رد: لماذا ينكرون على الرجل البكاء؟
متى يبكى الرجل ؟
قيل عن الرجل أنه لا يبكي إلا نادراً وإذا بكى كانت دموعه دم... وقيل أيضا إن دموع الرجل ملتهبة جداً وبكاء الرجل شكل من أشكال التعبير عن المشاعر التي تجسد لحظات من الفرح والحزن... فالدموع تريح النفس وتخفف الضغط الذي يعانيه في مختلف مناحي الحياة ويجب أن ندرك جميعا أن الفرح أو الألم حينما تكون منابعهما أقوى من كل قوة نمتلكها فإننا نبكى وحينها لا فرق يُذكر بين رجل أو امرأة.
بكاء الرجال يختلف من شخص لآخر وحسب المواقف والظروف التي يمر بها... فهناك بكاء صامت يبكيه الرجل داخل قلبه عند كل فاجعة عظيمة ومصيبة كبيرة ولكنه لا يظهره حتى لاتغرق السفينة التي يعتبر ربانها... وهناك بكاء الدموع تلك الدموع التي ظل يناضل لحبسها زمنا طويلا فتتسابق للخروج من مقلته، ولا يبكي الرجل هذا البكاء إلا عندما تضيق به السبل فنقول أنه قد بكى وحـق له البكاء.
ويبكى الرجل عندما يكون في قمة ضعفه وانكساره فتدمع عيناه من هذا الإنكسار.... ويبكى عندما يُظلم ويتعاقب على رأسه الذل وحينها يسقط بلاشعور باكياً، حينها تنكسر طاقة تحمله فتهل دموعه لاعبراته لأنه في قمة الحزن والهن... وربما يبكي لشعوره بالندم ويبكي لحاجته للعطف أو الحنان أو لرغبته في البكاء أو ربما لينفس عن كرب أو ضائقة في داخله.
ولربما يبكي من الفرحة والسرور، ويبكي عندما يكون صاحب ضمير ونفس لوامة وقلب خاشع فيبكي من خشية الله تعالى سواء لشعور بالذنب ورجاء في المغفرة أو ابتغاء مرضاة الله.
البكاء من خشية الله
يقول ابن القيم رحمه الله أن البكاء أنواع فهناك بكاء الرحمة والرقة - وبكاء الخوف والخشية - بكاء المحبة والشوق- بكاء الفرح والسرور- بكاء الجزع- بكاء الحزن- بكاء النفاق- البكاء المستعار- بكاء الموافقة.
ولكن حقا ما أجمل أن يبكى المؤمن من خشية الله طمعا فى رضاه لقد مدح الله تعالى البكائين من خشيته وأشاد بهم في كتابه الكريم (إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا... ويقول في كتابه الحكيم (ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله)... وورد في الحديث أنه من ضمن السبعة الذين يظلهم الله يوم لا ظل إلا ظله رجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه... وقال عليه الصلاة والسلام (عينان لا تمسهما النار، عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله)... والرسول الكريم صلى الله عليه و سلم وهو أعظم مخلوق على وجه الأرض كان يبكي في بعض المواقف وكانت تفيض عيناه بالدمع خوفا وخشية أوعند تلاوة القرآن فاللبكاء من خشية الله فضل عظيم، فقد ذكر الله تعالى بعض أنبيائه وأثنى عليهم ثم عقب بقوله عنهم (إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا)... أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد قال (لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع)، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ليس شيء أحب إلى الله من قطرتين وأثرين قطرة من دموع خشية الله، وقطرة دم تهرق في سبيل الله، وأما الأثران: فأثر في سبيل الله وأثر في فريضة من فرائض الله وكان السلف يعرفون قيمة البكاء من خشية الله تعالى فهذا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يقول لأن أدمع من خشية الله أحب إلي من أن أتصدق بألف دينار.
مواقف بكى فيها الرسول دموع أغلى البشر
كان بكاؤه صلى الله عليه وسلم من جنس ضحكه لم يكن بشهيق ورفع صوت كما لم يكن ضحكه بقهقهة، ولكن كانت تدمع عيناه حتى تهملا ويسمع لصدره أزيز وكان بكاؤه تارة رحمة للميت وتارة خوفا على أمته وشفقة عليها وتارة من خشية الله حتى إذا ما قرأ القرآن أو قرئ عليه أخذته العبرة والخشية والبكاء تعظيما لكلام الله وخوفا منه وقد تم ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم في مواقف عده منها هذا الموقف الخاشع:
قال ابن مسعود رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إقرأعلي فقلت يا رسول الله أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال نعم إني أحب أن أسمعه من غيري فقرأت سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية "فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا" فقال حسبك الآن فإذا عيناه تذرفان بالدموع، رواه البخاري ومسلم ... .ولما رأى النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه يحفرون قبرا لدفن أحد المسلمين وقف على القبر وبكى ثم قال: (أي إخواني، لمثل هذا فأعدوا)... وقد روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال زار النبي قبر أمه فبكى وأبكى من حوله فغلبت الرسول الكريم عاطفة الابن لأمه فبكى ذلك البكاء الشديد... وبكى عندما وقع أبو العاصي أسيرا في أيدي المسلمين بعد إحدى الغزوات -وكان على الشرك آنذاك- وكان زوجا لزينب رضي الله عنها ابنة الرسول الكريم وكان الزواج من المشركين لم يحرم بعد فجاءت زينب لتفدي أبو العاصي ولم يكن معها مالا فأتت بقلادة ورثتها من أمها خديجة رضوان الله عليها فعندما رأى الرسول هذه القلادة تذكر خديجة الزوجة الصالحة المخلصة الوفية فبكى في هذا الموقف.
وقام ليلة يصلي فلم يزل يبكي حتى بل حِجرهُ قالت عائشة: وكان جالساً فلم يزل يبكي صلى الله عليه وسلم حتى بل لحيته قالت: ثم بكى حتى بل الأرض! فجاء بلال يؤذنه بالصلاة فلما رآه يبكي، قال: يا رسول الله تبكي، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال : " أفلا أكون عبداً شكورا؟!... وبكى صلى الله عليه وسلم لما مات ابنه إبراهيم... وبكى لما مات عثمان بن مظعون... وبكى لما كسفت الشمس وصلى صلاة الكسوف وجعل يبكي في صلات،ه وكان يبكي أحيانا في صلاة الليل... وعن ثابت البناني عن مطرف عن أبيه قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي ولجوفه أزيز كأزيز المرجل – يعني يبكي- .
بكاء الصحابة رضوان الله عليهم
فبذلك نرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان رقيق القلب، قوى الإحساس... وكذلك كان الصحابة من حوله، فعن أنس رضي الله عنه قال خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة ما سمعت مثلها قط فقال لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا فغطى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوههم ولهم خنين... وفي رواية بلغَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن أصحابه شيء فخطب فقال (عرضت عليَّ الجنة والنار فلم أرى كاليوم من الخير والشر ولو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ً) فما أتى على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أشد منه غطوا رؤوسهم ولهم خنين وهو البكاء مع غنّة.
وهذا الفاروق عمر بن الخطاب كان يرى خطان أسودان على وجهه من شدة البكاء وكما روى عنه أنه حينما قرأ في صلاة الفجر (إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ) بكى بكاءًا شديدا حتى سمع نشيجه من آخر الصفوف.
وكان عثمان إذا وقف على قبر يبكى حتى يبل لحيته! فقيل له: تذكر الجنة والنار فلا تبكي، وتبكي من هذا؟! فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (إن القبر أول منزل من منازل الآخرة، فإن نجا منه، فما بعده أيسر منه، وإن لم ينج منه؛ فما بعده أشد منه)... وروى أن بلالاً رضي الله عنه ذهب إلى بلاد الشام بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وكان بلال يقول لم أطق أن أبقى في المدينة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وكان إذا أراد أن يؤذن إذا جاء بقوله: " أشهد أن محمداً رسول الله " تخنقه عبرته فيبكي رضي الله عنه فمضى إلى الشام وذهب مع المجاهدين ورجع بعد سنوات ثم دخل إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحان وقت الأذان فأذن بلال فبكى وأبكى الصحابة وبكت المدينة بعد انقطاعٍ طويل غاب فيه صوت مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتذكروا بلالاً وأذانه، وتذكروا رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان بلال رضي الله عنه عند وفاته تبكي زوجته بجواره فيقول " لا تبكي غداً نلقى الأحبة محمداً وصحبه".
وهذا ابن عمر كان إذا قرأ (ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله) بكى حتى يغلبه البكاء وأُتي عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه يوما بطعامه فقال: قتل مصعب بن عمير وكان خيراً مني فلم يوجد له ما يكفن فيه إلا بردة وقتل حمزة وهو خير مني فلم يوجد له ما يكفن فيه إلا بردة لقد خشيت أن يكون قد عجلت لنا طيباتنا في حياتنا الدنيا ثم جعل يبكي.
الخلاصة
البكاء فلسفة خاصة تخص مشاعرنا وأحاسيسنا عندما تصل إلى ذروتها نحتاج فعلا للبكاء، وهو نعمـة من الخالق سبحانه وتعالى لتفريغ الشحنات السلبية أو لمحاكاة عميقة للنفس الخاشعة والمطمئنه ومواجهة يقف الشخص ضعيفاً أمامها وحينها فقط لا يجد سوى الدموع ليغسل بها هذه اللحظة.. فالرجل مخلوق كغيره والبكاء يريح النفس ويساعد الإنسان في التفريج عن مكنون نفسه سواء للمرأة أو للرجل فلقد رأيت رجال يبكون على أصغر الأمور ورأيت نساء لاتنزل الدمعة منهن في أصعب المواقف فعدم البكاء ليس معيار للرجولة والبكاء ليس معيار للنساء نسأل الله أن يرزقنا قلبا خاشعا ولسانا ذاكرا وعينا دامعة .
|