هل تحقّق العلو الأول لبني إسرائيل في فلسطين ؟
وأما سبق دخولهم للأرض المقدسة ، فقد قال فيه سبحانه على لسان موسى عليه السلام ( يَقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ (21 المائدة ) أي كُتب لبني إسرائيل دخولها ، وقال سبحانه ( وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا (137 الأعراف ) أي ملكوها وسكنوها ، وذلك بعد انقضاء سنوات التحريم والتيه الأربعين . والأرض المبارك فيها هي فلسطين ، ومشارقها ومغاربها أي كلها من النهر إلى البحر ، وهذه هي حدود الأرض المقدّسة والمباركة وحدود مملكة اليهود القديمة . لنخلص إلى أن الأرض المقدّسة والمباركة هي فلسطين فقط وليس بلاد الشام عامة . إذ أن موسى عليه السلام كان يتواجد وقومه شرقي نهر الأردن ، ولو كان شرق النهر أرضا مقدّسة لما قال ادخلوا الأرض المقدسة وهو بداخلها أصلا . وشرق النهر لم يورّث لبني إسرائيل وإنما أقاموا فيه فترة الغضب الإلهي عليهم ومن ثم تركوها وارتحلوا إلى فلسطين .
وصلنا إلى مرحلة تحقق العلو ، بوحي من الله وقيادة أنبياؤه وملوكه ، وكان هذا هو العلو الأول لبني إسرائيل ، وأما الإفساد فلم يكن قد وقع منهم لاقتران الملك بالنبوة ، وما كان للأنبياء عليهم السلام أن يفسدوا في الأرض ، ونجد أن النبي التالي لسليمان في الذكر ، من أنبياء بني إسرائيل في القرآن هو زكريا ومن بعده يحيى ، وكان آخرهم عيسى عليهم السلام جميعا . وقد بعث الأنبياء الثلاثة بالتتابع وعاصر بعضهم بعضا ، وكان ذلك بعد فترة طويلة من وفاة سليمان ، وبعد عيسى لم يُبعث فيهم أنبياء ، ويقدّر المؤرخون بأن المدة ما بين سليمان وعيسى بأكثر من 900 سنة .
وما كان بعث عيسى عليه السلام بالإنجيل ، إلا لتجديد الشريعة التي جاء بها موسى ، بعد أن أضاع بنو إسرائيل التوراة واختلفوا في أمرها . قال تعالى ( وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (63 الزخرف ) . ويُثبت التاريخ أن بعث عيسى عليه السلام ، كان في زمن الحكم الروماني للمنطقة ، مما يعني أن هذا العلو الذي تحصّل عليه بنو إسرائيل قد زال واندثر . مما يترتب عليه أن الإفساد قد وقع ، وأن البعث قد تحقق في الفترة الممتدة ما بين سليمان وعيسى عليهما السلام ، في زمن أقرب إلى حكم سليمان منه إلى بعث عيسى .
المملكة اليهودية بعد سليمان :
وليس من المعقول أن نجزم بأن مملكة سليمان انهارت بموته . وبما أن نظام الحكم كان ملكيا وراثيا كما أقرّه القرآن ، فلا بد أن يكون الملك قد انتقل إلى أحد أبناء سليمان الذين لم يكونوا أنبياء في واقع الحال ، فالنبوة آنذاك خرجت من الملك وأصبحت في عامة الشعب ، وهنا تحرّر العصاة والمعتدين من اليهود ، من عبدة المال والسلطة تجارا ومرابين من حكم وملك الأنبياء ، حيث كان الوحي يقف سدّا منيعا أمام طموحاتهم وأحلامهم ، في نهب ثروات البلاد والعباد ، فهم أبناء الذين قال فيهم تعال ( قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَلَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79 القصص ) .
وعلى مر السنين تغيّرت الأحوال وتغلغل المرابين والتجار في أوساط الحكم وتبادلوا المصالح والمنافع ، وأصبحوا من علية القوم ليفرضوا على الملوك ما شاءوا من سياسات تخدم مصالحهم . ولو راجعت التوراة المؤرخ الوحيد لتلك الفترة ، لوجدت أن عدد الملوك الذين تعاقبوا على الحكم ، على مدى 300 سنة تقريبا ، هو 22 ملكا ، وهو عدد كبير نسبيا ، بمعدل 14 سنة حكم لكل ملك . وذلك لكثرة الاغتيالات التي كان يدبّرها ويوقعها فيهم علية القوم ، ومن والاهم من الكهنة والأحبار ، فيمن صلح أو فسد من هؤلاء الملوك . والملاحظ أيضا أن معظم ملوكهم كانوا صغارا في السن ، وربما كان ذلك هو الغاية من قتل آبائهم ، فوجود ملك صغير السن يسهل عليهم السيطرة على شؤون الحكم ليكونوا هم خبرائه ومستشاريه ، وهذه هي سياستهم في العصر الحالي في شتى بقاع الأرض . وعلى الجانب الآخر كان هناك الأنبياء الذين لم ينقطع بعثهم في بني إسرائيل ، ليعيدوا أولئك العصاة عن غيّهم وبغيهم بدعوتهم إلى العودة إلى شرع الله ، وتذكيرهم وتحذيرهم بما قضاه الله عليهم إن أفسدوا في الأرض .
تخبرنا كثير من الآيات القرآنية عن إفساد بني إسرائيل ، حيث الشرك بالله ، وتكذيب فريق من الأنبياء وقتل فريق آخر ، وقتل أولياء الله من الناس ، وسفك دماء بني قومهم وإخراجهم من ديارهم ، وتحريف الكهنة والأحبار لكتاب الله ليوافق أهواء علية القوم ، والاعتداء على حدود الله وعصيان أوامره ، وأكلهم الربا وأموال الناس بالباطل … إلى آخره . ومجمل هذه الآيات تخاطب بني إسرائيل كأمة ، فأين ومتى وقع منهم هذا الإفساد الأممي … ؟!
وهل تحقّق الإفساد الأول ؟
قال تعالى ( أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنفُسُكُمْ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (87 البقرة ) والخطاب هنا موجه لمن يملك سلطة القتل وهم سادة الحكم وعلية القوم ، فتارة كانوا يكذّبون الأنبياء وأولياء الله ، الذين بُعثوا من قبله سبحانه للإصلاح وتارة يقتلونهم ، بدفع من الكهنة والأحبار والتجار لتعارض ذلك مع رغباتهم وأهوائهم ( إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنْ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (21 آل عمران ) فلا أشدّ وأعظم إفسادا في الأرض عند الله ، من قتل الناس وسفك دمائهم بغير حق ، فما بالك إذا كان القتل في أنبياء الله وأولياءه الصالحين ، فهذا قمّة في الإجرام والإسراف والعصيان والتمرد والعدوان ، ولا أظنّ أن هناك إفساد في الأرض يُقارن بهذا الإفساد ، فلم يسبق لقوم من الأقوام السابقين واللاحقين من غير بني إسرائيل أن قتلوا أنبياءهم ، وما إفسادهم الحالي في دولتهم الحالية ، إلا صورة طبق الأصل عن الإفساد الأول في دولتهم الأولى ، ولو بُعث فيهم أنبياء في هذا العصر لقتلوهم بلا شك ، فقد قتلوا رئيس وزرائهم ( رابين ) بدفع وتحريض من الحاخامات ، كونه أظهر شيئا من اللين مع الفلسطينين لا لأنه مُصلح .
قال تعالى ( وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (84) ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ (85 البقرة ) توحي هاتين الآيتين أن سادة الحكم كانوا يستضعفون طائفة من قومهم ، ظلما وعلوا بغير وجه حق - وهذا نفس فعل فرعون - فأوقعوا فيهم القتل والنهب والسلب ، وأخرجوهم من ديارهم واستولوا عليها . فاضطروا إلى اللجوء إلى أرض أعدائهم ، وعلى ما يبدو أنهم كانوا يُجبرون على خوض المعارك ، إلى جانب أعداء مملكة بني إسرائيل ، وعند وقوع المعركة كان هؤلاء المستضعفين يُحجمون عن قتال بني جلدتهم ، ويقومون بتسليم أنفسهم ظنّا منهم بأن أبناء جلدتهم ، سيتركونهم ليعودوا إلى أهليهم بعد انتهاء المعركة ، فما كان من أولئك الظلمة إلا أن عاملوهم كأسرى العدو فحبسوهم وطالبوا ذويهم بالفدية .
وأما مظاهر الإفساد الأخرى فمنها :
1. الشرك بالله :
( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ (51 النساء )
( قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (60 المائدة )
( اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31 التوبة )
2. نقض الميثاق وكتمان كلام الله وإخفائه وتحريفه :
( فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (13 المائدة )
( وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (187 آل عمران )
3. عبادة الجن والشياطين وتعلم السحر وممارسته :
( وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (100 الأنعام )
( وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ (102 البقرة )
4. الربا والسرقة والاحتيال :
( وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (161 النساء )
( وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (62 المائدة )
5. ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر :
( كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (79 المائدة )
6. نقض العهود والمواثيق :
( أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (100)
وهكذا نستطيع القول بأن العلو الأول والإفساد الأول لبني إسرائيل قد تحقّقا في الأرض المقدّسة ، وأن بداية علوهم كانت بملك داود ، ووصل إلى أقصى مداه في عصر سليمان عليه السلام ، وأما الإفساد فكانت بدايته بعد وفاة سليمان عليه السلام … والسؤال الآن هل تبخّر هذا الملك وهذه المملكة في الهواء … ؟! وهل مرّ ذلك الإفساد دون عقاب … ؟!
وهل تحقق البعث الأول ؟
قال تعالى ( مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ ، أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ (( أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ )) ، فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ، وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ، ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (32) إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، (( وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا )) ، أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ ، أَوْ يُنفَوْا مِنْ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا ، وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33 المائدة ) وقال أيضا في نفس السورة ( وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ … (( وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا )) ، وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (64 المائدة )
وانظر ما كتبه الله عليهم في الآية الأولى وما عقب به في الآية الثانية ، حيث أعطى أربع خيارات لمجازاة من يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا . والذين لهم دأب على محاربة الله ورسوله بأقوالهم وأفعالهم ، والذين يسعون في الأرض فسادا هم اليهود لا غيرهم ، وهذا ما تُقرّره الآية الثالثة . وهذا نفس الحكم الذي أصدره أحكم الحاكمين ، وأوكل أصحاب البعث الأول لتنفيذ خياراته الأربعة مجتمعة فيهم .
وقال تعالى ( وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (26 الأحزاب ) وهذا ما حُكم به على يهود بني قريظة بعد هزيمة الأحزاب ، بقتل الرجال وسبي النساء والأطفال .
وبما أن الإفساد المقترن بالعلو قد تحصّل ومن ثم زال ، فلا بد أن يكون أولئك العباد قد بُعثوا عليهم ، فجاسوا خلال ديارهم وخربوها ، وأوقعوا في حكامهم ورؤسائهم وكهنتهم وأحبارهم القتل والتنكيل ، وهدموا المسجد ( الهيكل ) ونهبوا محتوياته من كنوز وأموال وسبوا نسائهم وأطفالهم ، وأصبحت بيت المقدس أطلالا تعوي فيها الثعالب ، فحل بهم الخزي والذلّ والعار ، بعد أن رفعه الله عنهم بمنّه وكرمه ، فخانوا ميثاق ربهم ونقضوا عهده ، استكبارا وعلوا في الأرض بغير الحق . حيث كان ذلك حكم الله الذي أنجزه في أسلافهم ، على أيدي أولئك العباد ، فيما يُسمى بالسبي البابلي الموصوف بالتوراة بإسهاب ، والذي يؤكد نفاذ هذا الحكم فيهم ، كما جاء في الآية الكريمة أعلاه . لذلك عقّب سبحانه بعد ذكر الوعد الأول بقوله ( وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولاً (5 الإسراء ) .
بعض الأحكام التي صدرت في حقهم فيما سبق نزول القرآن :
قال تعالى ( وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (167) وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمْ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (168) فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (169 الأعراف ) .
وقال أيضا ( وَقَالَتْ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (64 المائدة ) .
وهذه الأحكام هي :
1. استضعافهم واضطهادهم وتعذيبهم من قبل الآخرين ، أينما حلوا وأينما ارتحلوا إلى يوم القيامة ، وهذا حكم عامّ وأما عقابهم عند مجيء الوعدين ، فهو حكم خاص مستثنى من هذا الحكم .
2. نفيهم من فلسطين وشتاتهم في كافة أرجاء الأرض ، مما يؤكد تحقق الوعد الأول بزوال مملكتهم الأولى ، ومجيئهم من الشتات لإقامة دولتهم الثانية مستقبلا .
3. إلقاء العداوة والبغضاء فيما بينهم إلى يوم القيامة ، وإطفاء الحروب التي يُشعلونها وإفشال مخططاتهم الساعية إلى الإفساد في الأرض .
وهل دخلوا الأرض المقدّسة ؟
لو عدنا إلى زمن موسى عليه السلام ، بعد أن وصل وقومه إلى مشارف الأرض والمقدسة ، حيث قال لقومه ( يَقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (21 المائدة ) والأرض المقدسة هي فلسطين ولم تقدّس في القرآن أرض غيرها . وقد وردت هذه العبارة في القرآن مرة واحدة فقط ، وكان بنو إسرائيل آنذاك أمة واحدة ، فامتنعوا عن الدخول إليها ، فحُرموا من دخولها أربعين سنة ، ولم يكن التيه بضياعهم وتشرذمهم في الأرض كما قد يتوهم البعض ، وإنما بحرمانهم من الهداية والقيادة برفع النبوة والوحي ، وهذا يؤكد أن موسى عليه السلام ، انتقل إلى جوار ربه قبل أو بداية سنوات التحريم ، ولذلك تجلّت الحكمة الإلهية باختيار النقباء الإثني عشر وأخذ الميثاق منهم مسبقا ، لعلمه المسبق بما سيكون منهم . وتُرك أمر بني إسرائيل لأولئك النقباء ، كلٌ حسب السبط الذي ينتمي إليه ، لقيادتهم والفصل بينهم في الأحوال المدنية والشرعية .
وفي نهاية الأربعين سنة ، وصل الله ما كان قد قطعه فبعث فيهم نبيا ، ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ (246 البقرة ) وكلمة ( الملأ ) تعني علية القوم ، وطلب القتال كان لدخول الأرض المقدسة التي كان قد كُتب لهم دخولها على لسان موسى في الآية السابقة . وعندما أذن الله لهم بدخولها بعد قتال جالوت وجنوده والانتصار عليهم بقتل داود عليه السلام لجالوت ، دخلوها مجتمعين كأمة أيضا ، فأقام لهم داود عليه السلام دولتهم الأولى وعلوهم الأول .
حصر الفترة الزمنية للإفساد المُذكور في القرآن
والآن لننتقل إلى الكريمة التي تقول ( وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ ، (( وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ )) ، وَءَاتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ ، وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ . أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ ، بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ ، اسْتَكْبَرْتُمْ ، فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (87 البقرة ) قلنا أن قمة الإفساد هي قتل الأنفس بغير حق وأعظمها قتل الرسل والأنبياء ، ولاحظ قوله سبحانه ( تقتلون ) حيث تفيد صيغة المضارع الاستمرارية والكثرة في القتل ، وقد ذُكر قتلهم للرسل والأنبياء ( 7 ) مرات في مواضع متفرقة من القرآن ، وقد حُصر وقوع هذا القتل منهم في هذه الآية ، بين موسى وعيسى عليهما السلام . وإذا علمنا أن بني إسرائيل كانوا بحاجة إلى الأنبياء ( حبل الله ) لدخول الأرض المقدسة لإقامة دولتهم فيها ، ولم يكن فيهم أنبياء في سنوات التحريم ، غير ذلك النبي الذي بُعث عند انقضائها ، والذي توجهوا إليه لطلب المساعدة والنصرة من الله ، لتبين لنا أن قتل الأنبياء ، قد تحصّل منهم قبل بعث عيسى عليه السلام ، وهو آخر أنبيائهم ، وبعد وفاة سليمان عليه السلام آخر الأنبياء الملوك ، حيث لم تعد بهم حاجة للأنبياء ليذكّروهم بشرع الله والالتزام به ، بعد أن أمسى لهم الملك والعلو في الأرض ، فأهواء ورغبات وأطماع الذين ( أشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم ) والذين ( قست قلوبهم فهي كالحجارة أو شد قسوة ) لا تتفق وشرع الله .
نهاية المملكة وخروجهم من فلسطين
ولو نظرنا في قوله تعالى ( وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا ) أي فرقّناهم ، نجد أنه سبحانه أثبت خروجهم ونفيهم من الأرض المقدسة ، وشتاتهم في الأرض على عمومها ، على الأقل قبل بعث محمد عليه الصلاة والسلام بالقرآن ، فهل يُعقل أن أمة بأسرها ، تقوم بالتخلي عن مُلكها وترك أرضها من تلقاء نفسها ورغبة عنها ؟!!! أم أن هناك أمر عظيم نزل بها ، فتركت أرضها قسرا وقهرا ، بعد أن أُزيل ملكها وأفل نجمها ؟!!! وقد ورد ذكر هذا الحدث في القرآن بصيغة الماضي ، بقوله تعالى ( فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ ، وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (5 الإسراء ) . وبما أن تلك العبارة أثبتت شتاتهم بعد أن كانوا أمة واحدة ، والعبارة ( فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا (104الإسراء ) تشترط مجيئهم من الشتات والتجمّع في فلسطين ، ولم يرد نص في القرآن يُثبت مجيئهم وتجمّعهم من الشتات قبل الإسلام لإقامة علوهم الثاني . نستطيع الجزم بأن وعد الأولى بقيام المملكة الأولى وزوالها قد تحقق ، وأن المرة الثانية قد تحقّقت بمجيئهم وتجمّعهم من الشتات لإقامة دولتهم الحالية .
إثبات تواجد اليهود في بابل
قال تعالى ( وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ ، (1) نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ، كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ ، كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (101) (2)وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ ـ ( وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا ) ـ (3)يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ ، وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ ( بِبَابِلَ ) هَارُوتَ وَمَارُوتَ ـ ( وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ ، حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ ، فَلَا تَكْفُرْ ، فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا ، مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ، وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ) ـ (4)وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ ، وَلَا يَنْفَعُهُمْ ، وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ ، مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ، وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ ، لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (102 البقرة )
موضوع الحديث ما قبل هاتين الآيتين وما بعدهما هم اليهود إجمالا . بينما تتعرض الآيتان أعلاه ، لموقف فئة من اليهود المعاصرين لرسالة الإسلام ، من بعث نبينا محمد عليه الصلاة والسلام ، حيث قام هؤلاء وما زالوا يقومون بأربعة أفعال :
1. عند مجيء رسول الله عليه الصلاة والسلام ، بصفة مطابقة لما كان بين يديهم من التوراة ، ومجيئه بما يتفق مع ما جاء به أنبياؤهم ، أزاحوا التوراة من عقولهم وقلوبهم وأنكروا ما فيها ، وكتموا ما أخبرت عنه وجاءت به عن الناس ، وأظهروا عدم معرفتهم وعلمهم بأمر هذا النبي ، وعوضا عن اتباعهم لهذا النبي عليه الصلاة والسلام ، كما تأمرهم التوراة :
2. قاموا باتباع ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان ، وحقيقة ما اتبعوه يُبيّنه سبحانه بالجملة المعترضة ( وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا ) أي الكفريّات التي ما زالت تتلوها الشياطين على ملك سليمان ، ومجيء الفعل ( تتلوا ) بصيغة المضارع ، يُفيد بأنهم على اتّصال دائم بالشياطين ، وأن الشياطين ما زالت تتحدّث إليهم بكفريّات تنسبها إلى سليمان عليه السلام ، يُبرأه سبحانه منها بقوله ( وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا ) وعوضا عن تعليم الناس تعاليم التوراة :
3. كانوا وما زالوا يُعلمون الناس السحر ، ويعلّمونهم أيضا نوعا آخرا من السحر ، كانوا قد تعلّموه أثناء تواجدهم في بابل ، هو ما أُنزل على الملكين هاروت وماروت ، اللذان لم يُعلّما أحدا من الناس إلا وقالا له ( إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ ، فَلَا تَكْفُرْ ) وحقيقة ما كان يتعلّمه الناس من الملكين في بابل ، يُبيّنه سبحانه بالجملة المعترضة ( فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا ، مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ، وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ) .
4. ويُعقّب سبحانه على ما قامت به تلك الفئة بقوله ( وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ ، وَلَا يَنْفَعُهُمْ … إلى آخر الآية ) . وهذا ما يقومون به لغاية الآن ، في محافلهم الماسونية ومدارسهم الدينية ، حيث يُمارسون ويُعلّمون منتسبيهم وتلاميذهم طقوس عبادة الشياطين وفنون السحر والشعوذة .
عقوبتهم في الجزيرة العربية كانت جلاءً وليس عذابا
وأما عند مجيء الإسلام ، كان جزء منهم متواجد في الجزيرة العربية ، وأخرجوا منها زمن عمر رضي الله عنه ، قال تعالى ( هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ (2 الحشر ) والحشر معناه الجمع ، والجمع يختلف عن الجميع ، وقوله ( لأول الحشر ) أي بداية الجمع ، والجمع يكون عادة بعد التشرّد والشتات ، والمقصود هنا الجمع في الدنيا ، وليس الحشر بعد الموت والبعث ، حيث كانت وجهتهم عند الخروج إلى بلاد الشام ، وأما الجلاء الذي حكم الله به عليهم ، في زمن الرسول عليه السلام وصحبه الكرام ، لم يكن عذابا كالموصوف في سورة الإسراء ، لا في الوعد الأول ولا في الوعد الثاني ، فكيفية العقاب في المرتين متطابقة كما أوضحنا سابقا ، وهذا ما يقرره سبحانه في الآية التالية ( وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ ، لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ (3 الحشر ) وقوله تعالى ( لعذّبهم ) يفيد بأن الجلاء لم يُعتبر عذابا بمعنى الكلمة ، أما قتل وسبي يهود بني قريظة ، فهو استثناء حصل لخطورة ما قاموا به من خيانة في أحرج لحظة من تاريخ الأمة الإسلامية .
وإن لم يكن ما تقدّم مقنعا بما فيه الكفاية ، فانظر إلى قوله تعالى ( وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (7 الإسراء ) فأي مسجد الذي دخله المسلمون على اليهود آنذاك ، وما هو المسجد المقصود أصلا في هذه الآية ؟! وما صفة العلو الذي كان لهم آنذاك ؟! ، وأما فسادهم وإفسادهم في الجزيرة وغيرها من الأماكن ، فهو مشمول في الآية الكريمة ( كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (64 المائدة ) ولاحظ قوله تعالى ( ويسعون ) بصيغة المضارع لتفيد الاستمرارية والمثابرة على الإفساد في الأرض على عمومها ، وهذا هو ديدنهم على مر العصور ، لذلك كانوا عرضة للقتل والتنكيل والنهب والسلب والطرد والنفي ، أينما حلوا وأينما ارتحلوا ، فطافوا معظم أرجاء من المعمورة وتواجدوا في كل قاراتها على مدى ما يزيد عن 3 آلاف سنة ، واستمر حالهم هذا على مر العصور ، وهذا ما لم يقع في أي شعب من شعوب الأرض ، وكان الاستثناء الوحيد هو حصولهم على الدولة في القدس مرتين فقط . وبعد شتاتهم في المرة الأولى لم يكن لهم علو ولم يكن لهم جمع من الشتات ، الذي هو أحد شروط ومواصفات تحقق الوعد الثاني ، إلا ما نُشاهده الآن على أرض الواقع ، من علو ظاهر مقترن بالفساد والإفساد ، في الأرض على عمومها والمُقدّسة فلسطين على وجه الخصوص .
كتاب نهاية اسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية --- وكل شيء فصلناه تفصيلا
قال تعالى ( إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ علَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (76 النمل ) ، تؤكد هذه الآية الكريمة أن هذا القرآن فضلا عن مخاطبته لكافة البشر ، جاء ليقصّ على بني إسرائيل أي ليُخاطبهم ويوضّح لهم بشكل خاص ، كثيرا مما اختلفوا فيه من أمور الدين والدنيا والآخرة . فهو يحكي تاريخهم ويعرض مواقفهم من أنبيائهم ، ومشاهد من كفرهم وعصيانهم وعدوانهم ، والعذابات التي أنزلها الله بهم ، ويكشف طبائعهم ويفضح سرائرهم ويُفنّد أقوالهم ، ويُحذّرهم ويُحذّر منهم ، ويُبيّن لهم حقيقة ما جاء به رسلهم وأنبيائهم من وحي ، بعد أن طمسته وشوّهت معالمه أقلام أحبارهم .
ويقول سبحانه في الآية (12) من سورة الإسراء ( وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا ) أي أن كلّ شيّ مما سبق هذا القول من آيات ، قدّ بيّنه سبحانه بيانا واضحا لا لُبس فيه . وهذا القول البليغ عندما تقرأه مرارا وتكرارا ، تجد أن له وقعا خاصا في نفسك ، والآيات التي تسبق هذا القول ، تخبرنا عن أمر يتعلق ببني إسرائيل ، من حيث إفسادهم وعلوهم وعقابهم . وقد جاء هذا القول ( بالفعل ومفعوله المطلق للمبالغة في التأكيد ) مرة واحدة في القرآن في هذا الموضع بالذات ، تعقيبا على ما مجمل ما جاء قبله من آيات ، ولم يأتِ عامّا كما في قوله تعالى ( كِتَابٌ فُصِّلَتْ ءَايَاتُهُ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (3 فصلت ) ، أو في قوله تعالى ( وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (52 الأعراف ) .
وإن دلّ هذا على شيء ، فإنما يدّل على أن ما تتحدّث عنه هذه الآيات أمر غاية في الأهمية ، ولذلك فصّله سبحانه تفصيلا وأبانه بيانا لا يختمره شكّ أو تقوّل ، وأن هذا التفصيل جاء لعِظم هذا الأمر وأن معرفته بكل دقائقه وتفاصيله ، لا بد إلا أن يكون فيه الكثير من النفع والفائدة لمن يُخاطبهم القرآن ، وما كان بيانه وتفصيله عبثا . وما كان هذا الفصل إلا للتعريف بهذه الدقائق والتفاصيل ، وما جاء هذا الكتاب إلا لتعميم الفائدة على الناس ، والله من وراء القصد .
لو أمعنت النظر في مجمل سورة الإسراء ، لوجدت أنها تناوبت ما بين أسلوبي الإخبار والمخاطبة ، ولو أمعنت النظر في مقدمة السورة ، ستجد أنها جاءت إخبارية ومُخاطِبة للمسلمين بصفة عامّة ، وإخبارية ومُخاطِبة لبني إسرائيل بصفة خاصّة .
والسؤال الأول : لماذا أُعيد نص النبوءة بأسلوب المخاطبة لبني إسرائيل في عصر أمة الإسلام ؟
مقدمة السورة ( الآيات 1-3 ) جاءت كتمهيد ، فهي تذكر المسجد الأقصى وتبين قدسيّته عند الله وبالتالي عند المسلمين ، وتذكُر كتاب موسى عليه السلام ، وتذّكِر بني إسرائيل بما جاء فيه ، وبالذات عدم الشرك بالله واتّخاذ وكلاء من دونه ، ويمنّ اللهّ عليهم ويذكرهم بنجاة أسلافهم من الطوفان ، وبنفس الوقت يحذّرهم من الهلاك من خلال ذكر نوح عليه السلام ، وأنّه ما كان لنوح ومن معه النجاة ، لولا إقراره بالعبودية لله ( عبداً ) أولاً ، وقيامه بالعبادة لله ( وشكوراً ثانياً ) .
السؤال الثاني : لماذا التمهيد وبهذا الشكل المرعب لبني إسرائيل ؟
هناك قول بأن كلتا المرتين وقعتا قبل الإسلام ، فلو كان هذا الأمر صحيحا لتوجب أن يكون نص النبوءة كاملا بأسلوب الإخبار ، ولما كان هناك داعي لوجوده أصلا ، فقد أخبرنا سبحانه في مواضع أخرى في القرآن ، بأنه غضب عليهم ولعنهم وضرب عليهم الذلة والمسكنة ، وتوعدهم بأن يبعث عليهم من يسومهم سوء العذاب إلى يوم القيامة ، وقطّعهم في الأرض أمما .
السؤال الثالث : ما هو الأمر الذي خرج عن كل ما تقدّم ، فأراد سبحانه لفت أنظارنا إليه مبينا أهميته ومنبها إليها ؟
وبما أن المرتين متشابهتين تماما ، فلو فرضنا جدلا أن القول السابق صحيح ، لكان من الأحرى أن يأتي النص في الحديث عن المرتين مجملا ، على سبيل المثال على النحو التالي ( … لتفسدن … مرتين ولتعلن علوا كبيرا … فإذا جاء وعد كل منهما ، بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد … فأساءوا وجوهكم ودخلوا المسجد … وكان كلٌّ من الوعدين مفعولا … وتبّروا ما علوا تتبيرا ) .
السؤال الرابع : لماذا فَصَلت وفَصَّلت الآيات كلّ مرة على حدة ؟
أجملت الآية الرابعة ثلاثة شروط من شروط المرتين ، وهي الأرض ( المقدّسة ) والعلو والإفساد ، والآية الخامسة أفردت وأوجزت الحديث عن الوعد ( العقاب ) الأول ، فذكرت البعث والجوس وصفة العباد ، وجاءت الأفعال كلها بصيغة الماضي . والآية السادسة فصّلت مظاهر العلو الثاني ، من لحظة النشوء حتى اكتمال مقوماته ، من حيث القدرة العسكرية والبشرية والاقتصادية ، وجاءت الأفعال كلها بصيغة الماضي ، مع حملها لصفة الاستقبال .
السؤال الخامس : لماذا جاءت أفعال وعد الأولى بصيغة الماضي ، ولماذا جاءت أفعال وعد الآخرة بصيغة الاستقبال ؟
السؤال السادس : لماذا جاء التخيير ما بين الإحسان أو الإساءة ، بعد اكتمال مظاهر العلو الثاني وقبل الحديث عن عقاب وعد الآخرة ، ولم يأتِ عند الحديث عن وعد الأولى ؟
السؤال السابع : لماذا أُخرجت كيفية مجيئهم ، عند مجيء وعد الآخرة من نص النبوءة ، ولماذا أُفردت في نهاية السورة ؟
السؤال الثامن : لماذا أُعيد ذكر بني إسرائيل وقصّتهم مع فرعون في نهاية السورة ، وذكر وعد الآخرة مرة أخرى في الآيات ( 101 – 104 ) ؟
( سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (1)
تُشير هذه الآية بذكر المسجد الحرام ، إلى نقطة البداية لانتشار رسالة الإسلام ، التي أنعم الله وأكرم بها نبيه ، محمد عليه الصلاة والسلام . وبذكر المسجد الأقصى تُشير من طرف خفي إلى ما ورد في الحديث الصحيح ، إلى أن مسك الختام لهذه الرسالة آخر الزمان ، سيكون بنزول الخلافة الراشدة وأميرها المهدي في بيت المقدس ، بإذن الله . وهذا مما يوحي بأن قيام دولة إسرائيل هو أحد أشراط الساعة ، وأن نهايتها علامة لقرب ظهور المهدي ونزول الخلافة فيها ، والله أعلم . وأهم ما جاءت به الآية هو تعريف المسجد بوصفه بالأقصى أي الأبعد ، وبالذي باركنا حوله وهو المسجد الذي سيكون موضوع ما يلي هذه الآية من آيات .
( وَآتيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (2)
في هذه الآية ، يحذّر الله بني إسرائيل ، من الاتّكال على غيره ( لَا يَتَّخِذْ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ .. وَيُحَذِّرُكُمْ اللَّهُ نَفْسَهُ (28 آل عمران ) ويختم سبحانه السورة ، بقوله ( .. وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنْ الذُّلِّ .. ) أي لم يتخذ له حليفا لضعف أو لذلّة ، وهذا تعريض بالعلو الحالي لبني إسرائيل ، حيث كانوا أذلّاء مضطهدين وبموالاة الغرب أصبحوا سادة .
ويذكّرهم فيها بما أنزله عليهم من الهدى ليكون لهم نورا يهتدون به ، ومن ضمنه هذه النبوءة التي أعادها إلى أذهانهم مخاطبا إياهم بمضمونها ، وكما وردت في الكتاب الذي أُنزل على موسى عليه السلام ، ويحذّرهم من اتّخاذ أولياء من دونه من الإنس والجنّ على حدّ سواء .
فاختاروا الولاء لغير الله ، وحقّقوا مآربهم منذ البداية بالفساد والإفساد ، بما خطّطوا له بمكرهم ودهائهم ونفذّه غيرهم ، من فتن وحروب سبقت وهيّأت الظروف وتسبّبت في قيام دولتهم في فلسطين . ولما تمكنوا استعلوا واستكبروا فيها واستمروا بالفساد والإفساد وساموا أهلها سوء العذاب ، فاستحقّوا غضب الله واستوجبوا العقاب ، فتوافق أمرهم مع ذهب إليه النص القرآني ، بذِكر إفسادهم في الأرض بمجملها أولا ، ومن ثم جاء ذِكر علوهم الكبير الذي نشهده هذه الأيام في قوله تعالى ( لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا ) .
( ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (3)
يقول ابن كثير : تقديره يا ذريّة من حملنا مع نوح ، فيه تهييج وتنبيه على المنة وهذا النداء موجّه لبني إسرائيل ، وبالإضافة لما قاله ابن كثير ، نلمس تهديدا وتحذيرا خفيا لبني إسرائيل ، من وراء ذكر نوح عليه السلام ، فعادة ما كان سبحانه وتعالى ، يمنّ عليهم بتذكيرهم بنعمة النجاة من فرعون وقومه ( وَإِذْ فَرَقْنَا بِكمْ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ (50 البقرة ) إلا في هذا الموضع ، وهي المرة الوحيدة في القرآن التي يمنُّ عليهم فيها ، بأنهم سلالة من حمل مع نوح عليه السلام ، أي من الذين أنجاهم الله من الطوفان ، حثا لهم على الإيمان به والعبادة والشكر له كما كان يفعل نوح والذين حملهم معه ، وأنّ فِعل هؤلاء هو الذي أنجاهم من الهلاك ، فإن لم يفعلوا كما فعلوا حلّ بهم ما حلّ بقوم نوح . وذِكْرُ نوح في هذا الموضع وتكرار ذكره ، في الآية (17 الإسراء ) ( وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا ) دفعني إلى إلقاء نظرة على سورة نوح .
ومنها قوله تعالى ( ... أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (1) ... إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ ... (4) ... فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (6) … جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (7) … وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (12) مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (13) … قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (21) وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (22) .. وَقَدْ أَضَلّوا كَثِيرًا ... (24) … رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنْ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (26) ... وَلَا تَزِدْ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا (28 نوح )
اقرأ هذه الآيات وتفكّر وتدبّر ( .. أولا إنذار .. ولا تأخير .. فرار .. إصرار واستكبار .. إمداد بأموال وأولاد .. وجنات وأنهار .. استهزاء وسخرية .. عصيان .. عبادة القوة والمال .. المكر الكبير .. الإضلال .. الكفر .. وأخيرا تبار .. )
وهذا هو حال بني إسرائيل .. وهذا هو الإفساد في الأرض .. وردُّ الله عليه أوله إنذار .. فإن كان هناك استكبار وإصرار .. كان هناك تبار . يقول سبحانه ( مَنْ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ، وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ، وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ، وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (15 الإسراء ) .
والرسول قد بُعث منذ ألف وأربعمائة وإحدى وثلاثون عاما ، وقد أتاهم بالإنذار في كتاب ربه ( وصحيفة الإنذار ) الموجهة لتلك الأفاعي في الجحر الأبيض ، وتلك الفئران المستأسدة في قدس الأقداس هي ( سورة بني إسرائيل ) ومن أول حرف فيها وحتى آخر حرف ، حيث قال فيها ( وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا .. ) وقد ساد دولة الكفر ويسودها ، قطاع الطرق واللصوص والقتلة وأسافل مجرميها ( .. فَفَسَقُوا فِيهَا .. ) فاغتالوا أصالتها وقدسيّة أرضها ، ووقار شيخوختها وسكينة عبّادها ، وحياء حرائرها وأحلام طفولتها ، وحتى طهارة مساجدها ( .. فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ .. ) وهذا هو ( قول ) رب العزة ( … لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ … ) وهذا هو ( فعله ) ( .. فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (16 الإسراء ) وهذا هو ( تعقيبه ) ( … وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (17 الإسراء ) وهذه هي ( خاتمته ) ( وَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنْ الذُّلِّ ، وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا ( 111 الإسراء ) .
اقتصرت مقدمة السورة على ثلاث آيات فقط ، حملت من المعاني ما يشحذ الفكر والوجدان ، ويعمل على تهييج العقل وتنبيهه من غفلته ، لاستقبال واستيعاب ما سيأتي من عرض ، لنبوءة ستغير مجرى التاريخ في يوم أو بضعة أيام . وهذه النبوءة تعني كل من سمع برسالات السماء وتمسّهم في صميم معتقداتهم ، وأكثرهم تأثّرا هم أصحاب الديانات الثلاث ، والذي يمتلك كل منهم مخزونا عقائديا ، فيما يخصّ عودة اليهود إلى الأرض المقدسة ، يلتقي مع أحدها ويتعارض مع الآخر في التفاصيل والأحداث .
( وَقضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَـابِ ، لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (4)
وَقضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَـابِ :
ورد جذر الفعل قضى في القرآن (63) مرة ، ومشتقات هذا الفعل حملت عدة معاني ، وعادة ما يأتي هذا الفعل ، ليفيد تمام العمل الوارد نصا في السياق أو المفهوم ضمنا ، كما في قوله تعالى ( فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ (200 البقرة ) بمعنى أنجزتم مناسككم وانتهيتم منها ، وقوله تعالى في شأن لوط وقومه ( وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ ، أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (66 الحجر ) أي أخبرناه بالأمر على وجه الانتهاء منه ، إذ لا رجعة عنه فلا نقاش ولا جدال فيه ( وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْءَانِ ، مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ (114 طه ) ، أي من قبل أن تُخبر بوحيه على وجه التمام .
وقوله تعالى ( وَقضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ ) أي أنّا كنّا قد أخبرنا بني إسرائيل في كتابهم - أي أن مضمون هذا الخبر موجود في كتابهم نصا حتى هذه اللحظة - بما سيأتي تفصيله فيما يلي من شأن إفسادهم وعلوهم في الأرض ، والخطاب في هذه العبارة موجّه في الحقيقة لمن هم من غير بني إسرائيل ، ممن ليس لديهم علم أو اطلاع على هذا الأمر ، وما كان الله ليُخبر عنه إلا لعظيم شأن ، وذلك من سابق علم علام الغيوب بما سيكون منهم مستقبلا ، وليس ما قضاه عليهم بمعنى الأمر أو الحكم ، فحاشا لله أن يأمر بالإفساد في الأرض أو أن يقضي به .
والكتاب المقصود هنا هو كتاب موسى عليه السلام ، المنصوص عليه في الآية الثانية أعلاه وليس التوراة ، فكتاب موسى شيء والتوراة شيء آخر . والذي قادني إلى معرفة تلك الحقيقة هو تساؤلي أولا : عن سبب عدم ذكر التوراة بدلا من الكتاب ، وثانيا : رغبتي بالاطلاع على نص النبوءة في التوراة نفسها فيما لو وجد . وبعد أن استخرجت كافة الآيات القرآنية التي ذُكر فيها موسى والتي ذُكرت فيها التوراة ، تبين لي أن ذكر التوراة لم يرتبط بذكر موسى على الإطلاق ، وعدم الربط بينهما لا بد له من سبب ، وبيان ذلك والنص التوراتي للنبوءة في الترجمات العربية للتوراة اللاتينية ، سيأتي في فصل قادم إن شاء الله .
لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا :
هنا حصل التفات من الحديث عن الغائب وهم بني إسرائيل ككل ، في قوله تعالى ( وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَــابِ ) إلى الحديث إلى الحاضر المُخاطَب وهم بني إسرائيل ( المعاصرين ) لرسالة الإسلام ، وذلك بسرد النبوءة بنفس الأسلوب والعبارات التي أنزلت عليهم في كتابهم ، وكما خوطب بها أسلافهم قديما قبل 3 آلاف زمن موسى عليه السلام . فجاءت نصوصها مخاطبة لبني إسرائيل ولكن بألفاظ عربية جزلة موجزة ، كما وأضيف إليها تعقيبات لتبين وتؤكد بعض ما تحقّق منها ، قبل إنزالها في سورة الإسراء مرة أخرى على محمد عليه الصلاة والسلام . فبدأت بقوله تعالى ( لَتُفْسِدُنَّ ... وَلَتَعْلُنَّ ... ) .
في هذا الموضع قَرَنَ سبحانه ما بين الإفساد والعلو في المرتين في قوله ( لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (4 الإسراء ) ولم يوضح التفاصيل ، ولتكون لدينا القدرة على معرفة شكل هذا الإفساد وهذا العلو ، دعنا نمعن النظر في الآيات التالية ، حيث اقترن فيها الأمرين معـا في مواضع أخرى من القران الكريم ، كقوله تعالى ( إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ … إِنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ (4 القصص ) وقوله ( وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (14 النمل حيث جاءت هذه الآية ، تعقيبا على فرعون وقومه لما علو وأفسدوا وجحدوا بآيات الله ، فكان جزاءهم الهلاك غرقا .
وقوله ( تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (83 القصص ) توضح هذه الآية بأنّ جزاء من لم يُرد العلو والإفساد ، سواء كان قادرا على ذلك أم لم يكن ، هو أن يكون لهم حسن ثواب الدنيا والآخرة ، والعاقبة للمتقين بإذن الله ، وذلك تعقيبا على قارون وصنيعه وما حلّ به وبكنوزه ، حيث قال تعالى فيما آتاه من المال والقوة ( وَآتَيْنَاهُ مِنْ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ (76) فجحد نعم الله ونسبها إلى نفسه ( قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنْ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا (78) فعلا واستكبر ( فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ (79) فأهلكه الله (فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ (81 القصص ) ليجعله عبرة لغيره .
والملفت للنظر أن اقتران العلو بالإفساد ، جاء في أربع آيات فقط من مجمل القرآن وكلها ذات علاقة ببني إسرائيل ، وقد تقدم ذكرها أعلاه .
والقرآن كما نعلم أُنزل للناس كافة ، منذ اليوم الأول لبعثة نبينا عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم ، وحتى يرث الله الأرض ومن عليها ، ومن ضمن هؤلاء بني إسرائيل الذين عاصروا هذه الرسالة وهذا القرآن ، وقد ذكّرهم الله وما زال يُذّكرهم في معجزته الخالـدة بمـا حصل لفرعون وقارون ، وهم أشدّ الناس قربا لهم لما علوا وأفسدوا في الأرض ، وأنّهم إن أصرّوا على الإفساد في الأرض مضت فيهم سنة الأولين ( فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تحْوِيلًا (43 فاطر ) وقال في سورة الإسراء ( سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا (77) لينالهم ما نال سابقيهم من العذاب في الدنيا والآخرة ، وأنّ لا مناص لهم للنجاة من سخطه وغضبة ، إلّا بالعودة إليه والإنابة له ولكن هيهات لمن قيل في أسلافهم ( ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً … وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (74 البقرة ) .
علوّ بني إسرائيل في المرة الأولى ، لم تتضح تفاصيله في سورة الإسراء ، لكنها جليّة واضحة في مواضع أخرى من القران ، وسيأتي الحديث عنها في حينه ، أما ما نحن بصدده الآن هو توضيح مفهوم العلوّ ، ولدينا مثالين هما فرعون وقومه وقارون وكنوزه ، وبما أنّ العلوّ المقصود هنا هو علوّهم كأمّة وليس كأفراد ، فالخيار يقع على علوّ فرعون وقومه ، وهذه آيات تعرضت لبعض من مظاهر هذا العلو ومقوماته ، قال تعالى ( وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (51 الزخرف ) وقال على لسان مؤمن آل فرعون ( يَا قَوْمِ لَكُمْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ (29 غافر ) وقال ( وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا (88 يونس ) وقال ( وَاتْرُكْ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُندٌ مُغْرَقُونَ (24)كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (25) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (26) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (27 الدخان ) وبالقليل من التدبر في الآيات السابقة .
نجد أنّ مقومات علو فرعون وملأه ، وهم علية القوم ، ويمثلهم في زماننا ، رجال الحكم والقضاء والدولة ، ورجال السياسة والمال والاقتصاد ، والوجهاء ورؤوس الناس ، تتمثل فيما يلي : ملك مصر والسيادة على أهلها ، والقوة والمنعة والظهور في الأرض ، وامتلاك الزينة والأموال ، والجنات والعيون ، والأنهار الجارية ، والزرع والمقام الكريم ، والنعم المختلفة .
ـ مفهوم العلو : هو مظهر من مظاهر الحياة ، بمعنى الاستعلاء والارتفاع والتكبّر والتجبّر ، من خلال امتلاك مقومات مادية ، كالأرض والمال والقوة ، مما يُمكّن الظلمة والمفسدون من سيادة الناس وسياستهم ، والتحكم في تصريف شؤونهم ، على وجه من الظلم والبغي .
أما مفهوم الإفساد ؛ فهو يتمثّل في بعض ما قيل من آيات في فرعون وملئه ، قال تعالى ( وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنْ الْمُسْرِفِينَ (83 يونس ) ، وقال ( إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ (4 القصص ) ، وقال ( إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ (46 المؤمنون ) ، وقال ( إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (12 النمل ) ، وقال ( فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (20) فَكَذَّبَ وَعَصَى (21) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (22) فَحَشَرَ فَنَادَى (23) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمْ الْأَعْلَى (24 النازعات ) ، وقال ( قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ (29 غافر ) وقال ( وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي (38 القصص ) ( فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (54 الزخرف ) ( وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى (79 طه ) .
ومظاهر إفساده تتمثل فيما يلي : جعْلُ أهل مصر فرقا وطوائف متنابذة ، واستضعاف طائفة منهم ( بني إسرائيل ) ، بذبح أبنائهم واستحياء نسائهم ، والإسراف في كل أمره ، والاستكبار والفسق ، وتكذيب الرسل ، ومعصية الله وجحود آياته ، وادّعاء الربوبية والألوهية ، والاستخفاف بعقول الناس وإضلالهم ( من خلال وسائل الإعلام المتاحة لفرعون في ذلك الوقت ) .
ـ مفهوم الإفساد : استضعاف الناس وتفريقهم وتصنيفهم ، وإثارة الفتن فيما بينهم ، والقتل وسفك الدماء ، وتكذيب الرسل ، وتكذيب آيات الله وجحودها ، ومعصية الله ورسله ومحاربته لدين الله وأتباعه ، واستخفاف عقول الناس وتضليلهم وإضلالهم ، وإنكار ربوبية الله ، وإنكار أحقيته في العبادة دون غيره .
وخلاصة القول : هذا هو مفهوم العلو وهذا هو مفهوم الإفساد ، الذي تتحدث عنهما سورة الإسراء ، لذلك عند أي محاولة لتعيين أيٍّ من المرتين الوارد ذكرهما في الآيات أعلاه ، يجب أن تكون الحالة موضوع البحث ، مطابقة تماما لما كان عليه فرعون ومَلَئه ، وكأنّ علو وإفساد بني إسرائيل ، صورة في مرآة لعلو وإفساد فرعون ومَلَئِه ، وما علينا إلّا أن نبحث في ماضي بني إسرائيل وحاضرهم ، عن أيّ حالة ترافق فيها مثل هذا العلو ومثل هذا الإفساد ، كما هو الحال بالنسبة لفرعون وقومه . ولن نذهب بعيدا فإحداهما موصوفة في القران الكريم وبالتفصيل أيضا ، والأخرى نشاهدها بأم أعيننا على أرض الواقع منذ أكثر من خمسين عاما .
فِي الْأَرْضِ :
قرن سبحانه وتعالى بين الإفساد والعلوّ لكلتا المرتين بالأرض ، ولفظ الأرض هنا اسم جنس ، وجاءت كذلك لتشمل الجزء والكل والخاص والعام ، حيث قال في الآية (4) ( لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا ) ولم يحدّد مكانا بعينه ، وعاد سبحانه وحدّد موقع العقاب في المرتين ، حين قال في الآية (7) ( لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ ، وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ ، كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ ) حيث ربط ما بين العقاب والمسجد ، لنفهم من ذلك أن العقاب الموعود به بنو إسرائيل والمقصود هنا ، سينفذ فيهم في المرتين خلال تواجدهم في فلسطين ( الأرض المقدسة ) وذُكر المسجد للإشارة إلى المكان . وهذا المسجد تم تعريفه في بداية سورة الإسراء في قوله تعالى ( الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ (1) وقوله الذي باركنا حوله أي ما يليه من الأرض ، ولم يقل باركنا فيه أي لم تُحصر البركة في المسجد فقط ، بل شملت ما حوله من الأرض .
والملاحظ أن ذكر الإفساد حُصر في المرتين ، وأن ذكر الإفساد سبق ذكر العلوّ ، وأن العلو لم يُحصر في المرتين ، بل أُفرد ووصف بالكبير . وبما أن التركيز هنا على المرة الثانية ، فذلك يوحي بأن الإفساد في المرتين متطابق ، وبأن تحصيلهم للعلو على الأقل في المرة الثانية سيتأتى عن طريق الإفساد ، وأن العلو الثاني أكبر من الأول لذلك تأخر ذكر العلو وصفته عن كلمة مرتين للاختلاف . ذلك لأن إفساد بني إسرائيل المُتأتّي عن العلوّ ، اقتصر على حدود دولتهم في فلسطين في المرة الأولى ، وهذا ما يُثبته القرآن والتوراة . وأمّا إفسادهم وعلوّهم الأخير في فلسطين - والذي نعاصره الآن - سبقه ورافقه إفساد وعلو شمل مشارق الأرض ومغاربها . والله أعلم .
وبما أنّ العقاب سيحل بهم في الأرض المقدسة ، يترتب على ذلك حتمية سبق وقوع الإفساد والعلوّ فيها ، حتى ولو سبق منهم الإفساد والعلو في الأرض على عمومها ، أو تزامن مع إفسادهم وعلوهم