01-04-2007, 09:38 PM
#3
تاريخ التسجيل: Oct 2005
رقم العضوية: 1137
الجنس: ذكـــر
العمر: 42
المشاركات: 11,331
التقييم: 2329
مزاجي:
My MMS
الْدُنّيَا مُؤَقَتَاً
رد: عالم عرفات ... السري
ويقول عضو المجلس الثوري لحركة فتح يحيى رباح «إن أبو عمار كان على وعي كامل بخطورة القضية التي يحمل أمانتها، وبحجم التداخل الاقليمي والدولي في هذه القضية، وكان على ثقة مطلقة بأن الآخرين لهم أيدي وأصابع في الإطار الفلسطيني، ولذلك كان يتوقع كل شيء، ويحافظ على أسراره بعيدا عن تلك الأيدي».
ويشكك المحلل السياسي طلال عوكل في إمكانية قيام الرئيس عباس بإعطاء ضوء أخضر لأية لجنة بفتح الدفاتر في الوقت الحالي، أو في المستقبل المنظور، نظرًا لما تمر به السلطة والشعب الفلسطيني بمجمله من أحداث جسام، وحاجة الرئيس عباس إلى الكثير من الهدوء لعلاج الإشكاليات القائمة حاليًا، خاصة أن ما خطه الرئيس الراحل بيده قد يمس أشخاصًا في مواقع مسؤولة، أو حتى رؤساء عربا وأجانب، وهو الأمر الذي قد يخلق إشكاليات جديدة هو في غنى عنها.
وعلى الرغم من خطورة وأهمية ما تركه عرفات من دفاتر، وما قد تحدثه كتاباته تلك من ردود فعل، إلا أنه لم يكن كاتبًا، أو محترفًا للغة، فهو لم يكتب قط خطابًا واحدًا في حياته، بل كان يستعين بمستشاريه ورفاقه في القيادة لكتابة خطبه؛ أبرزهم ياسر عبد ربه وأحمد عبد الرحمن والطيب عبد الرحيم ونبيل عمرو وأكرم هنية، إضافة إلى يحيى رباح.
ويقول الأخير إن أبو عمار كان يراجع الخطاب مراجعة دقيقة، ويضع لمسات خاصة عليه، كان أهمها ما يتعلق بمفاصل الموقف السياسي، وآيات قرآنية، وعبارات عامية، كان يرددها دومًا في خطاباته، مثل: «اللي مش عاجبه يشرب من بحر غزة.. وإحنا وإياهم والزمن طويل. إلا أنه دائما ما كان يخرج عن النص المكتوب، ويرتجل بحرارة شديدة، وهو الارتجال الذي طالما ألهب مشاعر الناس، وهو ما دفعنا دائمًا ـ كما يضيف رباح ـ إلى نصحه بعدم الارتجال «تحسبًا من أن تقوده مشاعره عبر الارتجال إلى عواقب سياسية كان يتجنبها، لكنه لم يكن يستجيب لنا».
ومراعاة لصحته ووزنه، وكي يتمكن دائمًا من أن يكون في اللياقة الملائمة بسبب الساعات الطويلة التى يقضيها فى المكتب او الاجتماعات، كان أبو عمار يمارس رياضة المشي داخل مكتبه، ويخضع نفسه لنظام غذائي قاس، وكانت أهم الوجبات الأساسية التي يتناولها الذرة وشوربة العدس والخس وصفار البيض والفول والحلاوة بالعسل، إضافة إلى الخبز المحمص مع حبة البركة، والتي غالبًا ما كان يفرضها على ضيوفه ومقربيه، الذين كانوا يتقبلونها مكرهين لغرابة مذاقها، ومن العادات الاخرى لعرفات، قيامه بإطعام الجالسين حوله من الطبق الذي أمامه، فيناولهم الطعام بيده، كما كان صاحب نكتة على الطراز المصري، وعادة ما كان يلجأ إلى الهروب من روتين العمل والسياسة إلى التخفيف عن نفسه بقراءة القرآن الكريم، أو بمناقشة الأوضاع الشخصية لمقربيه وضيوفه؛ بدءا من أخبار أطفالهم، وانتهاء بطريقة لباسهم وصحتهم، من دون أن يعرج على السياسة.
في المقابل كان أبو عمار يعمل ساعات طويلة، تصل إلى عشرين ساعة يوميًا، يقرأ خلاها أكثر من ثلاثة آلاف ورقة؛ نصفها تقارير عمل أمنية وسياسية واقتصادية، وترجمات عن كبريات الصحف الأميركية والإسرائيلية، ونصفها الآخر رسائل قصيرة، وكتب مساعدة من المواطنين، ما بين مساعدات زواج وعلاج في الخارج، وطلبات توظيف، وخلال تلك الساعات العشرين، كان أبو عمار يلتقي بالمئات من كبار موظفيه وضيوفه وقادة ونشطاء من مختلف التنظيمات الفلسطينية والمؤسسات الأهلية، وعرف عنه تمتعه بذاكرة قوية تحفظ ملايين التفاصيل وأسماء الناس، وكان لا ينسى وجها رآه على الإطلاق.
ويصف أحمد عبد الرحمن تفاعل عرفات مع الكلمة المكتوبة بتعاطي تاجر الذهب مع مجوهراته، ويقول: كان أبو عمار يدقق في كل كلمة وجملة تكتب له، سواء باسمه أو باسم اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، أو اللجنة المركزية لحركة فتح، وكان عادة ما يمسك بالقلم الأحمر محاولاً تطويع لغة الخطاب، وصولاً إلى المعنى الذي يريد، حتى لو وصل الأمر به بعد ساعات من التدقيق إلى خلق انزلاق في اللغة لخدمة المعنى الذي يريد، وكان يقول دائمًا «إن ثمن الكلام دم فلسطيني»، مشيرا إلى إن استخدام أبو عمار القلم الأحمر كان لقناعته ان اللون الأحمر يوحى بهيبة وسلطة القرار. ويؤكد عبد الرحمن أن الرئيس عرفات كان خير من يعبر عن الموقف السياسي، ولو باللغة العامية، وكان يضيف مجموعة من الكلمات والجمل إلى أي خطاب كنا نقوم بكتابته، ولم يكن يخرج عن النص المكتوب في خطاباته الشعبية أو الرسمية، في الأمم المتحدة والقمم العربية والدولية، إلا في مجال التعبئة العامة لتحريك الجمهور، بعيدا عن المساس بالموقف السياسي الذي يكتب كلماته بعناية فائقة. ما يقوله عبد الرحمن في دقة أبو عمار خلال الكتابة، واستخدامه اللون الأحمر فقط في دفاتره الصغيرة، يؤكد الأهمية الكبيرة برأي المراقبين لما تركه الرئيس الراحل من كتابات، بل يتجاوز ذلك بنظر عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية جميل مجدلاوى إلى إمكانية أن تخلق كتاباته نقلة نوعية في اي تحقيق جدي يفتح حول ظروف موته، وهو التحقيق الذي لم يراوح نقطة الصفر منذ رحيل عرفات في الحادي عشر من شهر تشرين الثاني (نوفمبر) عام 2004، نظرًا ـ كما يقول عوكل ومجدلاوى ـ لتشعباته وامتداده إلى عواصم عربية وغربية، وظروف التخبط والحصار والتغير الذي تمر به السلطة الفلسطينية، ومحاولة بعض التيارات السياسية إدخال ملف التحقيق دائرة المزايدة السياسية فيما بينها من دون أي اعتبار للبعد الوطني والتاريخي. وإلى أن يتم فتح دفاتر عرفات، وحل لغز وفاته، يمكن القول إن (أبو عمار) الذي عاش حياته غريبًا واستثنائيًا ومحيرًا في كل شيء، أبى إلا أن يكون كذلك حتى في مماته، ولو إلى حين.
اقتباس المشاركة