تحيـة للمقـاتلـين الـذيـن يصنعــون .. غـدنـا
لأنهم تعودوا الانتصار في كل الحروب الرسمية التي خاضوها منذ إنشاء دولتهم، ولأننا أدمنا الهزيمة بفعل الضعف الذي اعترانا سابقا في الحرب معهم ، بتنا نضع الأيادي على القلوب خوفا من المجهول الآتي ، وكأننا لا نصدق احتمال الانتصار ! معذورون نحن... فقد عودونا ، هم ونظامنا الرسمي.... على أن بضعة ساعات كانت كافية لهم من أجل تحقيق أهدافهم وفرض كل شروطهم .
حتى اللحظة ( اليوم ) ، تكون خمسة وعشرون يوما قد مضت على عدوانهم ، لم يحققوا شيئا فعليا خلالها . صحيح أنهم اخترقوا الارض في بعض المواقع ، لكنها اهتزت تحت أقدامهم ، كانت جحيما باعتراف جنودهم وقادتهم ومحللين سياسيين وعسكريين في صحفهم .
على الجانب الآخر... فإن حيوية المقاومة في يومها الرابع والعشرين ( أمس ) هي نفسها وكما في يومها الأول: إرادة صلبة مزنرة بإمكانية عسكرية بسيطة مقارنة مع ما يمتلكون ، لكنها قادرة ، على الرد والردع في آن معا ، مقاتلون مؤمنون بقضيتهم الوطنية ، وببلدهم وعروبتهم وإسلامهم وانسانيتهم ، يجترؤون الصعاب في زمن يخلو من المعجزات ، مقاتلون جعلوا المقاومة لغة وحيدة للتخاطب بين أسوار المدينة والغزاة ، مقاتلون يصنعون أيضا حبر التفاهم بين أشياء الطبيعة والاله ، مقاتلون باختصار ، يصنعون لنا حقائق جديدة ننتصر فيها بذواتنا على ذات صدئة ... كانت يوما بداخلنا ... مقاتلون مبدعون ، وبالتالي هم ( القضية ) مثلما يقول الروسي تشيخون ، مقاتلون امتلأت رؤوسهم بثقافة المقاومة وقد جعلوا منها فنا عصريا وأساليب تستحق أن تدرس في المعاهد العسكرية والجامعات ، ولذلك يستحقون مثلما قال قائدهم ، وشاعرنا الفلسطيني توفيق زياد... أن نقبل الأرض تحت أقدامهم ، فبفعلهم وتضحياتهم وشهدائهم يصنعون التيجان وأكاليل الغار التي نضعها على رؤوسنا ، حين نطوف في زوايا الوطن الممتد من المياه إلى المياه ، وحين نسافر إلى الغيم والغيب في فضاءات أخذت تضيق يوما بعد يوم ، وحين نسرح أيضا في جبال الشوك والشوق ، وحين ندور في المقاهي والشوارع ، وحين تحل أرواحنا أطيافا وبحثا عن الآتي ... ومن الآتي .
أما أطفالنا الذين استشهدوا بقصف طائراتهم الحديثة وقنابلهم الذكية ، والذين كانوا يمتشقون أحلاما برئية مثل كل أطفال العالم... فإنهم وبامتزاج دمائهم مع الورود وأوراق الزعتر ، ورغم كل الآلام التي تتزن أجسادنا وعقولنا حزنا على مناظر أشلائهم ، فإنهم يخطون كلمات أغنية النصر القادم ، التي تسرح إلينا مع كل فجر من أيام المعركة .
ولأن المقاتلين هم الاوفياء... تراهم يتسابقون على الوصول من خلال الاستشهاد إلى درجة ( الاوفى ) على درب الآلام المعمد بالتاريخ والتضحيات وارادة القتال في مباراة جمع النقيضين..حين تتحول الارض الى بركان تحت اقدام المعتدين (العابرون في كلام عابر ـ وفق شاعرنا الفلسطيني محمود درويش) والذين يتحولون بفعل الفعل الى حبر ممحي على طريق الوصول الى صفحة بول ايلوار النقية والناصعة البياض ، وحين تختزن الارض جذوع سنديانات قديمة ، واشجار أرز تعاقب عليها التاريخ وبقي لونها اخضر رغم جفاف مراحل كثيرة فيه ، واشجار زيتون وبرتقال عتيقة انزرعت منذ الازل على الشاطئ المتوسطي الممتد من الناقورة وحيفا ، مرورا بأسوار عكا ويافا وغزة..وصولا الى صور واسواق صيدا القديمة تحرسها منارات السفن القديمة ، وهي ترسل بأشعتها الهادية نحو البحر ، مختلطة برائحة عرق الصيادين لتصنع سمفونية الحب الازلية بين ساكنيها والطبيعة ، في عرس طافت ايقاعات فرحه وجابت بقاعا كثيرة ، امتدت من طنجة الى الاندلس، وصولا الى بيروت حيث تمتزج الحضارات منذ فينيقيا وحتى العرب.
ولأن ما تريده اسرائيل وحليفتها اميركا ليس قدرا مفروضا ، فإن ما يتآمران به وما يستهدفانه من مخططات سوف يتحطم على نصال سواعد المقاتلين ، ليدوسوها تحت نعالهم وسوف نحتفل بالنصر القادم حتما مثل فجر خالد.
|