العودة اليها تتطلب استراتيجية خروج مختلفة
معضلة غزة
امير اورن
اللواء نير بارس يشغل احد المناصب الاكثر احباطا في الشرق الاوسط ـ رئيس ادارة التنسيق والارتباط في الجيش الاسرائيلي في ايرز. ليس هناك اي شيء حلو المذاق في هذا المنصب. بارس ـ يعمل علي منع حدوث كارثة انسانية كبيرة في غزة وفي نفس الوقت دفع الغزاويين الي اتهام حماس بالضائقة التي يعانون منها.
عليه ان يقنع القيادة العسكرية بضبط النفس وعدم استخدام القوة من اجل حاجة ميدانية ملحة من اجل احتمالية معينة لمستقبل اكثر هدوءا بعد جيل او اثنين ـ وتجسيد ثمن الخسارة الذي يدفعه الفلسطينيون بسبب قبولهم بالسماح للمنظومة الصاروخية بالعمل من بين صفوفهم.
في الشهر الماضي خرج بارس في حملة اعلامية في مقر الامم المتحدة في نيويورك. المستمعون من ممثلي الدول والمسؤولون في الامم المتحدة ابدوا الاهتمام الا انهم ردوا عليه بعجز وضعف. من المقدر للجمل ان يظل حاملاً حمله الثقيل وليس من الممكن الا ابعاد القشة الاضافية منه فقط في الوقت الحاضر. هذا الوقت يقوض بسرعة اندفاعية مساعي الضبط التي يبذلها الارتباط في المناطق. ادارة الارتباط في ايرز تتمحور حول دق اسفين بين السكان الذين يتحملون المعاناة وبين قيادة اسماعيل هنية اللامبالية التي تبلور نوعاً من الاستبداد الذي ميز حكم فتح. أذرع اسماعيل هنية الامنية اطول انفاً من انف اذرع ياسر عرفات.
الفلسطينيون سمعوا من اللواء احتياط بارس ان الخيارات المتمثلة امامهم هي ازهار للتصدير او قذائف راجمات و توت او قسام . هم يعرفون ان استعدادات المزارعين لاستغلال عام العزوف عن الزراعة اليهودية قد سقطت ضحية للارهاب وتحولت الي خسارة كبيرة في الوقت الذي ارتفعت فيه اسعار الخيار والبندوره في تل ابيب وصولا الي (10) شواقل للكيلو الواحد.
تسببت هجمات حماس علي المعابر الحدودية باغلاقها واغرقت غزة بالصناديق التي يبلغ سعرها خمسة شواقل وفي كل واحد منها 14 كيلوغراما. هناك منطق في جنون الهجمات علي شريان الحياة: خنق المعابر مع اسرائيل سيزيد الضغوط لفتح معبر رفح. ليس من اللطيف والمريح الاعتراف الا ان المعطيات تشير الي ان الاحتلال الاسرائيلي قد احسن مع غزة.
المدي العمري البالغ 48 سنة في حرب حزيران (يونيو) اصبح اليوم اكثر من 72 سنة اكثر من المدي العمري في مصر التي لم تمل الي التكرم معهم إبان حكمها العسكري للقطاع وفقا لدراسة دانيال نداف من وزارة الدفاع بإدخال المنظومة الطبية الإسرائيلية للصواريخ مروراً بالرحيل عن محور فيلادلفيا وانتهاء بالاهمال الذي تسبب في فقدان الاتصال المباشر بالعين مع خاطفي شاليط لعدم استخدام نقطة ووسائل مراقبة دائمة.
قضية مواجهة الصواريخ ما زالت حتي اليوم مسألة موارد واولويات رغم ان استخدام التكنولوجيا المتطورة المكلفة قادر علي تقليل الخسائر بالارواح الي غزة، واستقبال المستشفيات الإسرائيلية للمرضي الفلسطينيين ادي الي هبوط حاد في نسبة الوفيات من المسنين الي الرضع. كانت لهذا التطور الايجابي نتائج سلبية ايضا ـ الاكتظاظ المتزايد النابع من التكاثر الطبيعي والامراض الاكثر انتشاراً في التجمعات التي غيرت عاداتها الاستهلاكية وتقدمت في السن. (في 1967 كان هناك 60 الف غزاويا مسن).
لا يتوجب ان يكون هناك شك بعد ثلاث سنوات من اخلاء غزة من مستوطنيها: الجلاء العسكري فشل وان كان الجلاء المدني ضروريا لأن الاستيطان كان مرفوضا من اساسه. غزة هي نصب للفشل المستمر الذي وقعت فيه جهات الدفاع من الاستخفاف الطويل في الاستثمارات البحثية والتنمية والتزويد بوسائل اعتراضية تبددت نقطة اللاعودة التي امل دعاة الجلاء عن غزة في وضعها.
بدلا منها جاءتنا نقطة اللاعودة في الاتجاه المعاكس ـ العودة الي غزة. الثمن السياسي الذي طالب به شارون موافقة بوش علي ابقاء الكتل الاستيطانية في الضفة مع تفسير مبهم للموافقة الامريكية علي توسيعها وسرعان ما سنتلاشي مع صعود ماكين او اوباما الي سدة الحكم. شروط حماس لوقف اطلاق النار لا تقترب من الشروط الإسرائيلية.
الدخول العسكري الي غزة يراوح في مكانه حتي الان لأن الجيش طالب المستوي السياسي ببلورة استراتيجية خروج اولا. الان كفت هيئة الاركان عن انتظار ذلك. ان كان فك الارتباط استراتيجية الخروج من غزة، فالخطة الوحيدة التي يبلورونها الان فعلا هي استراتيجية الخروج من استراتيجية الخروج.
هآرتس 19/5/2008
نقلاً عن القدس العربي