رد: ||مسابقة القصة القصيرة||
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته......
قرأت هذه القصة وأعجبتنىكثيراً وهى بقلم الكاتب((خالد نايف صافى))...
صقر عـــــــــائد
ربوة عالية تلك التي حاولتُ جاهداً مع كرسيي المتحرك تجاوزها، حتى فوجئت بيدين قويتين تمسكان بمقبضي الكرسي وتدفعانني بخفة، خطفتُ نظرة سريعة للخلف لأتعرف مساعدي وأشكره، ولكن الشمس التي واجهت عيني حالت دون تمييز ملامحه، فلم أر سوى خيوط أشعتها تتخلل لحيته الكثيفة وشعره الكث، وهو يحجب جلّ ضوئها بجسمه المتين.. ومضى يسير بي بين الزحام بعد انتهاء مراسم تشييع جنازة الشهيد، كالعادة.. فقد اقترنت صلاة الظهرِ بصلاة الجنازة، وقد تعودتُّ أن أمشي.. عفواً.. أن أمضي بكرسيي المتحرك خلف كل جنازة، أبغي الثواب من الله، علّه يمن عليّ بالشهادة يوماً.. كم كنت أتوق حمل الكفن، أو حتى لمسه، ولكنني دوماً أكتفي بالنظر إليه من بعيد، وأنا أدفع عجلات كرسيي لاهثاً خلف الركب المهرول.. سمعته يدعو ويتمتم كلما مررنا بصورة تذكارية من تلك المرسومة على جدران الطريق المؤدية لمقبرة الشهداء، كنقش في جدار التاريخ.. حتى وصلنا لصورة تجمع ثلاثة شهداء، فتوقف عن المسير.. وكذا أنا، فنظرت مستغرباً، ليس من فعله، ولكن من الصورة نفسها.. ثلاثة شهداء.. استُشهد اثنان في عملية اقتحام بطولية، أما الثالث فتم اغتياله لاحقاً.
أذكر حين شُيّعت جنازة الثالث وصل نبأ استشهاد الاثنين المقتحميْن بعدها بأسبوع.. فما الذي جمع ثلاثتهم في صورة واحدة؟ تكفّل صمتي ببرق تساؤلي، ففهم.. ومضي يجيب:- "كان يمكن أن تحتفي الجنة بأربعة شهداء يومها، فالثلاثة استشهدوا في نفس الليلة"، واصل ولم أقاطعه وأنا أستمع لحديثه موليه ظهري.. وبدأ يروي…
-"إني ذاهب يا أمي.. دعواتك!!.. فأحمد ينتظرني" نطق بها ذلك الشاب الملتحي على عجل، وهو يهندم ملابسه.. فخرجت أمه من المطبخ ويداها (مشغولة)، تقول في استغراب:- "لقد انتهيت تقريباً من إعداد طعام العشاء.. ثم مَن أحمد هذا الذي ستخرج معه ليلاً؟" ابتسم ابتسامة ذات مغزى، وقال بسرور:- "عشاء في الجنة أفضل.. مع أحمد المصطفى إن شاء الله.. أليس كذلك؟" ابتسمت لكلماته، وهزت برأسها تصلي وتسلم على النبيّ صلى الله عليه وسلم وهي تقول:- "لا تتأخر كثيراً.. لا بد أن ننهي مع عمك أمور خطوبتك على نهاد الأسبوع القادم".
هز برأسه موافقاً وهو يضع اللمسات الأخيرة، ويتأكد من حاجياته، ذهاباً وإياباً وهو يحادثها:- "لا تشغلي نفسك بزواجي كثيراً.. تهمني الآن دعواتك أكثر من أي شيء آخر" وخرج تاركاً إياها تدعو ربها ضارعة بأجمل ما تدعو الأم لابنها.
انطلق، وهو لا يعلم إن كان سيعود ثانية أم لا؟.. لا يعرف هل سيكون له نصيب في الزواج من ابنة عمه أم سينعم مع حور العين جوار الحبيب؟.. ترك العشاء!!.. فلربما عشاء عند الله أفضل! وصل إلى حيث صديقه أحمد فاستقبله مصافحاً بقوله:- "لقد تأخرت كثيراً يا عائد.. أين كنت؟".
رد وهو يبادله المصافحة:- "ودّعت أمي.. أنت تعرف.. ليس لها أحد سواي.. منذ وفاة والدي رحمه الله، وهي مصرّة على زواجي الآن".
عاوده السؤال:- "أرجو ألا تكون قد لاحظتْ شيئاً، خلال حديثك.. أنت تعرف.. السرية ضرورية جداً في عملنا هذا".
ثم ابتسم ضاحكاً يسأله:- "هل ستسبقني إلى الزواج؟! وتتركني وحيداً مع عالم العزوبية؟!"
حاول تغيير مجرى الحديث بقوله:- "لا تقلق.. لن أفعلها قبلك.. المهم، هل تمت كل الترتيبات على خير؟".
أومأ إيجاباً وأضاف:- "أكرم وفارس هنا من فترة، ونحن في انتظار إشارة البدء كما أوعز صقر".
عندها ارتفع رنين جواله، فتناوله عائد، وأخذ يستمع لمحدثه باهتمام، أنهى حديثه وشجب الجوال على وسطه، واستدار مواجهاً أعضاء فريقه يشرح لهم تفاصيل الخطة:- "سيقوم صقر ومحمد بقصف غرب المستوطنة بقذائف الهاون؛ ليُشغلَ الجنود، في حين نقوم نحن بالتسلل من ناحية الشرق لزرع الألغام في طريق كتيبة الدبابات التي تم شحنها الأسبوع المنصرم، سندخل أنا وأحمد بينما ينتظرنا أكرم وفارس عند الأسلاك الشائكة حتى نعود.. ساعة الصفر صوت قذائف الهاون.. هل هذا واضح؟".
أومأ الكل إيجاباً، ثم حملوا معداتهم في صمت، ومع انفجار أول قذيفة هاون انطلقوا بسرعة وخفة صوب الأسلاك المكهربة التي تحيط بالمستوطنة. أخذ فارس يعالجها بمهارة، بدأ من الأسلاك الأرضية، فربط الطرف الأول من سلك طويل في نقطة على السلك المكهرب والطرف الثاني في نقطة أخرى ثم قطع السلك المكهرب بين النقطتين بعد أن تأكد من مرور التيار الكهربائي في الدائرة الجديدة التي صنعها، وانتقل إلى السلك الذي يليه.. وهكذا حتى صنع فجوة كبيرة تسمح لشخص بالمرور، فعبروا كلهم.
وبدون أي كلمة، انقسموا فريقين، توقف أكرم وفارس واستمر أحمد وعائد في التوغل، يراوغان ضوء كاشفات البرج التي تمسح المكان ذهاباً وإياباً، حتى وصلا إلى الطريق الممهدة لمرور الدبابات والشاحنات.. فأخذ كل منهما مكاناً يحفر فيه بقوة؛ لزرع اللغم الذي يحمله.. كان العمل مجهداً بحق.. والعرق يغرقهما رغم برودة الجو.. والضوء يهدد بفضح أمرهما كلما مر طيفه جوارهما.. وصوت انفجار قذائف الهاون في الناحية الغربية يصم الآذان.. تتوقف القذائف فتنطلق نبضات قلبيهما بقوة أكبر.. وأنفاسهما تلاحق يديهما وهي تعمل في سرعة ومهارة.. حتى انتهيا من عملهما في وقت واحد تقريباً، فارتسمت ابتسامة نصر على ثغريهما، لاحظ فارس بريقها من مكمنه، فأخذ لسانه يلهج بالدعاء متضرعاً إلى الله في خشوع.. قفلا راجعين بعد نجاح المهمة، يتواريان من ضوء الكشافات ثانية، إلا أن عائد لمح مجموعة من المشاة تهرول تجاه مكان الانفجارات، وفرصة النيل منهما سائغة، فمن مكمنه يستطيع أن يجندلهم عن بكرة أبيهم بعون الله، فأخذ قراره بسرعة البرق، وأطلق النار دون حتى أن يُعلم رفيقه الذي استدار إليه في دهشة، ثم ما لبث أن هضم دهشته وحذا حذوه، وانطلق سيل رصاصهما يحصد الجنود الذين لم يستوعبوا الأمر بعد، حتى سُلطت بقعة الضوء الكبيرة على المنطقة التي ينطلق منها الرصاص، تتبعها رصاصات حارس البرج الثقيلة، فاحتميا بالأشجار.. ومن مكانه انتفض فارس لينضم لأخويه يؤازرهما لولا أن أوقفه أكرم بقوة، فحدق مشدوهاً وهو يرى دبابة تتحرك باتجاه مصدر الطلقات، وتطلق عليهما قذائفها الصاروخية بلا رحمة، وهي تقترب من مكان الألغام.. وتقترب.. وتقترب.. وعائد يطلق النار بلا توقف.. رصاصة تخدش صدغه وأخرى تخترق منتصف جبهته.. فتخرج من خلف رأسه بتلافيف مخه.. ويسقط يسقط أمام عيني أحمد الذاهلتين.. يطلق رصاصه بسخاء.. وتقترب الدبابة أكثر وأكثر.. وتطلق قذيفتها.. وتنفجر.. تنفجر الدبابة.. بكل من فيها وتنفجر القذيفة.. في أحشاء أحمد.. ويسقط يبتسم ضاحكاً، وهو يخاطب صديقه بصوت خافت متقطع تتناثر مع كلماته الدماء..
- "لقد فعلـ.. فعلناها.. يا بطل.. و.. وسبقتني إلى.. الـ.. الجنة.." وأسلم روحه في هدوء.. وفارس يعض على شفتيه في ألم بعدما رأى مشهدهما، يستشهدان أمام عينيه دون أن يقدر على فعل شيء، فاستكان بين يدي أكرم الذي انطلق به مسرعاً لا يلوي على شيء سوى الخروج من المستوطنة.. وبأقصى سرعة.
- "وكيف استشهد الثالث إذن؟" قاطعت محدثي بسؤالي هذا، والرغبة تنهشني بقوة لمعرفة المزيد، فسمعت تنهيدة قوية يعبُّ معها آلاماً، ويطلق مع زفيرها هموماً طالما تكبد حملها.. وأجاب:- "خطأ.. خطأ بسيط لا يمكن أن يقع فيه مجاهد محنك.. أبداً" آثرتُ الصمت فاسترسل في حديثه.. وعاد يروي.
- "هيا يا محمد.. فالمنطقة كلها مشتعلة، ولا بد أن أبطالنا قد أنجزوا المهمة على أكمل وجه" هتف بهذا النداء ذلك الشاب النحيل، موجهاً حديثه لآخر كان يعاونه في إطلاق قذائف الهاون على المنطقة الغربية من المستوطنة، فانطلقا تجاه سيارة كانت في انتظارهم، فاحتل هو مركز القيادة، تبعه محمد وعلامات الفرح والسرور تغمره. بادره محمد الحديث بسؤاله:- "قل لي يا صقر لماذا لم يتصل بنا عائد حتى الآن يطمئننا على نجاح العملية؟"
تنبه إلى هذه النقطة، فأخرج جواله ورماه له قائلاً:- "تأكد أن الجوال يعمل، وأن الشبكة غير معطلة أو مشغولة، فاحتمال أن يتصل بنا بين الفينة والأخرى" تلقف منه الجوال في فخر، وهو يشعر بنفسه عضواً مهماً، ذا دور بارز في هذه العملية، وكاد ينتهي من تفحصه، حتى ارتفع رنينه وحملت الشاشة اسم المتصل، فقرأه:- "إنه عائد.. أريد أن أسمع صوته يا صقر بعد إذنك" وقرن قوله بالفعل، وفتح الخط أمام محدثه يجيبه، استمع باهتمام بالغ، وهو يومئ برأسه تفهماً.. ثم أنهى محادثته قائلاً:- "نحن في طريقنا إليها الآن" لم ينتظر أحداً ليسأله عن فحوى المحادثة، فقد بدأ يروي هو كل ما دار من حديث:- "توجّه إلى المشفى الآن يا صقر.. لقد كان هذا الطبيب الذي يعالج عائد يقول إن حالته خطرة، وهو يرقد بالمشفى جوار أحمد، وكلاهما في النزع الأخير، ولا بد أن نلقي عليهما نظرة الوداع، ولكن.." صمت بعدها يفكر، فاستحثه صقر وهو يدير عجلة القيادة متجهاً إلى المشفى:- "ولكن ماذا؟.. ماذا هناك يا محمد؟" تردد وهو يفكر في الأمر، ثم قال:- "لا أعرف إنه ثمة شعور لدي.. أشعر أن هناك شيئاً خطأ.. لا أعرف بالضبط.. ربما.. ربما يكون من بقايا القلق الذي أصابني منذ بداية العملية!!.. حقيقة لا أعرف".
وبينما هو غارق في التفكير، والسيارة تقترب من المشفى الكبير بالمدينة، سمع صوت هدير طائرة مروحية، برق خاطر بفكره، فانتفض قائلاً بكلمات متدافعة: - "نعم.. عرفت سبب قلقي.. ذلك الذي كان يحدثني نطق حرف الراء ليس كما ينطقه العربي، بل كانت لهجته عبرية.. أستطيع تمييزها.. صقر.. أظنه كمين.. فأنت آخر من تحدث إلى عائد عبر الجوال؛ لذا من السهل معاودة الاتصال بآخر مكالمة لمعرفة كل من كان وراء العملية.. إنه كمين.. كمين يا صقر.. توقف هنا.." وفتح الباب لمرأى الطائرة المروحية تقترب، وقفز من السيارة وهي تسير بسرعة، في نفس اللحظة التي أطلقت الطائرة قذيفة صاروخية لتستقر في المقعد الأمامي.. حيث يجلس قائد السيارة.. القائد.. صقر.
- "رحمه الله.. وأسكنه فسيح جناته.. نحتسبه شهيداً عند الله" قلتها.. ودمعة تكاد تفر من عيني، وتساؤلات شتى ما زالت تجول بخاطري.. إلا أنني اقتربت كثيراً من البيت، وبالطبع فقد ابتعد محدثي كثيراً عن مكان سكناه، فلم آلفه في منطقتنا من قبل، فأشرت إلى مكان البيت، وأنا أسأل للمرة الثالثة:- "ولكن من الرابع الذي كنت تقصده في بداية حديثك، هل هو فارس.. أم هو محمد؟ ثم.. ثم هناك شيء مهم للغاية.. من أين لك بكل هذه المعلومات؟".
أخذت أفكر في الأمر ملياً.. واجماً شارد الذهن وصلتُ باب البيت، لم أشعر بسكون حركة الكرسي.. فاستدرت إلى محدثي بكامل جسدي لأسمع إجاباته على تساؤلاتي.. أو على الأقل حتى أراه بعدما انقشعت أشعة الشمس..
لكنني لم أجده حيث كان..
لم أجده في المنطقة كلها..
لقد عاد للتحليق ثانية..
كصقر..
عائد
|