مشاركة: الدين / السياسة أو العلاقة التي تتحول إلى متفجرات
التوظيف الايديولوجي للدين أو مسار الموت المستولد :
و الأدلجة الدينية في عمقها ليست إلا توظيف أيديولوجية للدين تحتل فيه الأيديولوجية المرتبة الأولى . ويحتل فيه الدين المرتبة الثانية وهذا التفاوت في التراتب يلغي إمكانية التفاعل بين الأيديولوجية والدين الذي لا يكون إلا في إطار استقلال الأيديولوجية عن الدين واستقلال الدين عن الأيديولوجية القائمة على التوظيف الديني لأنها تستوعبه ، وتلغي إمكانية التفاعل معه . وتظهر بمظهر التطابق مع الدين لتجعل الجماهير تعتنق الأيديولوجية على أنها هي الدين ، وتتمسك بها على أنها هي الحل . وتنخرط في تنفيذ فتاوى " الأمير " ومن يسبح في كل من " الأمراء الصغار " من اجل بناء " الدولة الدينية " التي تعمل على تطبيق "الشريعة الدينية ".
والتوظيف الأيديولوجي للدين هو ممارسة يومية يقوم بها مؤدلجو الدين لتتخلل جميع مجالات الحياة التي تتحول إلى إطارات لمراقبة الأفراد والجماعات . وتقدم من تقدم لإقامة الحدود أو القصاص . لضمان استمرار الأخلاق الدينية واستمرار الحياة :
1) فعلى المستوى الاقتصادي نجد حرص مؤدلجي الدين على أن يكون الاقتصاد متناسبا مع الدين و"مومنا به " مع أن الاقتصاد لا يعني إلا إنتاج فائض القيمة الذي يتحول إلى قوة مادية تتجاوز المعتقدات والحدود والأفكار ، والتفاعل مع ذلك ليصبح الاقتصاد للإنسان وليس للدين ، كيفما كان معتقد هذا الإنسان او لونه أو لغته ، أو عرقه باعتباره اهتماما للجميع يعبر الأفراد إلى الجماعات ، ويتجاوز الحدود ليعم القارات . إلا أن مؤدلجي الدين يصرون على أن يلبس الاقتصاد لباس الدين حتى يتحول إلى وسيل للتوظيف الأيديولوجي للدين .
2) وعلى مستوى الاجتماعي نجد أن مؤلجي الدين يحرصون على توظيف الدين لفرض نمط من " اللباس " على الأتباع تمييزا لهم عن غيرهم حتى يصيروا قدوة ، ووسيلة الاستقطاب الاجتماعي لينتقل عبرهم ذلك النمط من اللباس إلى مجموع أفراد المجتمع حتى يتحول إلى مجتمع إسلامي كما يحرصون على توظيف الدين في صياغة أو إعادة صياغة المناسبات الاجتماعية التي تصير "إسلامية " سواء تعلق الأمر بالأفراح أو الاتراح ، وبالتالي فالمناسبة الاجتماعية هي إطار للتذكر والاسترجاع وبث الترغيب والترهيب للخروج بخلاصة تعد المجتمع ككل لخدمة مصالح مؤدلجي الدين والانسياق وراءهم . والقبول بعملية التجييش التي تعتبر خير وسيلة لفرض الاستبداد الذي هو أداة للتسلط على المجتمع .
3) وعلى المستوى الثقافي ، فمؤدلجو الدين يعتبرون أن الثقافة الوحيدة التي يجب الترويج لها على أنها هي الأصلح لإعداد الناس الاستعداد لبناء " الدولة الدينية " التي تشرف على تطبيق وشريعة "دين تلك الدولة .هي ثقافة دين تلك الدولة هي ثقافة أدلجة الدين المنمذجة لكل شيء في الحياة ، لأسلوب الاقتصاد والاجتماع . وللقيم التي يمارسها الناس ويتحلون بها في أخلاقهم ، وفي معاملاتهم اليومية .وكل من لا يقبل تلك النمذجة .ولا يمارس تلك القيم .فإنه يعتبر "كافر ا" و"ملحدا" و"علمانيا ".يجب قتله . والقتل لا يكون إلا ب " شريعة الله " التي ينفذها أولوا الأمر الذين تجب " طاعتهم " لاختيار الله لهم لتولي أمورهم ومن بين ما يتولونه الإشراف على قتل " الكافر " و" الملحد " و"العلماني" حتى يطمئن مصير المتدينين الذين يجب أن يستعدوا للحياة الأخرى ب" طاعة " لولي الأمر وخدمتهم و أداء الطقوس الدينية كما يرونها ، وكما يرسمونها حتى يبقى وسيلة أنجع لتحقيق الطاعة المنشودة .
4) وعلى المستوى المدني فغن مؤدلجي الدين يعملون على اجرأة العلاقات المدنية كما يؤولونها من خلال ما يتعلق بها في النص الديني وبالتالي فالدعوة إلى المساواة بين الرجل والمرأة امام القانون هي مخالفة للدين لأن الله فضل الرجل على المرأة . وفرق بين مستويات الناس أمام القضاء . وعمل على ان يكون لكل مقام مقال . وما يخالف الدين يعتبر " كفرا " ومن يعمل بما يخالف الدين " كافر " و" الكافر " يجب قتله ولا مجال للدعوة إلى فكرة المساواة بين الناس حتى لا يتعرض صاحب تلك الدعوة إلى القتل . ومعاون ان أدلجة الدين . ومن هذا النوع تخالف ما جاء في الدين الذي تدعو بعض نصوصه إلى المساواة بين الناس في الحقوق وفي الواجبات ومن تلك النصوص " الناس كأسنان المشط " و" لا فرق بين عربي وعجمي إلا بالتقوى " "والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض " وهذه النصوص وغيرها لا تلغي الاختلاف في القدرات والإمكانيات. كما لا تلغي تفاوت القدرات في بذل المجهود الذي يترتب عنه التفاوت في اكتساب الثروة المادية والمكانة المعنوية .إلا أن مؤدلجي الدين يصرون على إلغاء كل ذلك . والتمسك بتأويلاتهم التي ترجعنا إلى عصور الظلام القائمة على استعباد الإنسان وسيادة الاستبداد الذي يمكن من قمع كل حركة تسعى إلى الخلاص من الظلم والقهر والاستعباد بتحقيق مبدأ المساواة في الحقوق والواجبات بين الرجال والنساء امام القانون .
5) وعلى المستوى السياسي نجد أن مؤدلجي الدين ينكرون على الناس حقهم في دستور يضمن سيادة الشعب . وفي قوانين انتخابية تضمن نزاهة الانتخابات وفي اختيار من يمثل الشعب في المجالس المحلية ، وفي المجلس التشريعي وفي تكون حكومة من الأغلبية التي تفرزها صناديق الاقتراع . ويعتبرون ان ذلك تدخلا في امر الله واقتداء بالغرب الكافر الذي يمارس " بدعة " الديموقراطية حتى يبقى المجتمع تحت رحمتهم باعتبارهم أوصياء على الدين ويقررون باسمه في الأمور الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمدنية والسياسية وباسم " الدولة الدينية " التعمل على " تطبيق الشريعة الدينية " وكل من يخالف وصايتهم على المجتمع باسم " الدين " يعتبر "كافرا "أو "الكفر" يقتضي القتل .
وبذلك نصل إلى أن التوظيف الأيديولوجي للدين ، ما هو إلا وسيلة للتخلص من المخالفين لمؤد لجي الدين عن طريق ايجاد مبرر اقتصادي أو اجتماعي أو ثقافي أو مني أو سياسي يبرر خروج المخالف عن الدين حتى يجوز قتله وحتى يقتنع الناس بذلك القتل الذي يعتبرونه " شرعيا " وبذلك تصبح أدلجة الدين مسارا للموت المستولد. والمحقق .
وهو ما يجب أن نستنتجه من تلك الادلجة .
تربية الأجيال على أساس أدلجة الدين إعداد مستمر للمتفجرات :
وللوصول إلى تحقيق الموت المستولد من أدلجة الدين لابد من برنامج تربوي يعتمده مؤلجو الدين لإعداد الأجيال في مختلف المراحل : مرحلة الطفولة ، ومرحلة اليفاعة ، ومرحلة الشباب وهي المراحل التي تتم فيها برمجة الانتحاريين و القتلة على قبول القيام بالعمليات الانتحارية، أو القيام بقتل المخالفين.
و المادة المستهلكة في عملية التربية على قبول القيام بالعمليات الانتحارية، أو القيام بعملية القتل، لا يمكن أن تكون إلا باسم "الدين" و مختارة بدقة، و يتم تأويلها على مقاس الأهداف التي يسعى مؤدلجوا الدين إلى تحقيقها على أن يتناسب النص المختار و التأويل المحدد مع المستوى المستهدف بالتربية.
فالطفل يلزم بحفظ الآيات، و يقدم له مع الحفظ التأويل المبسط حتى لا نقول الشرح و التحليل حتى يشرع في اكتساب الاستعداد لتنفيذ أوامر "الأمير" من أجل أن ينتقل إلى المرحلة الأخرى.
و اليافع يجمع بين الإلزام بالحفظ أكثر و تقديم تأويل أعمق، و بين الشروع في القيام بالتداريب اللازمة من أجل إعدادهم للدفاع عن أنفسهم من جهة، و الاستعداد للشروع في الهجوم من جهة أخرى.
والشباب يتمرس على اكتساب منهج التأويل المستهدف للنص الديني من أجل الهجوم النظري على مختلف التوجهات المخالفة في المدارس والمعاهد والجامعات ، والعمل على إقصائهم من مختلف المؤسسات للاستفراد بها حتى وإن أدى الأمر إلى استعمال الخناجر والسيوف والهراوات والسلاسل . والمرور من هذه المراحل على التوالي يجعل " التربية " التي يخطط لها وينفذها مؤد لجو الدين تقف وراء إعداد الشباب المستعد لتنفيذ الاوامر التي يصدرها الأمراء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة حتى وإن كانت تلك الأوامر تستهدف تفجير النفس وسط حشد كبير من الناس إرضاء لإرادة الأمير وسعيا وراء مطلب الجنة الخالدة . وهو يجب استحضاره بدقة متناهية في التعامل مع مؤدلجي الدين مهما كان توجههم لأنه ليس فيفي القنفد أملس . ولأن مؤدلجي الدين يختلفون في تقدير شروط قيامهم بعمل معين .أما اعتدالهم أو سلامهم فغير وارد ، لأن الاعتدال والسلام يتناقضان مع ادلجة الدين وهذا التناقض هو الذي يقودنا إلى القول بأن مؤلجي الدين منتجون جميعا لفكر الإرهاب والاستئصال الذي يستهدف كل ما خالف ، ومن خالف مؤدلجي الدين .
والإعداد التربوي يستهدف ثلاث مستويات :
المستوى الأول : الإعداد الجسدي يقتضي التداريب التي تجعل المستهدف قادرا على كل الأعمال التي يؤمر بالإقدام عليها .لأن جسده يروض على مختلف الحركات الرياضية التي ترفع مستوى الأداء لجعله قادرا على اقتحام كل الصعوبات ودرء الإكراهات .
والمستوى الثاني : الإعداد العقلي الذي يجعل المستهدف بالتربية قابلا لإلغاء استخدام العقل حتى لا يعيد النظر في الأوامر التي يتلقاها ، وذلك عن طريق التربية على أدلجة الدين التي تجعل العقل لا يتجاوز حدود الأدلجة إلى ما سواها من التفكير.
والمستوى الثالث : الإعداد النفسي والوجداني عن طريق الشحن بشيئين متواليين :
الشيء الأول هو جعل المستهدف يكره ويحقد على غير مؤدلجي الدين مع الاستعداد لتصفيتهم جسديا كل ما أمكن ذلك .
والشيء الثاني جعله يحلم ب "جزاء " الله له ب" الجنة بعد قيامه بعملية انتحارية يعتبرها هو عملية استشهادية . مما يجعله اكثر رغبة في القيام بتلك العمليات .
وعندما يتم تحقيق هذه المستويات الثلاثة يتم الانتقال إلى التربية على استعمال السلاح والمتفجرات وكيفية تركيبها وطرق تعبئتها وسبل تفجيرها والتمنطق بها .حتى تصبح مؤلوفة لدى المستهدف بالتربية رضى " الأمير " التي هي من رضى الله . والفوز بالخلود في الجنة وتلك هي عاقبة من يتلقون التربية على أيدي مؤدلجي الدين الذين يسعون باستمرار إلى تعميق تلك الأدلجة حتى تؤدي دورها التربوي الرفيع المستوى .
وبذلك تصير تربية الأجيال وإعدادهم للقيام بمختلف العمليات التي تستهدف الآخر بالتضحية الجسدية مسألة أساسية بالنسبة لمؤلجي الدين لأنهم بذلك يشكلون قوة مرعبة ومرهبة ورادعة تفرض مؤدلجو الدين على المجتمع بواسطة القوة . وهو ما يجب ان يدركه الجميع . ويعملون على مقاومته بنمط آخر من التربية تعمل على إكساب الأجيال خطورة نمط التربية المؤدلج للدين .
ما العمل من أجل استعادة سلامة الدين من الأدلجة ؟
وهذه الادلجة التي عرفها ويعرفها الدين صارت تشكل خطورة على مصير الأجيال التي أصبح هاجسها هو التمنطق بالتفجيرات . والتفجر في أكثر الأماكن حيوية ، والتسبب في خسائر مادية وبشرية كبيرة يحرم منها المجتمع . فهل يمكن تخلص الدين من الادلجة ؟
و ما هي العوامل المساعدة على التخلص من أدلجة الدين ؟ و هل يتم تغيير الشروط الموضوعية المفرزة لظاهرة ادلجة الدين؟
و ما هي الخطوات التي يمكن اتباعها من اجل الحفاظ على سلامة الدين من الادلجة ؟
إن تخليص الدين من الادلجة اصبح أمرا ضروريا تقتضيه هذه الحوادث التي يذهب ضحيتها الكثير من الناس في الكثير من الأماكن من بلاد المسلمين، و غيرهم. إذا استثنينا فلسطين و العراق و جنوب لبنان حيث توجد مقاومة مشروعة للاحتلال. كما يقتصر إبعاد الدين عن الادلجة من السياسة و من الأمور التي لها علاقة بالصراع بين البشر الذي يكتسب في الكثير من الأحيان بعدا طبقيا حتى يبقى الدين سليما معافى، و حتى يلعب دوره في تغذية الإنسان بالقيم الروحية و الأخلاقية التي تساعد الإنسان على حفظ كرامته بين الناس. و كما أمكنت أدلجة الدين منذ مقتل عثمان بن عفان، و منذ قضية التحكيم بين علي و معاوية، و منذ انقسام المسلمين إلى تيارات مذهبية و سياسية، و منذ لجأ الخوارج، و باسم الدين إلى ممارسة القتل ضد مخالفيهم باسم الدين (مقتل علي مثلا)، فإنه يمكن تخليص الدين من الادلجة عن طريق استبعاد كل التأويلات الأيديولوجية قديمها و حديثها، و التخلص من الكتب و الأشرطة و الأقراص المضغوطة التي تحمل تلك التأويلات، و تجريم إقحام الدين، و حل كل الأحزاب و التيارات الموظفة للدين، و المقحمة له في الأمور السياسية الصرفة. لأن الدين لله وحده، و لا يجب أن نسمح باستغلاله استغلالا أيديولوجيا وسياسيا في الصراع بين التوجهات الحزبية، و في الصراع الطبقي لاستمالة الأميين و ذوي المستوى المعرفي المتدني، و المتدينين للوقوف إلى جانب مؤدلجي الدين ضد من لا يقوم بذلك.
و العوامل المساعدة على تخليص الدين من الادلجة يمكن تصنيفها في :
(1 العوامل المعرفية التي تقتضي التعامل مع المعارف المختلفة على أنها حق للجميع باعتبارها معارف إنسانية بقطع النظر عن الجهة التي أنتجت تلك المعرفة، و سواء كانت معرفة علمية أو أدبية أو فنية أو فلسفية أو عقائدية. لأن كل تلك المعارف تتحول إلى معارف انسانية من حق كل واحد أن يحتك بها على خلاف ما يذهب إليه مؤدلجوا الدين الذين يحاربون كل المعارف باعتبارها معارف علمانية غربية تساعد على نشر "الكفر و "الإلحاد" لصالح معرفة أدلجة الدين الوحيدة و الواحدة التي تعمل على نشر "الإيمان" بين الناس. و الواقع أن مؤدلجي الدين يحاربون مختلف المعارف لكونها ذات حمولة تنويرية، و لدورها في الحد من تأثير أدلجة الدين في الأوساط الجماهيرية .
(2 العوامل الأيديولوجية التي تقتضي التعامل مع مختلف الأيديولوجيات على أساس المساواة فيما بينها باعتبارها تعبيرا طبيعيا عن المصالح الطبقية، سواء تعلق الأمر بالأيديولوجية الإقطاعية، أو بالأيديولوجية البورجوازية، أو بأيديولوجية البورجوازية الصغرى أو بأيديولوجية الطبقة العاملة بشرط أن تبقى الأيديولوجيات بعيدة عن توظيف الدين الذي يجب استبعاده عن الادلجة حتى لا يتحول إلى دين لطبقة معينة ضد سائر الطبقات. و مؤدلجو الدين يرون ضرورة إقصاء كل الأيديولوجيات باعتبارها أيديولوجيات واضحة لتبقى أدلجة الدين وحدها مكتسحة للساحة، و هو ما يجب تسجيله من اجل استحضاره في العمل على إعادة الاعتبار لمختلف الأيديولوجيات.
(3 العوامل السياسية التي تقتضي دعم العمل الحزبي المؤطر للجماهير الشعبية على أساس المساواة بين الاحزاب بقطع النظر عن كونها مشاركة في البرلمان أو غير مشاركة. نظرا للدور الذي تلعبه في جعل الجماهير المختلفة الانتماءات الطبقية تمتلك وعيا معينا يتناسب مع انتمائها الطبقي يقودها إلى البحث عن الوسائل التي تمكنها من الانخراط في الصراع الطبقي بأسلوب ديمقراطي بخلاف ما يراه مؤلجوا الدين الذين يسعون إلى إلغاء جميع الأحزاب ليبقى الحزب "الإسلامي" وحده سيدا في الساحة عن طريق توظيف الدين لتكفير كل من له علاقة بحزب معين بدعوى أن كل الأحزاب هي أحزاب للشيطان، و أن الحزب "الوحيد" و "المشروع" هو "حزب الله". لذلك نجد أن دعم الأحزاب ماديا و معنويا في مقابل منع استغلال الدين من قبل حزب معين يعتبر أمرا ضروريا و أساسيا لتخليص الدين من الادلجة.
(4 العوامل الاقتصادية التي تقتضي إعادة النظر في الاختيارات الاقتصادية القائمة نظرا لما خلفته من كوارث على مصير المجتمع، و تعويضها باختيارات بديلة تسعى إلى تحقيق العدالة الاقتصادية بين أفراد المجتمع عن طريق أجور عادلة لمتطلبات الحياة، و تشغيل العاطلين، و التحكم في الأسعار، و توزيع الأراضي على الفلاحين الصغار و المعدمين و تقديم الدعم للمقاولات الصغرى، و المتوسطة نظرا للدور الذي تلعبه في توزيع الثروة بين أفراد المجتمع، و القضاء على الاقتصاد المهمش، و غير المنظم في إيجاد نظام تجاري يضمن الرواج العادل لبضائع مختلف الجهات حتى لا يتم استهلاك سلعة على حساب سلعة أخرى مما يؤدي إلى تكديس الثروات، و إيجاد نظام بنكي يستجيب لحاجة المجتمع إلى تنمية اقتصادية مستدامة. كل ذلك على خلاف ما يدعو إليه مؤدلجوا الدين الذين يجرمون الكثير من المظاهر الاقتصادية في مقابل تشجيع الاقتصاد الهامشي الذي يخدم مصالحهم بعيدا عن المراقبة. و هو ما يجب التصدي له عن طريق الحد من اثر ذلك الاقتصاد المهمش، و دعم كل أشكال التحديث، مهما كان مصدرها بشرط أن تقدم على أساس تحقيق العدالة الاقتصادية بين جميع أفراد المجتمع الذين يطلب منهم الإخلاص في عملية الإنتاج و العمل على تطويره.
(5 العوامل الاجتماعية التي تقتضي إعادة النظر في الاختيارات الاجتماعية القائمة حتى تتحول إلى اختيارات تتحقق في إطارها العدالة الاجتماعية في مجالات التعليم و الصحة و السكن و التشغيل و الحماية الاجتماعية، و هي أمور يعتبرها مؤدلجوا الدين مضمونة فيما يشرعه دين معين، و كأن الدين الذي يعتمد على الإيمان جاء لحل مختلف المشاكل الاجتماعية التي تتغير بحسب الأمكنة و الأزمنة، و تلتصق بالشروط الذاتية للأفراد، و الشروط الموضوعية للمجتمعات، مما يجعلها بعيدة عن توجيه النص الديني، و أكثر ارتباطا بالاختيارات القائمة، هل هي اختيارات إقطاعية، أو اختيارات رأسمالية أو رأسمالية تابعة، أو تداخل كل هذه الاختيارات في نمط معين من الاختيارات التي تنهجها الدولة لارضاء جميع المستفيدين من الاستغلال، و لذلك فإعادة النظر لا تعني بالنسبة إلينا إلا جعل الاختيارات القائمة في خدمة الغالبية العظمى من الشعب لقطع الطريق أمام مؤدلجي الدين.
(6 العوامل الثقافية التي تقتضي إتاحة الفرصة أمام مختلف المكونات الثقافية التي تلعب دورها في جعل الناس يتشبعون بالقيم الإيجابية المحققة لوحدة المجتمع و ديمقراطيته و تقدمه، و هو ما يعتبره مؤدلجوا الدين مخالفا للدين، حتى يبقى المجتمع متشبعا بالقيم الواحدة و الوحيدة الناجمة عن ترويج أدلجة الدين حتى ينقاد المجتمع لمؤدلجي الدين، و مواجهة أدلجة الدين لا يكون إلا بضمان تفاعل مختلف المكونات الثقافية التي يعتبر الدين أحدها لانتاج القيم المناهضة لادلجة الدين الرامية إلى بناء اختيارات ثقافية جديدة على أنقاض الاختيارات القائمة، و المستمدة هي نفسها، و في جانب كبير منها من أدلجة الدين من وجهة نظر الطبقة الحاكمة.
(7 العوامل السياسية الرامية إلى إعطاء الحق للشعب لتطوير مصيره من خلال المصادقة على دستور يضمن سيادته و قوانين انتخابية تضمن نزاهة الانتخابات، و إجراء انتخابات حرة و نزيهة، و تكوين حكومة من الأغلبية التي تفرزها صناديق الاقتراع حتى تنكب على معالجة المشاكل الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية بما يخدم مصلحة الغالبية العظمى من الشعب، غير أن مؤدلجي الدين لا يرون ذلك، بل يعتبرونه "كفرا" و "إلحادا" و في مقابل ذلك يدعون إلى قيام "الدولة الإسلامية" التي تكون فيها "الحاكمية" لله و يعملون على "تطبيق الشريعة" المستمدة من الدين، و لا مجال عندهم لشيء اسمه تقرير المصير الذي يدخل في إطار التدخل في "مشيئة الله" و "قدره" التي يفرض مؤدلجو الدين وصايتهم عليها، و لذلك وجب تصدي القوى السياسية المخلصة للشعب لمؤدلجي الدين حتى لا يحولوا المجتمع إلى قنابل موقوتة تتفجر وقت الحاجة.
و بهذه الخطوات يمكن أن نعمل على تخليص الدين من الادلجة و خاصة إذا ربطنا بين الاقتصادي و الثقافي و السياسي حتى تكون المعالجة شمولية، و مؤثرة في الواقع لتسحب البساط من تحت أرجل مؤدلجي الدين، و تعويض أيديولوجيتهم بالترويح لأيديولوجيات أخرى ترتبط بالمصالح الطبقية، و تعبر عنها بعيدا عن الدين الذي يجب أن يبقى بعيدا عن الاستغلال الأيديولوجي.
و للحفاظ على سلامة الدين من الادلجة نرى ضرورة العمل على :
(1 التدقيق في النصوص الدينية لاستبعاد كل الأقوال التي تسمح بتلك الادلجة مع الاحترام التام للكتب السماوية التي تثبت صحتها.
(2 القيام بالقراءة النقدية للكتب التي تؤدلج الدين من اجل تفنيد الادلجة التي ترد فيها مع تحري الموضوعية و الدقة في رصد ادلجة الدين.
(3 إخضاع المطبوعات للمراقبة حتى لا تستمر المطابع في إخراج المطبوعات المؤدلجة للدين.
(4 مراقبة المطبوعات الوافدة من الدول المؤدلجة للدين.
(5 إعادة النظر في البرامج الدراسية لإزالة ما له و ما عليه.
(6 تشجيع الحركة التنويرية حتى تلعب دورها في جعل الناس يتحصنون ضد أدلجة الدين.
(7 تشجيع الإنتاج التنويري على جميع المستويات الادبية و الفكرية و الفلسفية و الفنية و النقدية حتى يلعب ذلك الإنتاج دوره في تنوير الناس.
(8 إعادة النظر في أثمنة المطبوعات التنويرية لنشر عادة القراءة بين الشباب.
(9 إنشاء مكتبات عامة في كل المدن الصغرى إلى جانب إنشاء مكتبات عامة في أحياء المدن الكبرى.
(10 اشتراط توفر دور الشباب و دور الثقافة و المدارس و الإعدادات و الثانويات على خزانات خاصة بها.
(11 اشتراط إتقان التعامل مع أجهزة المعلوميات في الحصول على الباكالوريا.
(12 اشتراط القيام ببحث نظري في موضوع تنويري أو فكري أو فلسفي للحصول على شهادة الباكالوريا.
و بذلك نصل إلى أن استعادة سلامة الدين من الادلجة يقتضي الوعي بخطورة تلك الادلجة، و تكاثف كل الجهود من اجل مناهضتها جماعيا حتى يصير الدين كما بدأ بعيدا عن الأيديولوجية، و تصير الأيديولوجية مرتبطة بالصراع الطبقي كتعبير عن مصالح كل طبقة على حدة، و يبقى الشباب بعيدا عن الشحن، و عن الادلجة الدينية، و عن الرغبة في التحول إلى متفجرات.
ما العمل من أجل إعداد أجيال غير قابلة للتفجير :
و لإعداد أجيال غير قابلة للتفجير لابد أولا من دراسة واقع تلك الأجيال دراسة موضوعية من اجل الوقوف على الحاجيات الضرورية لتلك الأجيال، سواء تعلق الأمر بالاقتصاد أو الاجتماع و الثقافة أو التربية أو السياسة. و العمل على إنضاج شروط تلبية تلك الحاجيات، و بالوسائل المختلفة.
و الانطلاق من الواقع يقتضي :
(1 إنضاج شروط تربية بديلة عن طريق تنشيط الجمعيات التربوية التي يفترض فيها أن تكون على بينة من النظام التربوي السائد الذي يجب أن يتم إخضاعه للمساءلة النقابية من قبل الجمعيات المختلفة حتى تتبين مداخل النقض الذي يعتبر ضروريا لتكريس تربية بديلة، لأن النظام التربوي السائد يهدف إلى إنتاج نفس التشكيلة الاقتصادية و الاجتماعية المكرسة لنفس الاختيارات الاقتصادية و الاجتماعية.
و الجمعيات التربوية المهتمة ببناء نظام تربوي بديل يجب أن تكون مبدئية : ديمقراطية، و تقدمية، و جماهيرية، و مستقلة، حتى تستطيع بناء تصور مبدئي يستعدي الجماهير المعنية به و على جميع المستويات.
(2 وضع برنامج تربوي أو برامج تربوية مناسبة لجميع المستويات، سواء تعلق الأمر بالأطفال أو اليافعين أو الشباب أو الكبار.
فالبرامج المتعلقة بتربية الأطفال يجب أن تستهدف بناء تصور متكامل للتنشئة الجديدة يكون نقيضا و ناقضا لتصور التنشئة المتبع في النظام التربوي الرسمي الذي على أساسه يتم وضع البرامج التي يتم الالتزام في إطار الجمعيات المهتمة بتنشئة الطفولة حتى تتشبع الطفولة في نشأتها على الممارسة الديمقراطية بمفهومها الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي.
و البرامج المتعلقة باليافعين تستهدف التزام الجمعيات بجعل المستهدفين يتمثلون الممارسة الديمقراطية في سلوكهم على جميع المستويات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية في مختلف معاملاتهم اليومية لجعل الأجيال السابقة على اليافعين تنتبه إلى ضرورة تمثل القيم الديمقراطية كحل للواقع المزري الذي يعاني منه المجتمع بسبب تمثل قيم غير ديمقراطية.
أما البرامج المتعلقة باليافعين فتقتضي إعداد الشباب للانخراط في النضال الديمقراطي من بابه الواسع عن طريق المطالبة بالتشغيل، و العمل على تحقيق التوزيع العادل للثروة، و المطالبة بتعميم التعليم، و إتاحة الفرصة لجميع الناس من اجل الاستفادة من مختلف الخدمات كالصحة و السكن و النقل. و العمل على التعامل مع مختلف المكونات الثقافية على أساس المساواة فيما بين الرجل و المرأة في العادات و التقاليد و الأعراف، و في القوانين التي يجب العمل ملاءمتها مع المواثيق الدولية، و العمل على مساواة جميع الناس أمام القانون، و تمتيعهم بنفس الحقوق، و نفس الواجبات، و العمل من أجل دستور يضمن سيادة الشعب، و إجراء انتخابات حرة و نزيهة، و تكوين حكومة تفرزها صناديق الاقتراع حتى يجد الشباب نفسه في صلب المعركة الديمقراطية التي ينتظر منه أن يلعب فيها دورا رائدا.
أما البرامج المتعلقة بالكبار، فتقتضي نقض التربية التي تسري في سلوكهم، و العمل على إعادة تربيتهم على أسس ديمقراطية حقيقية. و الدفع بهم في اتجاه الانخراط في النضال الديمقراطي الحقيقي إلى جانب الشباب من اجل مستقبل تتوفر فيه شروط الحياة الكريمة، و تتحقق فيه كرامة الإنسان.
(3 العمل على إيجاد الحلول للمشاكل القائمة في المجتمع، كمشكل الاقتصاد، و الاجتماع، و الثقافة و السياسة، لأن إيجاد الحلول لمختلف المشاكل سيساعد على إعادة النظر في النظام التربوي السائد الذي يقف وراء نمو التطرف اليميني، و بروز مؤدلجي الدين بشكل سافر. فالمشاكل القائمة في الواقع تغيب الناس عن التفكير في الواقع نفسه. لذلك يصعب العمل على إيجاد نظام تربية بديل يقتضي تطوير الواقع و تنميته، و التغلب على المشاكل المحتملة.
(4 تقديم الدعم اللازم و المشروط بالوضوح في العمل عن طريق تقديم البرامج الواضحة التي يجب إخضاعها للمراقبة إلى الجمعيات التي تقدم تلك البرامج، و العاملة على تنفيذها حتى تتجاوز الجمعيات وضعية التمويل الذاتي الذي لا يرقى إلى مستوى طموحاتها في تغيير الواقع إلى الأحسن.
(5 تقديم الدعم إلى جميع الأحزاب، و على أساس المساواة فيما بينها. سواء كانت مشاركة في الانتخابات أو غير مشاركة حتى تقوم بدورها كاملا في تأطير الجماهير انطلاقا من أيديولوجياتها، و من برامجها السياسية، و بناء على مواقفها السياسية من الأوضاع الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية. و تجنبا لكل ابتزاز تمارسه الدولة على الأحزاب السياسية للانخراط في تنفيذ مخططاتها في مختلف المجالات و سعيا إلى تحقيق ديمقراطية حقيقية من الشعب و إلى الشعب.
(6 احترام القواعد الديمقراطية في الممارسة اليومية للأجهزة الحكومية، و على جميع المستويات لإرجاع الثقة بالنفس إلى المواطنين حتى يتمكنوا من الإقدام على الانخراط في الحياة السياسية و النقابية و الجمعوية، باعتبار تلك الحياة وسيلة الأوضاع الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية حتى تتحقق الحرية و الديمقراطية و العدالة الاجتماعية كأهداف سامية تسعى البشرية إلى تحقيقها على المدى البعيد.
و بذلك نصل إلى إعداد أجيال من جميع الأعمار و بمستوى عال من النضج و الثبات، لا تقبل أبدا أن تكون مجالا لإشاعة أدلجة الدين، و لا لاستقطاب مؤدلجي الدين، و لا تقبل أن تتحول إلى متفجرات.
الدين/الإنسان أو العمل على حب الحياة :
و بوجود أجيال غير قابلة للتفجير يتحول الدين إلى شيء آخر لا علاقة له بالأدلجة، و لا يقبل التأدلج، و لا يسمح بإفراز مؤدلجيه، و هو ما سيعطي صورة مختلفة عن الدين الذي يتحول فعلا إلى إيمان يقود إلى تقديم الشكر لله الذي بعث رسله إلى الناس من اجل حثهم على القيم التي تجعلهم يحرصون على حفظ كرامتهم مما يجعل الدين تعبيرا عن كيان الإنسان و روحه، و الإنسان تعبيرا عن الحامل لذلك الكيان، و تلك الروح.
وبناء على هذا التداخل نجد :
(1 أن الدين باعتباره تعبيرا عن كيان الإنسان و روحه يجعل الإنسان يحترم دينه أولا، و يعتبره وسيلة لتقديم الشكر لله الذي لا يحتاج إلى العبادة، لأنه في غنى عنها، و هو الغني، بقدر ما تقتضي إرادته أن يكون الإنسان متشبعا بالقيم الدينية حتى يتوقف أو يبتعد عن القيام بالممارسات التي تسيء إلى كرامة الإنسان و تقف وراء كل الحروب، و النزاعات الطائفية و العرقية و المذهبية التي لا علاقة لها بالصراع الطبقي الذي تقتضيه تشكيلة اقتصادية – اجتماعية معينة.
(2 و أن الإنسان بحكم انسانيته، فإنه يحرص على تشبعه بالقيم الدينية. و ما ذلك إلا لعلاقة الدين بالإنسانية باعتبارهما معا مجموعة من القيم الروحية التي تكون ملازمة للإنسان باستمرار، سواء كان متدينا أو غير متدين لأنه لا يمكن أن يوجد بدون قيم روحية. و بناء على ذلك، فكل القيم الدينية غير المؤدلجة هي قيم إنسانية، و القيم الإنسانية يمكن أن تصير قيما دينية، و الدين لا يكون إلا في الحياة، و الإنسانية كذلك لا تكون إلا في الحياة و لا تكونان خارجها، و بعيدا عن ديناميكيتها.
و بذلك يصير حب الحياة عملا دينيا، و يصير كذلك عملا إنسانيا. فحب الحياة بهذا المعنى سعي مستمر إلى تحقيق العدالة التي يراها المتدين عدالة الله في الأرض، و يراها المتشبع بالقيم عدالة إنسانية أو اجتماعية، كما أن حب الحياة سعي إلى تحقيق الحرية عن طريق إخلاص العبادة لله وحده دون سواه، و بدون عناية تذكر. و التحرر من عبودية غير الله حتى يساهم الإنسان في الإبداع على جميع المستويات العقلية و الوجدانية و الجسدية للمساهمة في ازدهار الحياة التي تعتبر منبعا لتجديد القيم و تطورها لأنه لا شيء ثابت على الإطلاق، كما أن حب الحياة سعي مستمر إلى تحقيق الديمقراطية التي يبني الإنسان حياته الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية كما يريدها هو و في إطار إرادة الشعب الذي يحرص على تقدمه و تطوره، دون أن يكون ذلك التقدم أو التطور خروجا عن الدين الذي يدفع من خلال نصوصه إلى التدبير و إعمال العقل، و التقرير في أمورنا بما يخدم مصلحتنا نحن البشر. و ما ذلك إلا لأن الدين يريد منا أن نحب الحياة، و أن نتمسك بجماليتها التي تكمن في تحقيقنا لحريتنا، و ديمقراطيتنا، و عدالتنا الاجتماعية. فالدين و الإنسانية لا يترجمان معا إلا بحب الحياة. و الحياة الجميلة لا تكون إلا مجالا للفيض الروحي : الديني و الإنساني الذي يعمل على تحقيق انسجام مع نفسه، و انسجام الجماعة، و انسجام الشعب الذي يعمل على تحقيق انسجام الإنسان مع نفسه، و انسجام الجماعة، و انسجام الشعب الذي يعمل على بلورة مجموع أفراده جسدا واحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر و الحمى. و ممارسة واحدة من هذا النوع تعد تجسيدا للمواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية.
و على أساس هذا التلازم في القيم ينتفي التناقض الذي يدعيه مؤدلجو الدين بين الدين من جهة، و بين المواثيق الدولية من جهة أخرى. و يصبح الدين وسيلة لتغذية روح الانسان الذي يستميت من اجل تحقيق إنسانيته التي تساعد على تحقيقها القوانين و التشريعات المتلائمة مع المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان.
فهل يمكن القول أن الدين ليس عملا على حب الحياة ؟
و هل يمكن القول أن حب الحياة يمكن أن يتحقق إذا لم تتلاءم القوانين مع المواثيق الدولية ؟
و هل يمكن بعد هذا ادعاء أن الدين يتناقض مع محتويات المواثيق الدولية ؟
و هل يمكن اعتبار العمل بمضامين تلك المواثيق مسيئا إلى الدين ؟
إنها تساؤلات اقتضتها المعالجة التي نتوخى من وراءها إخضاع كل شيء إلى إعادة النظر من اجل استخلاص ما يجب، و في أفق تحقيق حفظ كرامة الإنسان المتدين و غيره. و في أفق جعل تلك الكرامة حاضرة في القوانين و في المعاملات وفي المعتقدات تجنبا لكل ممارسة للتطرف باسم الدين حتى لا يصير الدين تعبيرا عن المصالح الطبقية.
|