O?°'¨ ( قلمٌ لمْ يفارقُه الحنين ) ¨'°?O
كانت الدواوين الثلاثة التي أصدرها الشاعر قبل نكبة فلسطين ، كافية لينقش اسمه في جبال الكرمل قبل أن يضطر لمغادرة الوطن . خمسون عاما قضاها بعد ذلك بعيدا عن وطنه ومدينته ورغم ذلك ظلّ وفيّا يغني لفلسطين ويضع "حيفا في سواد العيون "في الأيام التي كانت حبلى بالثورات في فلسطين، وُلد الشاعر حسن البحيري في " وادي النسناس " أحد أودية جبل الكرمل في مدينة حيفا عام 1921، ورغم اليتم الذي عاشه، وقساوة زوج الأم فيما بعد، ظلّ الشّاعر متمسكا بأمله في أن يحتضن القلم والدّفتر حتى ولو كان ذلك خلف أسوار المدرسة التي حُرم منها فيما بعد .
الظروف القاسية التي عاشها لم تكن لتتغلب على رقة روحه ومشاعره، ولم تكن لتحاصر حلمه، وكان مدينة حيفا بسهولها وجبالها هي محضن الحب الذي لجأ إليه الشاعر، فكان أن أصدر ثلاثة دواوين شعرية وهو لم يتجاوز السابعة والعشرين من عمره. ولعلّ رغبته في أن تتم طباعة هذه الدواوين في القاهرة هي باب الشهرة التي مكنت القراء والنقاد من الاهتمام بشعره، خاصة وأنّ هذه الدواوين قد سلمت من أعمال التخريب والنهب من قِبل الصهاينة عند احتلالهم لمدينة حيفا.
وإذا توقفنا عند هذه الدواوين الثلاثة فسنجد كيف أثّرت مدينة حيفا بجمالها الخلاب على الروح الرّقيقة للشاعر الذي سكب هذه الرقة في كؤوس الدواوين شعرا عذبا. فديوانه الأول "الأصائل والأسحار" الذي طُبع عام 1943، وديوانه الثاني "أفراح الربيع" والذي طبع في العام الذي تلاه، وأخيرا ديوان "ابتسام الضّحى"، والذي تمت طباعته قبل النكبة بعامين فقط "1946م"، كل هذه العناوين التي تأخذ من طبيعة المدينة عناوين لأعماله الشعرية، فتقرِّبه من أبناء المدرسة الرومانسية، ونقول تقربه لأنه لم يُحلق في فضاء الطبيعة تاركا جرح الوطن النازف دون أيّ ضماد، ولعلّ قصيدة " الشرق...أو أرض البلاد " التي جاءت في ديوان الشعري "ابتسام الضحى" تعطي صورة واضحة عن هذه المشاعر تجاه الوطن :
أرضَ البلادِ نَعِمتِ تحتَ لوانا وبقيتِ ما بقيَ الزَّمانُ حِمانا
ويقول فيها مخاطبا بلده :
وَلَتَبْقينَّ لنا على طولِ المَدَى روْضاً غرسْنا فيهِ زهـر َمُنانا
لا تسْتَهِنْ يا غَـربُ إنَّـا أُمَّةٌ كُتِبَ اسمُها لِذُرَى العُلا عُنوانا
هذه الصورة التي استقاها من تجربة التاريخ، وحركة الزَمان المتواصلة، وتلك الوقفة التي رأى من خلالها صورة مجد أمته الذي مضى، لا تتركه بعيدا عن الشعراء العرب الكبار في تاريخ الشعر من أمثال البحتري وابن زيدون وأحمد شوقي. ولذلك لم يكن غريبا أن يُعيد الشاعرُ القارئَ إلى دروس الماضي، ومدرسة التاريخ، وهو فيذلك يحاول رمي طوق النجاة لأبناء شعبه وأمته وهو يراهم وسط أمواج " الاستعمار الانجليزي " المتلاطمة، والعواصف "الصهيونية" التي كانت تعصف بالوطن آنذاك، وهو في ذلك التوجه يتجاوز حوادث الزمن إلى دروس تمتد في عمرها طويلا لتعيش في نبض الشعوب وهكذا يرسم فهمه لرسالة الشعر والأدب:
فلكٌ يدورُ...وحادثاتٌ تنْثَني.... وقوابلُ الأيّامِ غِبْنَ بيانا
لا يخدَعَنَّكَ أنْ صَفا وجهُ الزَّمانِ الجهْمِ فهوَ مُلَوَّنٌ ألوانا
لا تأمَنَنَّ الدَّهرَ في وثباتِهِ....فالدَّهرُ يلبسُ كلَّ يومٍ شانا
لا تغفونَّ على نشيدٍ خادِعٍ...قدْ سَجَّعتهُ لكَ المنى ألحانا
فلنوقِظنَّكَ منْ سُباتِكَ يقظةً...تَذَرُ الزَّمانَ وراءَها حسرانا
ورغم أنه يصور لنا جراح وطنه في مناسبة العيد، إلا أنّ المفارقة العجيبة أنّ ذكرى العيد قد ظلّت تؤرّق نفسه، وتجدد الحزنَ في نفسه ففي هذا الديوان يكتب بيتين من الشِّعر، يكون لهما ما بعدهما:
يُهنئِّنُي بالعيدِ منْ ظنَّ أنَّ لي...سوى برءِ أوطاني الجريحةِ عيدا
أَرَى الشَّرقّ مَطْوِيَّ الفُؤادِ عَلى الأسَى...فَلا عيدَ إلَّا أنْ أراهُ سَعيدا
لقد كانت مناسبة العيد حاضرة في ذات الشّاعر، وكانت مناسبة لمحطات يتوقف عندها الشاعر على امتداد عمره، فنراه في مطلع العقد التاسع من القرن العشرين يكتب رسالة في عيد ولكن في هذه المرّة من دمشق العاصمة التي استقرّ بها بعد ضياع وطنه .
ومما يوجع القلب في قراءتنا لهذه الدواوين التي سبقت نكبة الوطن، أنّ ابتسام الضّحى الذي رآه شاعرنا في جبل الكرمل قد تبدّل "عبسا وجهما"، أماّ أفراح الرّبيع التي كانت في ديوانه الآخر فلم تمض عليها الأيام وبعض السنوات حتى تحولت إلى أتراح الدّيار ومواجع، والأصائل والأسحار لم تدم في زمن الشاعر كتبدل أوقات كلها تلدُ إبداعا وشعرا، ولذلك يتوقف الشاعر عن النشيد سنوات طويلة بعد النكبة بلغت خمس وعشرين عاما، ليطلق حنينه إلى مدينته التي تركها مرغما،، ويترك قصائده تسافر مع أطيار السنونو في ديوانه " حيفا في سواد العيون "بعد أن تركها حبيسة القلب والأوراق زمنا طويلا، وفي هذه الإطلالة الحزينة والكئيبة الأولى منذ ضياع وطنه، تتزاحم الكلمات في ديوانه من غير نشاز، وتطفو على سطح المشاعر أشواق وأشواك، ورغم أنه يترك عنوان الديوان لمدينته "حيفا " إلا أن القصيدة الأولى في الديوان والتي سبقت المقدمة تكون لفلسطين، الأم والوطن والفؤاد المكلوم:
أيا فلسطينُ يا عُمقَ الأسى غُصَصا...ويا سُهادَ الضَّنَى نَاْيا وحِرمانا
على تَوَالي اللَّيالي في تُجَهُّمِها...والعُمرُ يمضي بها غَمّا وأحْزانا
إنِّي لَأسْمَعُ- والآلامُ تَصْهَرُني...فالجرحُ يَسْعَرُ في جنْبيَّ نيرانا
مِنْ كُلِّ ما فيكِ من سَهلٍ ومن جبلٍ...ما باتَ يرثي بِهِ أهلاً وأَعوانا
لقد تركت الفاجعة أثرها، ولعل الشاعر من أقدر الناس على نقل مشاعره إلى النّاس، وكان الشاعر حسن البحيري من هؤلاء، فها هو ينكأ الجراح الفلسطينية، ويُعيد شريط الذكريات، وتمرُّ عليه الأشواق بكل أطيافها، ولحيفا نصيب، أو ليست هي التي في سودا العيون؟؟ وبين جوانح الصدور؟
"حيفا" وأنتِ مِزاجُ الرُّوحِ في رَمَقي...وعُمقُ جُرْحِ الهَوى في مُوجَعي الخفقِ
يَشُدُني لكِ شوقٌ لو غَمستُ لَهُ...يراعَ شعريَ في صَوْبِ الحيا الغَدِقِ
ورحتُ بالحبِّ والذِّكرى أُصَوِّرُهُ... دمعاً على الخدِّ أوْ حرْفاً على الورقِ
لجفَّ حبري ولم ْأبلغْ قرارةَ ما...ضمَّتْ جوانحُ صَدري منْ لَظَى حُرَقي
وكأنّ الشاعر لم يكتفي بقصائده المعبرة، وكأنّ الفاجعة أكبر من أيّ قصيدة، وأعظم من كل الكلمات، فالإهداء الذي تصدّر هذا الديوان ينبض بالأنين، ويفيض بالحنين، فتراه ينثر الحروف والكلمات على صفحات الورق، وهو بعد أن يكتب يختم بأبيات شعرية ويعود إلى شاعريّته، ولكن للنثر في شخصية هذا الأديب نصيب، ففي الإهداء في ديوان "حيفا في سواد العيون" خير مثال على ما نقول، خاصة وهو يخاطب الوطن المنكوب:
( وأنتِ يا فلسطين ، يا ذات التُّراب الأقدس ... يا أوّل ما جال في رئتيَّ من أنفاس الحياة إني لم أغادرك طائعا ولا مختارا ، ولكنها أعاصير المقادير هبّت عليَّ عاصفةً ، راجفةً ، عاتية ... بعد ظهر يوم الخميس ، في الثاني والعشرين من شهر نيسان ، عام ثمانية وأربعين وتسعمائة وألف ، فانتزعتني منك انتزاعا ..! ولعلِّي كنت يومئذ آخر من أُكرهَ على مغادرة أوّل أرض مسّ جسمي ترابُها ...) .
أرأيت أخي القارئ كيف يصف الشاعر تمسكه بأرضه ؟؟ إنه آخر من أرغمه الصهاينة على ترك بيته ، لأنه ظلّ متمسكا به ، متشبثا بحلمه ، متعلقا بوطنه . وفي هذه الكلمات أيضا نقرأ تأثره بالشعر العربي في قول الشّاعر :
بلادٌ بها شقَّ الشَّبابُ تمائمي...وأَوَّلُ شيءٍ مسَّ جلدي ترابُها
ويمضي في دموعه الشعرية ليصل إلى حيفا وما تحمل في نفسه من أشواق يكابدها ليل نهار، ولعل ّ في الأبيات ما يُغني عن أيّ شرح أو تعليق !!
ما أَشرقتْ عينـاكِ إلاَّ خْانني بصَبابتي.. صبري.. وحُسْنُ تجملي
وتَحسَّستْ كفّايَ من أَلَم الجوى سهمـاً مغارسُ نَصْلهِ في مقتلـي
فَلقد رأيتُ بلحظ عينكِ إذ رَنَتْ والِتّيهُ يَكْحَلُهـا بمِيــل تَـــدلُّلِ
(حيفا) وشاطئها الحبيبَ، وسَفحهَا وذُرىً تعـالتْ للسِّماكِ الأَعْـــزَلِ
عينٌ رأيتُ بِسْحرِها وفُتونهـا أحلامَ عَهْـدٍ بالصَّفـاءِ مُظــلّلِ
ولمحتُ بين سوادِها وبياضِها ظِلَّ الصَّنَوْبَرِ في أعالي (الكَرْمـلِ)
ولعلها من القصائد المتميزة في الأدب الفلسطيني في موضوع "التغزل بالوطن" ، وطلب الوصال معه وكأنه صب عاشق ولهان يبحث في عيون حبيبته عن الأمل :
فإذا رنــوتُ إلى لحــاظـكِ تائـهاً من سِرِّها في جُنـْح ليْــلٍ أَلْيَــلِ
مُتَــعَثِّرَ اللحظَاتِ، مَشْدُوهَ الأســى أَهْفـو لِحَــظٍ مُدْبِــرٍ أو مُقبــِل
وأنــا أَرُودُ بِلَهَفْتــي وصَبابتــي أَلَقَ السَّنى من وَجْهــكِ المتهــلِّلِ
فَتَلَفَّتــي، لا تَعْطِفــي جِيدَ الحَـيا عنّي، ففي عينيكِ غايةُ مأْمَلـي....
-.-.-.-.-.-.-.-.-.-.-