Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showpost.php on line 218

Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showpost.php on line 223
منتديات شباب فلسطين - عرض مشاركة واحدة - دفتر الشعراء..
الموضوع: دفتر الشعراء..
عرض مشاركة واحدة
قديم 05-30-2006, 04:43 PM   #21
ياسر
I ♥ AQSA

قوة السمعة: 7 ياسر will become famous soon enough

افتراضي رد: دفتر الشعراء00

الليلة الثانية :

و قلت له ( و كان الليل يوغل في المسير ) : أخبرني يا سبدلا عن الحياة .. كيف تدب أنفاسنا في الصدور ..؟؟ و كيف تخفق قلوبنا حين الحبور ..؟؟ و أين تغيب بعد الحضور ..؟؟؟

قال : هل رأيت شمس آذار حين تتغلغل في عروق السماء ..؟؟ هل رأيت كيف تهتز الخشب اليابسة و تتحول فجأة إلى أزهار ..؟؟؟ هل رأيت نفسك حين تبدأ بالضحك دون أي سبب و تلقي النكات على نفسك و تضحك بسرور ..؟؟ هل رأيت كيف يتحول الماء إلى سكر يذوب في شفاهك بعد أن كان جليداً بلا أي طعم ..؟؟؟
هذه هي الحياة يا صغيري .. شمس الروح تشرق على العناصر فتدب بالحياة و تتحرك و تكتسي ألوانها و تتكاثر و تتوالد و تحزن و تغضب و تضحك ..
هذه هي الحياة .. تستقي من ينبوعها الأزلي طاقة الوجود .. فتوجد ..

قلت : ماهذا الكلام .. أتفسر لي الماء بعد الجهد بالماء ..؟؟؟

- نعم .. ماذا تتوقّع حين تطلب مني أن أفسر لك الماء ..؟؟ البسيط لا يبسط ..

-لكني أسألك عن الحياة .. هل تدعي أنها بسيطة لهذه الدرجة ..؟؟؟

- لا .. هي مذهلةٌ في تعقيدها و غموضها .. و هذا بالضبط مكمن بساطتها ..

- ما هذه الألغاز يا سبدلا ..؟؟؟ تحدث كما يتحدث الناس و بطل حركات العفاريت هذه ..

- شوف يا صغيري .. ألا تشرب الماء في اليوم عشرات المرات ..؟؟ ألا تعب منه كالمجنون حين تعود من ملعبك ظمآناً لاهثاً ..؟؟ ألا تستحم فيه – مرغماً و رغم أنفك – كلما وجدت أمك نفسها دون عمل مفيد ..؟؟ ألا تمازح به أصدقائك في عز الظهيرة كل صيف موقظاً بهذرك البائخ هذا أصدقائي من العفاريت الهاجعين ..؟؟

- نعم .. صحيح .. ثم ..؟؟؟

- كيف تريدني أن أفسر لك الماء و أنت تعيشه بكل هذه الحميمية و تغضب حين أجيبك بكل بساطة ( هو الماء ) فقط..؟؟

- يا أستاذ عفريت .. أسألك عن الحياة .. و ليس عن الماء ..!!

- نعم .. أعلم .. و الحياة بالنسبة لك هي الماء .. أنت كائن حي و تريدني أن أفسر لك الحياة .. أنت جزء منها و لهذا السبب بالضبط فأنت تعاني ضعفاً طبيعياً في فهمها تماماً ..

- لكني أستطيع أن أميز الجماد .. هو ساكن لا يتحرك بذاته.. هاجع لا يتكاثر بنفسه.. بارد لا يدفأ بمكنونه .. أليس الضد بالتعريف حياة ..؟؟

- هذه مظاهر الحياة يا صغيري و المظهر توصيف و ليس تعريفاً .. هي أكبر من ذلك و أعقد و أكثر جمالاً و تألّقاً .. هي قبضة مدهشة من عجينة هذا الكون المليء بالاحتمالات اللامتناهية دبت فيها طاقة الخلق من لدن المهندس العظيم فقامت حيةٌ تسعى .. هي إحدى أجمل تجليات هذا الوجود المضمخ بالأسرار و أكثرها متعة و روعة حين تدرك أن مادة الحياة الأولية هي ذاتها عناصر الجماد و أولياته و أن كل ذرة من ذرات الكون ترسل مندوباً لها في جسد كل كائنٍ حي يأخذ مكانه المناسب تماماً في هذه السلسلة شديدة الترابط و التماسك التي يسمونها ( شبكة الحياة ) ..

- لا أدري .. قال لي معلمي البارحة أن الحياة دبت في الأرض بعد تشكل العضويات فيها , و أن الأمر يشبه إلى حد بعيد قصة ( فرانكشتاين ) حين صعق البرق الجثة الهامدة فانتفضت حية في لحظة واحدة .. ما رأيك ..؟؟

- ربما .. لكنكم أيها البشر مهووسون بالآلات و تريدون تعميم مفهومهكم الآلاتي هذا على كل موجودات الوجود .. أنتم تتعاملون مع الحياة بكل رقتها و رهافتها و جمالها بمنطق الحديد و الفولاذ و تتخيلون أن هذا هو النموذج الوحيد لصيرورة الكون و سيرورته متناسين أن أدمغتكم التي لا تنفك تبني نماذج هندسية صارمة عاجزة إلى حد ما عن رؤية الكون على حقيقته ..
الكون لا يخضع لقوانين الهندسة و ليس فيه مثلثات و مربعات و أشباه منحرفات جامدة , الغابات لا تضنع خطوطاً مستقيمة كما يصنع البشر في حدائقهم و الغيوم لا ترسم حدوداً قاطعة بين ألوانها و السماء الزرقاء كما يرسم الأطفال في دفاتر تلوينهم .. و تجاهلكم لطبيعة أدمغتكم الهندسية يجعلكم على الدوام تجعلون من الطبيعة بناءاً طابقياً من الخرسانة المسلحة المتجمدة ..
الحياة كما نعرفها تحتاج لمواد عضوية .. نعم .. لكن سبعين كيلو غرام من الخلايا و المواد العضوية و الحموض الأمينية و الخمائر لا تكفي كلها لبث نفس واحد في صدر جثة هامدة .. و جميع ما في الأرض من عضويات لا تستطيع أن تجتمع لتشكل حيوان بارامسيوم واحد من العدم دون تلك الطاقة شديدة الغموض و الإبهام التي يسميها العلماء الطاقة , و نسميها نحن ( الروح ) ..
إن سر الحياة يكمن في هذه الطاقة وحدها و حين تنسحب من جسد العضوية مهما كان رقيها أو تطورها تتفسخ و تتحلل على الفور و تنبعث منها روائح الموت الكريهة فتضطربون و تزكمون و تتعجلون بإعادة هذه المواد إلى مهجعها الأصلي في جسد الطبيعة و ترابها الأول ..

- هل تقصد أنني كإنسان أحوي من طاقة الحياة هذه ما تحويه ذبابة ..؟؟ خسئت يا هذا ..

- ما شاء الله .. منذ أيام كنت ترتعد كالأرنب في فراشك حين تتذكرني .. و الآن تشطح و تنطح ..!!
نعم يا صغيري .. من حيث المبدأ نعم .. لكنك تملك وجوداً أسمى بكثير .. وجوداً متفرداً لا يتمثل إلا بالحياة الإنسانية التي هي وحدها تملك وعياً كفيلاً بدراسة ظاهرة الحياة نفسها ..
الحياة الإنسانية معجزة مدهشة , ففضلاً عن كونها أرقى و أكمل أشكال الحياة فهي بقدرتها على التغيير و وعي ذاتها و الإحساس بالجمال الكلي و تذوق الفن و خلق الشعر و دراسة قوانين الطبيعة و محاولتها الدائبة لفهم هذا الكون و إرادتها الحرة في التضحية و تمثل القيم العليا في سلوكها الغريزي فهي تشكل بكل ذلك أجمل و أروع مظاهر هذا الكون الفسيح ..
الإنسان كائن حي .. لكنه واع أيضاً و أخلاقي و فنان , و هذه الصفات وحدها تضعه على رأس قائمة الحياة بجميع تنويعاتها و اختلافاتها , و حين يتخلى عن ذلك و يختار أن يكون مجرد شكل أكثر تعقيداً من الذبابة فقد وضع نفسه في مرتبة لا تليق بروعته و تفرده ..

- حسناً .. لقد جبرت ما كسرت و أرضيت من أغضبت .. حدثني الآن عن الله .. أين هو .. و كيف أعرفه ..؟؟؟

- لا .. هذا أوان الأحلام .. نم يا صغيري .. أراك في ليلةٍ قادمة ..

و اندس في ثنايا حلمٍ صغير .. و اختفى ..


يتبع ..
ولكن ليس قبل العودة لردود الأخوة والأخوات الذين شرفوني بحضورهم .. إلى ذلك الحين ألقاكم على خيّر وسلام إن شاءالله
  اقتباس المشاركة