Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showpost.php on line 218

Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showpost.php on line 223
منتديات شباب فلسطين - عرض مشاركة واحدة - قصة حياة البطل الشهيد / يحيى عياش - ( كتاب )
عرض مشاركة واحدة
قديم 07-03-2008, 08:46 AM   #6
السيف عدي
I ♥ PALESTINE

قوة السمعة: 0 السيف عدي will become famous soon enough

افتراضي رد: قصة حياة البطل الشهيد / يحيى عياش - ( كتاب )

ثالثاً: معالم وعبر



1- قاعدة عقائدية وإيمانية



البيئة العقائدية والإيمان الراسخ في أعماق النفس البشرية هي التي تبدع وتفرز ظاهرة الرجال المستعدين للموت في سبيل الله مثل القائد يحيى عياش. ومن خلال تجذر هذه الأصول وصلابة حاملها، تتفجر مدخرات الطاقة في خلايا الجسم، ويتألق كل ما أودعه الخالق سبحانه وتعالى في هذه النفس من خلق وتجرد وإخلاص وصدق وتوكل وغيرها من خصائص الشهادة ومعاني البقاء والاقتداء.



ولئن غادرنا المهندس بعد نجاحه في الوصول إلى قمة هرم الصاعدين في زمن الهبوط وانتصاره في مسيرته الحياتية نحو الخلود، فإننا ما زلنا نمتلك التمسك بمبادئه وثوابته وتجربته التاريخية الزاخرة بمدلولات تبشر بدروس من السهل الاقتداء بها وتقليد العملاق الخالد على أرض فلسطين وتكرار مسيرته والتبشير بقدرات الأمة على إنجاب العظماء وصنع المستقبل المشرق. ونستطيع في تفصيل أن نورد إضاءات من القاعدة العقائدية والإيمانية التي حملت أعمدة العملاق الخالد:



أ- امتزاج الورع والتقوى بصفاء الروح وبساطة النفس. إذ أن يحيى كان ملتزماً ومطيعاً لله فيما أمر به أو نهى عنه. وهذ المفهوم لمعنى التدين ظهر عند المهندس من خلال إكثاره من قراءة القرآن الكريم وتلاوته وحفظه، ومن هنا يظهر لنا سبب إصراره بعناد وإقدامه الذي لم يعرف التردد في مسيرة الجهاد رغم تفوق العدو وقسوته.

ب- الجدية في الحياة وصلة الرحم وحب الناس وأداء الواجب. وهذا لا يعني بأي حال، أن الشهيد لم يكن صاحب مزاح أو مرح نظيف، وإنما كان يتجنب الصخب والعبث ويبتعد عن الأجواء الملوثة.

ج- توجيه وتكريس الحياة الدنيا لعمل الخير واعتبار ذلك وسيلة لبلوغ رضوان الله. ومن هنا، كان عطوفاً على الناس، يقدم المساعدة التي يقدر عليها لكل من يلجأ إليه.

د- كان التسامح سمة من سمات المهندس في علاقاته سواء في البيت أو القرية أو الجامعة، إذ كان يسامح من يسيء له ولم يحمل حقداً على أحد حتى ولو أساء إليه.

هـ- الهدوء والاتزان وعمق التفكير وكأنه كان يحلق في آفاق البحث عن رضوان الله مما ساقه إلى مبتغاه مع الأنبياء والصديقين، وعلى الرغم من هذا الهدوء الذي كان يصل إلى حد الفلسفة، إلا أن الكلمات سرعان ما تخرج من فمه كالحمم كبركان ثائر أو كالقنابل الزمنية تنفجر عند حدود فمه إذا ما سمع أو رأى أي تطاول على شريعة الله سبحانه وتعالى.

د- كان رجلاً ليس لذاته نصيب من الدنيا ومتاعها، إذ عرفه أصدقاءه ومعارفه وحركته عفيف اليد، زاهداً، لا يبتغي سوى مرضاة ربه. وعندما قامت حركة حماس بإرسال مبلغ من المال لإعانته على شؤون عائلته، أرسل إلى قيادته معاتباً: «بالنسبة للمبلغ الذي أرسلتموه، فهل هو أجر لما أقوم به؟ إن أجري إلا على الله وأسأله أن يتقبل منا. وأهلي ليسوا بحاجة وأسأل الله وحده أن يكفيهم، وألا يجعلهم يحتاجون أحداً من خلقه، ولتعلموا بأن هدفي ليس مادياً، ولو كان كذلك لما اخترت هذا الطريق، فلا تهتموا بي كثيراً واهتموا بأسر الشهداء والمعتقلين فهم أولى مني ومن أهلي»(48).



ولأنه لا يريد سوى مرضاة الله وجنته، فقد عمل الشهيد البطل بصمت في الخفاء مستعلياً على شهوات النفس والأضواء ووسائل الإعلام مما زاد في قدرته على المواجهة وإفشال عمليات الاستفزاز والاستدراج، وكل ذلك يفصح عن وعي عميق بطبيعة المعركة ومتطلباتها وعن التجرد والإخلاص للهدف والقضية. ولئن أحب يحيى العمل الجهادي بطريقة عاصفة، ملكت عليه كل جوارحه مؤثراً أن تتحدث عنه أعماله -لا أقواله- باعتبار أنه يمثل حركة وتاريخ وليس نفسه فقط، إلا أنه لم يكن يحب تضخيم أعماله ودوره، ويرجع الفضل إلى رب العزة سبحانه وتعالى مردداً وبشكل دائم الآية الكريمة وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى. وقد أكدت أم البراء -زوجة المهندس- هذه الحقيقة، فقالت: «كان كتوم جداً تجاه هذه الأمور، ولم يكن يتحدث بالتفصيل عن الجهاد أو العمل الذي يقوم به.. الشهيد أبو البراء لم يكن يحب أن يسمع المبالغة في الكلام عنه، وكان يرفض الاستماع إلى الأناشيد التي تذكره أو تعمل دعاية له، وكان يقول لي إن هذا فيه تضخيم ومبالغة»(49).



2- الكتمان والسرية



استهداءً بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم: «استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان»، تعمل كتائب الشهيد عز الدين القسام بطريقة سرية منظمة، جعلت من مخططات أجهزة الأمن والاستخبارات الصهيونية لاختراق بنية الجهاز العسكري لحركة حماس ومحاولات رصد عملياته قبل وقوعها أمراً في غاية الصعوبة. وليس سراً أن كتائب الشهيد عز الدين القسام تفتخر بطريقة عملها ومنهجها في تكوين الخلايا وتنظيم عملها، فالجهاد مرصود وإجهاضه استراتيجية صهيونية وعالمية، خاصة بعد أن أصبح الإسلام هو العدو الأول لمعسكر النظام العالمي الجديد وأدواته. وفي حالة الشهيد القائد، تتجاوز طبيعة (الكتمان والسرية) الحدث الطارىء أو الحاجة الآنية، لتصبح خلقاً راسخاً وعادة متمكنة، إذ يقول أصدقاء المهندس ورفقاء دربه بأن حساسية يحيى تجاه السرية لا مثيل لها. ويضيف أحد الذين عملوا في الخلايا التابعة لقيادته: «مضت عدة شهور قبل أن اكتشف أن المرأة التي كانت تجلس في أحد الحقول في منطقتنا هي في الحقيقة المهندس يحيى عياش»(50).



في البرنامج الأسبوعي (ندوة مفتوحة) الذي بثته التلفزة الإسرائيلية على الهواء بصورة حية ومباشرة وضم خبراء وأساتذة جامعات متخصصين في الشؤون العربية والإسلامية، حاول هؤلاء إجهاد أنفسهم طوال (30) دقيقة لتقديم إجابات منطقية وموضوعية عن أسئلة مقدم البرنامج الذي استهل الحديث قائلاً: «المطلوب يحيى عياش يعيش في سباق مع الزمن، فمسلسل الهجمات العنيفة التي نفذها جعلت منه هدفاً رئيساً ذو أولوية أولى لجهاز الشاباك.. المهندس الذي احترف الدمار والقتل يمثل أكثر من أي شيء آخر التعصب الإسلامي المتطرف ومنظماته التي وضعت نصب عينيها تقويض مسيرة السلام.. أجهزة الأمن درست شخصيته وتركيبته الفسيولوجية بعناية في محاولة للعثور على نقطة ضعف واحدة تقود إلى إلقاء القبض عليه، ولكن هذه السمات الفسيولوجية تشكل أيضاً منطلقاً أساسياً لفهم ظاهرة التعصب الديني لأناس من طراز المهندس.. فكيف يعمل؟.. من الذي يوجهه؟.. من يختار الانتحاريين؟.. لماذا لم تفلح أجهزة الأمن الإسرائيلية حتى الآن في إلقاء القبض عليه؟». وعلى أثر هذه المقدمة، بدأ شمعون رومح -أحد كبار قادة الشاباك السابقين- حديثه قائلاً: «إن الصورة المرسومة للمهندس ليست مجرد وهم أو خيال صنعته وسائل الإعلام من العدم، فلهذا الرجل سر في النجاح. وسر نجاحه يكمن بادىء ذي بدء في السرية المتناهية التي يعمل بها ويسلكها في تحركاته، فهو يعمل مع عدد مقلص جداً من الأشخاص الذين يقومون بدور حلقة الاتصال ما بينه وبين الجهات التي يعمل معها.. وهو في الغالب لا يطلعهم سوى على الحد الأدنى اللازم من المعلومات المتعلقة بنشاطاته وتحركاته، فضلاً أن اتصاله بهم يتم بوجه عام بمبادرة منه وليس منهم، وذلك حتى لا تتوفر بحوزة أحد منهم معلومات قد تقود في حال تعرضهم للاعتقال إلى الوصول إليه أو إلى مأواه السري. ولا يعلم أي من أعضاء الخلايا الذين يعملون تحت أمرته، وعادة يمنحون أسماء حركية، من أين تأتي المتفجرات أو من الجهة التي تصدر الأوامر». ولاحظ ضابط المخابرات السابق تأكيداً على ذلك أنه حدث في العديد من الحالات أن اعتقل أشخاصاً عملوا مع المهندس طوال ثلاث سنوات، إلا أن اعتقال هؤلاء حتى في الحالات التي أرغم فيها بعضهم تحت التعذيب على الإدلاء بمعلومات لم يقد إلى اعتقال المهندس نفسه(51). كما أن اسم المهندس لم يظهر في لائحة الاتهام التي وجهت لسعيد بدارنه وطاهر كبها اللذين اتهمتهما سلطات الاحتلال بالتخطيط لعملية الخضيرة وتجنيد عمار عمارنه لتنفيذ تلك العملية، إلا أن المخابرات الإسرائيلية تجزم بأن المهندس كان وراء العملية على الرغم أنه لم يقم بتجنيد عمار أو تدريبه وربما لم يره أبداً ولكن الاتصالات بين الاثنين تمت بواسطة سعيد وطاهر(52).



وكمثال حي على حساسية المهندس تجاه السرية، تروي لنا والدته قصة لقاءها به في شهر أيلول (سبتمبر) من عام ،1995 ومن خلال هذه الرواية يتجلى حرص الشهيد القائد على سرية العمل حتى عن أقرب المقربين إليه وأحبهم إلى قلبه. فتقول الأم الصابرة المحتسبة: «في أحد الأيام جاء شاب إلى البيت وقال لي: هل تريدين رؤية يحيى؟.. فوجئت بالسؤال ولم أصدقه، ولكن الشاب أخرج من جيبه صورة حديثة يظهر فيها يحيى مع ذلك الشاب.. وبدون تردد قلت له: خذني إلى ابني، أريد أن أراه مهما كانت العواقب. وبعد ذلك، أركبني في سيارة على نوافذها ستائر سميكة حتى لا أرى شيئاً في الخارج. ومشت بنا السيارة مدة من الزمن ثم توقفت، وقبل أن أنزل من السيارة عصبوا عيوني ثم اقتادوني إلى مكان يحيى. وعندما أزالوا العصبة عن عيني، شاهدت يحيى أمامي، فبكيت من الفرحة واحتضنت ابني الحبيب وشاهدت زوجته وابنه، واطمأن قلبي أنهم جميعهم بخير.. مكثت في ضيافة يحيى أسبوعين، وطلب مني يحيى البقاء عنده والعيش معه وقال لي أن اليهود سوف يعتقلونك ويحققون معك، لأن العملاء كثيرون وسوف يعلمون أنك غبت عن البيت طوال هذه المدة. ولكني رفضت أن أكون مطاردة مع ابني، وقلت له أنني سأعود إلى بيتي وزوجي وولداي اللذان سيخرجان من السجن قريباً، ثم ودعت ولدي يحيى وزوجته وابنه براء وعدت إلى بيتي كما أتيت دون أن أعلم أين ذهبت ولا في أي طريق سارت بي السيارة في الذهاب أو الإياب.. أثناء وجودي عند يحيى، كان شاب يحضر لنا الأكل ويدخله من الباب ثم يغلق الباب ويذهب»(53).



3- التخلص من أعين الأعداء



لم يتأثر أحد بحساسية مفرطة تجاه القائد الشهيد يحيى عياش بقدر ما تأثر رئيس الوزراء الإسرائيلي، اسحق رابين الذي كان يضطلع بالمسؤولية المباشرة عن أنشطة الموساد والشاباك بحكم توليه منصب وزير الدفاع أيضاً. فقد شكلت أسطورة المهندس شبحاً متعباً وثقلاً كبيراً جثم على صدر اسحق رابين الذي خصص جيشاً برمته لإطلاق النار على يحيى عياش دون إنذار بمجرد وقوع أنظارهم عليه، لما كان يسببه من الهلع والفزع في أوساط قادة الصهاينة وجمهورهم. ولكن براعة المهندس الفائقة في مواجهة مطارديه وعبقريته في التخفي والمراوغة والإفلات من الكمائن التي كانت تنصب له من قبل عدة آلاف من جنود الوحدات المختارة من الجيش الإسرائيلي وقوات حرس الحدود والشرطة بالإضافة إلى عدة مئات من أفراد جهاز المخابرات العامة (الشاباك) ووحدات استخبارية عسكرية خاصة كلفت بالمشاركة في أوسع وأكبر حملة مطاردة تنظمها الدولة العبرية في تاريخها، جعلت ملاحقيه يطلقون عليه لقب (العبقري) و(كارلوس الثعلب) و (الرجل ذو ألف وجه) وينسبون إليه صفات الرجل المقدس، والإنسان الذي يمتلك سبعة أرواح، ومن يرى ولا يُرى، وهي أمور حاولت أجهزة الأمن والاستخبارات الإسرائيلية إخفاء عجزها وراءها(54). فقد بحثت سلطات الاحتلال عن المهندس طوال أربع سنوات، وخلال تلك المدة، استمر القائد في عملياته بدون توقف أو هدوء. فجند الخلية تلو الأخرى، وبعث فيها روح المبادرة والنشاط بعد كل ضربة كان الصهاينة يوجهونها للمجموعات الجهادية. وبعد كل عملية، تعترف سلطات الاحتلال بأن -حتى أخباره- تختفي اختفاءً متقناً مما أصاب قيادة الشاباك في حيرة إزاء لغز المهندس.



ويقول مسؤول في الشاباك تولى مسؤولية ملاحقة (المهندس) فترة من الزمن: «إن يحيى عياش يبرهن على قدرة عالية جداً في البقاء، وقد تبين أنه ذكي ومتملص بارع ويحرص على استبدال مخبئه بوتيرة عالية، وهذا ما جعل مسألة العثور عليه بالغة الصعوبة. وبلا ريب أنه كالسحر أو الكابوس كلما اقتربنا منه تنشق الأرض وتبتلعه»(55). وفي ضوء الفشل الذي منيت به الشاباك لأكثر من ثلاث سنوات، اضطر اسحق رابين إلى إعفاء الجنرال يعقوب بيري من مسؤوليته على رأس جهاز المخابرات العامة واستبداله بالجنرال كارمي غيلون الذي تعهد لدى تسلمه منصبه بأن تكون مهمته هي تصفية المهندس يحيى عياش.



أما أصدقاء المهندس الذين عرفوه عن كثب فيقولون بأنه من أكثر الناس حباً في التخفي والسرية لدرجة أنه يفضل إخفاء وتغيير ملامحه حتى أمام أصدقائه واخوته في كتائب الشهيد عز الدين القسام. ويتضح من حديث الذين لازموه خلال رحلته الجهادية بأنه يبدل يومياً، وإذا ما اقتضت الضرورة عدة مرات في اليوم الواحد، هيأته التنكرية وهويته، ولم يكن ينام أكثر من ليلة واحدة في نفس المكان. ومن القصص التي ترويها المجموعات الأمنية التي عملت تحت قيادة المهندس، أن يحيى لجأ في أحد الأيام إلى إحدى المناطق الفلسطينية المحتلة منذ عام 1948 متخفياً كحاخام يرتدي الملابس التقليدية للحاخامات اليهود بما في ذلك القبعة السوداء ومن تحتها تنطلق ذوائب مستعارة تناسب لونها شعر ذقنه الأسود الكثيف، بينما تدلى رشاش العوزي على كتفه مما زاد في عملية التضليل، وفي المساء عاد المهندس إلى الضفة الغربية متنكراً على هيئة رجل دين مسلم(56).



ويضيف سعيد أبو طه، الذي قدمته أسبوعية يروشلايم العبرية في حزيران (يونيو) 1995 على أنه عضو في إحدى الخلايا التي عمل معها المهندس بأن يحيى اعتاد استبدال الأماكن التي يأوي إليها نحو عشر مرات يومياً، كما أنه لا يكثر من الحديث ولا ينفعل إزاء الاهتمام المكرس له في الصحف المحلية والعالمية. ولعل هذا الحرص الشديد الذي ميز تحركات المهندس هو الذي أتاح له النجاح في مواجهة حملة الملاحقة المكثفة التي استهدفته طوال أربع سنوات.



والحقيقة التي يؤكدها ضباط كبار في الجيش الإسرائيلي والشاباك أن المهندس كان بارعاً جداً في التنكر وأساليب التخفي حتى أن أساليبه فاقت أساليب عمل الوحدات الإسرائيلية الخاصة المعروفة باسم (المستعربين) والتي يتنكر أفرادها بهدف اغتيال نشطاء الانتفاضة. ويؤكد هؤلاء الضباط بأن يحيى تمكن من التنقل بسهولة داخل المناطق ذات الأكثرية اليهودية في وضح النهار مستخدماً عدة بطاقات هوية منها ما هو حقيقي ومنها ما هو مزور إلى جانب الحرص على قيادة سيارة بلوحة إسرائيلية مليئة بالملصقات التي يضعها المتطرفون اليهود في العادة مثل: «الجولان لنا» و«الخليل مدينة يهودية إلى الأبد» و«الله أعطى هذه الأرض لليهود» و«استعدوا لقيامة المسيح» وغيرها من الملصقات(57). ومع هذا الغموض وجدت الدولة العبرية نفسها في دوامة خانقة حين انهالت البلاغات والمكالمات من المستوطنين الذين تحدثوا عن مشاهدة (المهندس) في الحافلات أو سائراً في أحد الشوارع في عدة مدن وفي نفس الوقت، وكانت صحيفة معاريف المسائية الإسرائيلية قد نشرت يوم 24 كانون ثاني (يناير) 1995 صورتين ليحيى عياش يظهر في أحدهما بذقن كبيرة وفي الأخرى حليقاً وتحتهما سألت بخط كبير: «أين يختبىء؟» على أمل أن يساهم ذلك في زيادة إمكانية التعرف عليه بالصدفة إذا كان يلتجىء حقاً إلى المناطق ذات الأكثرية اليهودية(58).



إن نجاح المهندس في الوصول إلى قطاع غزة يعتبر في حد ذاته ضربة قاسية للكيان الصهيوني، جعلت اسحق رابين في اجتماع القيادة المشتركة للموساد والشاباك وآمان (المخابرات العسكرية) يضرب الطاولة بغضب شديد، مطالباً بتفسيرات واضحة حول الكيفية التي استطاع المهندس خلالها أن يتجاوز آلاف المخبرين الإسرائيليين الذين كانوا يطاردونه وتضليل كافة أجهزة الأمن الإسرائيلية.



4- جهاد نصر أو استشهاد



البعد الآخر في شخصية يحيى عياش أو (المهندس) يتمثل في إصراره على مواصلة العمل والنشاط واستعداده الدائم للاستشهاد والموت في سبيل الله ورفض الخروج أو الهرب خارج فلسطين المحتلة على الرغم من إمكانية ذلك. فالرجل الذي أرعب قيادات الاحتلال وجنوده ومستوطنيه، وجعلهم يحفظون صورته عن ظهر قلب ويعلقونها في مكاتبهم كان يدرك أن يومه سيأتي لأن الله سبحانه وتعالى هو الذي يقضي متى تصل حياة الإنسان إلى نهايتها. ولكن هذا الإدراك لا يمنع الإنسان المؤمن أو يحول دون استمراره في الجهاد وتوريث خبرته وعلمه لإخوانه. ولهذا، كان وجه يحيى يحمر غضباً حين يحدثه إخوانه عن مغادرة الوطن لفترة ويرد عليهم: «مستحيل فقد نذرت نفسي لله ثم لهذا الدين إما نصر أو استشهاد، إن الحرب ضد الكيان الصهيوني يجب أن تستمر إلى أن يخرج اليهود من كل أرض فلسطين»(59).



تقول زوجة الشهيد القائد: «عهدته دائماً غير مهتم بالدنيا وكثير الحديث عن الآخرة والجنة والشهادة. ويذكر الشهداء جميعاً وبخاصة علي عاصي وعدنان مرعي وصالح نزال، وحدثني في المدة الأخيرة عن إحساسه باقتراب موعد استشهاده، بل إنه تذمر واشتكى لأن هذه الأمنية تأخرت». وتضيف أم البراء: «أخبرني يحيى أن بعض الشهداء أمثال علي عاصي وعدنان مرعي جاؤوه في المنام ليسلموا عليه. وقبل عدة أيام من استشهاده، رأى يحيى الشهيد أبو جهاد -علي عاصي- في المنام وقال له: السلام عليكم، وسأله عن الجهاد بينما سأله يحيى عن الشهيد عدنان مرعي ثم سلم عليه ومشى»(60). وتؤكد زوجة المهندس رغبة زوجها بالموت شهيداً، فقد غضب واستاء من سؤالها وطلب منها عدم تكرار الحديث حين توجهت إليه مرة بالسؤال: «لماذا لا تسلم نفسك؟ فهذا على الأقل سيمكننا من زيارتك في السجن»، بل أنه قال لها عندما سألته عن سبب تجوله بقنابل على جسمه بأنه يريد أن يفجر نفسه في اللحظة التي يحاول فيها أحد اعتقاله(61).



ثمة هدف أو أمنية لا تقل أهمية عن أمنية المهندس أن ينال الشهادة كما نالها رفاقه من قبل، وهي أن يترك بعد موته فرساناً آخرين يحملون الراية. ففي رسالته الأخيرة والتي كتبها قبل استشهاده لقيادته في حركة حماس، قال: «لا تنزعجوا، فلست وحدي مهندس التفجيرات، فهناك عدد كبير قد أصبح كذلك، وسيقضون مضاجع اليهود وأعوانهم بعون الله»(62).
  اقتباس المشاركة