رد: الزحف على الزجاج
ومرت الأيام كالرياح العاصفة , لا
بل قل كالأعاصير , أو قل كسرعة البرق , تلك هي طفولة كل انسانفينا , تمر احلى
لحظات عمره أمامه كأنه سهم أو كأنها البرق , فلا يبق لدينا سوى الذكريات لنكتب
عنها كلماتنا تمجدها او تحيينا فيها الحروف مرة اخرى كمن عدنا سنينا للخلف .
وبدأت الجيل يزيد والسنة تودع سنة وتستقبل أخرى , والجسم يكبر , وملامح الرجولة
تبدأ بالظهور ,وازدادت مع سني عمره الهموم والمسؤوليات والآمال وكبرت الأحلام ,
وعرف أن للأحلام حدود .
وجاء يوما أسودا على حياة طارق حين نادى أخوه الكبير على أمه بأن تتكلم للهاتف ,
ففجأة يسمع صوت أمــه يصيح ويزمجر كأنه بوق يوم الآخرة من الولولة والعويــل ,
والدموع تملأ عينيها كأن
هناك خطب ما وملامح وجهها ترفض تصديق خبرا وواقعا ما .
بدأ طارق بالبكاء لمجرد رؤية أخوته يبكون , ويولولون , ففهم وقتها بأن ما كان يسمى
سقف البيت قد انهار!
لم يك يفهم ما معنى سقف البيت الذي انهار , ولكن فهم شيئا واحدا : أن أبوه الذي
وعده بدراجة هوائية حين ينجح بالفصل الدراسي الأخير , لم يأت له بها بعد , لا بل أن
أباه لم يعد مذ ذلك الوقت .
وفي اليوم التالي وجد الناس متجمهرين حول سيارة اسعاف كبيرة وينزلون منها سريرا
كبيرا مغطى تفوح منه رائحة الدم المتخثر , وزاد العويل والبكاء وكأنه الرعد القوي جدا .
وأدخلوا السرير الى البيت ومن ثم اخرجوا منه جسما لشخص يبدو نائما وكان طارقا مراقبا لكل تلك الامور .
فلاحظ من بعيد وجه أبيه فصاح وقال : أبـــي ... عدت أخيرا .. أين دراجتي التي وعدتني ؟؟
لم يحرك أبوه ساكنا , فانفجر الاخ الأكبر بالبكاء وحضن طارقا بقوة وقال له : أبوك قد مات ...!!
لم يكن يفهم بعد طارق ما معنى الموت وما معنى أن الشخص قد مات , فصارت في مخيلته أن شخصا
ينام بغير ساعات النوم المعتادة فأنه قد ذهب للموت , او أن الناس يبكون حوله - فأخذ يتذكر حين كان طفلا
وكانت امه تبكيه عندما يمرض - فأنه يكون قد مات , ودارت برأسه افكارا وافكار .
فجأة اخذ شخصا ما غريبا برشه بالماء , ولفه بقماش أبيضا , وتطييبه بأجمل الروائح والمسك .
وحملوه على الأكف الى صندوقا كبيرا كالسرير يبدو , ولفوه بحطة فلسطينية كان يلبسها عند الشتاء
والبرد القارس , وساروا به الى المسجد الكبير .
حينها ام طارق بدأت بالصياح الذي بدأ بازدياد وهي تقول : الله معك يا ابو ولادي , بخاطرك يا حجي .
حينها فهم طارق بأن ما يحدث ليس مجردد حدث عابر , فقد تغير كل شيء في البيت , اختفت البهجة,
لم يعد يفتح التلفزيون ليتابع برامجه المفضلة مثل العادة , ولاحظ بأن أمه أصبحت تجلس مع نفسها كثيرا
والدموع تنهمر من عينها كلما رأت طارقا .
ومرت الأيام , ولم تتغير ولا تتبدل الأحوال , بل زادت الأمور سوءا وهوان , واختفت كسرة الخبز حتى من
البيت , وصار ينام طارق واخوانه وبطونهم فارغة من كل شيء .
الأم تكاد تفقد يصرها من ماكنة الخياطة التي من خلالها تحاول الحصول على بعض القروش لاعالة الاولاد
ليتمموا تعليمهم , والاخ الأكبر أكمل الاعدادي وخرج ليعمل لكي يساعد امه على اعالة البيت ومصروفاته.
اما طارق فقد كان ذكيا جدا ورغم محاولات عمله في العطل فلم يكد يكفيه للوازم الكتب الدراسية .
وبدأ يعمل يتوزيع الجرائد كل صباح صيف شتاء في ايام المدرسة والعطل , قبل المدرسة او في الطريق
وهنا بدأ فعلا طارق يكتسب صفات الرجولة والمسؤولية الشخصية ....
إلى أن جاء ذاك اليوم الذي سنكمل عنه في الحلقة التالية ان شاء الله ...
|