رد: قصة فلسطيــــن -الحلقة الأولى
الحلقة الأولى :
فأن الرسالة التي بعث بها وزير الخارجية البريطانية عام 1917 إلى اللورد روتشيلد أحد زعماء الحركة الصهيونية في تلك الفترة، والتي عرفت فيما بعد باسم وعد بلفور، تعتبر أول خطوة يتخذها الغرب لإقامة كيان لليهود على تراب فلسطين، وقد قطعت فيها الحكومة البريطانية تعهدا بإقامة دولة لليهود في فلسطين، وكانت سببا رئيسيا لهجرة اليهود واستجلابهم إلى فلسطين من جميع أنحاء العالم، الذي كان يتمنى خروج هؤلاء اليهود، الذين كانوا كالوباء من دولهم ليتخلصوا منهم وجمعوهم في فلسطين لإقامة دولتهم المزعومة على الأراضي الفلسطينية، هذه الهجرة اليهودية التي خلفت ورائها النكبة والهجرة والتشرد للفلسطينيين من أراضيهم وقراهم الأصلية حيفا ويافا ويبنا وعكا والمجدل وغيرها.
وبدأت صفحة من الصراع بين أصحاب الأرض الفلسطينيين وبين الغزاة الذين مثلوا احتلالاُ استيطانياً هدفه الاستيلاء على فلسطين وإجلاء أصحابها عنها ليصبحوا مشردين في بقاع الأرض يعانون من الغربة والتشتت والظلم التاريخي الذي وقع عليهم.
وفيما يلي نص الرسالة ( وعد بلفور المشئوم ) لإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين:
وزارة الخارجية:
_في الثاني من نوفمبر/ تشرين الثاني سنة 1917
_عزيزي اللورد روتشيلد
يسرني جدا أن أبلغكم بالنيابة عن حكومة جلالته، التصريح التالي الذي ينطوي على العطف على أماني اليهود والصهيونية، وقد عرض على الوزارة وأقرته:
"إن حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يفهم جليا أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص من الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة الآن في فلسطين ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في البلدان الأخرى".
وسأكون ممتنا إذا ما أحطتم الاتحاد الصهيوني علما بهذا التصريح.
المخلص
آرثر بلفور
النـكبـة
في عام 1917، خانت بريطانيا وعودها للعرب بمنح الاستقلال لهم عند إزالة الحكم التركي عن بلادهم، وأصدرت على لسان وزير خارجيتها وعد بلفور في 2 نوفمبر 1917 الذي "ينظر بعين العطف" إلى إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، كان هذا وعد من لا يملك لمن لا يستحق دون علم صاحب الحق، وخلال 28 عاماً من حكم الانتداب البريطاني، سنت بريطانيا القوانين واتخذت الإجراءات التي سهلت إنشاء هذا الوطن حتى أصبح دولة عام 1948.
ولقد كثفت الصهيونية جهودها، وجنّدت موظفي حكومة الانتداب الصهاينة لإعطاء اليهود حق امتياز استغلال الأراضي التي اعتبرت أملاك دولة، وأنشأت بريطانيا إدارة للمساحة هدفها تحديد ملكية كل أرض لمعرفة كيفية الاستيلاء عليها، ثم تدفقت أموال اليهود لشراء الأراضي بأسعار خيالية.
وكانت ضالتهم المنشودة كبار الملاك الغائبين من رعايا الدول العربية المجاورة، وبعدها اتجهوا إلى كبار الملاك الفلسطينيين الذين يعيشون في المدن، أما الفلاحون المتمسكون بأرضهم يفلحونها منذ مئات السنين، فقد ضيقت بريطانيا عليهم الخناق بفرض الضرائب الباهظة عليهم، حتى لا يجد الفلاح المسكين غير المرابي اليهودي لإقراضه مقابل رهن أرضه التي لا تلبث أن تقع في حوزة اليهودي بسبب عدم السداد، ورغم هذه الجهود المكثفة، لم تنجح الصهيونية في الاستحواذ على أكثر من 6% من مساحة فلسطين، أو (681.1) كيلومترا مربعا، منها 175 كيلومترا مربعاً متيازات تأجير طويل الأمد منحتها بريطانيا لليهود، و57 كيلو مترا مربعا حصة في أرض غير مفروزة، و(449.1) كيلومترا مربعاً تملكها اليهود مباشرة، وإن لم يتم تسجيلها كلها بشكل قانوني، من الذي باع هذه الأراضي؟.
تقول إحصائية الوكالة اليهودية أنهم اشتروا 6،52% من الأراضي من كبار الملاك الغائبين غير الفلسطينيين، و6،24% من كبار الملاك الحاضرين الفلسطينيين، و4،13% من الكنائس والشركات الأجنبية، أما نصيب الفلاحين المرهقين ضريبياً فكان 4،9% من الأراضي المبيعة، أي نصف واحد من المائة من مساحة فلسطين.
وهكذا بعد تعاون بريطاني صهيوني استمر 28 عاماً، لم تنجح الصهيونية إلا في الاستحواذ على 6% من مساحة فلسطين، لكنها نجحت في زيادة عدد اليهود إلى 30% من مجموع السكان، عندئذ نقلت الصهيونية جهودها إلى أمريكا، واتخذت من رئيسها هاري ترومان مناصراً لها وقف ضد وزير خارجيته، لكي تضغط أمريكا بكل قواها على الدول الصغيرة، وتهددها بقطع المعونات إذا لم تصوت لصالح تقسيم فلسطين بين أهلها، أصحاب الحق فيها، وبين مهاجرين غرباء لا يعرفون اسم المدينة التي وصولوا إليها، وكانت الطامة الكبرى على العرب عندما نجح قرار التقسيم بأغلبية ضئيلة لكي يوصي بإنشاء دولة يهودية على 54% من أرض فلسطين ودولة عربية على بقيتها، مع تدويل القدس تحت إدارة منفصلة. هذه المهزلة التاريخية قضت بأن تفرض أقلية أجنبية مهاجرة سيادتها على أكثر من نصف فلسطين، أي تسعة أضعاف ما كانت تملك، وتقيم فيها دولة عبرية نصف سكانها عرب وجدوا أنفسهم بين يوم وليلة رعايا دولة أجنبية غازية.
أما الدولة العربية المقامة على باقي فلسطين، فكل سكانها عرب وليس فيها إلا حفنة من اليهود، وهكذا وقعت القرى الفلسطينية فريسة لهذه السيطرة الأجنبية، بينما لا توجد بالكاد مستعمرات يهودية إلا في الدولة العبرية فقط، وحتى هذه المستعمرات على كثرتها الظاهرة لم تكن إلا قواعد محصنة يسكن الواحدة منها من 100 إلى 200 شخص من حاملي السلاح.
سرقة الأراضي الفلسطينية
بدأ تنفيذ الخطة في أوائل أبريل 1948 أثناء وجود الانتداب البريطاني وبدأت بوصل الأراضي اليهودية ببعضها ثم الاستيلاء على الأرض العربية حولها وطرد سكانها، حيث اتبعت القوات اليهودية سياسة التنظيف العرقي، كانت تحيط القرية من ثلاث جهات، وتترك الرابعة مفتوحة، ثم تجمع سكان القرية في مكان، وتختار عدداً من الشباب لإعدامهم، أو تقتلهم بالرصاص أو تحرقهم إذا وجدتهم مختبئين في مسجد أو كنيسة أو غار، وتترك الباقين ليهربوا وينقلوا أخبار الفظائع أو تأخذ بعضا منهم لأعمال السخرة لنقل أحجار البيوت العربية التي هدمتها أو حفر القبور لمن قتلتهم.
ولا ينسى أحد مذبحة دير ياسين وهي واحدة من 17 مذبحة اقترفت أثناء الانتداب و17 أخرى بعده، ولم تحرك القوات البريطانية ساكناً لحماية الأهالي حسب ميثاق الانتداب، وما أن جاءت نهاية الانتداب حتى سيطرت إسرائيل على 13% من مساحة فلسطين، وطردت أربعمائة ألف لاجئ من 199 قرية، وأعلنت قيام دولتهم على هذه الرقعة، ولكن دون تحديد أي حدود، فلا يزال النهم الصهيوني لابتلاع الأرض في أوله.
سيطرت الدولة الجديدة آنذاك على معظم السهل الساحلي وشريط غربي نهر الأردن حول بحيرة طبرية، وشريط يصل بينهما في مرج ابن عامر على شكل حرف N بالإنجليزية، وسقطت في يدها مدن فلسطينية مهمة مثل يافا وحيفا وطبرية وصفد وبيسان، وأشرفت عكا على السقوط. بدأت بشاعة الكارثة تظهر للعيان ووصلت أخبار المذابح وأشهرها دير ياسين إلى الشعب العربي في كل العواصم، فهاج واستنكر سكوت حكوماته وتقاعسها.
حرب شكلية
ودخلت قوات نظامية صغيرة من الدول العربية، متفرقة غير متعاونة، لحماية الشعب الفلسطيني من هذه الكارثة، استجابة لغضبة الشعب العربي وتظاهراته، ولم تكن بريطانيا تسمح لها بدخول فلسطين قبل ذلك، لو أرادت، لكن قدراتها العسكرية وعددها كان أقل بكثير من القوات الصهيونية التي أصبحت الآن تسمي "إسرائيل"، جاءت القوات النظامية إلى فلسطين دون خطة موحدة، أو معرفة بالبلاد أو بالعدو، وكان عددها مجتمعة حتى لو كانت تحت قيادة موحدة لا يتجاوز ثلث القوات الإسرائيلية ونصفها في آخر مراحل بالحرب، ولذلك لم تتمكن من وقف المد الإسرائيلي، الذي سرعان ما انتشر ليحتل اللد والرملة ويمد جسراً إلى القدس ويحتل مساحات واسعة في الجليل وبعد ذلك أصبحت الأراضي الفلسطينية بأكملها تحت السيطرة الإسرائيلية.
|