حسرة أهل الجنة
عنوان عجيب ، فكيف يتحسر من فاز ؟ أليس قد نال مراده ؟ وبلغ ما أمل ، لكن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " ليس يتحسر أهل الجنة على شيء إلا ساعة مرت بهم لم يذكروا الله عز وجل فيها " .
عجيب أمركم أهل الجنان : تتحسرون لا لأنكم عصيتم الله في الدنيا ، بل لأنكم تركتم فيها ساعة فلم تملأ بذكر الله ، بينما يبكي غيركم لفوات لذاته ، ويتحسر لفراق شهواته ، فشتان بين الفريقين .
ويجمع الأوزاعي تلاميذه ليشرح لهم حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيقول : " ليس ساعة من ساعات الدنيا إلا وهي معروضة على العبد يوم القيامة يوماً يوماً ، وساعة ساعة ، ولا تمر به ساعة لم يذكر الله فيها إلا انقطعت نفسه عليها حسرات ، فكيف إذا مرت به ساعة مع ساعة ، ويوم مع يوم ، وليلة مع ليلة ؟!! " .
مرّ بهذه الواحة عشاق الجنان وخاطبوا الحور وهم كثير ، لكننا توفيراً لوقتك سنقف مع عشاق ثلاثة فحسب .
أيها العاشق مهلاً إننا ××× مهرنا غال لمن يخطبنا
جسد مضنى وروح في العنا ××× وجفون لا تذوق الوسنا
وفؤاد ليس فيه غيرنا ××× فإذا ما شئت أد الثمنا
* العاشق الأول :
كان عبد الله بن عمر يصلي على الجنازة ثم ينصرف فلما مر بواحتنا فلما سمع حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - : " من تبع جنازة مسلم إيماناً واحتساباً ، وكان معها حتى يصلى عليها ويفرغ من دفنها ، فإنه يرجع من الأجر بقيراطين ، كل قيراط مثل أحد ، ومن صلى عليها ثم يرجع قبل أن تدفن ، فإنه يرجع بقيراط من الأجر " ، فلما سمعه تعاظمه وأرسل إلى عائشة رسولاً يسألها عن قول أبي هريرة راوي الحديث ، ثم يرجع الرسول إليه ، فقال : قالت عائشة : صدق أبو هريرة ، فضرب ابن عمر بالحصى الذي كان في يده الأرض وهو يقول : لقد فرطنا في قراريط كثيرة ، يتحسر على طاعة ضيعها تدنو به من الجنة ، وغيره يتحسر على معصية لم ينلها تدنو به من النار !! .
* العاشق الثاني :
هو أحد الذين قال تعالى عنهم : ( ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً ألا يجدوا ما ينفقون ) [ التوبة : 92 ] .
هذا والله بكاء الرجال : بكوا على فقد رواحل يحملون عليها إلى الموت ، في مواطن تراق فيها الدماء وتتطاير فيها الأشلاء ، وتقطف فيها رؤوس الرجال ، أما من يبكي فوات حظه من الدنيا ، وكانت حسرته على فقد شهواته ، فذلك بكاء الأطفال .
سهر العيون لغير وجهك باطل ××× وبكاؤهن لغير فقدك ضائع
* العاشق الثالث :
يرى عمله يقصر به عن الجنة ما لم يطعّم بظمأ الهواجر ، وقيام ليالي الشتاء فلما حضرته المنية بكى حسرة إذا حيل بينه وبين راحته وراحته في في الظمأ والقيام !!
ذلك هو عامر بن عبد قيس لما سئل عند احتضاره ؟ ما يبكيك ؟ قال : " ما أبكي جزعاً من الموت ، ولا حرصاً على الدنيا ، ولكن أبكى على ضمأ الهواجر ، وعلى قيام ليالي الشتاء "
|