوحة الأرقام الإسرائيلية المثبتة على السيارة، تمكن من اللحاق بالهدف (الحافلة) أثناء اقترابه من المستوطنة عند الساعة السابعة والنصف من صباح يوم الاثنين الموافق 4 تشرين أول (أكتوبر) 1993. وما هي إلا ثوان معدودة، حتى كانت السيارة المفخخة تصدم الحافلة العسكرية من الجنب لتنفجر السيارتان محدثتا دوياً هائلاً وتناثرت الأشلاء والصفائح المعدنية على مساحة واسعة. وعلى الأثر، طوق جيش الاحتلال المنطقة وهرعت العشرات من سيارات الإسعاف لنقل القتلى والجرحى(47).
وإذا كان شهود العيان من المستوطنين اليهود قد أكدوا في حديثهم لوسائل الإعلام العبرية والعالمية أن الحافلة العسكرية التي كانت مكتظة بالجنود قد احترقت جراء الانفجار، إلا أن ذلك لم يثن المتحدث العسكري في جيش الاحتلال عن محاولته التقليل من شأن العملية البطولية التي أودت بحياة ثلاثة من جنوده وأصابت (28) جندياً وسائق الحافلة بالإضافة إلى مستوطن بجروح وحروق وإعاقات متفاوتة(48).
وبعد خمسة أيام من العملية الاستشهادية في بيت إيل، بر المهندس بوعده وأكمل حملته العسكرية ذات الثلاث أذرع حين أوعز إلى إحدى المجموعات القسامية العاملة في منطقة القدس بمهاجمة اثنين من جنود الاحتياط كانا يقضيان أجازتهما في منطقة وادي القلط السياحية في محاولة لأسرهما وإرغام حكومة اسحق رابين على الإفراج عن عدد من أبناء شعبنا المعتقلين في السجون وأقبية التعذيب الصهيونية. ولكن المقاومة التي أبداها الجنديان حالت دون تنفيذ هذا الهدف، مما اضطر المجموعة الفدائية إلى إطلاق النار على العسكريين الإسرائيليين وقتلهما ثم مغادرة المكان قبل أن تصل قوات الاحتلال(49).
2- ذكرى وعد بلفور
شكلت العملية الاستشهادية التي نفذها البطل سليمان زيدان تحدياً كبيراً لاسحق رابين بصفته وزيراً للدفاع، وكون هذه العملية استهدفت جنوداً مدربين ومدججين بالسلاح، وهذا تحد لم تعتاد عليه المؤسسة العسكرية الإسرائيلية. لم يكن هذا التحدي جديداً على المهندس، إذ استهدفت العملية البطولية التي نفذها الشهيد ساهر التمام حافلتين عسكريتين أيضاً. وعليه، غدا هذا الأسلوب، برنامج عمل ومنهاج سار عليه المهندس ولم يخرج عنه إلا للرد على الجرائم التي يرتكبها المستوطنون بحق أبناء شعبنا كما سنرى. وطالما نحن نتحدث عن هذا المنهاج، وفي إطار السياق التاريخي الذي سرنا عليه في هذا الفصل، نصل إلى العملية الاستشهادية التي شاءت قدرة الله سبحانه وتعالى ألا تكتمل فصولها الأخيرة، وإن كان المهندس وإخوانه في كتائب الشهيد عز الدين القسام قد أعدوا لها كافة المستلزمات الضرورية للنجاح. فقد أعد المهندس سيارة من نوع (سوبارو) وجهز عبوات ناسفة ربطها باسطوانات غاز وعدد من القنابل اليدوية داخل السيارة التي كان من المقرر تفجيرها بمحاذاة حافلة عسكرية تمر يومياً على الطريق المؤدي إلى مستوطنة (شيلو). وفي نحو الساعة السادسة والنصف من صباح يوم الثلاثاء الموافق 2 تشرين الثاني (نوفمبر) ،1993 الذي يصادف ذكرى وعد بلفور المشؤوم، قاد المجاهد سلامة يوسف سلامة* [سلامة يوسف سلامة: ولد في قرية بدرس بقضاء رام الله عام 1973.] السيارة المفخخة. وما أن خرج الشهيد بسيارته على الطريق المتفرعة من قرية سنجل القريبة من المستوطنة، حتى انفجرت العبوة الناسفة مما أدى إلى استشهاد البطل دون أن يتمكن من إكمال مهمته والاصطدام بالحافلة العسكرية وتفجيرها(50). والحقيقة أنه لم يعرف، هل انفجرت العبوات بسبب خلل فني في أجهزة التفجير أم أن العبوات كانت مؤقتة بحيث تنفجر في وقت معين، وتأخر الشهيد في الوصول إلى هدفه أم أن الحافلة تأخرت ذلك اليوم. ورحم الله الشهيد سلامة يوسف الذي جعل قائد المنطقة الوسطى في جيش الاحتلال يعلن أمام الصحفيين بعد تفقده مكان العملية: «إن مشكلتنا هي بالأساس مع أولئك الشبان المستعدين لجعل أنفسهم قنابل حية، فمن الصعب جداً مواجهة هذه النوعية من الأشخاص»(51).
3- أطول الناس أعناقاً يوم القيامة
اعتاد أهالي قرية حرملة القريبة من بيت لحم على الاستيقاظ في صباح كل يوم على صوت خالد الزير وهو يؤذن داعياً أهل قريته إلى الفلاح. وبعد مطاردة سلطات الاحتلال للقائد القسامي بقي صوته الشجي حاضراً، تردده مئذنة مسجد حرملة خمس مرات في اليوم عبر أشرطة التسجيل التي حفظها أهالي حرملة وتداولوها فيما بينهم. وحين كان صوت الله أكبر يتردد من مئذنة المسجد الذي افتقد خالد دون صوته، كان شيوخ القرية يرفعون أيديهم بالدعاء للقائد القسامي الذي هجر متاع الدنيا وحمل في قلبه وفكره ووجدانه هموم شعبه.
في يوم الجمعة الموافق 26 تشرين الثاني (نوفمبر) ،1993 وبعد أقل من يومين فقط على استشهاد القائد عماد عقل في مدينة غزة، فجع المهندس باستشهاد مساعده في حي صور باهر بمدينة القدس على يد الوحدات الإسرائيلية الخاصة. وقد أتضح من خلال الشواهد وتقصي الحقائق أن عميلاً لسلطات الاحتلال قد تمكن من رصد منزل المجاهد إبراهيم عميرة (23 عاماً) الذي كان يختبىء به القائد خالد الزير. وعلى أثر هذه المعلومات، حاصرت الوحدات الخاصة و المستعربين الإسرائيليين المنزل في نحو الساعة الثامنة من صباح يوم الجمعة وطلبت من سكانه الخروج. وعند تجمع سكان المنزل في الساحة المقابلة، حاول المجاهد الابتعاد عن جمهور المواطنين حتى لا يصابوا بأذى في أي تبادل لإطلاق النار وعندئذ، شهر القائد مسدسه وأطلق بضع طلقات نارية باتجاه جنود العدو الذين صوبوا أسلحتهم الرشاشة باتجاه صاحب الإيمان والقرآن مما أدى إلى استشهاده على الفور(52).
وهكذا غاب رفيق آخر من رفاق المهندس عن الميدان، بينما أخضع المعتقلين المتهمين بالمشاركة في إيواء القائد الشهيد خالد الزير لعمليات تعذيب شديدة، وضغوط جسدية منتظمة ادعت بعدها سلطات الاحتلال بأن هؤلاء المعتقلين خططوا لأسر جندي إسرائيلي حيث أشارت لائحة الاتهام التي وجهت لأعضاء الخلية الخمسة وجميعهم من صور باهر بأنهم تزودوا بحبل وسكين طويل وجهاز فيه غاز مسيل للدموع وسافروا حتى طبريا بحثاً عن جندي مناسب، وحين لم يعثروا على هدف مناسب عادوا أدراجهم، ثم حاولوا مرة أخرى في منطقة الخان الأحمر ولكنهم لم ينجحوا كذلك. وزعمت الشاباك أيضاً، بأن القائدين يحيى عياش وخالد الزير قد خططا لتفجير سيارة مفخخة في مدينة القدس، إلا أن العملية لم تنفذ لظروف لم تشر إليها تحقيقات الشاباك(53).
4- الوحدة المختارة رقم صفر
لاشك أن الضربة التي تعرضت لها كتائب الشهيد عز الدين القسام في أواخر شهر تشرين الثاني (نوفمبر) 1993 تعد مؤلمة، ذلك أن فقدان اثنان من القادة العسكريين البارزين خلال أقل من أسبوع ليس بالأمر اليسير على أي حركة مجاهدة تعتمد منهاج الكفاح المسلح برنامجاً رئيساً في مواجهة أعدائها. ولكن معرفتنا بقدرة الجناح العسكري لحركة حماس على إعادة ترتيب أوضاعه والانطلاق بشكل سريع نسبياً خفف من آثار استشهاد القائدين عماد عقل وخالد الزير. فها هو عوديد غرانوت يكتب معلقاً: «إن خلايا حماس التي تتجول في المنطقة قادرة على تنظيم صفوفها بسرعة، وتنفيذ سلسلة من العمليات الانتقامية ضمن حيز زمني قصير بين هجمة وأخرى، وبرغم جهود أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، إلا أنه لا يمكن التحدث عن نجاح في تصفية البنية الميدانية التي تستند إليها حركة حماس... يكفي أن تنشر حركة حماس عدة خلايا متفرقة في منطقة حتى تخرب من جديد وبكامل خطورتها، مسألة أمن التنقل على طرق المواصلات الرئيسة في المناطق»(54).
وفيما كان الشاباك يزف لحكومة تل أبيب أنباء نجاحاته المحدودة في الشجاعية وصور باهر ويقدم التهاني لضباطه وعناصره، كان المهندس ورفاقه قد انتهوا من تنظيم وتجهيز مجموعتين خاصتين. الأولى، وضمت ستة مجاهدين من مدينة القدس وعرفت باسم (الوحدة المختارة رقم ستة). وأما الثانية ، فقد عرفت باسم (الوحدة المختارة رقم صفر)، وضمت خمسة مجاهدين هم:
1- عبد الرحمن محمد عبد الرحمن حمدان: ولد في مخيم خان يونس عام ،1971 وتربى منذ صغره في مسجد فلسطين، وكان له دور كبير جداً ومشهور على مستوى قطاع غزة، حيث أضحى نائب مسؤول جهاز الأحداث في المنطقة الجنوبية من القطاع. وبعد فرزه للعمل في كتائب القسام، شارك مع عماد عقل في عدد من عملياته قبل أن ينتقل إلى الضفة الغربية إثر مطاردة سلطات الاحتلال له في كانون الثاني (يناير) 1993.
2- علي أحمد علي العامودي: ولد في مخيم خان يونس عام ،1974 وشارك القائد محمد مصطفى شهوان في عدد من عملياته في منطقة خان يونس قبل أن ينتقل مع عبد الرحمن حمدان إلى الضفة الغربية.
3- إسلام فوزي أبو إرميلة: ولد في مدينة القدس عام 1966 لعائلة من خليل الرحمن بالأصل، وكان من الغيورين على الإسلام وحرماته، وشارك في فعاليات الانتفاضة المباركة فاعتقل مرتين، الأولى لمدة أربعة أشهر والثانية لمدة (26) شهراً. وهو يعد من أجرأ من نقل السلاح والمطاردين بين المدن والقرى وبين الضفة والقطاع.
4- عبد المنعم محمد يوسف أبو حميد: ولد في مخيم الأمعري عام 1970 لعائلة مهاجرة من بلدة السوافير الشمالية كانت قد انتقلت إلى مخيم النصيرات قبل هجرتها مرة أخرى عام 1970 لأسباب اقتصادية إلى منطقة رام الله. ونشأ عبد المنعم وترعرع في المساجد مما ولد لديه مفهوماً خاصاً به حول الإسلام قربة من الحركة الإسلامية التي سرعان ما أصبح أحد أعضائها وهو طالب في كلية الآداب بجامعة بير زيت واعتقل مرة واحدة عام 1987.
5- زهير رضوان عبد الجواد فراح: ولد في الرام بضواحي القدس عام 1970 وهو طالب في قسم الحاسب الإلكتروني بكلية العلوم والتكنولوجيا، وهو زوج شقيقه إسلام أبو إرميلة.
نبدأ بالوحدة المختارة رقم صفر التي بدأت نشاطها الجهادي بتصعيد ملموس في شهر كانون الأول (ديسمبر) من عام ،1993 وكانت بإمرة الشيخ عبد الرحمن العاروري. فبعد استشهاد عماد عقل وخالد الزير والكثافة التي ظهرت عليها الانطلاقة القمعية للجيش الإسرائيلي، إلى جانب غض سلطات الاحتلال بصرها عن استفزازات وجرائم المستوطنين الإرهابية بحق المواطنين العرب، أصدرت غرفة العمليات في كتائب الشهيد عز الدين القسام بياناً أنذرت فيه بمطاردة المستوطنين الذين يعيثون فساداً وتخريباً. وجاء في البيان الذي صاغه المهندس وأخيه عبدالرحمن حمدان: «لقد كنا نفضل دوماً ضرب أهداف عسكرية بحتة، ولكن بعد قتل جنودكم ومستوطنيكم للصبي حازم مقداد ابن الـ 15 عاماً في غزة، والأب طلال البكري أبن الـ 54 عاماً، فقد قررت غرفة العمليات التابعة لكتائب الشهيد عز الدين القسام الرد على سياستكم بالمثل وليكن ما يكون. إن من يمسنا بالماء من أعدائنا سنرد عليه بالنار، وعلى رئيس الأركان الإسرائيلي أن يفهم رسالتنا ويقوم باستيراد المزيد من الأكياس السوداء لتكفين جنوده ومستوطنيه»(55).
لم يكد يمضي خمسة أيام على هذا الإنذار، حتى أمر المهندس الوحدة المختار رقم صفر بالتحرك والانتقام لشهداء الانتفاضة المباركة من الأطفال والنساء حيث لاحقت سيارة المجاهدين سيارة إسرائيلية من طراز (فيات أونو) كانت متجهة من مستوطنة (إيلي) إلى مستوطنة (بساغوت) على طريق رام الله - القدس.وفي حوالي الساعة الثامنة من صباح يوم الأربعاء الموافق 1 كانون أول (ديسمبر) ،1993 أطلق المجاهدان عبد الرحمن حمدان وعبد الرحمن العاروري النار من رشاش كلاشنكوف وبندقية (أم-16) على السيارة الإسرائيلية التي كانت متوقفة على جانب الطريق بسبب خلل أصابها على ما يبدو. وقد أسفر الهجوم عن إصابة المستوطنين الأربعة بإصابات مختلفة ما لبث أن توفي اثنان منهم في وقت لاحق. وعلى الأثر، هرعت قوات معززة من جيش الاحتلال وقامت بأعمال التمشيط بحثاًً عن المجاهدين الذين انسحبوا إلى قاعدتهم بسلام(56).
وفي إطار الحرب التي أعلنتها كتائب عز الدين القسام على الجنود الإسرائيليين وقطعان المستوطنين، وفي ظل حظر التجول الذي فرضه جيش الاحتلال على مدينتي رام الله والبيرة إثر العملية السابقة، نقل المهندس الوحدة المختارة رقم صفر إلى مدينة خليل الرحمن لتهاجم في تمام الساعة السادسة من مساء يوم الاثنين الموافق 6 كانون أول (ديسمبر) 1993 سيارة (فان) تقل عدداً من المستوطنين الصهاينة عند مفترق مستوطنة (خارصينا) الواقعة عند مشارف مدينة خليل الرحمن. وبثوان معدودة، أطلق خلالها المجاهدان عبد الرحمن حمدان وأمجد أبو خلف وابلاً من نيران أسلحتهما الأوتوماتيكية، فقتل اثنان من المستوطنين وخرج ثلاثة آخرون. كما خرج المجاهد عبد الرحمن حمدان مع عدد من مجاهدي الخليل في عدة مهمات جهادية كان من أبرزها، تنفيذ عملية ردع المستوطنين الثالثة. ففي نحو الساعة السادسة والنصف من مساء يوم الأحد الموافق 12 كانون أول (ديسمبر) ،1993 هاجمت المجموعة الفدائية حافلة إسرائيلية تابعة لشركة (إيغد) تعمل على خط رقم (51) الذي يصل بين كريات أربع ومدينة بئر السبع حيث تجاوزت سيارة البيجو التي أقلت المجاهدين الحافلة الإسرائيلية لدى مرورها عند مفترق (زيف)، وأطلق المجاهدون نيران أسلحتهم الرشاشة باتجاه الجنود والمستوطنين داخلها، ثم غادروا مكان العملية عائدين إلى قاعدتهم. ولئن اعترفت سلطات الاحتلال بالعملية، إلا أنها حاولت التقليل من شأن الإصابات التي لحقت بركاب الحافلة حيث اكتفت وسائل الإعلام الإسرائيلية بالإعلان عن إصابة سائق الحافلة بجروح خطيرة في رأسه وبطنه، ثم عادت وأعلنت عن وفاته متأثراً بجراحه. وعلى الرغم من ذلك، لم يستطع قادة جيش الاحتلال إلا الاعتراف بجرأة العملية. إذ علق ضابط إسرائيلي حضر مع القوات التي أغلقت المنطقة في أعقاب الهجوم بقوله: «إن الخليل مدينة بلا رحمة»(57).
عاد المهندس برفقة الوحدة المختارة رقم صفر إلى منطقة رام الله على وجه السرعة، فقد اغتالت الشاباك القائد القسامي البطل عبد الرحمن العاروري في منزله وأمام عائلته وأطفاله ظناً منها بأن ذلك سيوقف العمل الجهادي لحركة حماس. وإن كانت الشاباك قد زعمت في سياق تبريره الجريمة الاغتيال بأن الشهيد -رحمه الله- يقف وراء عملية البيرة، فإن المهندس بتحريكه الوحدة المختارة رقم صفر، أراد أن يثبت أن نشاط القساميين في منطقة رام الله ما زال مستمراً. فقد طاردت سيارة (أوبل اسكونا) أقلت أبطال الوحدة المختارة رقم صفر سيارة إسرائيلية من نوع (رينو ستيشن) كانت متجهة من مستوطنة (دولب) إلى ضاحية بني براك القريبة من تل أبيب. وعند مفترق (عين عريك-بيتوينا) على الشارع الرئيس القريب من المنطقة الصناعية بمدينة رام الله، وأثناء تجاوز سيارة المجاهدين للسيارة الإسرائيلية في نحو الساعة الثانية من بعد ظهر يوم الأربعاء الموافق 22 كانون أول (ديسمبر)) ،1993 فتح المجاهدون (عبد الرحمن وعلي وأمجد) النار على المستوطنين من مسافة قريبة مما أدى إلى مقتل اثنين منهم وإصابة الثالث بجروح بليغة. وعادت الوحدة المختارة إلى قاعدتها بعد أن نثر أبطالها بيانات في مكان العملية تعلن مسؤولية كتائب عز الدين القسام عن هذا الهجوم بالإضافة إلى هجومي الخليل السابقين(58).
5- نزهة في حقل الرماية
وصلت الحرب الاستخبارية بين يحيى عياش والشاباك بعد سلسلة العمليات الجريئة للوحدة المختارة رقم صفر إلى مرحلة متقدمة. فالشاباك كثف من اهتماماته باختراق حركة حماس وجناحها العسكري على وجه التحديد، ولهذا أوكل مهمة متابعة العملاء المكلفين بنقل معلومات عن كتائب عز الدين القسام لكبار ضباطه العاملين في الضفة الغربية. وفي مقابل ذلك، وضع المهندس نصب عينيه تكتيك جديد يمكنه من خلخلة شبكة جهاز الاستخبارات الإسرائيلية. ويعتمد هذا التكتيك على زرع عملاء مزدوجين في الشاباك لنقل معلومات عن مشغليهم ومن ثم وضع الترتيبات لنصب كمائن لهؤلاء المشغلين. ويمكن القول أن بداية تفكير المهندس بهذا التكتيك تعود إلى يوم الخميس الموافق 16 كانون أول (ديسمبر) 1993 حين داهمت قوة من الجيش الإسرائيلي يرافقها ضباط من جهاز الشاباك منزل عائلة المجاهد عبد المنعم أبو حميد في مخيم الأمعري وعاثت فيه تفتيشاً وتخريباً وإتلافاً لمحتوياته وتركته في حالة دمار كاملة بعد أن سلمت صاحبه تبليغاً يقضي بمثول المجاهد عبد المنعم أمام ضابط الشاباك في الإدارة المدنية برام الله بعد ثلاثة أيام(59).
كان واضحا لقادة الكتائب بأن الشاباك بات يمتلك معلومات عن علاقة المجاهد عبد المنعم بنشاطات الجهاز العسكري لحركة حماس، وتقديمه خدمات ومساعدة لمطاردي الكتائب القسامية. ويعرف الكابتن نوعم كوهين، منسق نشاطات الشاباك في منطقة رام الله بأن هذه المعلومات كفيلة بإيداع المجاهد عبد المنعم السجن لمدة سبع سنوات على أقل تقدير. ولكن الضابط الإسرائيلي الذي كان يستخدم الاسم الحركي (الكابتن مجدي) أراد أن يختصر طريقه إلى قمة الهرم في جهاز الشاباك ويثبت لمرؤسيه كفاءته وتقدمه على نظرائه في محاربة كتائب الشهيد عز الدين القسام. إذ أوحى إليه خياله بأنه يستطيع، عبر الاغراءات والحوافز، أن يزرع عميلاً داخل الجهاز العسكري لحركة حماس. ولهذا، جاء تفتيش منزل أبو حميد ومن ثم تبليغ ذويه بمثوله في الإدارة المدنية على الشكل الذي جاء سابقاً.
وذهب المجاهد عبد المنعم أبو حميد إلى مقر الإدارة المدنية في رام الله، وقابل الكابتن مجدي في الساعة التاسعة من صباح يوم الأحد الموافق 19كانون أول (ديسمبر) 1993. وخلال التحقيق الذي أشرف عليه الكابتن مجدي وعدد من مساعديه، نجح عبد المنعم بإيهام المحققين بأنه طالب في جامعة بيرزيت وأن همه ينحصر في مواصلة دراسته الأكاديمية. وهنا، وقع الكابتن في الفخ، فقد عرض على عبد المنعم إطلاق سراحه لتحقيق أمنيته في الدراسة وسلمه مبلغ 800 شيكل جديد (300 دولار) كمساعدة مادية لعائلته المكافحة. وأطلق الشاباك، سراح عبد المنعم بدعوى أنه لم تتوفر أدلة كافية لإدانته، وعاد المجاهد إلى إخوانه ليحدثهم كيف نجحت الخطة وكسب ثقة الشاباك والكابتن مجدي على وجه التحديد(60).
وبعد حسم الموضوع الرئيس وهو الإيقاع بالكابتن مجدي،طلب المهندس من أخيه علي عاصي أن يرافقه إلى معسكر للجيش الإسرائيلي يقع في منطقة روش حارنان بضواحي مدينة تل أبيب داخل المناطق المحتلة عام ،1948 وبعد اجتياز المجاهدان للأسلاك الشائكة والحراسات المكلفة بحماية المعسكر، قام المهندس بزرع العبوة الناسفة في ميدان الرماية الخاص بتدريب الجنود ثم انسحب مع أخيه إلى قاعدتهم بسلام. وفي مساء يوم الاثنين الموافق 3 كانون الثاني (يناير) ،1994 وأثناء قيام جنود المعسكر بالتدريب على إطلاق النار انبطح اثنان منهما فوق العبوة (اللغم) لتنفجر بهما على الفور حيث أصيبا بجروح خطيرة في البطن والساقين والوجه ما لبث أحدهما أن فارق الحياة في وقت لاحق.
6- العناية الإلهية
نشرت أسبوعية (يروشلايم) العبرية تقريراً مطولاً عن المهندس احتوى على رؤية إسرائيلية للظاهرة التي أرقت أجهزة الأمن والاستخبارات الإسرائيلية جاء فيه: «في كل مرة تنجح فيها قوات الأمن في تصفية أحد المطلوبين تظهر في اليوم التالي عناوين في الصحف تبهر الأنظار مثل: تم القضاء على مطلوب كبير. ولكن المطلوب الأبرز والأهم حقاً هو المهندس، يفلح دائماً في الإفلات من الذراع الطويل للجيش الإسرائيلي ولجهاز الشاباك منذ ما يقرب من ثلاث سنوات على الرغم من المطاردة الواسعة له، وهو ما زال يقوم بالتخطيط لهجمات وتشكيل خلايا. وبمقدار ما نسبت له أكثر وأكثر تخطيط هجمات، تتسع دائرة المطاردة ضد يحيى عياش والتي كادت أن تتكلل بالنجاح في عدد من الفرص لولا الأرواح السبعة المنسوبة إليه».
لم تكن الأرواح السبعة ولا غيره من الأسباب التي حاول الصهاينة تبرير فشلهم في الحرب ضد المهندس، وإنما هي العناية الإلهية التي بارك الله فيها هذا المجاهد وإخوانه في جهادهم ومعاركهم. فالثقة بالله والتوكل عليه بعد بذل الأسباب، تجعل من تلك العناية الإلهية خير حارس وحافظ لعباده المخلصين. والذي دفعنا للتطرق لهذا الموضوع وفي هذا المكان بالذات، هو مغادرة المهندس وصحبه (عبد الرحمن ومحمد وعبد المنعم وإسلام) منطقة شمال الضفة الغربية عائدين إلى المدينة المقدسة عبر طريق خارجي مواز لنهر الأردن مبتعدين قدر الإمكان عن التجمعات السكنية العربية، وتزامن عودة القافلة المباركة مع استنفار القوات الإسرائيلية إثر العملية البطولية في الخليل والاشتباك الذي دار في أعقابها بين المجموعة المجاهدة بقيادة البطل أمجد أبو خلف وجنود الاحتلال الذين حاصروا المنزل الذي تحصنت فيه المجموعة. وفي ظل هذه الأجواء المتوترة، وردت على ما يبدو معلومات لقيادة المنطقة الوسطى في جيش الاحتلال عن نية عدد من المجاهدين المطاردين مغادرة الضفة الغربية عبر نهر الأردن. وعندئذ، أعلنت القوات الإسرائيلية حالة الطوارىء القصوى في صفوف مجنديها على طول النهر، وانطلقت الطائرات المروحية للمساهمة في عملية البحث والتفتيش وإنارة المنطقة. وكانت الحملة العسكرية الإسرائيلية بقيادة الجنرال نحاميا تماري (قائد المنطقة الوسطى) الذي أشرف على قواته شخصياً واستقل إحدى الطائرات المروحية.
وبحمد الله ورعايته، نجحت القافلة القسامية في اجتياز الحواجز العسكرية والالتفاف على الدوريات والعودة إلى القاعدة الآمنة في القدس. وأما الجنرال تمارى الذي جمع شتات خيبته، فقد كانت العناية الإلهية له بالمرصاد. فتحطمت الطائرة العسكرية التي كان يستقلها وقتل مع مدير مكتبه واثنان من الضباط الطيارين يوم الأربعاء الموافق 12كانون ثاني (يناير) 1994(61).
7- رسالة حماس إلى الجنرال يعقوب بيري
استراح الكابتن نوعم كوهين، حين أخبره عبد المنعم أبو حميد بأنه سيوافيه بمعلومات عن المطاردين الخمسة الذين انتقلوا من قطاع غزة إلى الضفة الغربية، وحدد له موعداً في أحد أحياء المنطقة الصناعية القريبة من قرية بيتونيا إلى الجنوب من مدينة رام الله. وعاد عبد المنعم إلى إخوانه يخبرهم أنه نفذ ما طلبوه، لتبدأ بعدها عمليات الرصد والاستطلاع للمنطقة تمهيداً لوضع الخطة التفصيلية للهجوم. وخلال ثلاثة أيام متتالية (10-13/2/1994)، قام المهندس وإخوانه في الوحدة المختارة رقم صفر بإجراء مسح ميداني للمنطقة حتى تم الاطمئنان في النهاية إلى الإجراءات والوسائل المتخذة.
وفي الساعة الثالثة من بعد ظهر يوم الأحد الموافق 13شباط (فبراير) ،1994 كان كل شيء عادياً في ذلك الحي، وحتى سيارة المرسيدس البيضاء التي كانت تحمل لوحة ترخيص رام الله، وبداخلها الكابتن مجدي ونائباه مرت بشكل عادي دون أن تثير الانتباه. وبناء على إشارة مسبقة من عبد المنعم، توقفت السيارة على جانب الطريق ثم تقدم عبد المنعم منها ويديه في جيبه، وما أن اقترب أبو حميد من سيارة الشاباك، حتى فتح السائق النافذة من جهته لتحيته. وعندئذ، استل المجاهد مسدساً وأطلق النار على السائق أولاً ثم على الجالس إلى يمينه قبل أن ينبطح أرضاً لئلا يصاب برصاص إخوانه . وكانت هذه إشارة للمجاهدين عبد الرحمن حمدان وعلى العامودي اللذين كانا خلف جدار من الحجارة ليمطرا السيارة بوابل من الرصاص مركزين على الراكب في المقعد الخلفي وهو الكابتن مجدي.وقد نجح المجاهدون الثلاثة في الانسحاب من المكان بعد أن أصابوا ركاب السيارة بنحو أربعين رصاصة من بندقية (أم-16) وكلاشنكوف حيث أسفرت العملية عن مقتل الكابتن مجدي الذي كرس حياته ووقته لخدمة قسم التحقيق في جهاز الشاباك، وحقق خلال عمله هذا «نجاحات» في محاربة المطلوبين على حد تعبير أحد قادة الشاباك(62).
وسائل الإعلام الإسرائيلية تناولت بإسهاب -بالكلمة والصورة- عملية قتل ضابط الاستخبارات نوعم كوهين وإصابة نائبيه بجروح خطيرة وفق اعتراف السلطات العسكرية، ونشرت تفاصيل كاملة عن العملية بما في ذلك البيانات الصادرة عن كتائب عز الدين القسام. فقد كتب المعلق الإسرائيلي غيلات في صحيفة يديعوت أحرونوت قائلاً: «لقد سجلت حماس لنفسها أمس إنجازاً هاماً، لقد نجحت في قتل خصمها المباشر بواسطة كمين مسلح... إن جهاز المخابرات العامة -الشاباك- تلقى ضربة قاسية، وتبين أنه حتى المقاتل المؤهل جداً ليس محصناً من خطر كهذا»(63).
8- عشر ساعات في أبو ديس
غادر المهندس ووحدته المختارة منطقة رام الله التي أعلنت منطقة عسكرية مغلقة وفرض العدو نظام منع التجول على المدينة ومخيماتها في أعقاب عملية صيد الكابتن مجدي. وانتقل القساميون الستة إلى أحد المنازل الآمنة في بلدة أبو ديس التي تبعد ثلاثة كيلومترات جنوب شرقي الحي القديم في القدس. ولكن أحد المجرمين من عملاء جهاز الشاباك تمكن من رصد تحركات غريبة في المنزل الحجري المكون من طابق واحد ويشرف على المنحدرات الشرقية للبلدة، رغم أن المجاهدين بذلوا أقصى درجات الحذر وتنقلوا داخل المنزل وخارجه وفقاً لأنظمة طوارىء تتسم باليقظة والتنبه. ولأنه لا راد لقضاء الله وقدره، فقد بدت أبو ديس كساحة حرب ابتدأ من الساعة العاشرة من صباح يوم الخميس الموافق 24/3/،1994 حيث وصلت قوات كبيرة من الجيش والشاباك وفرضت حصاراً عسكرياً على البلدة بشكل عام، وحصاراً آخر على المنزل بشكل خاص. وأشرف الجنرال داني يتوم (قائد المنطقة الوسطى) والجنرال شاؤول موفاز (قائد الضفة الغربية) على القوات التي جرى تعزيزها بطائرة مروحية أخذت تحلق في الأجواء لتقديم الإرشادات للجنود على الأرض. وكانت أوامر القادة الإسرائيليين واضحة وحاسمة، خوض معركة طويلة مع مراعاة تجنب المواجهة المباشرة مع القساميين.
لاحظ القساميون تحرك قوات الجيش، وتعززت القناعات لدى المهندس وإخوانه بأن الهدف هو المنزل الذي يتحصنون فيه إذا اعتقل ضباط الشاباك عدداً من أنصار حركة حماس كانوا يقدمون المساعدة والخدمات للوحدة المجاهدة. وفي ظروف كتلك، ولأن العدو لم يكن يعلم بعدد الموجودين في المنزل أو شخصياتهم باستثناء عبد الرحمن وعلي، فقد تقرر أن يغطى هذين المجاهدين انسحاب يحيى وعبد المنعم، حيث فتح عبد الرحمن وعلي نيران كثيفة من بندقية (أم-16) وكلاشنكوف باتجاه الجنود وألقيا عدة قنابل يدوية حتى تمكن المجاهدان البطلان من مغادرة المنزل والتنقل خارج البلدة بعيداً عن أعين الشاباك وجيش الاحتلال. وفي ضوء إطلاق النار المستمر من قبل البطلين عبد الرحمن وعلي، قرر الجنرال ياتوم تجميد عملية الاقتحام لإجراء تقدير جديد للموقف. وشرع ضباط الشاباك بمطالبة المجاهدين تسليم نفسيهما، إلا أنهما ردا بإطلاق المزيد من الرصاص. واستمر تبادل إطلاق النار حتى الساعة الواحدة ظهراً حين جرى نصب صواريخ مضادة للدروع باتجاه المنزل، قامت وحدة من سلاح المدفعية بجيش الاحتلال بإطلاقها مما أدى إلى تدمير المنزل واحتراقه وتصاعد دخان كثيف منه. وتدريجياً، بدأ الجنود يضيقون الحصار فيما خفت حدة إطلاق النار من قبل المجاهدين عبد الرحمن وعلى اللذين أصيبا علي ما يبدو من جراء القصف. فقد خرج المجاهد علي العامودي من بين الأنقاض في نحو الساعة الرابعة من بعد الظهر، وسار وهو يترنح من شدة الإصابة نحو مدخل المنزل المقصوف وتمكن العدو من أسره . وأما القائد عبد الرحمن حمدان، فقد واصل -رغم جراحه البليغة- إطلاق النار ولم يبد أي حركة تشير إلى ضعفه، فصدرت الأوامر مرة أخرى بمواصلة إطلاق النار الكثيف والصواريخ حتى سقط البطل القسامي شهيداً في نحو الساعة السابعة مساءً. وعندها، تقدمت قوات كبيرة باتجاه المنزل، وأخذت تمشطه دون أن تجرؤ على الاقتراب من جثة الشهيد، أو قل بقايا الجثة، إذ تبين أن المجاهد قد أصيب بشكل مباشر بصاروخ (لاو) المضاد للدبابات(64).
9- شهيدي ليلة القدر
اتخذ المهندس من بلدة الرام بضواحي القدس مقراً جديداً مستفيداً من وجود الأخوين إسلام أبو إرميلة و زهير فراح في تلك البلدة. وفي إطار إعادة تنظيم المجموعات وتوجيه الخلايا العاملة، كلف المهندس أخيه زهير بتولي مسؤولية حماية المجاهد عبد المنعم أبو حميد وتوفير الملجأ الآمن له ومتابعة كافة احتياجاته. وبعد أن اطمأن لوضع الأسد المقنع، انتقل المهندس إلى الهم الكبير الذي شغل تفكيره في تلك الفترة، ألا وهو الانتقام لروح الشهيد عبد الرحمن حمدان وشهداء الحرم الإبراهيمي الشريف بتنفيذ عمليات نوعية في قلب العمق الإسرائيلي. وفي سبيل تحقيق هذا الهدف، اتصل المهندس بقيادات حماس العسكرية، وعلى وجه التحديد محمد شهوان ومحمد الضيف في خان يونس ورفيق دربه، القائد أبو جهاد في منطقة شمال الضفة الغربية. وبناء على هذه الاتصالات، عرض القائد محمد شهوان على المهندس أن يتم الاستعانة بالمجاهد إبراهيم سلامة* [إبراهيم خليل صلاح سلامة: ولد في مخيم خان يونس عام 1972 وبلدته الأصلية هي السوافير، ونشأ وترعرع في مسجد التقوى حيث تشرب معنى الجهاد والاستشهاد. وتميز بقوة جسمه وصلابته مما جعله مؤهلاً لأن يكون عسكرياً بارعاً. وعرف الشهيد بجراءته وغيرته على المسلمين فأصيب خلال الانتفاضة خمس مرات واعتقل لمدة ثلاثة أشهر في معتقل أنصار (3). وبعد خروجه تولى مسؤولية جهاز الأحداث في المخيم ثم اختير كمقاتل في صفوف الكتائب منذ آب 1992. وقد نفذ الشهيد عدة عمليات عسكرية جريئة في الضفة والقطاع من أبرزها، جاني طال والعملية المشتركة والرد الرافض وغيرها.] لكفاءته في عمليات القنص وخبرته في تنفيذ الكمائن والهجمات النوعية.
استدعى المهندس، مساعده إسلام أبو إرميلة الذي يعد من أجرأ المجاهدين المتخصصين في مهمات نقل المطاردين والسلاح بين الضفة الغربية وقطاع غزة وكلفه بمهمة إحضار المجاهد إبراهيم سلامة من قطاع غزة. وفي يوم الاثنين الموافق 7 آذار (مارس) 1994 غادر المجاهد إسلام المدينة المقدسة متوجهاً إلى قطاع غزة حيث عبر حاجز إيرز، المدخل الشمالي للقطاع، بناء على الاتفاق مع الكتائب القسامية هناك ومكث ذلك اليوم لدى القائد محمد شهوان. وفي صبيحة اليوم التالي، غادرت سيارة (أودي) حمراء اللون تحمل لوحة تسجيل إسرائيلية المنطقة وهي تقل المجاهد إسلام يرافقه إبراهيم سلامة الذي امتشق سلاحه (العوزي) ووضعه في هيئة الاستعداد تحسباً لأي طارىء. ومر كل شيء بسلام عند الحاجز، واستعد إسلام للانطلاق بالسيارة مبتعداً، غير أن قضاء الله وقدره حال دون أن تنجح هذه المهمة. فبعد انتهاء الجندي الإسرائيلي من تدقيق الأوراق الثبوتية التي أبرزها إسلام أبو إرميلة نحو الساعة السادسة، لاحظ جندي كان يقف على منصة مراقبة قريبة من سيارة المجاهدين، رشاش العوزي، بجانب إبراهيم. وعندئذ أطلق الجندي رشقة في الهواء طالباً من إسلام التوقف والخروج من السيارة، إلا أن المجاهد رفض الأماكن ورد إبراهيم على إطلاق النار. وقبل أن يتمكن إسلام من مغادرة المنطقة والابتعاد عن مرمى النيران، انهمر الرصاص من كل صوب مما أدى إلى استشهاد إسلام وإبراهيم على الفور. وهكذا ابر الشهيدين بقسمهما بألا يعودا إلى السجن مرة أخرى وألا يمكنا الصهاينة من نفسيهما وترجلا إلى جنات النعيم صبيحة ليلة القدر(65).
|