الكلمة (الرائعة) التي القاها محمود درويش في ذكرى اربعين الراحل ممدوح عدوان
(1)
على أربعة أحرف يقوم اسمكَ واسمي، لا على خمسة. لأن حرف الميم الثاني قطعة غيار قد نحتاج إليها أثناء السير على الطرق الوعرة.
في عام واحد وُلدنا، مع فارق طفيف في الساعات وفي الجهات. وُلدنا لنتدرّب على اللعب البريء بالكلمات. ولم نكترث للموت الذي تدقه النساء الجميلات، كحبة جوز، بكعوب أحذيتهن العالية.
عالياً، عالياً كان كل شيء... عالياً كالأزرق على جبال الساحل السوري. وكما يتسلق العشب الانتهازي أسوار السلطان، تسلقنا أقواس قزح، لنكتب بألوانها أسماء ما نحب من الأشياء الصغيرة والكبيرة:
يداً تحلب ثدي الغزالة،
مجداً لزارعي الخس في الأحواض،
شغف الإسكافيّ بلمس قدَم الأميرة،
ومصائر أخرى لجمهور مطرود من المسرح.
لم ننكسر بدويّ هائل كما يحدث في التراجيديات الكبرى، بل كأشعة شمس على صخور مدببة لم يُسفك عليها دم من قبل، لكنها أخذت لون النبيذ الفاسد. ولم نصرخ، هناك، لأن لا أحد، هناك، ليسمع، أو يشهد.
دلّتني عليك تلك الضوضاء التي أحدثتها نملة بين الخليج والمحيط، حين نجت من المذلة، واعتلت مئذنة لتؤذن في الناس بالأمل،
ودلّتكَ عليّ سخرية مماثلة!
ولما التقينا عرفتُكَ من سُعالك، إذ سبق لي أن حفظته من إيقاع شعرك الأول، يُفزع القطط النائمة في أزقة دمشق العتيقة، ويبعثر رائحة الياسمين.
لم يكن لنا ماض ذهبي على أهبة العودة، كما يدعي رواد المقهى الخائفون من القبض على قرون الحاضر الهائج كالكبش، ولا غد أكيد، خلفنا، كما يدّعي رواد الشعر الخالي من الملح، المتخم بفراغ المطلق.
لم نبحث إلا عن الحاضر.
ولكننا، من فرط ما أهنّا، بشّرنا بالقيامة بصوت مرتفع، أثار علينا غضب الملائكة المنذورين لصيانة اللغة الصافية من غبار الأرض، والباحثين عن الشعر الصافي في جناح بعوضة.ودُعينا، في غرف التشريح معقّمة الهواء والكلام، إلى بتر المفردات كثيرة الاستعمال. وسرعان سرعان ما علاها الصدأ من قلة الاستعمال، وفي أولها: الحياة... ومشتقاتها.
لكننا آثرنا أن نخاصم الملائكة.
ممدوح لا أطيق سماع اسمك الآن، لأنه يذكّرني بما ينقصني من رغبة في الضحك معك على عورة بردى المكشوفة كأسرارنا القومية. ولأنه يذكّرني بمدى حاجتي إلى استراحة من الركض آناء النوم، بحثاً عن حلم مسروق، أراه واضحاً وأحاور السارق. ويذكّرني اسمك بما أنا فيه من طقطقة كأني حبة بلوط في موقد الفقير ليلة العيد.
لهذا، أكتب اسمك ولا ألفظه، ففي الكتابة يتموّج اسمك على ماء الحضور. وفي الكلام أسمع وحش الغياب يطاردني من حرف إلى حرف، ليفترس الشلو الأخير من قلبي الجائع إلى هجائك المادح.