رد: مراحل الادب العربي وتطوره
الفصل الخامس: عصر صدر الاسلام و الخلفاء الراشدين
نبذة من حياة النبي صلى الله عليه و آله
ولد نبينا محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب صلى الله عليه وآله في الثاني عشر من ربيع الاول عام الفيل ، اي في سنة 570 (1) ميلادي ، ونشا فيها يتيما . وفي السنة السادسة من عمره توفيت امه آمنة . ولما بلغ الخامسة والعشرين من عمره ، تزوج من خديجة بنتخويلد . وفي الاربعين من عمره الشريف اختاره الله سبحانه وتعالى لاداء رسالته وبعثه رسولا الى الناس اجمعين . وبعد ضيق واضطهاد امره الله سبحانه وتعالى ان يهاجر الى يثرب .
يثرب بعد وفاة الرسول الاعظم صلى الله عليه و آله:
في المدينة (يثرب) اصبح الاسلام دولة والمسلمين امة . بعدها توفي الرسول صلى الله عليه وآله وعقدت السقيفة ، فبايعوا ابا بكر عبدالله بن ابي قحافة والرسول لم يدفن . قضى ابوبكر سنتين في الخلافة ، وخلف ابو بكر بالخلافة عمر بن الخطاب الذي دامتخلافته عشرسنوات ، بعده عثمان بن عفان الذي مكث في الخلافة اثنتي عشرة سنة .
وعندما قتل تولى الخلافة علي بن ابي طالب عليه السلام ، فاستمر الاضطراب ونشب الخلاف حتى استشهد في محرابه سنة 40ه ، اي في سنة 661 ميلادي .
لقد جاء الاسلام ليضع حدا للعصر الجاهلي بتفكيره الوثني وباعرافه وتقاليده التي لا تنسجم مع مبادئ الدين الجديد الا ان بعض مؤرخي الادب يغمضون اعينهم عن هذا الجانب لذلك كانت نتائج انبثاق الاسلام هو القضاء على العصبية القبلية وجعل المسلمين اخوة ، لا فضل لاحدهم على الآخر الا بالتقوى .
كما حاول القضاء على الفروق الاجتماعية بالزكاة . كما اتجه المسلمون اتجاها عقليا جديدا ، ابتعدوا عن الخرافات ، ثم اخذوا بالتفكير في معالجة امورهم .
وقد تميز شعر هذه الفترة بالقوة والحرارة في مشاعرهم الدينية والصدق والصراحة في التعبير والوضوح والسهولة ، وتاثرت معانيه وصياغته بالقرآن الكريم وفي السنة الشريفة .
تاريخ الادب في هذا العصر:
ويتضمن تاريخ الادب بالنسبة لهذا العصر:
1- الكتاب (القرآن الكريم) .
2- السنة الشريفة ، وتشمل حديث رسول الله صلى الله عليه وآله ، واحاديث اهل البيت عليهم السلام .
1- القرآن الكريم: هو كلام الله العزيز ، نزل على رسوله الكريم صلى الله عليه وآله منجما . وقد شمل ذكر قصص الامم السابقة والمواعظ ، اضافة الى الاحتجاج والحكم والاحكام والوعد والوعيد . اذن فهو يشمل اصول الدين (من ايمان بلله وبالرسول وبالمعاد) واصول الاحكام (من عبادات ومعاملات) .
فالقرآن كان من اهم عوامل توحيد اللغة والتي ادت الى حفظ اللغة العربية حية وعمرت طويلا . وهذا الفضل يعود للقرآن الكريم .
فقد احكمت آياته ، فهو آية الله الدائمة ، ومعجزته الخالدة ، لا ياتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وهو الكتاب الوحيد المصون والمحفوظ من التحريف ، والخالد لجميع العصور البشرية ، عكس الانجيل الذي حرف .
(قل لئن اجتمعت الانس والجن على ان ياتوا بمثل هذا القرآن لا ياتون بمثله ولو كان بعضهم لبعضظهيرا) (2) .
كما احدث القرآن الكريم علوما وفنونا شتى ، منها اللغة والنحو والصرف والقصة والعروض . . . والى غير ذلك .
2- السنة الشريفة: وتشمل حديث رسول الله صلى الله عليه وآله واقوال الائمة عليهم السلام .
ا - حديث رسول الله صلى الله عليه وآله:
هو المصدر الثاني من مصادر معرفة الشريعة الاسلامية بعد القرآن الكريم ، وقد امر الله سبحانه وتعالى باتباع الرسول قال عز من قائل: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) (3) ، كما قال سبحانه: (اطيعوا الله واطيعوا الرسول واولي الامر منكم) (4) . لقد امتازت سيرة الرسول صلى الله عليه وآله باخلاق فاضلة من صدق الحديث والامانة حتى سموه بالصادق الامين ، وكانت تتجلى بالحلم والصبر والعدل والتواضع والجود والشجاعة ، فالحديث ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله من قول قاله وكل ما وضحه وفصله لما جاء موجزا او مجملا في النصوص القرآنية ، والحديث ذو بلاغة رفيعة وروعة بيان ، كما كان اثره في اللغة والادب اذ وسع المادة اللغوية بادخال الفاظ فقهية ودينية وتعبيرات جديدة . وكان صلى الله عليه وآله افصح قومه لسانا ، وارجحهم عقلا ، واصحهم فهما ، واعظمهم امانة ، واصدقهم حديثا ، واكثرهم اتصافا بمكارم الاخلاق . ومن احاديثه صلى الله عليه وآله:
1- «ادبني ربي فاحسن تاديبي» (5) .
2- «المسلم من سلم الناس من يده ولسانه» (6) .
3- «انما بعثت لاتمم مكارم الاخلاق» (7) .
4- «اتقوا دعوة المظلوم وان كان كافرا» (8) .
5- «اد الامانة الى من ائتمنك، ولا تخن من خانك» (9) .
ب - اقوال امير المؤمنين علي عليه السلام:
هو علي بن ابي طالب عليه السلام; ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله وزوج ابنته الزهراء عليها السلام ، ولد في الكعبة ، وهو اول من آمن برسالة النبي صلى الله عليه وآله ، وكان افصح الناس في البيان وآية البراعة ، فهو امام الفصاحة وسيد البلغاء بعد سيد الانبياء عليه السلام ، وفي حقه قال الرسول الاعظم صلى الله عليه وآله: «علي باب علمي» (10) ، كما قال: «اكثر الصحابة علما» (11) وزهدا وشدة في الحق بعد رسول الله صلى الله عليه وآله ، والذي يطلع على نهج البلاغة يلاحظ عوالم عديدة ، عالم الزهد والتقوى والعرفان والعبادة والحكمة والفلسفة والنصح والموعظة والملاحم والمغيبات والسياسة والمسؤوليات وعالم الشجاعة وخاصة في الكنز الثمين في عهده عليه السلام لمالك الاشتر النخعي ، حيث كان اسم علي يتردد على لسان كل مظلوم حصنا يفزع اليه كل ضعيف ، ومن اقواله عليه السلام:
1- «الهي ما عبدتك خوفا من نارك ، ولا طمعا في جنتك ، لكن وجدتك اهلا للعبادة فعبدتك» (12) .
2- «هلك في رجلان: محب غال ومبغض قال» (13) .
3- «افضل الجهاد مجاهدة الرجل نفسه» (14) .
4- «قيمة كل امرىء ما يحسنه» (15) .
5- «اعمل لدنياك كانك تعيش ابدا ، واعمل لآخرتك كانك تموت غدا» (16) .
الفرق بين اسلوب الرسول صلى الله عليه و آله و اسلوب الامير عليه ال
سلام:
استعمل امير المؤمنين عليه السلام السجع اكثر من الرسول صلى الله عليه وآله ، والسبب في ذلك هو ان الرسول الاكرم صلى الله عليه وآله اراد ان يبعد تهمة الشعر عنه ، وان القرآن الكريم يقول:
(و ما علمناه الشعر) (17)
مع العلم ان العرب في عصر الجاهلية وصدر الاسلام بلغوا ما بلغوا من الفصاحة والبلاغة ولا ينقصهم شيئا ، فوصفوه بالشاعر ، والقرآن يذكر:
(ام يقولون شاعر نتربص به ريب المنون) (18)
وقد رد سبحانه وتعالى هذه التهمة بقوله:
(ام تامرهم احلامهم بهذا ام هم قوم طاغون ام يقولون تقوله بل لا يؤمنون فلياتوا بحديث مثله ان كانوا صادقين) (19) .
مواضيع نهج البلاغة:
يحتوي نهج البلاغة على الخطب في جميع المجالات التي تخص الدنيا والآخرة ، وكذلك يبحث في عالم التقوى والعرفان والعبادة والفلسفة والموعظة والمغيبات والحكمة والملاحم وغيرها من المواضيع الاخرى - كما مر ذلك قبل قليل - .
كما يشتمل الوصايا والعهود لنظام الحكم والادارة لعماله وعسكره بالاضافة الى ذكر صفات المخلوقات والتحذير من الفتن والدعاء والانتقاد والشكوى والترغيب والاحسان والشفقة والعلاقة بين الراعي والرعية .
وقد ترجمت وصيته لمالك الاشتر الى عدة لغات ، والتي تخص امور الحياة السياسية والدينية والاخلاقية من حيث الحاكم والمحكوم والراعي والرعية .
اذن كلماته عليه السلام كانت مرآه الروح الانسانية ، لا ترى في كلامه ركاكة ولا تعسفا ولا قلقا ولا تكلفا ، وقد اجاد صفي الدين الحلي قائلا:
جمعت في صفاتك الاضداد
ولهذا عزت لك الانداد (20)
شروحات نهج البلاغة:
1- من الشيعة:
ا - شرح الشيخ العلامة ميثم البحراني ، المتوفى سنة 679ه ، وهو من قدماء الشيعة والمعاصر للمحقق الحلي ، والشيخ الكفعمي .
ب - العلامة الشيخ ميرزا حبيب الله الخوئي ، المتوفى سنة 1324ه .
2- من السنة:
ا - شرح ابن ابي الحديد المعتزلي المتوفى سنة 655ه والذي عشق امير المؤمنين عليه السلام ، وله قول ماثور كتب على ضريح امير المؤمنين عليه السلام بماء الذهب:
والله لولا حيدر ما كانت الدنيا
و لا جمع البرية مجمع
ب - شرح الشيخ محمد عبده ، المتوفى سنة 1323ه ، شيخ الجامع الازهر ، وتلميذ السيد جمال الدين الاسدآبادي ، المتوفى سنة 1897م .
اذن ، نحن ندرس تاريخ ادب الخلفاء الراشدين من سنة 11ه ، من توطئة السقيفة وانتهاء باستشهاد امير المؤمنين عليه السلام في محرابه بالكوفة في 21 رمضان ، سنة 40 هجرية . وبدون تعصب حتى المخالف يقول: علي بن ابي طالب هو الادب وهو ابو اللغة .
نحن لا نتعصب لمذهب اهل البيت عليهم السلام لغرض ان نظلم الآخرين ، فهو عليه السلام في بعد نظره موضع استشارة الخلفاء ، وهو في عمله باب مدينة علم النبي صلى الله عليه وآله ، وقد روت العامة والخاصة قول النبي الكريم صلى الله عليه وآله: «افضلكم فمثلا سئل ابو بكر عن قوله تعالى: (وفاكهة وابا) (22) فلم يعرف معنى الاب فبلغ امير المؤمنين عليه السلام ذلك فاجاب عليه السلام: هو الكلا والمرعى (23) . وذكر في صحيح مسلم 1/232 ان شريح بن هاني قال: اتيت عائشة اسالها عن المسح على الخفين فقالت: عليك بابن ابي طالب فساله» (24) .
كما نقل عن انس ان عمر بن الخطاب ايام خلافته سئل عن تفسير الآية الكريمة:
(فانبتنا فيها حبا و عنبا وقضبا و زيتونا ونخلا و حدائق غلبا و فاكهة و ابا) (25)
قال عمر: كل هذا عرفناه فما الاب ؟ حيث جاء لامير المؤمنين عليه السلام فاجابه بان الآية التي بعدها تفسرها(لكم و لانعامكم) (26) وهو عطف للانعام (27) .
وفي مواقف كثيرة مشابهة عندما يعجز عمر عن حل بعض المسائل المستعصية كان الامام علي عليه السلام يجيب عليها ، وكان يقول: «لولا علي لهلك عمر» ، كذلك يقول: «لا عشت لمعضلة لا يكون لها ابو الحسن» (28) ، حيث نجد كثير من المصادر والمراجع المعتبرة تنقل عن ابي هريرة قول عمر: علي اقضانا (29) ، وربما يتبادر الى الذهن هل كان الامام علي عليه السلام مؤهلا للخلافة ام لا ؟ فاذا كان مؤهلا اكثر من غيره فلماذا تم الامر لغيره نتيجة لما حدث في مؤامرة السقيفة . نلاحظه عليه السلام عالج مشاكل الامة باعصاب هادئة وترك الامور تاخذ مجراها حرصا على وحدة المسلمين من التصدع .
اذن ، نحن لما نذكر ادب الخلفاء الراشدين فانا نعني علي بن ابي طالب عليه السلام فقط ، وقد قيل في وصفهعليه السلام: استغناؤه عنالكل واحتياجالكل اليه دليل علىانه امامالكل.
كما قال ابن ابي الحديد في شرحه: واما الفصاحة فهو عليه السلام امام الفصحاء وسيد البلغاء . وكذلك قال حول كلامه وفصاحته عليه السلام بعد كلام وفصاحة الرسول صلى الله عليه وآله: كلامه دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوق (30) .
نموذج من خطبة الامام علي عليه السلام الخالية من الالف:
وقد ذكر انه اجتمعت الصحابة فتذاكروا الحروف واجمعوا ان الالف اكثر دخولا في الكلام ، فارتجل عليه السلام تلك الخطبة الطويلة والخالية من حرف الالف وبدا عليه السلام قائلا:
«حمدت من عظمت منته ، وسبغت نعمته ، وسبقت غضبه رحمته ، وتمت كلمته ، ونفذت مشيته ، وبلغت قضيته .
حمدته حمد مقر بربوبيته ، متخضع لعبوديته ، متنصل من خطيئته ، متفرد بتوحيده ، مؤمل منه مغفرة تنجيه يوم يشغل عن فصيلته وبنيه .
ونستعينه ونسترشده ونستهديه ، ونؤمن به ونتوكل عليه . . . وشهدت ببعث محمد رسوله وعبده وصفيه ونبيه ونجيه وحبيبه وخليله ، بعثه في خير عصر . . . فليتضرع متضرعكم ، وليبتهل مبتهلكم ، ويستغفر كل مربوب منكم لي ولكم ، وحسبي ربي وحده . . .» (31) الى آخر الخطبة الشريفة .
نموذج من خطبة الامام علي عليه السلام الخالية من النقط:
وبعد ذلك راوا انه لا بد من وجود النقطة في الكلام ، فارتجل عليه السلام خطبة طويلة خالية من النقط ، نذكر منها بعض المقاطع:
«الحمد لله اهل الحمد وماواه ، وله اوكد الحمد واحلاه ، واسرع الحمد واسراه ، واطهر الحمد واسماه ، واكرم الحمد واولاه . . . الحمد لله الملك المحمود ، المالك الودود ، مصور كل مولود ، وموئل كل مطرود ، وساطح المهاد ، وموطد الاطواد ، ومرسل الامطار ، ومسهل الاوطار ، عالم الاسرار ومدركها ، ومدمر الاملاك ومهلكها ، ومكور الدهور ومكررها ، ومورد الامور ومصدرها ، عم سماءه ، وكمل ركامه وهمل ، وطاوع السؤال والامل ، واوسع الرمل وارمل . . . ارسل محمدا علما للاسلام ، واماما للحكام ، مسددا للرعاع . . . اعملوا رحمكم الله اصلح الاعمال ، واسلكوا مصالح الحلال ، واطرحوا الحرام ودعوه ، واسمعوا امر الله وعوه ، وصلوا الارحام وراعوها ، وعاصوا الاهواء واردعوها . . .
وله الحمد السرمد ، والمدح لرسوله احمد . . .» (32) الى آخر الخطبة .
لقد بلغ الامام علي عليه السلام القمة في المواقف العبادية والبطولية واستعداده للتضحية لتطبيق احكام الله ، كما كان آية قاهرة لله في عباده وعمد في الحرب وسيف لا يرجع الا بعد ان ياخذ قسطه من اداء الحق في سبيل الله ، فهو السيف الصادق واللسان المعبر ، ولكن بعد اعلان مؤامرة السقيفة نجده عليه السلام لزم عقر داره ، فما امتنع عن اعطاء الراي عندما كان الخلفاء يطلبون رايه ، وبنفس الوقت نجده يقول: «لولا الدين والتقى لكنت ادهى العرب» (33) . لقد ساهم بالقتال وساهم بالمشورة وساهم بدعم الاسلام لان الامر اكبر من كرسي يترجرج ويذهب بعد غد .
كان في قمة خلافته يسكن في كوخ سقفه من البواري والحصير ، وقد شاء الله لهذا الكوخ ان يتحول الى قبة شامخة من الذهب ، فقد عجز الانسان عن الوصول الى مقامه العظيم ولكن تلك الشخصية الفذة حيرت ذلك الانسان اذ يقول الصاحب بن عباد:
وقالوا: علي علا قلت: لا
فان العلى بعلي علا
ولكن اقول كقول النبي
وقد جمع الخلق كل الملا
الا ان من كنت مولى له
يوالي عليا والا فلا (34)
لقد سجل تاريخ المسلمين بصورة عامة ولادة علي بن ابي طالب عليه السلام في الكعبة ، ولم تقتصر روايته على الشيعة فقط بل رواه جمهور المسلمين بقولهم لم يولد من قبله ولا من بعده مولود قط في الكعبة ، وفي هذا المعنى يقول عبد الباقي العمري:
انت العلي الذي فوق العلى رفع
ببطن مكة وسط البيت اذ وضعا
وانتحيدرة الغاب الذي اسد
البرج السماوي عنه خاسئا رجعا
وانت انت الذي حطت له قدم
في موضع يده الرحمن قد وضعا
سمتك امك بنت الليثحيدرة
اكرم بلبوة ليث انجبتسبعا (35)
وفي مناقب ابن شهرآشوب ذكر السيد الحميري المتوفى سنة 179ه:
ولدته في حرم الاله وامنه
والبيتحيث فناؤه والمسجد
بيضاء طاهرة الثياب كريمة
طابت وطاب وليدها والمولد
في ليلة غابت نحوس نجومها
وبدا مع القمر المنير الاسعد
ما لف في خرق القوابل مثله
الا ابن آمنة النبي محمد (36)
نموذج من خطبة الزهراء عليها السلام في مسجد المدينة:
ورد عن عائشة وهي تقول: «ما رايت احدا من خلق الله اشبه حديثا وكلاما برسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم من فاطمة» (37) .
تعتبر شخصية فاطمة عليها السلام مثال المراة التي يريدها الله سبحانه وتعالى ، فهي القدوة والمثال الحلي في كل زمان ومكان ، فقد ورد في كتب الحديث والسير ان الرسول صلى الله عليه وآله كان يقول:
«فاطمة بضعة مني يؤذيني ما آذاها» (38) .
وفاطمة سيدة نساء العالمين ، ابوها رسول الله ، وامها خديجة بنتخويلد اسبق النساء الى الاسلام والايمان ، اما زوجها فهو قطب من اقطاب الفكر علي بن ابي طالب عليه السلام ، وقد انجبت ريحانتين هما الحسن والحسين سيدي شباب اهل الجنة ، لفتهما ببردة جدهما صلى الله عليه وآله .
اي وسام فريد تحمله هذه السيدة ، فهل هناك امراة من النساء تضاهيها . كان تكنى عليها السلام ب «ام ابيها» (39) ، والتي كانتسلوة ابيها في تحمل اعباء المسؤولية ومواجهة المحن والشدائد خاصة بعد وفاة امها وابي طالب رضوان الله عليهما ، حامي الرسول صلى الله عليه وآله .
لقد كانت عليها السلام ربيبة العلم والزهد والحلم والصبر . ويروي حذيفة ان النبي صلى الله عليه وآله قال: «اتاني ملك فبشرني ان فاطمة سيدة نساء الجنة ونساء امتي» (40) .
مرت الايام تطوي الليل وقد عاشتحياة الظلم والقهر حيثخيمت على حياتها سحب من الهموم والحزن بالاخص بعد وفاة ابيها صلى الله عليه وآله .
وبعد الزوال بقليل بلغ صوتها القوم ، حيث القت تلك الخطبة الطويلة ، والتي كانت في غاية من الفصاحة والبلاغة والشجاعة وقوة الحجة في المسجد بحشد من المهاجرين والانصار والتي ذكرتها كتب الحديث والسير والتي تواترت عن العلماء باسانيدهم ، وبمختلف مذاهبهم . وقد جاء فيها:
«الحمد لله على ما انعم ، وله الشكر على ما الهم ، والثناء بما قدم . . .
واشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له ، كلمة جعل الاخلاص تاويلها ، وضمن القلوب موصولها . . .
واشهد ان محمدا عبده ورسوله ، اختاره وانتجبه قبل ان ارسله . . . فجعل الله الايمان تطهيرا لكم من الشرك ، والصلاة تنزيها لكم عن الكبر ، والزكاة تزكية للنفس ونماء في الرزق ، والصيام تثبيتا للاخلاص ، والحج تشييدا للدين ، والعدل تنسيقا للقلوب ، وطاعتنا نظاما للملة ، وامامتنا امانا للفرقة ، والجهاد عزا للاسلام وذلا لاهل الكفر والنفاق ، والصبر معونة على استيجاب الاجر ، والامر بالمعروف والنهي عن المنكر مصلحة للعامة ، وبر الوالدين وقاية من السخط ، وصلة الارحام منساة في العمر ، والقصاص حقنا (41) للدماء . . .» .
ثم قالت عليها السلام: ايها الناس ، اعلموا اني فاطمة ، وابي محمد صلى الله عليه وآله ، اقول عودا وبدءا (42) ، ولا اقول ما اقول غلطا ، ولا افعل ما افعل شططا (43) (لقد جاءكم رسول من انفسكم عزيز عليه ما عنتم (44) حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم) (45) . . .
ثم التفتت الى اهل المجلس وقالت: يا معشر الفتية واعضاد الملة ، وحصنة الاسلام ، في حقي والسنة (47) عن ظلامتي ؟ اما كان رسول الله صلى الله عليه وآله ابي يقول: «المرء يحفظ في ولده» سرعان ما احدثتم . . . (وسيعلم الذين ظلموا اي منقلب ينقلبون) (48) وانا ابنة نذير لكم بين يدي عذاب شديد ، فاعملوا انا عاملون ، وانتظروا انا منتظرون» (49) .
وقد رثاها من الشعراء عبد الحسين الازري ، فقال في قصيدته الطويلة:
تركوا عهد احمد في اخيه
واذاقوا البتول ما اشجاها
فدعت واشتكت الى الله شكوى
والرواسي تهتز من شكواها
ولاي الامور تدفن سرا
بضعة المصطفى ويعفى ثراها
فمضت وهم اعظم الناس وجدا
في فم الدهر غصة من جداها
وثوت لا يرى لها الناس مثوى
اي قدس يضمه مثواها (50)
تعليقات:
1. وهو العام الذي جاء فيه ابرهة ملك الحبشة لهدم الكعبة ، وكان يوم الاثنين 17 ربيع الاول .
2. الاسراء: 88 .
3. الحشر: 7 .
4. النساء: 59 .
5. كنز العمال / المتقي الهندي: ج11 ، ص406 . بحار الانوار: ج16 ، ص210 . مكاتيب الرسول / علي بن حسين الاحمدي: ص12 .
6. سنن النسائي: ج8 ، ص105 . مسند احمد: ج2 ، ص163 . سنن الدارمي: ج2 ، ص300 . صحيحالبخاري: ج1 ، ص8 . صحيح مسلم: ج1 ، ص48 . سنن ابن داود: ج1 ، ص556 . مجمع الزوائد ومنبع الفوائد: ج1 ، ص149 . معاني الاخبار / الصدوق: ص239 . مشكاة الانوار / الطبرسي: ص46 . بحار الانوار: ج67 ، ص60 . المجموع الرائق من ازهار الحدائق / هبة الدين الموسوي: ج2 ، ص412 .
7. السنن الكبرى / البيهقي: ج10 ، ص192 . كنز العمال: ج11 ، ص420 . بحار الانوار: ج16 ، ص210 . مستدرك الوسائل / الحر العاملي: ج11 ، ص187 .
8. مجمع الزوائد ومنبع الفوائد: ج10 ، ص152 . كنز العمال: ج3 ، ص500 . بحار الانوار: ج12 ، ص71 .
9. سنن الدارمي: ج2 ، ص264 . سنن ابن داود: ج2 ، ص150 . سنن الحاكم / النيسابوري: ج2 ، ص46 . السنن الكبرى: ج10 ، ص270 . عوالي اللئالي / ابن جمهور الاحسائي: ج2 ، ص344 . التهذيب: ج6 ، ص148 . دعائم الاسلام: ج2 ، ص488 .
10. الصواعق المحرقة / ابن حجر العسقلاني: ص73 .
11. حياة الصحابة / الشيخ محمد يوسف الكاندهلوي: ج3 ، ص256 . البيان الجلي / عيدروس بن احمد الاندونيسي: ص108 .
12. بحار الانوار: ج41 ، ص14 .
13. المصدر السابق: ج39 ، ص295 .
14. المصدر السابق: ج70 ، ص65 .
15. التهذيب: ج6 ، ص124 .
16. مستدرك الوسائل / نوري الطبرسي: ج1 ، ص146 . وسائل الشيعة: ج17 ، ص76 .
17. يس: 69 .
18. الطور: 30 .
19. الطور: الآيات 32- 34 .
20. اعيان الشيعة / السيد محسن الامين: ج8 ، ص22 . صفي الدين الحلي / اعداد: ضحى عبدالعزيز: ص24 .
21. الجامع الصغير / السيوطي: ج1 ، ص58 . حجج النهج / الدكتور سعيد السامرائي: ص34 .
22. عبس: 31 .
23. الارشاد / الشيخ المفيد: ص107 .
24. البيان الجلي / عيدروس بن احمد الاندونيسي: ص167 .
25. تفسير الميزان / السيد محمد حسين الطباطبائي: ج10 ، ص211 .
26. عبس: 32 .
27. الدر المنثور / السيوطي: ج8 ، ص418 .
28. الارشاد: ص109 . علي امام المتقين / عبدالرحمن الشرقاوي: ج1 ، ص94 .
29. تاريخ الخلفاء / السيوطي: ص170 .
30. اعلام نهج البلاغة / المحقق علي بن ناصر السرخسي: ص7 .
31. قضاء امير المؤمنين عليه السلام / الشيخ محمد تقي التستري: ص76- 79 . علي من المهد الى اللحد / محمد كاظم القزويني: ص210- 214 . الامام علي منتهى الكمال البشري / عباس علي الموسوي: ص112 . الامام علي رسالة وعدالة / الشيخ خليل ياسين: ص176 .
32. قضاء امير المؤمنين عليه السلام: ص80 . علي من المهد الى اللحد: ص115 .
33. تاريخ التشريع الاسلامي / الدكتور عبدالهادي الفضلي: ص55 . الكافي / محمد بن يعقوب الكليني: ج8 ، ص24 .
34. ديوان الصاحب بن عباد / تحقيق الشيخ محمد حسن آل ياسين: ص260 .
35. اعيان الشيعة: ج1 ، ص561 . ديوان عبد الباقي العمري / صححه: عثمان المولوي: ص96 . الترياق الفاروقي / تقديم: عبدالهادي الفضلي: ص97 .
36. اعيان الشيعة: ج3 ، ص421 .
37. العقد الفريد / ابن عبد ربه: ج3 ، ص194 .
38. الاصابة في تمييز الصحابة / ابن حجر: ج4 ، ص378 . مجمع الزوائد: ج9 ، ص203 .
39. المصدر المتقدم: ص377 .
40. مناقب آل ابي طالب / محمد بن علي بن شهرآشوب: ج3 ، ص370 .
41. حقنا: حفظا .
42. عودا وبدءا: آخرا واولا .
43. شططا: تباعدا عن الحق .
44. عنتم - من العناء -: المشقة .
45. التوبة: 128 .
46. الغميزة: ضعف العمل او العقل .
47. السنة: الغفلة .
48. الشعراء: 227 .
49. بلاغات النساء / ابن طيفور: ص16 . المجالس السنية / السيد محسن الامين: ج5 ، ص107 .
50. المجالس السنية: ص136 . وفاة الصديقة الزهراء / عبدالرزاق المقرم: ص112 .
*********************************
الفصل السادس: الحياة والحضارة الاموية 40- 132ه
لقد اتسمتحياة العرب في الجاهلية على العصبية القبلية ، فلما بزغ نور الاسلام ذابتبعض هذه العصبيات وحل محلها الانتماء الى الجماعة الاسلامية من ناحية ، ومن ناحية اخرى شغلت الفتوحات الاسلامية قسما من الشعراء اللامعين ، حيث ارسيت اسس الدولة الاسلامية الجديدة حاملة مبادئ الدين الجديد .
وفي الوقت نفسه نلاحظ القسم الآخر من الشعراء المخضرمين ظلوا طيلة بداية عهد الاسلام حتى زمن معاوية ومروان بن الحكم ، متمسكين بعصبياتهم الجاهلية واصرارهم على خذلان الدين الجديد ، بالرغم من اسلامهم العلني وعدم ايمانهم به اضطرارا او تكسبا .
لذلك ظهرت هذه العصبية الجاهلية المكبوتة على يد جماعة من الشعراء ، عاشت في ظل الحكم القبلي العشائري ، وبالاخص زمن دولة آل مروان من بني امية ك: (الحطيئة ، وجرير ، والاخطل ، وصيب ، والاحوص ، والطرماح) . فقسمت الامة الى سنة وشيعة وخوارج ومرجئة ، وهذه الفرقة الاخيرة كانت من الامويين «وقالوا اننا نطيع الخليفة ولو كان فاسقا ونرجئ امره الى الله ، فالله هو الذي يتولى امره» (1) .
من ناحية اخرى فقد بنى الامويون المدن امثال مدينة واسط بين الكوفة والبصرة ومدينة اللد في فلسطين ، كذلك بنيت القصور الخاصة في بادية الشام وقصور للاستجمام والاصطياف ، كل هذا نتيجة تدفق الاموال من انحاء البلاد المفتوحة الى الشام ، فكثر الترف وخصوصا بين امراء البيت المالك (الاموي)، وقامت مجالس اللهو والغناء واللعب بآلات القمار اضافة الى كثرة الشراب والفساد .
اشهر الشعراء:
قيس بن الملوح - قيس بن الملوح بن مزاحم - ت سنة 68ه
ابو الاسود الدؤلي - ظالم بن سفيان - ت سنة 69ه
عبيد الله القرشي - عبيد الله قيس الرقيات - ت سنة 75ه
ابو صخر الهذلي - عبد الله بن سلمة السهمي - ت سنة 80ه
ليلى الاخيلية - ليلى بنت عبد الله - ت سنة 80ه
جميل بثينة - جميل بن عبد الله بن معمر - ت سنة82ه
اعشى همدان - عبد الرحمن بن عبد الله - ت سنة 83ه
اعشى بن ابي ربيعة - عبد الله بن خارجة - ت سنة 85ه
عمران بن حطان - عمران بن حطان البكري - ت سنة 89ه
مسكين الدارمي - ربيعة بن عامر - ت سنة 90ه
عمرو بن ابي ربيعة - عمر بن عبد الله - ت سنة 93ه
الاخطل - غياث بن غوث - ت سنة 95ه
عمر بن عبد العزيز - عمر بن عبد العزيز بن مروان - ت سنة 101ه
الاحوص - عبد الله بن محمد - ت سنة 105ه
كثير عزة - كثير بن عبد الرحمن - ت سنة 105ه
الفرزدق - همام بن غالب - ت سنة 110ه
جرير - جرير بن عطية - ت سنة 111ه
ذو الرمة - غيلان بن عقبة - ت سنة 117ه
الطرماح - الطرماح بن حكيم - ت سنة 125ه
الكميت - الكميتبن زيد الاسدي - ت سنة 126ه
الوليد بن يزيد - الوليد بن يزيد بن عبد الملك - ت سنة 126ه
يزيد بن الوليد - يزيد بن الوليد بن عبد الملك - ت سنة 126ه
واصل بن عطاء - واصل بن عطاء الغزال - ت سنة 131ه
عبد الحميد الكاتب - عبد الحميد بن يحيى - ت سنة 132ه
خالد بن صفوان - خالد بن صفوان بن عبد الله - ت سنة 133ه
انواع الادب في هذا العصر:
يمكننا ان نقسم الادب في هذا العصر الى ثلاثة اقسام:
القسم الاول: الغزل بنوعيه ، الغزل الماجن والغزل العفيف ، مع نماذج شعرية من كلا النوعين . وسنكتفي في هذا الفصل بالتحدث عن هذا القسم ان شاء الله تعالى .
القسم الثاني: ادب الطف (عاشوراء) ويشمل نماذج من اقوال الامام الحسين واهل بيته عليهم السلام واصحابه ، بالاضافة الى نماذج مختارة من اقوال مسؤولين من المعسكر الاموي ، مضافا الى ذلك نصوص قيلتبعد واقعة الطف . وهذا ما سنتحدث عنه في الفصل القادم .
القسم الثالث: الادب والشعر السياسي الديني ، والذي يحتوي على:
1- شعر الشيعة: ويتمثل بشعر الشاعر الكميت الاسدي .
2- شعر الخوارج: ويتمثل هذا النوع بشعر عمران بن حطان الذي مدح ابن ملجم على ضربته لامام المتقين علي بن ابي طالب عليه السلام في محراب الكوفة .
3- شعر المرجئة: وهم امويون قالوا اننا نطيع الخليفة ولو كان فاسقا ونرجئ امره الى الله فالله هو الذي يتولى حسابه ، ويمثل هذا الجناح الاخطل المشهور بالخمريات ، والحطيئة وجرير ، اضافة الى الفرزدق الذي كان يتردد على البلاط الاموي لسد ودفع التهمة ولكنه في آخر عمره قرر مصيره مع اهل البيت عليهم السلام .
وهذا ما سنتناوله في الفصل الثامن من هذا الكتاب ان شاء الله تعالى .
القسم الاول: الغزل
لقد انحدر الغزل الاموي من الغزل الجاهلي ، والفارق هو ان الغزل في القصيدة الجاهلية كان غرضا من اغراض القصيدة ياتي في ابيات ، ثم ينتقل الى غرض آخر في نفس القصيدة . اما في العصر الاموي فقد اصبح الغزل يختص في قصيدة كاملة ، فلا يذكر الشاعر في قصيدته غير الغزل . ويمكن تقسيم الغزل الى نوعين:
1- الغزل الماجن (الغزل الحضري):
فهو غزل اباحي . وكثر مثل هذا الغزل في الحضر حيث المدينة والحضارة والثروة
(ان الانسان ليطغى ان رآه استغنى) (2)
حيث اجتمع الياس مع وفرة الثروة فانتجا اللهو والاسراف . وساعد على ذلك كثرة الرقيق وانتشار ضروب الملاهي والغناء والموسيقى ، حيث توجد فضائح في البلاط الاموي نشرت في الكتب الادبية والتي تعكس شرب الخمر والزنا وغيرها من المفاسد واشعار الفسق والفجور من قبل امراء الامويين لا يمكن ذكرها ، كالذي يفعله الوليد بن عبد الملك ، فقد كان في بلاطه حوضا مملوء بالشراب (الخمر) فكان يغتسل داخل هذا الحوض ويرتكب الزنا . ثم ان التاريخ يحدثنا ان الوليد بن يزيد بن عبد الملك لما عهدت له الخلافة كان منهمكا في اللهو والشراب وسماع الغناء ، مستهترا بالمعاصي منتهكا للحرمات زنديقا . وكانت له اشعار في المجون ، حيث قيل انه استفتح في القرآن فاتفقت له الآية الكريمة:
(و استفتحوا و خاب كل جبار عنيد) (3) ،
فالقى المصحف من يده ورماه بسهم ثم انشد:
تهددني بجبار عنيد
نعم انا ذاك جبار عنيد
اذا ما جئت ربك يوم حشر
فقل يا رب خرقني الوليد (4)
كل هذه المظاهر الفاسدة والخارجة عن الاسلام وباسم الاسلام ، بينما نلاحظ الجانب الآخر بيوت بني هاشم ، يسمع القرآن والبكاء والاستغفار حيثيذكرهم القرآن: (انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا) (5) .
ومن اشهر شعراء الغزل الماجن ، عمر بن ابي ربيعة والاحوص والوليد بن يزيد . ان عمر بن ابي ربيعة كان يعشق هند (هند غير هند ام معاوية) حيث قال:
كلما قلت متى ميعادنا
ضحكت هند وقالتبعد غد (6)
2- الغزل العفيف (العذري):
كثر مثل هذا الشعر في البدو حيث الخيمة والفقر ، فقد اجتمع الفقر والحرمان ، وعفت النفس واللسان . ويلقبون شعراء هذا النوع من الغزل بشعراء العشاق حيث كانوا يعيشون في نجد مجاور الحجاز ، لذا سميت نجد بارض العشاق ، ويمتاز شعرهم بالعفة والعذوبة ، وانه سهل محبب الى النفس الانسانية .
و اشهر شعراء العشاق:
ا - قيس بن الملوح ، يذكر اسمه مع بنت عمه ليلى العامرية ، واشتهر بمجنون ليلى .
ب - جميل ، وله شعر في بثينة ، ولاجل ذلك سمي ب (جميل بثينة) .
ج - كثير ، كان يحب ويعشق عزة .
د - عروة في عفراء ، له شعر فيها .
ه - توبة له شعر في ليلى الاخيلية ، وهما شاعران .
وهناك شعراء كثيرون في هذا المجال ، نكتفي بذكر ثلاثة منهم:
كثير عزة
اسمه كثير بفتح الكاف وكسر الثاء ولفرط قصره سمي بكثير . ولد في عام 23ه بالحجاز ، وكان يرعى الاغنام ، ويروى انه اعتنق مذهب الكيسانية (7) ، وقد اختلف في تاريخ وفاته ، والارجح انه توفي سنة 105 (8) .
ان المتتبع لاسلوب والفاظ كثير يجدها تتباين بين الوضوح والغرابة والسهولة والتعقيد . يحتوي ديوانه على اكثر الاغراض الشعرية ولكن ابرزها شعره الغزلي العذري والذي ينبع من الطبيعة البدوية الصافية وبعدها عن ترف المدن .
المختار من شعره:
خليلي هذا ربع عزة فاعقلا
قلوصيكما (9) ثم ابكيا حيثحلت
وما كنت ادري قبل عزة ما البكا
ولا موجعات القلب حتى تولت (10)
وكانت لقطع الحبل بيني وبينها
كناذرة (11) نذرا فاوفت (12) وحلت (13)
فقلت لها يا عز كل مصيبة
اذا وطنتيوما لها النفس ذلت
فلا يحسب الواشون ان صبابتي
بعزة كانت غمرة (14) فتجلت (15)
فوالله ثم والله لا حل بعدها
ولا قبلها من خلة حيثحلت
تمنيتها حتى اذا ما رايتها
رايت المنايا شرعا قد اظلت (16)
قيس بن الملوح
قيس بن الملوح ، او قيس بن معاذ (مجنون ليلى)، ويقولون انه كان مجنون بني عامر او انه مجنون بني جعدة .
شعر قيس:
دخل الادب الفارسي والهندي والاردو والآداب الاخرى ، حيث ترجم الى لغات عديدة . ولذا حولوا مجنون ليلى الى اسطورة ورمز للحب العرفاني ، بينما كان في الواقع حب بشري حقيقي . ومن اشهر من كتب وابدع في قصة مجنون ليلى جامي ونظامي . وقد تركت قصة مجنون ليلى اثرا عظيما في الادبين الفارسي والتركي . روي انه كان اذا اشتد شوقه الى ليلى يمر على آثار المنازل التي كانت تسكنها فتارة يقبلها وتارة يبكي وينشد هذين البيتين:
امر على الديار، ديار ليلى اقبل ذا الجدار وذا الجدارا وما حب الديار شغفن قلبي ولكن حب من سكن الديارا (17)
وهذه القصيدة الغزلية المشهورة رد على الذين يقولون لماذا انتم تقبلون اضرحة الائمة عليهم السلام ؟ !
ويروى ان والد قيس بعد ان قضى نسكه جمع اعمامه واخواله فلاموه وقالوا: لا خير لك في ليلى ولا لها فيك ، فانشا يقول:
وقد لامني في حب ليلى اقارب
ابي وابن عمي وابن خالي وخاليا (18)
ارى اهل ليلى لا يريدون بيعها
بشيء ولا اهلي يريدونها ليا
الا يا حمامات العراق اعنني
على شجني وابكين مثل بكائيا
يقولون ليلى بالعراق مريضة
فيا ليتني كنت الطبيب المداويا
فيا عجبا ممن يلوم على الهوى
فتى دنفا (19) امسى من الصبر عاريا (20)
فان تمنعوا ليلى وتحموا بلادها
علي فلن تحموا على القوافيا (21)
وقال ايضا:
الا قاتل الله الهوى ما اشده
واسرعه للمرء وهو جليد
دعاني الهوى من نحوها فاجبته
فاصبح بي يستن (22) حيثيريد (23)
توفي قيس سنة 68ه .
جميل بثينة
جميل بن عبد الله بن معمر العذري . ولد بالحجاز سنة 40ه (660 ميلادي)، كان يميل الى حب ابنة عمه واسمها بثينة ، لذا عرف بجميل بثينة ، فقال فيها الشعر ، حيث ان شعره فصيح ورقيق سهل التراكيب وواضح المعاني ، ذكره حسان بن ثابت وقال: «جميل اشعر اهل الجاهلية والاسلام ، والله ما لاحد منهم مثل هجائه ونسيبه» (24) . وجميع شعره في الغزل الا مقاطع شعرية قليلة قالها في هجاء زوج بثينة وقومها (25) .
قال في بثينة:
فلو ارسلتيوما بثينة تبتغي
يميني وان عزت علي يميني
لاعطيتها ما جاء يبغي رسولها
وقلت لها بعد اليمين سليني (26)
وخلاصة القول: ان شعر الغزل كان على اوصاف جمة ، فمنه الهجران والفراق والم الرحيل والمشيب ، فمن الغزل ما هو تقليدي بدوي يترسم به الاقدمون من وقوف على الاطلال وذكر اماكن البدو ، ومنه الجديد المترف حيث تحس فيه عاطفية الشاعر المتوفرة ، حيثيصف عواطف نفسه واهواءها وشجونها ، ويصف اللقاء والوداع ، اضافة الى وصفه مجالس اللهو والانس والخمر والحبيب .
توفي جميل بثينة سنة 82ه .
تعليقات:
1. الفرق بين الفرق / عبد القاهر البغدادي: ص19 .
2. العلق: 6- 7 .
3. ابراهيم: 15 .
4. تاريخ الادب العربي / عمر فروخ: ج1 ، ص693 .
5. الاحزاب: 33 .
6. ديوان الحب والغزل / اعداد: اميل ناصيف: 96 .
7. حديث الاربعاء / الدكتور طه حسين: ج1 ، ص286 . تاريخ الادب العربي: ج1 ، ص617 .
8. تاريخ الادب العربي: ج1 ، ص618 .
9. القلوص: الشابة من الابل .
10. حتى تولت: حتى اصبحت .
11. الناذرة: التي اقسمت .
12. اوفت: نفذت .
13. حلت: خرجت من احرامها .
14. غمرة: شدة .
15. تجلت: انكشفت ، زال اثرها .
16. حديث الاربعاء: ج2 ، ص296 . معجم السفر / احمد بن محمد السلفي: ص407 . ديوان كثير عزة / شرح: مجيد طراد: ص54 . الاغاني / ابو الفرج الاصفهاني: ج1 ، ص29 .
17. ديوان مجنون ليلى / شرح: يوسف فرحات: ص113 . المعجم المفصل في شواهد النحو الشعرية / الدكتور اميل بديع يعقوب: ج10 ، ص63 . خزانة الادب / عبدالقادر بن عمر البغدادي: ج4 ، ص227 . المنازل والديار / اسامة بن منقذ: ص351 . مجلة المورد: المجلد 12 ، العدد 3 ، ص350 .
18. الاغاني: ج2 ، ص36 .
19. دنفا: مريضا مرضا ملازما ، والفتى هو قيس الذي امسى من الصبر عاريا .
20. ديوان قيس بن الملوح ، برواية الوالبي: ص38 .
21. تاريخ الادب العربي / عمر فروخ: ج1 ، ص438 . ديوان الحب والغزل: ص54 .
22. يستن: يذهب .
23. ديوان قيس بن الملوح: ص103 .
24. ديوان جميل بثينة / تحقيق: نوري عطوي: ص13 .
25. الاغاني: ج8 ، ص122 ، ديوان جميل بثينة / تحقيق وشرح: حسين نصار: ص167 .
26. ديوان جميل بثينة / جمع: الدكتور اميل بديع يعقوب: ص205 .
*********************************** *******************
الفصل السابع: القسم الثاني: ادب الطف (عاشوراء)
نماذج منه
ادب الطف (عاشوراء) لقد تناسى او تجاهل بعض كتاب الادب العربي امثال طه حسين وغيره من الشخصيات اللامعة في عالم الادب التطرق الى ادب الطف .
ولا ننكر ان الكاتب المصري عباس محمود العقاد تناول الحوار الذي دار بين المحورين محور الحق المتمثل بالحسين عليه السلام ومحور الباطل المتمثل بمعسكر يزيد .
لذا نجد لزاما علينا ان ننوه الى كثرة المغالطات واصرار الاحكام الباطلة والتعسف في معالجة الاحداث التاريخية ، فمثلا يعتبرون رفض زينب بنت اسحاق بالزواج من يزيد وموافقتها بالزواج من الحسين كان سبب التنافس والخصومة بين الامام عليه السلام ويزيد ، والى غيرها من الوقائع والاباطيل كما سيجد القارئ الكريم وكل المنصفين نماذج من النصوص النثرية والشعرية والتي لا يستغني تاريخ الادب ولا ينفصل عنها ، ولا يمكن لهذا التاريخ ان يهمل ذلك الكنز العظيم من التراث الادبي العريق من واقعة الطف .
وبالرغم من كل هذا يجدر الاشارة بانه لم يجرا احد من الشعراء مدح الحسين عليه السلام ايام الحكم الاموي فضلا من ان هذه الحالة اشتدت في منتصف حكم بني العباس ، باستثناء بعض الذين قالوا ابياتا معدودة في الخفاء .
فلقد تبارى الشعراء في رثائه عليه السلام فاكثروا واجادوا في الفترات التي اعقبت الحكم الاموي فالمكانة السامية لشخصية الحسين عليه السلام والتي لا يصل احد اليها ، ومصيبته العظمى وفاجعته الكبرى والتي لم يشهد التاريخ افدح واشنع منها ، لذا وجب علينا ان نتعرف على ماهية ادب الطف فنقول: ان ادب الطف يشمل:
1- ما نسب الى الحسين عليه السلام واهل بيته واصحابه منذ بداية حركتهم من المدينة الى كربلاء ثم الى الشام وانتهاء بالمدينة ، وكذلك ما نسب الى معسكر العدو من شعر ونثر .
2- ما قيل في واقعة الطف من شعر وخطابة بعد تلك الواقعة الى يومنا هذا .
وسوف نورد نماذج لكلا القسمين .
ا - نحن نعلم ان الامام الحسين عليه السلام نشا بين يدي افصح من نطق بالضاد - الرسول الاعظم صلى الله عليه وآله وكذلك بين يدي امير المؤمنين عليه السلام - لذا كان كلامه عليه السلام وفصاحته كالسيل الهادر ، وكان اباؤه للضيم وشجاعته ومقاومته للظلم درسا ونبراسا لكل الاحرار .
فقد اعلن الامام الحسين عليه السلام في بيانه الاول: «الا وان الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين: بين السلة والذلة . وهيهات منا الذلة . يابى الله لنا ذ لك ورسوله والمؤمنون» (1) .
وفي وصية له عليه السلام لابنه علي زين العابدين عليه السلام والتي تعتبر وصية للبشرية كافة حيثيقول السجاد2 سجاد، 8 عليه السلام: لما جاء ابي يودعني ، احتضنني وعانقني فاحسست ان الدم يفور في صدره; اذ قال: يا بني ، اياك وظلم من لا يجد غير الله ناصرا» (2) .
وفي رواية ان الحسين بن علي عليه السلام خاطب انصار المعسكر الاموي قائلا: «يا شيعة آل ابي سفيان ، ان لم يكن لكم دين وكنتم لا تخافون المعاد فكونوا احرارا في دنياكم ، وارجعوا الى احسابكم ان كنتم عربا كما تزعمون» (3) .
فقد تناسى القوم انهم يقاتلون ريحانة الرسول وسيد شباب اهل الجنة لكن نجد الامام الحسين عليه السلام خاطبهم باسلوب آخر حيث قال:
«لا والله لا اعطيكم بيدي اعطاء الذليل ولا اقر قرار العبيد» (4) .
لقد اقدم عليه السلام على الموت مقدما نفسه واولاده واهل بيته للقتل في سبيل دين جده بكل سخاء وعدم تردد ، لذا نجد ابا الفضل بن امير المؤمنين عليهما السلام يقول:
والله ان قطعتم يميني
اني احامي ابدا عن ديني
وعن امام صادق اليقين
نجل النبي الطاهر الامين (5)
ثم ننتقل الى لون آخر واذا بعقيلة بني هاشم السيدة زينب عليها السلام تقف وكانها البركان وهي تقول:
«اما بعد يا اهل الكوفة ، يا اهل الختل والغدر ، اتبكون فلا رقات الدمعة ، ولا هدات الونة . . . ويلكم اتدرون اي كبد لرسول الله فريتم ؟ ! واي كريمة له ابرزتم ؟ ! واي حرمة له هتكتم ؟ ! واي دم له سفكتم ؟ ! . . .» (6) .
هكذا سيبقى المنطق الزينبي يتحدى الباطل وستبقى مدرسة الحسين عليه السلام تتسع وتنتشر في الارض .
كما ويروى ان زوجة جنادة بن الحارث امرت ولدها عمر ، وهو شاب ان ينصر الحسين عليه السلام ، وعندما ذهب لنصرة امامه قتل وحز راسه ، قالت امه:
انا عجوز سيدي ضعيفة
خاوية بالية نحيفة
اضربكم بضربة عنيفة
دون بني فاطمة الشريفة (7)
وهناك نماذج من اقوال احد افراد معسكر العدو وهو عبد يغوث كان مامورا بقتل الحسين عليه السلام ، يتكلم حول ذكرياته ويصف الحسين عليه السلام في لحظاته الاخيرة والذي كان مطروحا في تلك الحفرة (المنخفض) قال:
«كنت واقفا نحو الحسين وهو يجود بنفسه ، فوالله ما رايت قتيلا مضمخا بدمه انور منه ، ولقد شغلني نور وجهه عن النظر في قتله وهو في هذه الحالة اذ استستقى ماء فابوا ان يسقوه» .
وفي رواية اخرى: ان سنان بن انس النخعي جاء الى باب ابن زياد وبيده الراس الشريف وانشا يقول:
اوقر ركابي فضة او ذهبا
اني قتلت السيد المحجبا
قتلتخير الناس اما وابا
وخيرهم اذ ينسبون نسبا (8)
ثم نلاحظ عبيد الله بن زياد وهو يخاطب السيدة عقيلة بني هاشم زينب بنت علي عليهما السلام ويقول: الحمد لله الذي قتلكم فضحكم واكذب احدوثتكم! ! .
هذه مجموعة من النصوص التي نقلناها من معسكر الثورة الحسينية ونصوص اخرى نقلناها من البيت الاموي .
ب - ونتطرق قليلا لنماذج ا خرى قيلتبعد واقعة عاشوراء فنلاحظ ما نظمه العالم الفقيه والاديب الشريف الرضي ، المتوفى سنة 406ه في بغداد ، وهو مثقل بالالم والحزن بقصيدته التي بلغت اثنين وستين بيتا في رثاء جده الحسين عليه السلام بقوله:
كربلاء لا زلت كربا وبلا
ما لقي عندك آل المصطفى
كم على تربك لما صرعوا
من دم سال ومن دمع جرى
ووجوها كالمصابيح فمن
قمر غاب ونجم هوى
لم يذوقوا الماء حتى اجتمعوا
بحدى السيف على ورد الردى
×××××
قتلوه بعد علم منهم
انه خامس اصحاب الكسا
غسلوه بدم الطعن وما
كفنوه غير بوغاء الثرى
لو رسول الله يحيى بعده
قعد اليوم عليه للعزا
يا قتيلا فوض الدهر به
عمد الدين واعلام الهدى (9)
لقد تفاوتت مستويات الذين نظموا في حق ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله حيث لا يمكن حصرهم ، لذا نجد محمد بن ادريس المعروف ب (الامام الشافعي) القرشي النسب قد اجاد في نظم ابيات شعرية يكمن ما في ضميره حبه لاهل البيت عليهم السلام .
وقصيدته التي قالها حول مصرع سيد شباب اهل الجنة الحسين بن علي عليهما السلام والتي تعتبر ذروة المعاناة والآهات فمنعته من لذة السهاد ، وذلك لتذكره بمصاب الحسين عليه السلام بكربلاء حيثيتخيل بعض جوانب واقعة الطف ويبدا قصيدته «تاوه قلبي» فيقول:
تاوه قلبي والفؤاد كئيب
وارق نومي فالسهاد عجيب
ذبيح، بلا جرم كان قميصه
صبيغ بماء الارجوان خضيب
فللسيف اعوال وللرماح رنة
وللخيل من بعد الصهيل نحيب
تزلزلت الدنيا لآل محمد
وكادت لهم صم الجبال تذوب
وغارت نجوم واقشعرت كواكب
وهتك استار وشق جيوب
لئن كان ذنبي حب آل محمد
فذلك ذنب لست عنه اتوب
هم شفعائي يوم حشري وموقفي
اذا ما بدت للناظرين خطوب (10)
ولقد نظم العلامة السيد رضا الهندي ، المتوفى سنة 1362ه ، الكثير من القصائد الحسينية ، حيثبدا في احدى قصائده عندما تذكر الحسين عليه السلام يفيض بالالم العميق; اذ يقول:
ان كان عندك عبرة (11) تجريها
فانزل بارض الطف كي نسقيها
لم انس اذ هتكوا (12) حماها فانثنت
تشكو لواعجها الى حاميها
تدعو فتحترق القلوب كانما
يرمي حشاها جمرة من فيها
وذكرت اذ وقفت عقيلة حيدر
مذهولة تصغي لصوت اخيها
بابي التي ورثت مصائب امها
فغدت تقابلها بصبر ابيها
هذي نساؤك من يكون اذا اسرت
في الاسر سائقها ومن حاميها
عجبا لها بالامس انت تصونها
و اليوم آل امية تبديها (13)
فنجده يقول ان كنت تمتلك مخزونا كافيا من الدموع عليك ان تضعها في المكان المناسب ، وان العبرات هناك في ارض كربلاء ، لاجل ان ترتوي ارض الطف ، لان الحسين عليه السلام قتل عليها وهو عطشان .
ثم نلاحظ ما نسب الى خالد بن معدان من فضلاء التابعين (14) ، وقيل انه ادرك سبعين رجلا من الصحابة (15) ، وكان بدمشق عندما راى راس الحسين بن علي عليهما السلام حيثيقول:
جاؤوا براسك يابن بنت محمد
مترملا بدمائه ترميلا
و كانما بك يابن بنت محمد
قتلوا جهارا عامدين رسولا
قتلوك عطشانا ولما يرقبوا
في قتلك التاويل والتنزيلا
ويكبرون بان قتلت وانما
قتلوا بك التكبير والتهليلا (16)
وهناك شاعر آخر يصف الراس الشريف وكيف نصبت السماء العزاء والحداد على الامام الحسين عليه السلام ، وذلك هو السيد صالح مهدي بحر العلوم اذ يقول في قصيدته العصماء:
اروحك ام روح النبوة تصعد
من الارض للفردوس والحور سجد
وراسك ام راس الرسول على القنا
بآية اهل الكهف راح يردد
وصدرك ام مستودع العلم والحجى
لتحطيمه جيش من الجهل يعمد
وشاطرت الارض السماء بشجوها
فواحدة تبكي واخرى تعدد
وقد نصب الوحي العزاء ببيته
عليك حدادا والمعزى محمد
فاي شهيد صلت الشمس جسمه
ومشهدها من اصله متولد
×××××
واي ذبيح داست الخيل صدره
وفرسانها من ذكره تتحمد
الم تك تدري ان روح محمد
كقرآنه في سبطه متجسد
فلو علمت تلك الخيول كاهلها
بان الذي تحت السنابك احمد
لثارت على فرسانها وتمردت
عليهم كما ثاروا بها وتمردوا
واعظم ما يشجي الغيور حرائر
تضام وحاميها الوحيد مقيد (17)
×××××
مصادر ادب الطف:
1- على لسان المعصومين واهل بيتهم عليهم السلام . كانوا يقولون عليهم السلام: «هكذا كان جدنا الحسين» .
2- عن طريق زيارة الناحية للحجة ابن الحسن عليهما السلام .
3- وصلنا عن طريق افراد من معسكر العدو حيث كانوا مامورين من قبل بني امية .
4- كذلك حصلنا على بعض هذه المقاطع الشعرية والنثرية والخطابية عن طريق بعض المجرمين من اتباع جيش العدو عندما قام المختار بحركة التوابين وسيطر على الكوفة ، فاعترفوا باعمالهم بعد القاء القبض عليهم ، مثل عمر بن سعد وحرملة والشمر .
الكتب و المصادر لهذه الواقعة:
1- مقتل ابي مخنف من المتقدمين ، اول كتاب طبع في مقتل الامام الحسين عليه السلام ، من تحقيق وحاشية العالم الفاضل الشيخ اليوسفي .
2- مقتل عبد الرزاق المقرم ، كتاب مترجم الى الفارسية ، وهو من المتاخرين المعاصرين ، كان يعيش زمن المرجع السيد ابي الحسن الاصفهاني تغمده الله تعالى برحمته .
3- نفس المهموم للمرحوم لمحدث الشيخ عباس القمي: كتبه بالعربية ، وقد ترجم الى الفارسية .
السنوات و الحوادث المهمة خلال فترة الخلفاء الراشدين و الامويين:
سنة 11ه وفاة النبي صلى الله عليه وآله ، ويبدا عصر الخلفاء الراشدين .
سنة 35ه خلافة امير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام .
سنة 40ه ينتهي عصر الخلفاء الراشدين باستشهاد الامام علي بن ابي طالب عليه السلام في محراب الكوفة ويبدا العصر الاموي .
سنة 41ه صلح الامام الحسن عليه السلام مع معاوية في وبداية ملك معاوية .
سنة 50ه استشهد الامام الحسن عليه السلام بيد زوجته .
سنة 61ه استشهد الامام الحسين عليه السلام في واقعة كربلاء ، والتي هزت الضمير الانساني .
سنة 62ه حدثت واقعة الحرة (الهجوم والاعتداء على قدسية المدينة المنورة حيث هتكتحرمة المدينة في خلافة يزيد بن معاوية) .
سنة 63ه حصار الكعبة وضربها بالمنجنيق .
سنة 93ه عبور المسلمين البحر الابيض المتوسط ، وبداية حكم المسلمين لاسبانيا (الاندلس) بقيادة طارق بن زياد .
سنة 95ه وفاة الامام السجاد ، زين العابدين علي بن الحسين عليه السلام .
سنة 99ه خلافة عمر بن عبدالعزيز الاموي ومنعه سب الامام علي عليه السلام في الاذان .
سنة 114ه وفاة الامام الباقر محمد بن علي عليه السلام .
سنة 132ه المعركة الفاصلة بين الامويين والعباسيين والتي انتهتبمقتل مروان الحمار ، آخر خلفاء بني امية .
سنة 132ه آخر العهد الاموي وبداية العهد العباسي .
تعليقات:
1. مسند الامام الشهيد ابي عبدالله الحسين عليه السلام / جمع: الشيخ عزيز الله العطاردي: ج1 ، ص524 . موسوعة كلمات الامام الحسين عليه السلام / اعداد: لجنة الحديث تحقيقات باقر العلوم: ص433 . الملحمة الحسينية / الاستاذ مرتضى المطهري: ج3 ، ص337 .
2. موسوعة كلمات الامام الحسين عليه السلام: ص488 . بحار الانوار: ج46 ، ص153 .
3. لمعات الحسين عليه السلام / السيد محمد الحسين الطهراني: ص47 . موسوعة كلمات الامام الحسين عليه السلام: ص503 .
4. تاريخ الامم والملوك / محمد بن جرير الطبري: ج4 ، ص323 . في رحاب السيدة زينب / محمد بن بحرالعلوم: ص139 .
5. مقتل الحسين عليه السلام / لوط بن يحيى بن سعيد بن مخنف: ص179 . الملحمة الحسينية: ج1 ، ص49 . مناقب آل ابي طالب: ج4 ، ص108 . ينابيع المودة / الحافظ سليمان القندوزي الحنفي: ج2 ، ص165 .
6. عوالم العلوم والمعارف والاحوال / الشيخ عبدالله البحراني: ص378 . مسند الامام الشهيد ابي عبدالله الحسين: ج2 ، ص225 . اعلام النساء المؤمنات / محمد الحسون لال و ام علي مشكور: ص388 . السيدة زينب بطلة التاريخ / باقر شريف القرشي: ص265 . خطيبات الشيعة / مريم حكمت نيا: ص145 .
7. مقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي / تحقيق: الشيخ محمد السماوي: ج2 ، ص22 . الملحمة الحسينية: ص235 . موسوعة كلمات الامام الحسين عليه السلام: ص458 . مناقب آل ابي طالب: ص104 .
8. الجوهرة في نسب النبي: ج2 ، ص217 . تاريخ الامم والملوك: ص347 . لال مقتل الحسين عليه السلام / لوط بن يحيى بن سعيد بن مخنف: ص202 . ينابيع المودة: ص178 . كشف الغمة في معرفة الائمة / علي بن عيسى الاربلي: ج2 ، ص262 . الحسين من خلال القرآن الكريم / الدكتور عبد الرسول الغفار: ص261 . جمل من انساب الاشراف / احمد بن يحيى البلاذري: ج3 ، ص1336 .
9. ديوان الشريف الرضي / تصنيف: محمد بن حسين: ج1 ، ص44 . تاريخ النياحة / السيد صالح الشهرستاني: ج2 ، ص18 . تاريخ الادب العربي / عمر فروخ: ج3 ، ص62 . من لا يحضره الخطيب / داخل السيد حسن: ص178 .
10. ادب الطف / السيد جواد شبر: ج1 ، ص214 . مناقب آل ابي طالب: ص124 . ينابيع المودة: ص356 ، مع تفاوت ملحوظ فمثلا في البيت الثاني ذكر «قتيل بلا جرم» .
11. عبرة: الدمعة بالحزن بلا بكاء .
12. هتكوا: خرقوا ، فضحوا .
13. ديوان السيد رضا الهندي / جمع: موسى الموسوي: ص47 . رسالة الحسين عليه السلام: السنة الاولى ، العدد الثاني 1412ه ، ص151 .
14. ادباء الطف / السيد جواد شبر: ج1 ، ص288 . اعيان الشيعة: ج6 ، ص296 .
15. تهذيب تاريخ دمشق / ابن عساكر: ج5 ، ص89 .
16. مناقب آل ابي طالب: ج3 ، ص127 . اعيان الشيعة: ج6 ، ص296 . ادباء الطف: لال ج1 ، ص288 . مختصر تاريخ دمشق / ابن منظور: ج7 ، ص392 . تاريخ مدينة دمشق / ابن عساكر: ج16 ، ص181 . تاريخ النياحة على الامام الشهيد / السيد صالح الشهرستاني: ج1 ، ص75 .
17. مجمع مصائب اهل البيت / الشيخ محمد الهنداوي: ج2 ، ص31 .
*****************************
الفصل الثامن: القسم الثالث: الشعر السياسي الديني
الشعر السياسي في العصر الاموي
لقد كثرت الخلافات والنزاعات السياسية بين العرب انفسهم وبين العرب والموالي ، كما كثر الاضطهاد السياسي لخصوم الدولة الاموية ، لذلك برزت ظاهرة الشعر السياسي بما فيها النقائض (1) والفنون الادبية الاخرى ، كالخطابة والرسالة وديوان الرسائل والنقد .
لذلك اصبح الشعر لسانا يعبر عن اهداف الجهة التي يعود اليها الشاعر .
وهذا النوع من الشعر السياسي الديني يمثل:
اولا - شعر الشيعة
ان تاريخ الشيعة مليء بالثورات والانتفاضات على الحكام الظالمين ، حيث اخذ الطغاة يراقبونهم سرا وعلنا مع العلم ان الشيعة لم يتراجعوا عن مبداهم .
لو تصفحنا كتب الادب العربي لراينا ان فنون الادب الشيعي قد ملئتبها وبالاخص الشعر السياسي الديني ; لانه ادب يلهب العاطفة ويهيجها نظرا لما مر في تاريخ الشيعة من ثورات ، خاصة واقعة الطف ، حيث الدم اريق ، والحرمات انتهكت ، والبيوت سبيت ودمرت ، والاجساد صلبت . ونتيجة لهذا كله برز شعراء سياسيون امثال:
الكميتبن زيد الاسدي ، ت سنة 126ه .
همام بن غالب (الفرزدق)، ت سنة 114ه .
السيد الحميري ، شاعر عاش في العصرين الاموي والعباسي ، توفي سنة 173ه .
الكميتبن زيد
ولد الكميتبن زيد الاسدي نحو سنة 60ه في الكوفة ، حيث كان شاعرا وخطيبا وحافظا للقرآن وفقيها وفارسا ، ويعتبر شعره ثروة كبيرة ، والذي بلغ 5289 بيتا «اذ قال عنه ابو عكرمة الضبي: لولا شعر الكميت لم يكن للغة ترجمان ولا للبيان لسان» . واشهر قصائده الهاشميات التي بلغت 563 بيتا (2) قالها في بني هاشم لاثبات حقهم السياسي والديني ، فكان يحتج لهم ويدافع عنهم بقوة طوال حياته حتى قضى شهيد هذا العشق . لقد احتوت قصائده الفخر والمدح والهجاء والرثاء والحماسة ، واشتهر بقصيدته البائية ومن المعها:
طربت (3) وما شوقا الى البيض (4) اطرب
ولا لعبا (5) مني وذو الشوق (6) يلعب (7)
بني هاشم رهط النبي فانني
بهم ولهم ارضى مرارا واغضب
فطائفة قد كفرتني بحبكم
وطائفة قالوا: مسيء ومذنب
وقالوا ترابي (8) هواه ورايه (9)
بذلك ادعى فيهم والقب (10)
فما لي الا آل احمد شيعة
وما لي الا مذهب الحق مذهب
ومن غيرهم ارض لنفسي شيعة
ومن بعدهم لا من اجل وارحب
اريب رجالا منهم وتريبني
خلائق مما احدثوهن اريب
اليكم ذوي آل النبي تطلعت
نوازع من قلبي ظماء والبب
فاني عن الامر الذي تكرهونه
بقولي وفعلي ما استطعت لاجنب (11)
ينتقل شاعرنا ويخاطب الامويين بقوله: كيف ان دماء المسلمين محللة سفكها عندهم اضافة الى حرماننا من الغنائم كما وان الحقوق ايضا مغتصبة ، وقد جاء في قصيدته:
تحل دماء المسلمين لديهم
ويحرم طلع النخلة المتهدل
وليس لنا في الفيء حظ لديهم
وليس لنا في رحلة الناس ارحل
فيا رب هل الا بك النصر يرتجى
عليهم وهل الا عليك المعول
ومن عجب لم اقضه ان خيلهم
لاجوافها تحت العجاجة ازمل
×××××
هما هم بالمستلئمين عوابس
كحدآن يوم الدجن تعلو وتسفل
يحلئن عن ماء الفرات وظله
حسنا ولم يشهر عليهن منصل
كان حسينا والبهاليل حوله
لاسيافهم ما يختلي المتبقل (12)
شاعرنا لم يدرك الدولة العباسية (13) ، استشهد على ايدي جنود خالد القسري سنة 126ه (14) .
الفرزدق
هو همام بن غالب بن صعصعة ، الملقب بالفرزدق لجهومة وجهه ولاثر للجدري فيه ، ولد في سنة 20ه بالبصرة ، من اسرة ذات جاه وكرم ، كان يتردد على البلاط الاموي ، بل كان مسؤولا في البلاط لسد ودفع التهمة; لان البعض يحتمل ذلك ، كما انه يحسب على الشيعة .
كان الفرزدق شاعرا غير ملتزم لكن في اواخر عمره وحياته قرر مصيره مع اهل البيت عليهم السلام . قال ابن رشيق في كتابه العمدة في النقد الادبي: ابلغ وافصح بيت قيل بيت الفرزدق في وصف السجاد عليه السلام ، حيثيقول:
ما قال لاقط الا في تشهده
لولا التشهد كانت لاؤه نعم
لقد اشتهر الفرزدق في قصيدته الميمية في حق الامام علي بن الحسين عليه السلام ، حيث وقف في تلك اللحظة وقال الحق مما يذكرنا بحديث رسول الله صلى الله عليه وآله: «افضل كلمة كلمة حق عند سلطان جائر» ، حيثيروى ان هشام بن عبد الملك لم يتمكن ان يصل الى الحجر الاسود في موسم الحج من شدة الزحم ، وبما ان لباس الحجاج واحد وبدون تمييز بين الامير والفقير ، وفي هذه اللحظة وصل شاب نوراني انشقت له الصفوف ووصل الى الحجر ، فقال رجل لهشام: من هذا الذي فتح له الطريق بهذه الهيبة والاجلال ؟ فاجاب هشام: لا اعرفه وكان به عارفا فقال الفرزدق: انا اعرفه ، وانشد قصيدته المعروفة ، فغضب هشام وسجنه ، وقد بدات قصيدته في مدح زين العابدين عليه السلام ، حيثيقول:
هذا الذي تعرف البطحاء (15) وطاته (16)
والبيت (17) يعرفه والحل والحرم
هذا ابن فاطمة ان كنتبضائره
بجده (18) انبياء الله قد ختموا
هذا ابن خير عباد الله كلهم
هذا التقي النقي الطاهر العلم
وليس قولك: من هذا ؟ بضائره
العرب تعرف من انكرت والعجم
ان عد اهل التقى كانوا ائمتهم
او قيل من خير اهلالارضقيل هم (19)
وقد اختلف رواة آخرون في افتتاحية هذه القصيدة حيث لم اعثر عليها في ديوانه والتي تبدا:
يا سائلي اين حل الجود والكرم
عندي بيان اذا طلابه قدموا
هذا الذي احمد المختار والده
صلى عليه الهي ما جرى القلم
هذا الذي عمه الطيار جعفر
والمقتول حمزة ليث (20) حبه قسم
هذا ابن سيدة النسوان فاطمة
وابن الوصي الذي في سيفه نقم (21)
توفي الفرزدق عام 114ه .
ثانيا: شعر الخوارج
يعتبر الخوارج حزب من الاحزاب السياسية وتعني المتمردين (22) ، حيثيرى بعض المؤرخين ان تاريخ الخوارج يبدا من حادثة «التحكيم في حرب صفين» (23) التي قعتبين الامام علي بن ابي طالب عليه السلام ، وجيشه ، وبين معاوية وجيشه عام 37ه . ويرى الشهيد المطهري بقوله: اول تيار متزمت ظهر في دنيا الاسلام هو تيار الخوارج (24) .
اما سبب تسميتهم بالخوارج فيرجع الى خروجهم على امير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام ومحاربتهم اياه (25) . وقد بايعوا معاوية بعد شهادة الامام عليه السلام سنة 41ه (26) .
كما يرى البعض الآخر من المؤرخين ان «الخوارج اقدم الفرق الاسلامية» (27) ; لذا انقسم الخوارج الى فرق كثيرة اهمها: الازارقة والنجدات والبيهسية والثعالبة والعجارد والاباظية (28) والصفرية (29) والحرورية (30) والمحكمة اهل النهروان (31) .
ان المتتبع لتاريخ وتاسيس وظهور الاحزاب والفرق المشهورة في الدنيا يرى ان نشاة الخوارج ما زال يكتنفها الغموض ، وذلك بسبب عدم الامكان من ظهور فرقة بهذه الصورة والحجم دون ان يسبقها تنظيم وتخطيط دقيق واشتهروا بالتشدد وكفروا من يعارضهم او من لم يحارب معهم (32) ، وبنفس الوقت لا بد من وجود مبادئ ومصالح مشتركة يلتفون حولها ويضحون من اجلها .
مكانة الشعر الخارجي في العصر الاموي:
لقد كان الشعر السياسي في العصر الجاهلي مدحا سياسيا او فخرا او هجاء ، اما في هذا العصر فقد تحول الشعر السياسي من مجرد مدح او هجاء او تاييد ديني اسلامي الى شعر سياسي بمعناه الصحيح يدافع عن طائفته التي ينتمي اليها وبكل وسائل الدفاع (33) .
راينا ان الكميت الاسدي - وهو احد شعراء الشيعة - كان يتعصب للكوفة ، واول من جاهر بحب آل البيت عليهم السلام في شعره والذي يعتبر وثيقة تاريخية . يقابله في هذا العصر ايضا الشعراء:
- الطرماح بن حكيم (المتوفى سنة 100ه) .
- الضحاك بن قيس (المتوفى سنة 129ه) .
- عمران بن حطان (المتوفى سنة 89ه) .
- قطري بن الفجاءة (المتوفى سنة 79ه)، وهم يمثلون حزب الخوارج الذين كانوا يتعصبون لاهل الشام .
عمران بن حطان
كان عمران سني المذهب ، وانه تزوج من امراة من الخوارج ينوي ان يعيدها الى مذهب اهل السنة حيث هي اثرت عليه واتبع مذهبها (مذهب الخوارج) حيث كان خطيبا وشاعرا (34) ، وقد مدح عبد الرحمن بن ملجم عندما قام الاخير بضربه لامير المؤمنين عليه السلام في محرابه بالكوفة حيث قال:
يا ضربة من كريم (35) ما اراد بها
الا ليبلغ من ذي العرش رضوانا
اني لافكر فيه ثم احسبه
اوفى البرية عند الله ميزانا (36)
فاجابه القاضي ابو الطيب طاهر بن عبدالله الشافعي:
اني لابرا مما انت قائله
عن ابن ملجم المعلون بهتانا
يا ضربة من شقي ما اراد بها
الا ليهدم للاسلام اركانا
اني لاذكره يوما فالعنه
دنيا والعن عمرانا وحطانا
عليه ثم عليه الدهر متصلا
لعائن الله اسرارا واعلانا
فانتما من كلاب النار جاء به
نص الشريعة برهانا وتبيانا (37)
مات ابن حطان سنة 89ه (38) ، وقيل: عام 84ه (39) .
ثالثا - الشعر المرجئة
قلنا ان الشعر السياسي عند العرب قديم ، وكان محدودا عند القبيلة ، ثم اشتهر عند استيلاء الامويين على البلاد ، وقد اشتهر من الشعراء جرير (المتوفى سنة 114ه ، والذي مدح الولاة والخلفاء) (40) والاخطل الذي اكثر من مدح بني امية .
الاخطل
ابو مالك غياث بن غوث الملقب بالاخطل ، ولد في الحيرة (41) نحو سنة 20ه ، نصراني الاصل ، واصبح احد الاصوات والمدافعين عن حكم بني امية ، حيث توثقت علاقته بهم بقوله:
وانتم اهل بيت لا يوازنهم
بيت اذا عدت الاحساب والعدد
قوم اذا انعموا كانت فواضلهم (42)
سيبا (43) من الله لا من (44) ولا حسد
ان اكثر الشعراء الذين مثلوا الحزب الاموي كانوا نفعيين ، مدحوا الحكام الظالمين طمعا في المال او خوفا من العقاب .
لذلك نجد الاخطل مدح ملوك الامويين ووصف الخمر مشيرا الى ماضيهم وحقهم في الخلافة وتقرب اليهم بهجائه الانصار خاصة ; لانهم كانوا خصوم بني امية ، كما نشا في هذا العصر فن اسمه النقائض جمع نقيضة ، وهي قصيدة يرد بها شاعر على قصيدة خصمه فينتقض معانيها وينسب الفخر لنفسه ، فنلاحظ الاخطل يفتخر بقومه ويهجو قوم جرير هازئا بهم فيقول:
ما زال فينا رباط الخيل معلمة
وفي كليب رباط الذل والعار (45)
وكذا نلاحظه عندما اتصل بعبد الملك بن مروان ومدحه لينال من المال انشده قصيدته التي يقول فيها:
الستم خير من ركب المطايا (46)
واندى العالمين بطون راح (47)
توفي الاخطل عام 92ه .
تعليقات:
1. وهي القصيدة التي يرد بها الشاعر على قصيدة خصمه فيقلب فخر خصمه هجاء ، وقد اشتهر في هذا الباب (النقائض) الفرزدق وجرير والاخطل النصراني والذي مدح الامويين بالفاظ اسلامية .
2. الشعر والشعراء في كتاب العمدة / الدكتور ياسين الايوبي: ص227 . الادب العربي وتاريخه / الدكتور محمد عبدالمنعم: ص206 .
3. طرب الرجل: هاج شوقه وخفت روحه .
4. البيض - جمع بيضاء -: المراة الحسنة الجميلة .
5. اللعب: المزح والهزل ، ضد الجد .
6. ورد في كتاب جواهر الادب: ج2 ، ص153: «الشيب» بدل «الشوق» .
7. الشيعة والحاكمون / محمد جواد مغنية: ص125 .
8. ترابي: نسبه الى ابي تراب ، وهي كنية للامام علي بن ابي طالب عليه السلام ، كناه بها رسول الله صلى الله عليه وآله عندما وجده نائما على الارض وقد علاه التراب ، وذلك في غزوة العشيرة .
9. هواه ورايه: في العمل والقول .
10. ديوان اشعار التشيع / تحقيق: الطيب العشاش: ص27 . اخبار شعراء الشيعة / تحقيق: الدكتور محمد هادي الاميني: ص72 . تاريخ شعراء العربية / تدقيق: زهير يازجي: ص9 . موسوعة المصطفى والعترة / حسين الشاكري: ج3 ، ص338 .
11. الكميتبن زيد الاسدي / الدكتور علي نجيب عطوي: ص106 .
12. الكميتبن زيد الاسدي: ص154 .
13. الاعلام / خير الدين الزركلي: ج5 ، ص233 . الاغاني: ج17 ، ص13 .
14. الغدير: ج2 ، ص306 . الاغاني: ج17 ، ص22 .
15. البطحاء: ارض مكة .
16. وطاته: سيره على الارض .
17. البيت: الكعبة .
18. بجده: رسول الله صلى الله عليه وآله افضل الانبياء عليهم السلام .
19. امالي السيد المرتضى / ابو القاسم بن الطاهر: ج1 ، ص48 . الاغاني: ج21 ، ص379 . طبقات الشافعية / عبدالوهاب السبكي: ج1 ، ص291 .
20. ليث: الاسد .
21. روضات الجنات / محمدباقر الخوانساري: ج6 ، ص8 . كشف الغمة في معرفة الائمة: ج2 ، ص204 . ديوان اشعار التشيع: ص273 .
22. الامام علي عليه السلام / الاستاذ مرتضى المطهري: ص122 .
23. دائرة المعارف / بطرس البستاني: ج7 ، ص492 . معجم الفرق الاسلامية / شريف يحيى الامين: ص113 . المنجد في الاعلام / اشراف: بطرس حرفوش: ص274 . تاريخ الفرق الاسلامية / محمد خليل الزين: ص93 .
24. الاسلام ومتطلبات العصر / الاستاذ مرتضى المطهري: ص84 .
25. الحور العين / ابو سعيد بن نشوان الحميري: ص200 . الشيعة الامامية / محمد صادق الصدر: ص33 . الغلو والفرق الغالية / الدكتور عبدالله سلوم السامرائي: ص282 . تاريخ الفرق الاسلامية: ص93 . الموسوعة السياسية / الدكتور عبد الوهاب الكيالي: ج2 ، ص631 . موسوعة المورد العربية / منير البعلبكي: ج1 ، ص475 . الموسوعة الميسرة العربية / اشراف: محمد شفيق غربال: ج1 ، ص767 . معجم المصطلحات الدينية / الدكتور خليل احمد خليل: ص68 . التيار الاسلامي / الدكتور مجاهد مصطفى بهجت: قسم18 ، ص89 .
26. دائرة المعارف: ص493 .
27. المنجد في الاعلام: ص274 .
28. الموسوعة الميسرة في الاديان والمذاهب المعاصرة / الدكتور مانع الجهني: ص15 . الخوارج في العصر الاموي / الدكتور نايف محمود معروف: ص219 .
29. الخوارج اصول وعقائد / حبيب طاهر الشمري: ص160 . معجم الفرق الاسلامية: ص113 . الموسوعة السياسية: ص632 . المنجد في الاعلام: ص274 .
30. الغلو والفرق الغالية: ص282 .
31. المعجم المفصل في الادب / الدكتور محمد التونجي: ج1 ، ص418 .
32. ادب الخوارج في العصر الاموي / سهير القلماوي: 150 .
33. الخوارج / الدكتور ناصر بن عبدالكريم الفعل: ص30 .
34. تاريخ التراث العربي / فؤاد سزكين: ج3 ، ص60 . تاريخ الادب العربي / عمر فروخ: ج1 ، ص491 . البيان والتبيين: ج3 ، ص265 .
35. وردت كلمة «تقي» ، «ولي» بدل «كريم» في مصادر كثيرة .
36. الاشعاع القرآني في الشعر العربي: ص118 . مروج الذهب / المسعودي: ج2 ، ص428 . صبحي الاعشى / احمد القلقشندي: ج13 ، ص226 . شعر العصر الاموي / تدقيق: زهير يازجي: ص5 . تاريخ الادب العربي: ج1 ، ص491 . اعلام الادب / الدكتور عبدالمنعم الخفاجي: ج1 ، ص147 . الوسيط في الادب العربي وتاريخه: ص361 .
37. مروج الذهب: ج2 ، ص435 . الاذكياء / الحافظ عبدالرحمن بن الجوزي: ص239 . الكامل في التاريخ: ج3 ، ص171 .
38. الاعلام: ج5 ، ص70 .
39. مروج الذهب: ص235 . تاريخ الادب العربي: ص490 .
40. شرح ديوان جرير / شرح: تاج الدين شلق: ص12 .
41. ديوان الاخطل / شرح: راجي الاسمر: ص6 .
42. الفواضل: النعم الجسيمة .
43. السيب: العطاء .
44. المن: الفخر بالاحسان .
45. ديوان الاخطل / شرح: راجي الاسمر: ص234 .
46. المطايا: وهي ما يركب من الدواب .
47. الراح: باطن الكف .
*********************************** *********
يتبع
|