أخذوا الأم الحـامل , بسرعة البرق , بساعات الصباح الباكرة جدا , في أحد الأيام الأخيرة من الربيع
أخذوها إلى المستشفى , لعلهم يدركوا لحظة الولادة في أحد غرف الولادة في المستشفى
الذي يبعـد عن قريتهم قريبا من أربعين دقيقة من السفر , وكم كانت محظوظة بأن زوجها مستور
الحال , وكان يملك سيارة , في ذلك الوقت , حيث كان امتلاك السيارة أمـر صعب ..!
ما هي إلا أربع ساعات وإذ بصوت بكاء طفـل يدوي خلف ذلك الباب , وخرجت الممرضة بعد دقائق
لتبشــر بولادة الإبن السابع " .... " وكأنها كانت أول ولادة ..!!!!
فرح الوالد كثيرا أولا بسلامة الأم وثانيا بسلامة الإبن , وحمد الله وشكره مرارا وتكرارا .
خرج الطفـــل إلى النور لأول مرة , محاطا بأصحاب العبايات البيضـاء الناصعة النظيفة كالثلج , وببسمات
لا تفارق محياهم , رغم ذلك كان خائفا , فصدح بكاءه أكثر وأكثر , وعلا أكثر وأكثر ( ربما خوفا منهم وربما لا ) ,
أو ربـما كان يعلم ماذا يخبأ له القدر مستقبلا ....!!
دعونا من المستقبل ولنكن بهذا الحاضر الفرح , بولادة الإبن الجديد الذي أسموه طارقا بعد حيـن من التفكير.
حملوه وعادوا به إلي بيته , إلى كنفه , وسريره الذي كان سريرا لثلاثة قبله على الأقل (حسب رواية الأم
لجاراتها الاتي تساءلن عن عدم شراء سرير جديد له فكان جوابها قاطعا : بعده جديد!!) .
وزعوا الحلويات والسكاكر , وأقاموا حفلة المشاوي على شرف "تطهير" طارق , حيث كان إبن 10 أيام .
كم كان قاسيا ذلك اليوم , فهو بالكاد إبن عشرة أيام وها هم يعذبونه بتلك الطريقة المتوحشة ....
لا يكاد ينام الليل بعد تلك الحادثة , والآخرين ينظرون إليه وهم ضاحكون , سوى تلك العيون الدامعة لتلك
الواقفة هناك على حافة باب الغرفة بنظراته وحسراتها ودموعها الساقطة كزخ المطر على ما تراه
وما يفعلونه لإبنها المسكين الذي لم ير شيئا من الأيام ويتلقى هذا العذاب .
مرت الأيام والليالي , أكثرها بكاء , وأمراض , ونفس اللاتي يلبسن العباءات البيضاء , أول من رأى حين
رأى نور الدنيا , يعذبنه أكثر , بواسطة تلك الأشياء التي تغرز في جسده كالسكاكين , بحجة العلاج..!
قالوا عن طارق بأنه غير باقي الأطفال , كان جميلا كالملاك (قالوا) , ذكيا جدا (قالوا ) , ويسبق جيله ..!
فقد بدأ بالزحف مبكرا جدا , وبدأ بلفظ الكلام والتأتآت مبكرا جدا , وبدأ بالمشي والوقوع مبكرا جدا , على
عكس أبناء جيله .
كان زحفه بدايــة على البساط الناعم , والمفروشات , ولكنه لم يكن يعلم بأن الزحف الآتي له في عمره
سيكون على الزجاج ..!!!!
يتبـــــــــــ ع