مرحب من جديد
التحليل النفسي في الإسلام :
لقد وُجد في الإسلام أفراد عاديون كانوا يستطيعون اكتشاف الضمير الباطن للأشخاص والوصول إلى أسرارهم عن طريق تفسير أحلامهم لم يكونوا مدعين للغيب بل كانوا أشخاص عاديين لكنهم أذكياء في الوقت نفسه وإن بعض نماذج تفسيراتهم للأحلام مهمة وراقية إلى درجة أنه قلما نجد لها مثيلاً في جميع كتب علم النفس في العصر الحديث.
من الأشخاص الذين اشتهروا في تفسير أحلامهم (ابن سيرين). لقد بدأ التحليل النفسي عن طريق الحلم قبل ثلاثة عشر قرناً وأوضح الحقائق الغامضة الكثيرة عن هذا الطريق شخص اسمه محمد وكان معاصراً للحسن البصري وكان أبوه (سيرين) صفاراً.
ثم جاء بعده الإمام الكبير شيخ العارفين عبد الغني النابلسي فأعطى هذا العلم حلته البهية وجماله الباهر بما منحه الله من العلم والمعرفة.
وقبل أن نعرض لبعض النماذج عن تفسير الأحلام في الإسلام من وجهة التحليل النفسي لابد من أن نتطرق إلى ناحيتين:
ربط الحلم بالعواطف:
إن العواطف الدينية والثقافية تختلف في كل أمة عن غيرها من الأمم فهناك فرق شاسع بين مسلم متعرف على تعاليم القرآن الكريم وبين آخر بوذي ... وطبيعي أن تكون أحلام المسلم ممزوجة بالعواطف الإسلامية والمشاعر القومية له وأن تظهر أحلام البوذي في صورة متناسبة مع اعتقاداته القومية والدينية .
والشخص المفسر للأحلام يستطيع أن يقوم بمهمته بصورة جيدة متى كان عارفاً بالعواطف الدينية والثقافية القومية للشخص الحالم .ولهذا فإن المفسرين المسلمين للأحلام يستندون إلى الآيات القرآنية والأحاديث الدينية التي تستند إليها عواطف الناس ومشاعرهم.
"يعتقد فرويد أن الذين يكونون على مستوى واحد من الثقافة يستعملون إشارات وعلائم متشابهة في معالم الوجدان الباطن لهم ويجب اكتشاف هذه الإشارات والرموز من خلال أحلامهم"
الرموز والكنايات في الحلم :
غالباً مالا يسمح الإدراك الوجداني للقبح والنفور الاجتماعي أو الأخلاق والآداب العامة في ظهور محتويات الضمير الباطن بالصورة الحقيقية في الحلم لذلك فإن الأفكار المخيفة تظهر في صورة المظاهر المختلفة وعلى شكل رموز أو كنايات فعلى المفسر أن يكون على جانب كبير من الفراسة والذكاء لكي يستطيع أن يكشف من الصورة الظاهرية للحلم والتي ملئت رموزا وكنايات الحقيقة التي تكمن ورائها ويفسر الحلم بذلك تفسيرا كاملاً.
" إن أسلوب الحديث في هذا العالم اللاشعوري لابد أن يختلف عن أسلوب الحديث في الحياة الظاهرية التي تعودناها اختلافاً بيناً وأننا لا نستطيع في بادئ الأمر أن ندرك المقصود من تلك الأحاديث فيجب في الوهلة الأولى أن نسعى لتفسير وتوجيه مظاهرها بحسب الألفباء المصطلحة عندنا لأن لغة الأحلام تشبه اللغات البدائية في أنها مكونة من رموز وعلائم ولابد من تفسير هذه الرموز في كل مرة حسب الاصطلاح الجاري والمعمول به عندنا".
وقد جاء في الحديث :" للرؤيا كنى وأسماء فكنوها واعتبروها بأسمائها "
إن تبدل الشكل الباطن إلى الصورة الظاهرة نسميه بالحلم والعمل المعاكس له بتبدل الصورة الظاهرة بالباطن نسميه بالتحليل.
فرويد ونظريته البتراء :
إن الموضوع الجدير بالانتباه هو أن نظرية فرويد حول الأحلام بتراء وغير ناضجة. لقد نظر فرويد كغيره من الماديين إلى جميع الأمور نظرة مادية فقط. وكما انحرف عن الطريق السوي في موضوع الخالق والدين , فقد انحرف –لاتجاهه المادي البحت- في موضوع الأحلام أيضاً , ولم يستطع أن يدرك الواقع من جميع جهاته . إنه يرى الأحلام مظهراً للأفكار الباطنة فقط.
"يمكن وصف الحلم بأنه تحوير الأفكار الخفية إلى الشكل الظاهر والخلاصة أن الحلم ليس موجودا, لا يخلق شيئا من نفسه ولا يحكم أو يستنتج"
" إن عمل الحلم عبارة عن التلخيص أو الإيجاز, التبديل أو التحوير, تغير الصورة أو التمثيل... ومن ثم فهو التنظيم والطلي بالشكل الذي انتهينا من شرحه قبل قليل"
" والذي يبدو لي أن قسما من محتويات الحلم يكون نتيجة للنشاط الذهني في النوم , ولكن الذي يتضح من تحليل الحلم أن هذه التعقلات كانت موجودة في الأفكار الباطنية للشخص الحالم . وظهرت بعينها في النوم"
" كل قصة منطقية واستنتاجيه تشاهد في الحلم هي نفسها التي كانت موجودة في الأفكار الباطنية"
وكما أن الكهنة كانوا يفسرون الأحلام بالتنبؤات عن الواقع المستقبلية وكن تفسيرهم خاطئا...
وكما أن طائفة من علماء القرن السادس عشر والسابع عشر كانوا يرونها معلومة لسلسة من الأعمال العضوية ونشاطات بعض الأنسجة العصبية , وكانت نظرتهم هذه خاطئة...
كذلك نظرية فرويد في حصر الأحلام بخصيصة نفسية واحدة وهي أنها مظهر للوجدان الباطن.. فإنها غير صحيحة , إن مالا شك فيه أن طائفة من الأحلام عبارة عن تجليات الضمير الباطن وهذا القسم منها يعتبر سليما يربط وادي النفس الخفية بوادي النفس الظاهرة. وهذا ما قال عنه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم :" والذي يحدّث به الإنسان نفسه , فيراه في منامه"
وهذه الطائفة هي التي قام بتفسيرها على أحسن وجه (علماء الإسلام ) في عدة موارد. لقد توهم فرويد أن جميع الأحلام يجب أن تفسر وتعبر باللغة نفسها , و إن منشأ خطأه هو حصره هذا .
الحقائق المجهولة :
ما أكثر الأشخاص الذين توصلوا إلى اكتشاف حقائق مجهولة في الماضي والحاضر عن طريق الأحلام , ولطالما كان الحلم مخبراً بصرة صريحة أو مع شيء من التحوير –وبمساعدة التفسير- عن بعض الحقائق التي لم تكن تخطر على بال الرائي أو ضميره الباطن ! وإن هذه الطائفة من الأحلام من الكثرة بمقدار أنها لا تقبل الإنكار والتكذيب . وهناك في الأسر الشرقية والغربية أفراد عديدون تقع لهم أمثال هذه الأحلام.
لقد توفيت زوجة أحد العلماء القديرين المعاصرين, وكالنت تطلب في أيام حياتها مبلغا مهما من المال من شخص ما ويوجد عندها سند يثبت الدين , والمدين طالبهم بالسند الرسمي, ولقد قامت ابنة المتوفاة بالبحث عن السند في البيت كله وفي أي مكان تحتمل وجوده فيه دون أن تصل إلى نتيجة. ولم يكن مستعدا لدفع دينه دون أ يقبض السند الرسمي . فئيس الورثة من استحصال الدين . وفجأة رأت الخادمة في الحلم أنها رأت سيدتها المتوفاة تأمرها بأن تخبر ابنتها بأن السند في جيب الثوب الفلاني. وهذه الرؤيا لا يمكن تفسيرها حسب أصول التحليل النفسي لفرويد . فليست ظهورا لمكنونات الضمير الباطن للخادمة. فإن الخادمة لم تكن تعرف عن موضوع الدين والسند أي شيء أصلا , حتى تعرف محله!
لهذا النوع من الأحلام حساب خاص , أوضحه النبي صلى الله عليه وسلم"... بشرى من الله" كما مر, وهي نوع من الإلهام الإلهي وهي كثيرة إلى درجة أنها لو جمعت من كل عصر لأصبحت بصورة كتاب كبير . لم يتحدث فرويد عن هذا النوع من الأحلام أصلا ولايستطيع أن يقول شيئا عنها ,ذلك أن فرويد رجل مادي , وأن الاعتراف بهذا النوع من الأحلام والإذعان لها ( وهي تكشف عن حقائق مجهولة تماما ) لازمه الإعتراف بالمبادئ الروحية والتصديق للاعتراف بهذا الأمر. هب أن امتناعه عن الاعتراف بالحقيقة لايغير من الواقع شيئا ولا تستطيع أفكاره الهوجاء إخفاء مسلمة تملك آلاف الشواهد الحية عند شعوب العالم المتحضر.
وللموضوع بقية