رد: فدائي في الوكالة اليهودية ..... !!!
ليل وصباح
لم ينم أنطون في تلك الليلة، وطرد كل الأفكار التي جالت بخاطره حول الوظيفة الثابتة والمرتفعة الأجر والاهم مصير زوجته وأولاده، وقرر أن لا يفكر إلا في شيء واحد فقط.
ولا يعرف أحد عدد فناجين القهوة التي تناولها أنطون في تلك الليلة، وفي الصباح حضن زوجته وأولاده بشدة وبعد أن خرج إلى السيارة ليذهب بها إلى عمله عاد مرة أخرى واحتضن زوجته وأولاده وبدت زوجته مندهشة من تصرف زوجها ولاحظت أن هناك ما يشغله.
ولكن أنطون لم يكن لديه الوقت أو النية لنقاش زوجته فيما يشغله، فالوقت يمضي بسرعة، وانطلق بسيارة العمل، إلى منزل القنصل لنقله إلى مقر عمله، ووقف يستعد لنقل البريد إلى الوكالة اليهودية في شارع الملك جورج بالقدس الغربية.
كانت سيارة القنصل الأميركي، التي يعمل عليها أنطون داود، من نوع فورد موديل عام 1948م، وفي ذلك الصباح كان عليه بعد أن استلم البريد أن يذهب بالسيارة إلى المكان المتفق عليه، وعندما اقترب من المكان أوقف سيارته، ونزل منها متلفتا في كل الاتجاهات ثم سار إلى حيث كان ينتظره رفاقه.
وبعد أن ألقى أنطون السلام على الموجودين نظر إلى صناديق كانت جاهزة في أرضية المكان كتب عليها باللغتين الإنجليزية والعبرية (مواد قرطاسية).
والتفت إلى رفاقه متسائلا:
- ما هذا؟ هل نحن سنلعب معهم ونهديهم قرطاسية..!؟
رد عليه القائد فوزي القطب:
-من الواجب أن نرد إليهم ولو قليلا من هداياهم الكثيرة…!
اتجه أنطون إلى الباب ونظر منه خشية أن يكون تحت المراقبة، ثم خرج نحو سيارته وقادها قرب الباب.
وانشغل رفاقه بإخراج صناديق القرطاسية ووضعها في صندوق السيارة.
وحث الخطى إلى مقر الوكالة اليهودية لينفذ مهمته وينقل بريد القنصلية، وعندما وصل الباب ألقى التحية على الحارس الذي رحب به وفتح له الباب.
دخل أنطون بسيارته وكان عليه أن يسيطر على أعصابه وترك سيارته في ساحة الوكالة في اقرب نقطة يمكن أن يضعها فيها دون إثارة أية شبهات وعاد إلى الباب ليخرج منه فسأله الحارس:
-إلى أين مسيو أنطون؟
فرد عليه:
-نسيت أن اشتري علبة سجائر، سأتناول واحدة وأعود حالا.
ولم يسمع أنطون رد الحارس عليه، فالوقت كان مهما الآن، فصناديق القرطاسية في السيارة كانت عبارة عن 250 كيلو غرام من المواد المتفجرة صنعها فوزي القطب من مواد محلية، موصولة بساعة موقوتة.
وما أن توارى أنطون عن الحارس، حتى قفز يركض من شارع الملك جورج نحو مقبرة (مأمن الله) التي تضم رفات بعض الصحابة وحولها الصهاينة فيما بعد إلى حديقة عرفت باسم حديقة ماميلا.
كانت أنفاسه تتسارع عندما سمع دوي الانفجار الهائل..!
توقف عن الركض، ونظر خلفه، ولأول مرة انتبه لدقات قلبه التي تخفق بسرعة هائلة.
نظر إلى ساعته، كانت تشير إلى التاسعة والدقيقة الخامسة والأربعين.
واليوم هو 11/3/1948م.
ورغم أنه أدرك أنه لن يستطيع بعد الآن العيش بحرية وانطلاق، إلا أنه شعر بسعادة غامرة، ولن يهمه الآن أي شيء حتى لو مات في هذه اللحظة.
لقد نجح.
وقال لنفسه مستعرضا عذابات شعبه ونضاله في لحظات:
"لقد نجحت…لقد نجحت".
ولم يحدث هذا النجاح بسهولة، كان أساسه التنظيم والتخطيط وربما الأهم الاستعداد والجرأة التي تميز بها أنطون، ولم يكن يتصور أبدا أن يقوم بما فعله به ويتحول إلى مطلوب لأكثر من جهاز مخابرات في العالم.
ولكن الوطن طلب منه فلبى النداء –كما قال لنفسه يطمئنها.
|