صوته يشبه برده .. ساكن ويوحي بتكتكة قارسة لماذا كلما أعلن قدومه بهوائه البارد تأيط حزنا وليلا وصمتا بلا أسرار ؟
حتى وإن أوصدت خلفك باب بيتك , وإن أغلقت نوافذ جسدك , وإن جاهدت كي تدخل مراحل دفء متواصل , يتسلل إليه عبر حنينك إلى ذكريات تأتي مرغما لأنك كلما أشعلت نار الدفء انداحت الحكايا تترى . فهذا اللهب قادر على اجتراح أماكن منسية وعلى جذب بكاء عذب يشبه هذا ما همس به الشتاء من غناء قديم كأنه ناي توعدك بأن لا تنام إنما باشتعال لما كان , و آه من ذاك الذي كان .
ليش شهيا فقط , بل أكثر ربما لأنه يدعو إلى الهرب إلى خلوة دافئة , بعيدا عن ضجيج الأرصفة والمقاهي يدعو إلى وحدة ذات نوم بلا كوابيس وإلى صور سكنت الروح وتأتي مرتبة مع فرصة الاستدفاء . فالهرب منه لجوء إلى أقاصي الذكرى إلى قصص من نوع غريب نامت لكن لم تمت لمذاق خاص بها, يشبه مطر الشتاء حين يأتي على جدب الأرض لتتحول إلى اخضرار مفعم بالحياة لأقصى تفاصيلها .
ماذا يقول الشتاء لبرده ؟ بماذا تثرثر الغيوم حين لا تلتقي وتتعانق إلا في فصله , وتلح بأن تزج بدمعها في كل الحياة من دون اختيار .
هل يتباهى الشتاء على الصيف, لكونه أقدر على الاقتحام أجدر بالاختباء حين تهاجر أسراره بالأشعار, بأنها هنا بين الإنسان وأنفاسه؟
بوح الشتاء له عطره, وله لذة اختباء من مطاردة عواصفه, وله أيضا اعتراف بكونه الأصدق حين لا يملك الآخر سوى بيت يؤويه من معارك الطقس .
شهي هذا البرد أشهى من حلوى الصغار, لولا أنه لا يتخلى عن حنين موجع يتبعه أنى رحل, وكأنهما بلا افتراق.
تحياتى