رد: قصة حياة البطل الشهيد / يحيى عياش - ( كتاب )
ثانياً : انتشار الإبداع
تعرضت منطقة شمال الضفة الغربية في كتائب الشهيد عز الدين القسام إلى ضربة قاسية على مدى شهري نيسان وأيار، وإن كان تأثير هذه الضربة قد اقتصر على غياب قيادات رئيسة من ساحة العمل الجهادي دون أن تترك أثراً كبيراً على فعالية العمليات الجهادية. ففي يوم الثلاثاء الموافق 23 شباط (فبراير) ،1993 اعتقلت قوة من الجيش الإسرائيلي موسى محمد حسين باري (25 عاماً) المطلوب منذ عامين بتهمة إلقاء زجاجات حارقة باتجاه سيارات إسرائيلية وخطف عملاء يتعاونون مع الشاباك وحيازة وسائل قتالية وهو من قرية أماتين بقضاء نابلس، ورياض توفيق مرعي (21 عاماً) المطلوب أيضاً منذ عامين بتهمة المشاركة في المظاهرات باعتباره أحد نشطاء حركة حماس في قرية قراوة بني حسان أثناء محاولتهما عبور نهر الأردن واجتياز الحدود. وبعد جهود مضنية من قبل المخابرات الإسرائيلية وتحقيق وتعذيب مكثف وشديد مارسه ضباط الشاباك على الشابين، اعترف موسى ورياض في نهاية شهر آذار (مارس) عن اتصالهما بالقائد أبو إسلام الذي وفر لهما الملجأ. وكشف المجاهدان المعتقلان أمام المحققين عن حقيقة وجود شقتين كانتا تحت تصرف الكتائب، واحدة في نابلس والأخرى في طوباس بقضاء جنين.
ومن خلال هذه المعلومات، كثف ضباط وعملاء الشاباك مراقبتهم للشقتين الآمنتين بهدف رصد من يتردد عليهما واختيار أنسب الأوقات لمداهمتهما. وفي الأول من نيسان (إبريل)، هاجمت الوحدات الخاصة الإسرائيلية يرافقها ضباط من جهاز الشاباك الشقتين حيث اعتقل اثنان من طوباس وأربعة من نابلس. وكانت المفاجأة السارة بالنسبة لسلطات الاحتلال وجود القائد زاهر جبارين (أبو إسلام) والمجاهد سلامة عزيز مرعي من بين المعتقلين في البناية السكنية الواقعة في طلوع شارع 24 بمدينة نابلس، حيث آثر المجاهدان تسليم نفسيهما حفاظاً على حياة السكان بعد أن أنذر جنود العدو المواطنين الفلسطينيين بضع دقائق فقط قبل أن يفجروا البناية على من فيها(17).
خيب القائد أبو إسلام توقعات ضباط الشاباك الذين تناوبوا على التحقيق معه، وصمد في أقبية الزنازين. فلم يدْلِ بأي معلومات تفيد العدو وتؤثر على خطط المهندس وأخويه أبو جهاد وأبو مجاهد على الرغم من التحقيق معه نحو سبعة أشهر متواصلة ظل فيها معزولاً عن بقية المعتقلين في سجن طولكرم، وهي أطول مدة تحقيق يقضيها معتقل فلسطيني. ولم يكتف العدو بذلك، إذ أخضع القائد أبو إسلام لتعذيب شديد أدى إلى سوء أوضاعه الصحية وانخفاض وزنه ليصل إلى أربعين كيلو غراماً، كما سحب ضباط الشاباك أبو إسلام أكثر من مرة بعد صدور الحكم عليه بالسجن المؤبد إضافة إلى ثلاثين عاماً للتحقيق معه وممارسة تعذيب جسدي ونفسي بحقه كلما نفذ المهندس عملية جديدة(18). ورغم أوضاعه الصحية والنفسية الصعبة، إلا أن أبو إسلام ضرب مثالاً رائعاً في التحدي أرغم المحللين العسكريين الصهاينة على الاعتراف بصلابة المجاهد القسامي أمام محققيه. فها هو عمنوئيل روزان يكتب في صحيفة معاريف: «كان زاهر جبارين يعلم الكثير لكنه عرف كيف يسكت، وعندما اعتقل في الأول من نيسان الماضي أبلغ الشاباك بالتفصيل عن الأمور والقضايا التي يدرك جيداً بأن الشاباك يعلمها تماماً، لكنه لم يتطرق مثلاً إلى المقدسيين الأربعة الذين يعرفهم جيداً». ويضيف: «في مطلع نيسان الماضي اعتقل الشاباك ناشطاً في حركة حماس من قرية طمون وكان هذا الشاب يعلم بالإعداد للسيارة المفخخة التي انفجرت بعد عدة أيام في مستوطنة ميحولا، وعلى الرغم من ممارسة ضغوط جسدية عليه إلا أنه لم يتكلم ولم يقل كلمة واحدة ولو تحدث هذا الشاب لكان بالإمكان إحباط عملية ميحولا»(19).
1- ساهر التمام يحمل هدية المبعدين
الحصار العسكري والأمني حال دون وصول الاستشهاديين لأهدافهم في تل أبيب وبيت ليد والقدس، ولكنه لم ينل من عزيمة وتصميم المهندس. فبعد عدة عمليات رصد واستطلاع، وبحث عن منافذ من هذا الطوق، توصل جهاز الأمن إلى طريق آمن يستطيع من خلاله المهندس أن يُخرج السيارة المفخخة من مخازن الحركة المستأجرة. ومرة أخرى، يثبت المهندس وفريقه قدرتهم على التأقلم والتكيف مع الأوضاع الأمنية والإجراءات العسكرية الإسرائيلية، بل والمبادرة لابتكار أساليب مناسبة لمواجهة النشاط الاستخباري لأجهزة الاحتلال. فقد ركب المهندس العبوات الناسفة التي ربطت بثلاثة اسطوانات غاز في سيارة الجيب التي كانت تحمل لوحة ترخيص إسرائيلية وتم تكليف المجاهد ساهر حمد الله التمام النابلسي* [ساهر حمد الله تمام النابلسي: ولد في منطقة الجبل الشمالي بمدينة نابلس عام 1971 لعائلة تمتلك مصنعاً للحلاوة والطحينة قرب مخيم بلاطة. وعرف ساهر طريقه مبكراً لمسجد عقبة بن نافع ومسجد مخيم بلاطة بعد انتقال عائلته للسكن في عمارة بنتها فوق المصنع الخاص بها. وقدم المجاهد كل ما يملك من وقت وجهد وإمكانيات لهذا الدين ودعوة الإخوان المسلمين التي آمن بها وأخلص لها. وقد أنهى الشهيد عام 1990 تعليمه في المدرسة الثانوية، ومنذ ذلك الوقت انتظم في جامعة النجاح الوطنية إلى جانب مساعدته لوالده كموزع بضائع.] بقيادتها. وسوياً، مع جهاز الأمن، اختار المهندس هدفاً عسكرياً جديداً وهو مقهى (فيلج إن) الذي يعج عادة بالجنود الصهاينة، وهو يقع في مستوطنة ميحولا القريبة من منطقة العين البيضاء على بعد (15) كيلو متر من نهر الأردن. ويُعد هذا الاختيار، مؤشر هام على النقلة التكنولوجية والتطور النوعي، إذ أنها المرة الأولى -على مستوى جميع الفصائل والمنظمات الفلسطينية- تضع مجموعة مقاتلة نصب أعينها اختراق مستوطنة تضم مصانع حربية تابعة لوزارة الدفاع الإسرائيلية وتهاجم بنجاح كبيرالأهداف العسكرية المقررة لها مستخدمة سيارة مفخخة. وهو ما فاجأ الأجهزة العسكرية والدوائر السياسية الإسرائيلية، وجعل الجنرال يهودا باراك يسرع إلى المنطقة ويضع قواته التي قامت بتمشيط المنطقة تساندها الطائرات المروحية في حالة استنفار(20).
بدأ الهجوم الاستشهادي، الذي تزامن مع مسيرة (الأكفان) التي بدأها المبعدون باتجاه حاجز الجيش الإسرائيلي عند معبر زمريا على بعد كيلو مترين اثنين من مخيمهم في مرج الزهور، بعمليات رصد ومراقبة مكثفة من قبل أبطال سرية شهداء عيون قارة شارك في بعض مراحلها القادة الثلاث (أبو البراء وأبو جهاد وأبو مجاهد). وفي نحو الساعة الثانية عشر من بعد ظهر يوم الجمعة الموافق 16 نيسان (إبريل) ،1993 انطلق الشهيد ساهر التمام بسيارته المفخخة التي اخترقت كل الحواجز والإجراءات الصهيونية، واتجه بأقصى سرعته نحو المستوطنة الإسرائيلية حيث انفجرت في ساحة المقهى بين حافلتين عسكريتين الأولى مستأجرة من شركة ايجد (خط 96) وتقل جنوداً إسرائيليين في طريقهم من طبريا إلى القدس، بينما أقلت الثانية جنوداً من غور الأردن إلى وسط فلسطين المحتلة. وقد أسفر الانفجار الهائل عن سقوط عشرات القتلى والجرحى واحتراق الحافلتين كلياً وإلحاق أضرار كبيرة بالمطعم (21).
وعلى الأثر، أغلقت قوات الاحتلال الطريق الرئيس في منطقة غور الأردن وقامت بأعمال التمشيط والتحقيق، فيما هبطت طائرتان مروحيتان بجانب الموقع لنقل القتلى والمصابين بجراح خطيرة، وحضرت عدة سيارات إسعاف في وقت لاحق لنقل بقية المصابين إلى مستشفى (هعيمك) في العفولة لتلقي العلاج.
لم يستطع يهودا باراك الذي هرع إلى مكان العملية برفقة قائد المنطقة الوسطى تحمل منظر جنوده المحترقين ونجاح كتائب القسام في اختراق إجراءاته وحواجزه العسكرية وتوجيه ضربة موجعة إليه في أكثر الأماكن أمناً بالنسبة للدولة العبرية. ولذلك أوعز للرقيب العسكري بمنع الصحفيين من دخول المنطقة نهائياً لتغطية تفاصيل العملية وقصر أخبارها على ما ينشره الناطق العسكري في محاولة لمراعاة مقتضيات الأمن والتوازن بين معطيات الموقف السياسي والعسكري والنفسي في تحديد حجم الخسائر التي يعترف بها. وانسجاماً مع هذه السياسة فقد حرص الناطق العسكري في هذه العملية على تقليص حجم خسائره بغية الحفاظ على الروح المعنوية للصهاينة، فأعلن أن جنديين فقط قتلا وأصيب ثمانية آخرين بجروح مع أن شاهدة العيان (يزيت ريس) قالت في حديث لراديو الجيش الإسرائيلي: «إن أشخاصاً كثيرين كانوا يقفون على مسافة قريبة جداً من السيارة الملغومة، إن كانت بالفعل سيارة، وكل المنطقة بين الحافلتين كانت مزدحمة بالناس»(22).
ومهما يكن من أمر الخسائر البشرية التي مني بها جيش الاحتلال فإن هذه العملية التي تمثل باكورة العمليات الاستشهادية التي خطط وجهز لها المهندس ألقت ظلالاً من الشك حول جدوى الانطلاقة الأمنية الإسرائيلية. إذ صرح المحلل السياسي الإسرائيلي أهارون كلاين عقب العملية بأنه يتوجب على الإسرائيليين وأجهزتهم الأمنية «الاستعداد لمواجهة مرحلة جديدة من عمليات المنظمات الإسلامية المتطرفة». واعترف كلاين وغيره من المحللين الإسرائيليين بأن عملية ميحولا تعيد إلى أذهان الإسرائيليين العمليات الاستشهادية التي نفذتها المقاومة الإسلامية والوطنية اللبنانية ضد التجمعات والأهداف العسكرية الإسرائيلية بعد احتلال الجيش الإسرائيلي لجنوب لبنان(23).
2- مفاجآت المطاردة المتبادلة
كثفت قوات الاحتلال ووحدات المخابرات جهودها لوضع اليد على المهندس وأخويه، فقامت قوات ضخمة بمداهمة قريتي قراوة بنى حسان ورافات وحاصرت منازل القادة الثلاثة وعائلاتهم. وكانت أول مداهمة لقرية رافات، مسقط رأس المهندس، بتاريخ 25 نيسان (إبريل) ،1993 حيث يعتبر هذا التاريخ بداية مطاردته الرسمية.واستمرت المداهمات وعمليات التفتيش والبحث عن يحيى في كل مكان، عشرات العملاء جندوا من أجل تصيّد أي معلومة عنه وعوقب أبناء رافات واعتقل أشقاء المهندس وأصدقائه ومعارفه، وبات ضباط الشاباك وجنود الوحدات الخاصة في منزله أملاً أن يحضر يحيى للقاء عائلته.
المطاردة المتبادلة بين القادة الثلاثة وقوات الاحتلال وأجهزتها الاستخبارية تواصلت وأضحت معلماً رئيساً وحدثاً اعتاد المواطنون الفلسطينيون في قريتي رافات وقراوة بنى حسان على مشاهدته ومعايشته بشكل يومي تقريباً. ومع تطور جهود ووسائل الشاباك وتحقيقاته، حقق العدو اندفاعاً مخابراتياً في الثلاثين من نيسان (إبريل) حين اعتقل الكابتن جميل وهو من ضباط المخابرات المسؤولين عن متابعة المهندس القائد عبد الحكيم حنيني وعثر في منزله بقرية بيت دجن على بعض الوثائق العائدة لجهاز الأمن في منطقة شمال الضفة الغربية. وكانت تلك الوثائق مفصلة وواضحة، بحيث لم تترك للمجاهد أي فرصة لإنكار صلته بالمهندس. ومع موجة المداهمات، توالت الاعتقالات التي طالت نحو (124) من أعضاء حركة حماس، اشتبه العدو بضلوع نحو عشرين منهم بتقديم مساعدة وخدمات لجهازي الأمن وكتائب الشهيد عز الدين القسام، وبعد تحقيقات مكثفة اتضح لجهاز الشاباك بأن أبو إسلام يعد القائد الكبير لمنطقة شمال الضفة الغربية. ولكن المعركة لم تكن من طرف واحد، ومثلما حققت الأجهزة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية بعض الاختراقات في جبهة الحرب ضد حركة حماس، كان مجاهدو الحركة يكيلون الصاع بصاعين عبر عدة عمليات عسكرية جريئة تميزت بالعنف وشدة الأثر على الجانب الإسرائيلي. فبعد نحو أسبوع من اعتقال قائد جهاز الأمن لحركة حماس في بيت دجن، عادت الوحدة الخاصة مرة أخرى إلى المناطق المحتلة منذ عام ،1948 وهي تحمل تعليمات جديدة من القادة الثلاث بتوجيه ضربة قاسية لأجهزة الأمن الإسرائيلية. وكان الهدف الذي نقل للوحدة عبر الشيخ إبراهيم نواهضة واضح، وهو أسر جندي والمحافظة عليه للمطالبة بالإفراج عن عدد من المعتقلين في السجون الإسرائيلية. وفي نحو الساعة الرابعة من فجر يوم الخميس الموافق 6/5/،1993 رصدت الوحدة الخاصة سيارة شرطة متوقفة عند تقاطع للطرق في (بيلو) التي تبعد خمسة كيلومترات عن مستوطنة رحوفوت القريبة من تل أبيب وبداخلها ضابط شرطة برتبة كولونيل يدعى شالوم جيوتا (43 عاماً) كان على ما يبدو يستريح من عمله. وفوجيء قائد الوحدة الذي اقترب من الضابط الإسرائيلي شاهراً رشاش (عوزي) بأن باب السيارة مغلق من الداخل مما اضطره إلى إطلاق النار عبر النافذة. وفي هذه الأثناء اقتربت سيارات إسرائيلية من المفترق مما حال دون إكمال العملية وأسر العقيد جيوتا. وعندئذ، قررت الوحدة الفدائية الانسحاب بعد أن أطلق قائدها النار باتجاه الضابط وأصابه بجراح بالغة الخطورة(24). وزاد جلادي الشاباك من ضغوطهم الجسدية والنفسية على المعتقلين حتى قاد التحقيق معهم في نهاية شهر أيار (مايو) إلى الخلاصة الواضحة: زاهر جبارين يعرف جيداً شخصية المقدسيين الأربعة، أعضاء الوحدة الخاصة، ومن المحتمل وجود علاقة له بعملية أسر نيسيم طوليدانو وقتل الشرطيين في مدينة الخضيرة. فاعتقل إبراهيم نواهضة، ومن ثم أعضاء الوحدة الخاصة، وبعد أقل من مائة ساعة على الاعتقال سارع اسحق رابين الذي كان يشغل منصبي رئيس الحكومة ووزير الدفاع في نفس الوقت إلى عقد مؤتمر صحفي (زف) فيه للشعب الإسرائيلي خبر الاعتقالات والضربة القاسية التي اعتقد أنها أنهت منطقة الشمال في كتائب الشهيد عز الدين القسام(25).
وخاب ظن رابين إذ عاد المهندس إلى المواجهة المباشرة مع جنود الاحتلال من جديد مستهدفاً هذه المرة موقعاً عسكرياً حرص اسحق رابين على زيارته أثناء تفقده للوحدات الإسرائيلية العاملة في مدينة نابلس قبل بضعة أيام من العملية التي نفذها القادة الثلاث. ويومها، لم يكن أمام رئيس الأركان الإسرائيلي (يهودا باراك) سوى الاعتراف بأن «هذا الحادث خطير جداً وله نتائج أخطر، وسنجري تحقيقات كاملة لمعرفة كيف وقع الحادث بالضبط»(26). وتتلخص تفاصيل هذه المواجهة، بقيام القادة الثلاث بوضع الخطة التفصيلية لعملية الشهيد ساهر التمام اعتماداً على المعلومات التي جمعتها مجموعة الاستطلاع المكلفة بمراقبة تحركات الجنود في الموقع العسكري فوق عمارة العنبتاوي التي تطل على ساحة الساعة بوسط مدينة نابلس. وعلى الأثر، تحرك ثلاثة مجاهدين نحو الموقع العسكري الإسرائيلي صبيحة يوم الأربعاء الموافق 12/5/،1993 حيث باغت اثنان منهم جنديان وانهالا عليهما بالسكاكين دون أن يقوما بأية حركة حيث قتل أحدهما وأصيب الآخر بجروح خطيرة في رأسه، ثم استولى المجاهدان على بندقيتي الجنديين وهما من نوع (إم - 16). وعاد المجاهدون الثلاثة إلى قاعدتهم بسلام بعد أن ظن جنود الاحتلال الذين يقومون بأعمال الدورية في المدينة أنهم من «المستعربين» فتركوهم(27).
ومع أن اشتداد الهجمة العسكرية والاستخبارية الإسرائيلية ضد حركة حماس، وتواصل حملات الاعتقال والمداهمة للمنازل يضغط على المجموعات الفدائية ويجعلها تقلص نشاطها مؤقتاً وتركز على إجراءات الطوارىء وترتيب المخابىء، إلا أن المهندس وإخوانه وإن لم يهملوا هذا الأمر، فإنهم استمروا في وضع الخطط التفصيلية للأهداف المنتخبة. فمنذ اللحظة الأولى لإعلان المتحدث العسكري الإسرائيلي نبأ إعدام مجاهدي القسام الستة* [الشهداء: حسين أبو لبن وحسن حموده وعماد نصار وبسام الكرد وخالد العالم وأنور أبو لبن.] أثناء محاولتهم اجتياز الحدود المصرية- الفلسطينية عند مدينة رفح، أعد المهندس خطة للرد على الجريمة والثأر لدماء الشهداء بضرب المراكز والمجمعات التجارية والاقتصادية باعتبار أن هذه المراكز تمثل أهدافاً استراتيجية بالنسبة للكيان الصهيوني والتعرض لها يعد ضربة موجعة بشرياً ومعنوياً ومادياً. وبسبب طبيعة الهدف، فقد قرر المهندس أن تكون العملية هذه المرة باستخدام المواد المتفجرة المتصلة بساعة وجهاز تفجير، وهذا من شأنه أن يؤدي إلى نشر حالة مستديمة من التوتر والقلق لدى سلطات الاحتلال والمستوطنين وتستنزف قدرتهم على الاحتمال كونهم لا يعرفون متى وأين وكيف ستأتيهم الضربة. وبعد تصنيع المواد المتفجرة، غادر المهندس قاعدته في صباح يوم الأحد الموافق 16 أيار (مايو) ،1993 ووضع عبواته الناسفة في أحد مطاعم الوسط التجاري بالطابق الأول من مجمع (لندن مينيستور) المؤلف من (12) طابقاً سكنياً وتجارياً، ويقع هذا المجمع في شارع رئيسي وسط مدينة تل أبيب يسمى (شارع بن غفيرول). وقد انفجرت العبوات عند الساعة السادسة والربع من صباح ذلك اليوم محدثة دوياً هائلاً وحريقاً كبيراً أتى على جزء كبير من المجمع، حيث هرعت فرق الدفاع المدني وسيارات الإسكان لنقل المصابين وإخلاء الطوابق العليا، بينما قامت الشرطة بإغلاق منطقة الانفجار. وقد اعترفت سلطات الاحتلال بمقتل إسرائيلي واحد وإصابة خمسة وثلاثين آخرين بجروح وحروق مختلفة، إلى جانب خسائر مادية بالغة في المكاتب والشقق التي يضمها المجمع قدرت بملايين الدولارات(28).
بعد ذلك وبناء على الاتفاق بين القادة الثلاثة، جهز المهندس عبوة ناسفة كبيرة وجهاز تفجير بحيث تنفجر العبوة حين تكون محطة انتظار الجنود على الشارع الرئيس (نابلس – القدس) قرب قرية حوارة مليئة بالجنود. وسلم المهندس العبوة للقائد أبو جهاد الذي قام بدوره بنقلها لمجاهد قسامي تدرب على تشغيل جهاز التفجير ودرس موقع محطة انتظار الحافلات العسكرية. ولئن سمع أهالي مدينة نابلس صوت الانفجار الضخم الذي دمر المحطة وحاجز قريب للجيش الإسرائيلي بشكل كامل في صبيحة يوم الأربعاء الموافق 19 أيار (مايو) ،1993 إلا أن الناطق العسكري الإسرائيلي الذي اعترف بخسائره المادية لم يشر إلى حجم الإصابات التي لحقت بجنوده، بل إن الإذاعة الإسرائيلية زعمت أن الانفجار لم يوقع إصابات في صفوف الجنود الإسرائيليين.
3- لقاء في ربوع المدينة المقدسة
الانطباعات التي عكستها تحليلات العسكريين الصهاينة حول كتائب عز الدين القسام ووجود أجهزة أو غرف عمليات عسكرية ذات كفاءة متقدمة تشرف على وضع الخطط واختيار الأهداف وترشيح المجاهدين لهذه العملية أو تلك، تعود إرهاصاتها إلى ذلك اللقاء التاريخي بين قادة المطاردين في مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة في كتائب الشهيد عز الدين القسام لتقييم الأوضاع ووضع الخطط الكفيلة بتصعيد الجهاد في كافة المناطق حسب ما سربته وسائل الإعلام الإسرائيلية نقلاً عن مصادر استخبارية تولت التحقيق مع عدد من معتقلي الحركة الإسلامية. وما يهمنا من هذا اللقاء هو ما يخص المهندس تحديداً، إذ جرى انتداب القادة محمد عزيز رشدي وخالد الزير ويحيى عياش للعمل سوياً في منطقة وسط الضفة الغربية (القدس ورام الله) ومساعدة الشيخ عبد الرحمن العاروري (قائد المنطقة) لتفعيل وتنشيط المقاومة وربط الخلايا والمجموعات القائمة وتنظيم مجموعات جديدة. وعلى أهمية هذا الانتقال نستطيع القول بأن تبني القيادات الميدانية لرغبة المهندس بأن يتولى تدريب مجموعات قسامية منتقاة على تحضير وتجهيز العبوات الناسفة وتركيب السيارات المفخخة والقنابل البشرية كان له أثار وانعكاسات كبيرة على مسيرة الجهاز العسكري لحركة حماس و ظهور ما يسمى (تلاميذ المهندس). ولعل اهتمام المهندس بتوريث علمه وخبرته في هذا المجال جعلته يضع اللبنة الأولى لهذا المشروع الجهادي الكبير قبل أن يباشر مهامه في مدينتي القدس ورام الله.
4- الميجر حيون يقع في المصيدة
المصيدة هي سلاح بسيط لكنها خطرة نظراً لاعتمادها على الحيلة والذكاء. وهي تختلف عن العبوات الناسفة التي اعتاد المهندس تركيبها وتجهيزها، غير أن ما تخلقه في نفوس العدو من الاضطراب وإضعاف المعنويات شيء له قيمته في الحرب. ولكي تقوم المصيدة بعملها المطلوب، يجب أن يتوفر فيها عنصر المفاجأة، إذ أنه لا يصبح لها أي قيمة إن علم العدو مكانها أو توقع وجودها في مكان ما. وهذا يتناسب تناسباً طردياً مع التقدم في الابتكار والاجتهاد الشخصي في عمل المصيدة ووضعها ضمن أشياء جذابة لا بد من معالجتها عند رؤيتها.
وكما أشرنا في السابق، انتقل المهندس إلى مدينة خليل الرحمن والتقى قائداً منطقة الجنوب (محمد عزيز رشدي وخالد الزير)* [ محمد عزيز رشدي عيسى: ولد في مخيم العروب عام 1969 لعائلة فلسطينية هاجرت عام 1948 من مدينة الفالوجة. ونشأ منذ صغره في المسجد وتربى على مائدة القرآن وعلى هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وتميز بالذكاء والفطنة والحركة المكثفة. وبعد إتمامه الثانوية العامة، التحق بمعهد المعلمين في رام الله حيث أصبح لقوة شخصيته وذكائه وتربيته أميراً للكتلة الإسلامية في المعهد. ورغم حداثة سنه، كان مثالاً في القيادة والإدارة وفي لم الشمل وتجاوز التحديات والصعوبات. وقد اعتقل أكثر من مرة ولكنه كان صلباً.
خالد محمود مصطفى الزير: ولد في قرية حرملة عام 1969 لعشيرة معروفة بالإيمان والصلاح من عشائر التعامرة. تلقى تعليمه في إحدى مدارس قريته ثم أتم الإعدادية في مدرسة تقوع. وانتقل بعد ذلك إلى المدرسة الشرعية في المسجد الأقصى المبارك. وبين جنبات الأقصى وعلى مصاطبه، كانت البيعة لجماعة الإخوان المسلمين في عام 1984. وسار خالد في هذه الدعوة جندياً مخلصاً لا يعرف التعب ولا الكلل حيث أضحى إماماً وواعظاً ومحاضراً في مسجد قريته. وبعد تفجر الانتفاضة المباركة، لعب دوراً رئيساً في فعاليات حركة حماس بمنطقة بيت لحم، أصيب في إحداها بقدمه. وقد اعتقل أربع مرات كان آخرها في نوفمبر من عام 1992.]. وسوياً أقام القادة القساميون ثلاث خلايا ضمت أربعة عشر مجاهداً بالإضافة إلى ضابطي الارتباط، أمجد أبو خلف ممثلاً للقائد محمد عزيز رشدي ومحمد صالح أكميل ممثلاً للمهندس. ويستدل من التحقيق الذي أجرته سلطات الاحتلال مع أفراد هذه الخلايا بعد اعتقالهم في نيسان (إبريل)من عام ،1995 بأن مهمة هذه الخلايا كانت تتمحور حول التعلم على تركيب العبوات الناسفة والمواد المتفجرة وتجهيز السيارات المفخخة(29). وإن كنا سنعود مرة أخرى لهذه الخلايا عند حديثنا عن تلاميذ المهندس، إلا أن ذلك لا يمنع من الحديث عن مشاركة إحدى هذه الخلايا في المصيدة التي نصبتها كتائب الشهيد عز الدين القسام للإيقاع بكبير خبراء المتفجرات في الشرطة الإسرائيلية التي كانت صحف العدو تتحدث عنه وعن كفاءته في تعطيل العبوات الناسفة، ولم يكن الميجر يوسي حيون (35) عاماً صيداً سهلاً نظراً لخبرته الطويلة في مجال عمله.
قام المهندس بتجارب عديدة على أنواع العبوات، وصولاً إلى تصميم عبوة لا يستطيع الميجر حيون النجاة منها. وفي نهاية الأمر، جهز المهندس عبوة خاصة بيوسي حيون كانت عبارة عن أنبوب معدني (3 أنش) مغلق من أحد طرفيه بينما الطرف الأخر مسنن ويغلق بواسطة غطاء مسنن بعد حشو الأنبوب بحوالي خمسين جرام من المواد المتفجرة يتم وصلها ببطارية صغيرة وصاعق تفجير. وفي الوقت الذي تنفجر فيه العبوة لحظة إزالة غطاء الأنبوب، أخرج المهندس سلكين متصلين ببطارية من طرفي الأنبوب، ولم يكن لهذين السلكين أو البطارية علاقة بالعبوة، بل وضعها لإيهام خبير المتفجرات بأنه مع قص السلك يبطل العبوة ومن ثم يقوم بفتحها لتنفجر به. وبعد إعداده وتركيبه لهذه المصيدة، جهز المهندس أربع عبوات أخرى تنفجر في أوقات مختلفة، وقد استهدف المهندس من ذلك، أن تنفجر إحدى هذه العبوات، فيقوم جنود الاحتلال بتمشيط المنطقة فيعثرون على العبوات الأربعة الأخرى ومن بينها المصيدة. وعند استدعاء خبير المتفجرات، الميجر يوسي لتفكيك العبوات التقليدية، تنفجر المصيدة في وجهة فتقضي عليه.
وطبقاً للخطة المعدة، قام أحد المجاهدين بنقل العبوات الخمس ووضعها في أماكن متفرقة على طريق جانبي يؤدي إلى موشاف شيكيف الذي يقع على منحدرات جبال الخليل الغربية القريبة من فلسطين المحتلة منذ عام 1948. وفي الساعة الثانية عشرة من ظهر يوم السبت الموافق 5 يونيو (حزيران) ،1993 وعند مرور سيارة جيب تابعة لجهاز الدوريات الخضراء المكلف بالسهر على المحميات الطبيعية، انفجرت عبوتان ناسفتان مما أدى إلى تدمير السيارة وجرح اثنان من ركابها وفق ما اعترف به الناطق العسكري الإسرائيلي. وعلى الإثر، دفع جيش الاحتلال وقوات الشرطة بقوات معززة من الجنود وحرس الحدود لتمشيط المنطقة حيث عثرت هذه القوات على العبوات الثلاث الأخرى. فتم الاتصال بقيادة الشرطة، التي أرسلت الميجر يوسي حيون لتفكيك العبوات المكتشفة. وأثناء محاولة الخبير الإسرائيلي تفكيك المصيدة، انفجرت العبوة وإصابته بجروح خطيرة نقل على إثرها بطائرة مروحية عسكرية إلى مستشفى هداسا بمدينة القدس حيث فارق الحياة بعد ثلاثة أيام(30).
5- القدس على خط النار
غادر المهندس مدينة خليل الرحمن بصحبة القائد محمد عزيز رشدي، وبين أودية القدس وكهوفها، عكف القائدان يحيى ومحمد على جمع المعلومات والتخطيط لوصول إحدى المجموعات القسامية إلى قلب المدينة المقدسة بعد اختراق الطوق الأمني والحصار العسكري المفروض على المدينة بهدف احتجاز عشرات المستوطنين الصهاينة كرهائن في عملية جريئة لمبادلتهم مع عدد من المجاهدين المعتقلين في سجون الاحتلال ومعتقلاته. ولم يكن نوع هذا العمل جديداً فقد سبق وأن نفذت مثل تلك العمليات داخل فلسطين، في فترة معينة وبخاصة بين عامي 1974 و،1978 إلا أن الجديد هذه المرة هو التخطيط للعملية وانطلاق المجموعة المجاهدة من داخل الأرض المحتلة بعد أن كان التخطيط والتدريب والتسليح والانطلاق يتم من قواعد المنظمات الفلسطينية في جنوب لبنان.
المعلق السياسي الإسرائيلي، يوآف كسبي، لخص في التحليل الذي كتبه إلى حد بعيد حجم التأثير النفسي لعملية الشهيدين حاتم المحتسب ويعقوب مطاوع على الحكومة والأجهزة الأمنية الإسرائيلية، وقال: «ليس واضحاً حتى الآن كيف ينجح -رغم الحصار والحواجز- ثلاثة مطلوبين في التجول بحرية في شوارع القدس وهم مزودون بكميات كبيرة من البنادق والوسائل القتالية الأخرى. وعلينا ألا ننسى أن ماهر أبو سرور أحد كبار المطلوبين في المناطق التي يحاول أفراد الشاباك منذ نصف عام إلقاء القبض عليه عبثاً. وأبو سرور بالذات، بدل أن يهرب ويختفي يخطط ويخرج لتنفيذ عملية استعراضية على مقربة أمتار من مكتب مفتش عام شرطة إسرائيل»(31).
عملية الرصد والاستطلاع التي أجراها القائدان بشكل مكثف، وأشرفا على بعض مراحلها شخصياً، بينت أن أنسب هدف هو حافلة تابعة لشركة (ايجد) تعمل على خط رقم (25) الذي يمر في منطقة التلة الفرنسية باتجاه مقر القيادة العامة للشرطة الإسرائيلية وتكون هذه الحافلة عادة مزدحمة بالمستوطنين المتجهين إلى أعمالهم. وبعد وضع الخطط التفصيلية، جهز المهندس ثلاثة حقائب تحوي كل منها ست قنابل يدوية وعبوة ناسفة تكفي لتدمير الحافلة. ولأن هذا النوع من العمليات يعتبر من أخطر العمليات العسكرية، ذلك أن المجاهد المتجه لحجز الرهائن يعرف سلفاً أن فلسفة العدو العسكرية قائمة على أسطورة التفوق وعدم القدرة على احتمال أي هزيمة مهما كان حجمها، سترفض الرضوخ والقبول بإجراء عملية التبادل والإفراج عن المجاهدين المعتقلين، فقد اتفق القائدان على اختيار ثلاثة من المجاهدين المطاردين الذين يمتازون بالجرأة والتضحية الكبيرة إلى جانب القدرة القتالية العالية. وكان هؤلاء الثلاثة، وهم ماهر أبو سرور ومحمد الهندي وصلاح عثمان بإمرة القائد خالد الزير ويتبعون منطقة بيت لحم. وعلى الفور، أرسل القائد محمد عزيز رشدي أحد مساعديه لترتيب عملية انتقال الأبطال الثلاثة من قاعدتهم الجبلية في الجنوب إلى إحدى المغارات في منطقة القدس.
ولحساسية العملية، وأهمية السرية في مثل هذه الحالات، اتفق القائدان على أن يقتصر الاتصال بالمجموعة التي أطلق عليها اسم (سرية الشهيدين حاتم المحتسب ويعقوب مطاوع) على القائد محمد عزيز. فاستلم أسد الكتائب، وهو اللقب الذي عرف به البطل محمد عزيز رشدي، حقائب المتفجرات التي أعدها المهندس، والتقى بالمجاهدين الثلاثة وأطلعهم على تفاصيل الخطة وأهدافها. وبناء على الاتفاق مع المهندس، وزعت على أعضاء السرية بحيث يرتدي ماهر أبو سرور بزة عسكرية إسرائيلية ويتنكر بشخصية جندي ويحمل حقيبة متفجرات وعلى كتفه بندقية من نوع (أم - 16)، ويتولى الإعلان عن العملية ومطالب المجموعة وهي الإفراج عن الشيخين المجاهدين أحمد ياسين وعبد الكريم عبيد بالإضافة إلى خمسين معتقل من حركة حماس وخمسين معتقلا آخر من أسرى حركة فتح والجبهة الشعبية والجهاد الإسلامي والجبهة الديمقراطية والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين (القيادة العامة). كما تضمنت الخطة أن يرتدي قائد العملية، محمد الهندي بدلة وربطة عنق حتى يظهر على هيئة رجل أعمال ويحمل معه حقيبة دبلوماسية بداخلها ست قنابل وعبوة ناسفة ويجلس في مؤخرة الحافلة. وأما صلاح عثمان فقد تقرر أن يتنكر بشخصية طالب جامعي ويحمل مسدس وحقيبة شبيهة بتلك التي يحملها محمد الهندي، ومهمته السيطرة على قائد الحافلة وتوجيهه بالابتعاد عن خط السير التقليدي(32).
انتقلت السرية المجاهدة في ساعات الفجر الأولى من يوم الخميس الموافق 1يوليو (تموز) ،1993 وهو اليوم المقر لتنفيذ العملية إلى موقع قريب من محطة انتظار الحافلات في التلة الفرنسية ريثما تمر الحافلة رقم (25). وفي الساعة السابعة والثلث صباحاً، توقفت الحافلة في المحطة، ليصعد إليها الأبطال الثلاثة ثم تنطلق مجدداً وعلى متنها أكثر من أربعين راكباً. وخلال دقائق معدودة، سيطرت السرية المجاهدة على الحافلة الإسرائيلية حيث وقف المجاهد صلاح عثمان بجانب السائق شاهراً مسدسه فيما تحصن البطلان ماهر ومحمد في وسط ومؤخرة الحافلة. ووزع المجاهدون بياناً كانوا يحملونه معهم تضمن أهداف العملية ومطالبهم العادلة، وهددوا بتفجير الحافلة بمن فيها وتحميل اسحق رابين المسوؤلية عن ذلك في حالة عدم استجابة السلطات العسكرية الإسرائيلية لمطالبهم. كما طالب القساميون في بيانهم بالسماح للحافلة بالتوجه إلى الحدود اللبنانية لتسهيل ترتيبات الإفراج عن الرهائن بعد إطلاق سراح المعتقلين(33).
وبدلاً من سماع لغة العقل والحكمة أمر رئيس الوزراء الإسرائيلي (اسحق رابين) بصفته وزيراً للدفاع الوحدات الخاصة الإسرائيلية بالعمل على إيقاف الحافلة بالقوة ومنعها من مواصلة سيرها. وفي حوالي الساعة الثامنة والنصف، وبعد أن أجبرت الحافلة على التوقف على بعد مائة متر فقط من مقر قيادة الشرطة الإسرائيلية في حي الشيخ جراح، بدأ جنود الاحتلال بإطلاق النار مما أدى إلى سقوط العديد من الركاب الصهاينة برصاص جنودهم، كما أصيب عدد آخر غير محدد من الجنود خلال تبادل إطلاق النار مع المجاهدين. ولكن إصابة المجاهد صلاح عثمان المبكرة برصاصة في رأسه أفقدته الوعي حال دون استكمال العملية كما خطط لها، حيث فقد المجاهدان ماهر أبو سرور ومحمد الهندى السيطرة على الحافلة. وبدأ الركاب بالقفز من النوافذ مستغلين انشغال المجاهدين في مواجهة جنود الاحتلال وحرس الحدود الذين بدأوا بالإطباق على الحافلة ومحاصرتها. وعلى الرغم من ذلك، تمكن البطلان من مغادرة الحافلة واختراق الحصار حيث أوقفا سيارة من طراز (رينو-5) تقودها مهندسة إسرائيلية وآجبراها على التوجه نحو الطريق التي تربط جنوب القدس بالضفة الغربية لتأمين انسحابهما(34).
اصطدم المجاهدان أثناء محاولتهما مغادرة المدينة المقدسة متوجهين نحو مدينة بيت لحم بحاجز عسكري أقامته قوات الاحتلال عند أحد الجسور في مستوطنة جيلو (جنوب القدس الشرقية) حيث تبادلا إطلاق النار مع جنود العدو وألقيا قنبلتين يدويتين كانتا بحوزتهما مما أدى إلى سقوط عدد من قوات الاحتلال بين قتيل وجريح. وقد أصيبت المهندسة الإسرائيلية برصاصة قاتلة أطلقها أحد الجنود الإسرائيليين أثناء الاشتباك. وعلى الأثر، تولى المجاهد الذي كان يجلس في المقعد الأمامي القيادة وتمكن من تخطي الحاجز العسكري متابعاً السير نحو بيت لحم، ولكن استمرار إطلاق الرصاص المتبادل بين المجاهد في المقعد الخلفي للسيارة وقوات العدو التي استخدمت مختلف أنواع الأسلحة الآلية والقذائف الصاروخية أدى إلى انفجار سيارة الرينو واندلاع النيران فيها قبل أن تصطدم بجدار حجري على جانب الطريق عند مدخل بيت لحم مما أدى إلى ترجل الفارسين ماهر أبو سرور ومحمد الهندى إلى جنات الخلد(35).
6- حقيبة مفخخة في مفوضية الشرطة
لم يسع مجاهدو القسام للقتل من أجل القتل كما حاولت سلطات الاحتلال ترويجه على وسائل الإعلام العالمية، إذ أن الرهائن لاقوا كل معاملة إنسانية من قبل الأبطال الثلاثة. وكان باستطاعة المجاهدين إيقاع عشرات الإصابات القاتلة في صفوف الرهائن إثر الاشتباك المبكر ولكنهم تجنبوا ذلك، وجاءت الإصابات التي وقعت في صفوف الرهائن على يد الجيش الإسرائيلي نفسه رغم إنكار سلطات الاحتلال وتجاهلها المتعمد لهذه الحقيقة. إذ أعلن مفتش عام الشرطة الإسرائيلية أن العملية أسفرت عن مصرع مستوطنتين بالإضافة إلى إصابة سائق الحافلة واثنين من الركاب، مدعياً في نفس الوقت أنه لم تحدث إصابات في صفوف العسكريين الإسرائيليين.
وعلى الرغم من إعلان المتحدث العسكري الإسرائيلي عن استشهاد البطلين ماهر أبو سرور ومحمد الهندى ونقل البطل صلاح عثمان فاقداً الوعي إثر إصابته الخطيرة في رأسه إلى أحد المستشفيات، إلا أن فصول هذه العملية لم تنته على هذا الحد. ومرة أخر، تحول الصدفة دون أن يترك المهندس بصماته على مقر قيادة الشرطة الإسرائيلية في حي الشيخ جراح بمدينة القدس. فقد قام رجال الشرطة الذين وصلوا إلى مكان العملية بنقل الأمتعة التي تركها الركاب داخل الحافلة حين فروا مذعورين بما فيها حقيبة صلاح عثمان المفخخة في سيارة (ترانزيت) إلى قسم المفقودات في قيادة الشرطة. وبعد حوالي ساعة، وعندما انفجرت السيارة التي استقلها الشهيدان أبو سرور والهندى، ثارت الشبهات أنه قد يكون بين الأمتعة التي جمعت من الحافلة عبوات شبيهة. وبالفعل، عند فتح الحقائب في قسم المفقودات، عثر خبراء المتفجرات على العبوة وقاموا بإبطال مفعولها بعد أن تم إخلاء المبنى وجرى تحويل الشارع الذي يمر أمام مقر مفوضية الشرطة.(36)
7- يوم الوفاء والجمعة الحزينة
النهاية غير المتوقعة لعملية الشهيدين حاتم المحتسب ويعقوب مطاوع، وما آل إليه صلاح عثمان الذي بقي على قيد الحياة، دفع بالقائدين القساميين، يحيى عياش ومحمد عزيز رشدي اللذين لم تكن سلطات الاحتلال على علم أو دراية في وجودهما في المنطقة ووقوفهما خلف العملية، إلى مغادرة المدينة المقدسة والانتقال إلى مدينة رام الله. وهنا، نتوقف لعلنا نعيش لحظات في ذلك المناخ الجبلي الذي ذاق فيه القائدان ومساعديهما حلاوة الجهاد في سبيل الله. فقد كان القساميون يعيشون في إحدى المغارات التي كان ارتفاعها لا يتجاوز المتر وعرضها متر ونصف. ولذلك، كان المجاهدون يصلون وهم جالسون، دون أن يضيئوا إلا شمعة واحدة، يقومون بحجب ضوئها عن الخارج نظراً لأن الضوء مهما كان خافتاً إلا أنه يوحي بوجود أناس في تلك المنطقة الجبلية الموحشة. وعندما كان القساميون يخرجون من تلك المغارة، يقومون بربط الأشجار القريبة من المغارة بشبكة من الخيوط الرفيعة حتى يعرفوا إن كان أحد قد اهتدى إلى ملجأهم أم لا(37).
وفي منطقة رام الله، أعد الشيخ عبد الرحمن العاروري* [عبد الرحمن إبراهيم يوسف العاروري: ولد في قرية عارورة بقضاء رام الله عام 1962 وتلقى تعليمه في مدارسها حتى نال شهادة الثانوية العامة، ليعمل بعدها في حقل التجارة. والتزم بجماعة الإخوان المسلمين عام 1979 حيث عمل بنشاط في مجال الدعوة والتنظيم إلى جانب المشاركة في النشاطات العامة. وقد انضم الشيخ عبد الرحمن إلى كتائب عز الدين القسام منذ البدايات الأولى لتأسيس الجناح العسكري لحركة حماس، ورافق تطورات العمل حتى غدا مسؤول الكتائب في منطقة رام الله. فاعتقل في 6/8/1992 إدارياً، وكان من المقرر أن يفرج عنه في 6/3/1993 حين أبعد إلى مرج الزهور في 17/12/1992. ولكنه عاد في يناير 1993 ليقضي بقية مدة محكوميته حيث أفرج عنه في 4/3/1993 وعاد لمزاولة مهماته. وهو متزوج ولديه ثلاثة بنات وولد.] المأوى للمهندس ورفيقه عند المجاهد سليمان زيدان** [سليمان مصطفى حسن زيدان: ولد في قرية قبية عام ،1953 أي في نفس العام الذي ارتكب شارون مذبحته بحق أهل القرية. ونشأ في بيت مسلم، فوقف في وجه مخططات اليهود لإفساد الشباب وساهم في بناء مسجد القرية. ودخل دعوة الإخوان المسلمين وتربى في أحضانها عام 1976 وترقى في الدعوة حتى جاءت الانتفاضة المباركة، فانتظم في صفوف حركة حماس وشارك في فعالياتها. فاعتقل وسجن عام 1991 بتهمة وجود قنابل يدوية لديه، تم اعتقل مرة أخرى في آذار 1993 بتهمة قيادة حركة حماس في منطقة غربي رام الله، ولكنه خرج منها أشد عوداً في مواجهة الأعداء.] في قرية قبية التي تقع إلى الشمال الغربي من مدينة رام الله. وانضم القائد خالد الزير لرفيقيه في وقت لاحق حيث اتفق القادة على الاستمرار في تصعيد الجهاد والتخطيط لعمليات نوعية باستخدام المواد المتفجرة والأسلحة الرشاشة. وبناء على هذا الاتفاق، أعد المهندس عبوات ناسفة قام أحد المجاهدين بزرعها في حافلة تابعة لشركة (ايجد) حيث انفجرت تلك العبوات يوم الخميس الموافق 29 يونيو (تموز) 1993 أثناء وجود الحافلة في المحطة المركزية بمدينة تل أبيب. وقد زعم العدو، أن انفجار العبوات الناسفة ألحق أضراراً مادية كبيرة في الحافلة دون أن يصيب أحداً من الركاب أو المتواجدين في المحطة.
لم يكد يمضي أسبوع على العملية السابقة، حتى غادر القائد خالد الزير متوجهاً إلى المدينة المقدسة للقاء إحدى الخلايا المجاهدة التي أقامها القائدان يحيى ومحمد قبل مغادرتهما للقدس. وكانت الخلية تتكون من خمسة مجاهدين هم: تيسير سليمان (أمير الخلية)، وفهد السلوادي، ومروان أبو ارميلة، ونائل سلهب وعثمان جولاني، حيث نقل الزير للمجموعة التي أطلقت على نفسها (سرية الشيخ تميم العدناني) تفاصيل الخطة التي أعدت في قرية قبية وفاءً للشيخ أحمد ياسين وإخوانه المعتقلين في السجون الإسرائيلية. وعلى الأثر، تحرك المجاهدون تيسير سليمان وفهد السلوادي ومروان أبو ارميلة في سيارة تجارية (فان) تم تغيير أرقام هيكلها (الشاصي) وتحمل لوحة تسجيل إسرائيلية مزيفة وهم يحملون أنبوبة غاز مسيل للدموع ومسدس بهدف أسر أحد جنود الاحتلال واحتجازه في مكان آمن وإبلاغ القائد خالد الزير الذي سيتولى مع المهندس والقائد محمد عزيز صياغة البيان الذي يحدد مطالب حركة المقاومة الإسلامية (حماس).
وعند الساعة السادسة من مساء يوم الخميس الموافق 5 آب (أغسطس) ،1993 وصلت السيارة إلى مفترق الرام شمال مدينة القدس. وقام المجاهدون بالدوران أربع مرات إلى أن صادفوا أحد جنود سلاح الإشارة في جيش الاحتلال كان في طريقه من قاعدته العسكرية قرب رام الله إلى منزله في حي راموت بالمدينة المقدسة. وأثناء حديث المجاهد فهد مع العريف يارون حيمس (20 عاماً) باللغة العبرية الذي رفض الصعود في البداية، وصل جندي آخر وعندئذ، صعد العريف حيمس إلى السيارة وجلس قرب المجاهد تيسير في المقعد الخلفي. ولكن جندي سلاح الإشارة الذي كان يحمل بندقية آلية من نوع (جاليلي)، ولسبب غير معروف شك في الأمر، وبدأ بالمقاومة ومحاولة النزول بالقوة، فبدأ المجاهد تيسير بمصارعته ورش المجاهد مروان عليه الغاز المسيل للدموع إلا أن ذلك لم يحل دون قيام العريق حيمس بالصراخ طالباً النجدة. وعندها نجح المجاهد تيسير في إخراج المسدس وإطلاق رصاصتين في رأس الجندي(38).
شرعت قوات الاحتلال بأعمال تمشيط واسعة النطاق بمساعدة طائرات مروحية بعد فرض نظام منع التجول على رام الله والمنطقة المحيطة بها إثر ورود بلاغ من جندي كان يقف بالقرب من العريف حيمس عند مفترق الرام قام بإطلاق النار وحاول مطاردة المجاهدين بعد أن استقل سيارة جيب عسكرية تصادف مرورها في تلك اللحظة. وقد فشلت كل جهود حملات التمشيط التي أشرف عليها قائد المنطقة الوسطى الميجر جنرال نحيميا تماري وقائد القوات الإسرائيلية في الضفة الغربية البريغادير شاؤول موفاز في اعتراض السيارة أو تعقب أفراد المجموعة الذين استولوا على سلاح الجندي وأمتعته الشخصية قبل انسحابهم إلى قاعدتهم، حيث عثرت قوات الاحتلال على السيارة التجارية التي استخدمت في العملية محترقة قرب قرية بيتونيا بقضاء رام الله وبداخلها جثة الجندي المختطف بعد ثماني ساعات من عمليات البحث المكثفة(39).
وعلى الرغم من انتهاء العملية دون تحقيق الأهداف المرجوة بالنسبة للمهندس ورفيقيه، إلا أن ذلك لم يحل دون تنفيذ الجزء الثاني من مخططات الوفاء للمجاهدين المعتقلين. فقد كانت الخطة الأصلية تتضمن تحرك إحدى المجموعات القسامية في منطقة شمال الضفة الغربية لضرب هدف عسكري كان المهندس قد رصده أثناء وجودة في تلك المنطقة، ويظهر ذلك الهدف بوضوح من شرفة منزل المهندس في قرية رافات بقضاء نابلس. وطبقاً لما اتفق عليه في قبية، فقد استهدف الهجوم تشتيت جهود قوات الاحتلال التي تقوم بالبحث عن منفذي عملية أسر الجندي عند مفترق الرام. وبالعودة إلى مساء ذلك اليوم، نجد أن المهندس قد أرسل المجاهد محمد ريان بسيارة بيجو (405) تعود للمجاهد سليمان زيدان إلى قراوة بني حسان لتبليغ القائد على العاصي بتفاصيل الهجوم وضرورة التحرك في الوقت المناسب لتحقيق الأهداف المرجوة. ولأن الوقت المتاح لم يكن كافياً لإصدار التعليمات إلى إحدى المجموعات القسامية العاملة في المنطقة، فقد قرر القائدان القساميان، أبو جهاد وأبو مجاهد أن يقوما بنفسيهما بتنفيذ الهجوم بمعاونة المجاهد محمد ريان الذي كلفاه بقيادة السيارة التي جاء فيها نحو الهدف العسكري.
الدلائل وتشير إلى أن الهجوم كان مخططاً له بإحكام، وهو يشبه في نمطه وجرأته عملية شهداء خان يونس التي استهدفت دورية عسكرية داخل مستوطنة جاني طال بقطاع غزة، حيث اقترب المجاهدون الثلاثة ببطء من موقع لجيش الاحتلال يقع بالقرب من مستوطنة (القاناة) القريبة من قرى دير بلوط ورافات وكفر الديك وبروقين في نحو الساعة العاشرة والنصف من صباح يوم الجمعة الموافق 6 آب (أغسطس) 1993. وما أن أضحت السيارة على بعد أمتار قليلة من الجنود الثلاثة الذين كانوا يحرسون مدخل الموقع حتى بادر المجاهدان أبو جهاد وأبو مجاهد بإطلاق النار باتجاههم، فقتل جنديان وأصيب الثالث بجروح خطيرة. وعند محاولة المجاهدين الانسحاب، تعرضوا لرصاص القنص من جندي كان يختبىء فوق سطح أحد المنازل القريبة مما أدى إلى استشهاد القائد البطل عدنان مرعي وإصابة المجاهد محمد ريان بجروح بليغة أفقدته الوعي، فيما تمكن القائد على عاصي من التواري تماماً عن الأنظار إذ قفز فوق سور قريب وألقى بكتلة كبيرة من القش كانت على السور فوق جسمه وكمن تحتها أكثر من أربع وعشرين ساعة دون أن تصدر عنه حركة(40).
وعلى الرغم من فرض حظر التجول الشامل على قرى كفر الديك ورافات واللبن الغربية وبروقين ودير بلوط لثلاثة أيام متواصلة، قام خلالها نحو (500) جندي من قوات الاحتلال تساندهم أثني عشر طائرة مروحية باقتحام المنازل وتفتيشها بشكل دقيق إلى جانب استخدام القنابل الضوئية بكثافة لإنارة كل القرى والجبال المحيطة بموقع العملية، إلا أن القائد أبو جهاد نجح في نهاية الأمر من العودة إلى قاعدته بسلام. ولم تنفع قوات الاحتلال كلاب تقصي الأثار التي استعانت بها لتعقب المجاهد القسامي في البيارات والجبال(41).
8- وداعاً رامبو الكتائب
لم يعد منزل المجاهد سليمان زيدان (أبو ايهاب) ملائماً لإقامة المهندس وإخوانه بعد إصابة واعتقال المجاهد محمد الريان قرب دير بلوط، فقد كانت سيارة المجاهد أبو إيهاب التي ضبطتها سلطات الاحتلال كافية لانكشاف شخصية ودور هذا البطل الذي غادر أيضاً مع المهندس إلى قاعدة سرية أخرى. وعليه لم تجد قوات الاحتلال التي داهمت قرية قبية بعد محاصرتها وفرض حظر التجول سوى بعض المواد الكيماوية الأولية التي تستخدم في صناعة المواد المتفجرة. وفشلت الشاباك التي تولت تفتيش منزل أبو ايهاب في العثور على أية أدلة تقود إلى معرفة شخصية المجاهدين الذين كانوا يختبئون في المنزل.
ومع إقدام القيادة الفلسطينية المتنفذة في منظمة التحرير الفلسطينية على التوقيع على وثيقة اتفاق الحكم الذاتي (غزة - أريحا) في واشنطن وقرار القيادة المركزية لكتائب الشهيد عز الدين القسام تصعيد العمليات الجهادية رداً على التفريط بحقوق الشعب الفلسطيني. فكانت عملية الكمين الذي نصبه مقاتلو حركة حماس جنوبي قرية الظاهرية في نحو الساعة الثالثة بعد ظهر يوم الخميس الموافق 2 أيلول (سبتمبر) 1993 والذي أدى إلى تحطيم سيارة عسكرية ومقتل ضابط صف وإصابة آخر بجراح بليغة أول إعلان على رفض حركة حماس لما أقدمت عليه قيادة (م.ت.ف.). وعلى الرغم من حالة الاستنفار التي أعلنتها سلطات الاحتلال بين قواتها في الضفة الغربية وقطاع غزة، إلا أنها لم تحل دون قدرة كتائب الشهيد عز الدين القسام على تنفيذ ما خطط له المهندس في مدينة القدس ومحمد عزيز رشدي في مدينة الخليل وعماد عقل في مدينة غزة.
القادة الثلاثة نفذوا عملياتهم بدقة وبعد تخطيط ورصد مسبقين، إلا أن مشيئة الله وقدره المكتوب أن يترجل القائد البطل محمد عزيز رشدي إلى عليين ويصاب البطل خالد الزير بإصابات بليغة جعلته يبتعد عن تحمل المسؤولية الكبيرة. ولعلنا نبدأ باستعراض بعض تفاصيل العملية التي أثرت في مسيرة المهندس الجهادية، كونها غيبت اثنان من عمالقة الكتائب القسامية وأبقت يحيى عياش وحيداً من بين أبناء جيله من المجاهدين والمطاردين. ففي حوالي الساعة التاسعة والنصف من مساء يوم الثلاثاء الموافق 14 أيلول (سبتمبر) 1993 تتبعت سيارة مسجلة باسم البطل خالد الزير كانت تقل مجموعة شهداء الأقصى المؤلفة من محمد عزيز رشدي وعبد الرحمن حمدان وإبراهيم سلامة وسليم صبيح، سيارة جيب عسكرية تحرس حافلة إسرائيلية تسير على الطريق المؤدي إلى مستوطنة (نتسارا) الواقعة جنوب مدينة الخليل. وأطلق المجاهدون النار من أسلحتهم الرشاشة حين محاذاة سيارتهم الجيب العسكرية فأصابوا جنوده الأربعة بإصابات مباشرة وقاتلة دون أن يتمكنوا من الرد، ثم ألقى الأبطال القنابل اليدوية باتجاه الحافلة الإسرائيلية وغادروا المكان في طريقهم إلى قاعدتهم.
وفيما كان القساميون يواصلون مسيرتهم المباركة، اصطدموا بحاجز عسكري عند مدخل المستوطنة الصهيونية، فتبادلوا إطلاق النار مع جنوده الأربعة الذين سقطوا بين قتيل وجريح دون أن يتمكنوا من النيل من المجاهدين. وعاودت سيارة القساميين الانطلاق من جديد بعد أن اقتحمت الحاجز العسكري، غير أنها سرعان ما واجهت قوات عسكرية ضخمة دفعتها السلطات الإسرائيلية في أعقاب العملية البطولية. فانقلبت السيارة إثر إصابة المجاهد خالد الزير خلال الاشتباك، ولكن المجاهدين تمكنوا من إخراج قائدهم من السيارة أثناء محاولة قوات العدو الانتشار ومحاصرتهم، حيث تولى القائد البطل محمد عزيز رشدي حماية إخوانه واستطاع إيقاف التعزيزات الإسرائيلية ومنعها من تعقب المجاهدين عبد الرحمن وسليم اللذان حملا البطلين خالد وإبراهيم. واستمر الاشتباك بين أسد الكتائب وقوات الاحتلال إلى أن ترجل البطل إلى عليين بعد أن صرع وأصاب عددا من الجنود الإسرائيليين(42).
وقبل أن نطوي هذه الصفحة الخالدة من حياة الشهيد يحيى عياش، لا بد أن نعرج على الجزء الخاص بمشاركته المباشرة في الملحمة الثلاثية، ألا وهي محاولته تفجير الحافلة رقم (23) التي تسير في منطقة محنى يهودا بمدينة القدس. ففي منتصف أيلول (سبتمبر) من ذلك العام، جهز المهندس حقيبة جانبية في داخلها عبوة ناسفة، وطلب من الخلية المقدسية التي نفذت عملية أسر الجندي الإسرائيلي في شهر آب (أغسطس) 1993 تكليف أحد أعضائها لهذه المهمة الجديدة. فتطوع المجاهد مروان أبو ارميلة، الذي سافر إلى محطة انتظار الحافلات قرب محنى يهودا حيث صعد في الحافلة وجلس في المقعد قبل الأخير. وبعد دقيقة فتح مروان الصمام وضغط الزر، إلا أن العبوات لم تنفجر رغم محاولات مروان المتكررة. ويبدو أن خللاً أصاب جهاز التفجير أو الصاعق. وهكذا، نزل مروان في منطقة باب الخليل، واستقل سيارة أجرة، عائداً إلى بيت حنينا، لتنتهي وبشكل غير متوقع تلك العملية الجريئة دون أن تحدث النتائج المرجوة منها(43).
|