رد: دفتر الشعراء00
الليلة الأولى ..
و قلت له – و كان الليل يتمطى متأهباً بالولوج - :
- يا سبدلا .. كيف أدرك الحقيقة .. من أين تأتي كل هذه الأشياء .. و أين تذهب النار بعد أن تنطفئ ..؟؟
قال :
- لا تبحث عنها .. إياك ثم إياك ..
ارتحلت منذ ألف عام باحثاً عنها في كل مكان .. جبتُ بلاد الوديان السبعة و الأنهر السبعة ..قفزت فوق الأحجار الملتهبة و الصخور الذائبة .. وصلت حافّة الأرض العظيمة و راقبت الشمس و هي تسقط في بئر الظلام .. مات آلاف الناس بين يدي و ولد آلاف آخرون .. صليت بخشوعٍ مع المتقين و رقصت معربداً مع الملحدين .. تمددت في قبور الموتى و شممت رائحة أجساد البشر حين يصبحون مجرد أجساد .. بكيت في طقوس الوداع الأخيرة و تمتمت أدعية الرحمة و الغفران .. قرأت كل اللغات و سمعت كل الأصوات و شاهدت كل المرائي .. راقبت النجوم و هي تحترق و آلاف المجرات تذوب في غمضة عين .. و جلست بين يدي جميع حكماء الأرض ..
سألت العارفين عن الحقيقة .. همهموا بغموضٍ و أشاروا نحو الجنوب .. ارتحلت جنوباً على جناح نسرٍ عجوز حتى وصلت غابة الأسرار المهولة حيث كل شيءٍ واضح و جليّ ..
قالوا لي :
- يا من لا تتقنون فن الأحلام .. لا تدخلوا .. يا من تبحثون عن الحقيقة .. لا تدخلوا ..
أقفلت عائداً و لم أجسر على الدخول ..
سألته – و كنت ما زلت مأخوذاً بمغامرته - : لماذا .. لماذا لم تدخل ..؟؟ لماذا لم تحاول أن تملك ناصية المعرفة بين يديك و تعلم كل شيء ..؟؟؟
قال : أنا عفريت .. و العفاريت لا يحلمون ..
قلت متهللاً : يا إلهي .. أنا أحلم كل يوم ... هل سأدخل غابة الحقيقة يوماً ما ..؟؟؟
- لا .. لأنك تبحث عنها يا صغيري ..
- لم أفهم ..
- لا يمكن لأحد أن يبحث عن شيء يجهله تماماً .. و حين تبحث عن الحقيقة فأنت – بدون قصد – تفرض لها تصوراً ذهنياً ما كما يتصور النحات تمثاله في خياله قبل أن يعجن خلطة الطين .. لكن هذا التصور المسبق ذاته يبعدك عن المعرفة الحقيقية ..
- كيف ..؟؟
- لأنّك تتخيل أنك تعرف جزءاً من الحقيقة و تبحث فقط عن إكمال الصورة و حل الأحجية ..
- نعم .. هذا صحيح .. و طبيعي..
- لا .. ليس صحيحاً .. الحقيقة كل لا يتجزأ .. و حين تتخيل أنك تعرف جزءاً منها فهذا يعني أنك لا تعرف شيئاً على الإطلاق ..
- هل هي صعبة إلى هذه الدرجة ..؟؟
- بالعكس تماماً .. هي أبسط مما تعتقد .. أليفة و حبيبة .. بهية كضوء النهار .. حميمة كضحكة الوليد .. لكنها تختال على المتكبرين و تشمخ على الشامخين .. تفر ممن يريدون أن يقبضوا عليها و يودعوها سجن تصوراتهم المسبَقة ..
لا تبحث عنها في أي مكان .. هي ستبحث عنك .. و ستختارك إن كنت تستحقها ..
- و كيف إذاً أكون جديراً بها ..؟؟؟
- أن تزاول فن الحياة بشكلٍ متقَن .. أن تملك القدرة على أن تحب بكليتك دون شروط مسبقة .. أن تحلم كما ينبغي و تطلق العنان لخيالك يجمح في كل الأنحاء .. أن تتواضع أمام هذا الوجود و رب هذا الوجود دون أن تفترض أنك قادرٌ على أن تراه بعينيك .. أن تعيش حياتَك بعفوية و تلقائية و تتجرد من رغبتك الدفينة بفهم كل شيءٍ دفعةً واحدة ..
يا صغيري .. لن تستطيع أن تتخطّى حدودك كإنسان إلا إن التزمت بحدودك كإنسان .. حينها فقط .. تختارك الحقيقة و تكشف لك كل أسرارها ..
- هل تريد أن تقول لي أني إن أردت أن أعرف كل الحقائق علي أن أتجنب التفكير فيها ..؟؟
- نعم .. صحيح تماماً .. المعرفة الحقيقية تحتاج لكل الدروب .. و هي لا تسلك دروب العقل فقط بل دروب المحبة أيضاً و الخير و القلوب الطيبة ..
- إذاً الأمر سهل للغاية .. أنساها فتتذكرني ..
- لا .. كان غيرك أشطر ..
هل تعتقد أنه من السهولة أن تعيش حياتك كما ينبغي ..؟؟ دنياك يا صغيري ليست مجرد زمان أو مكان .. هي بعد آخر متفرد و شديد الذاتية و الخصوصية .. كل كائن حي يصنع دنياه الخاصة و وجوده المتميز و حين تشكل عالَمك بطريقة أخلاقية يصبح عفوياً و دون قصد جزءاً من الحقيقة الكبرى ..
- ماذا تعني ..؟؟ لم ....
استرسل مقاطعاً :
- و حين تستسلم لشهوتك الجامحة و أنانيتك المقيتة و غرورك الأحمق .. حين تحسب أن هذا العالَم مجرد فرصة سانحة لاغتراف أكبر قدرٍ من اللذة فقط .. حين تتلاشى في روحك القلقة القدرة على صنع الخير و لا تطاوعك يدك المتخشبة على رسم ابتسامة صغيرة على وجه حزينٍ وادع .. حين يصبح هذا الوجود عدواً شخصياً لك تخطّط للاستيلاء على مواقعه و فرض الضرائب على موجوداته ..حين تريد لهذا الكون أن يسير وفق مشيئتك و يغني الألحان التي تطربك فقط .. فأنت عفوياً و دون قصد تبتعد رويداً رويداً عن إدراك الحقائق و تختفي أنوار روحك و تنسدل أمام عينيك حجب الطين الكثيفة فتلوب في دروبك العمياء كمتاهة عملاقة لا مخرج منها..
أطرقت مستسلماً بحزنٍ صادق :
- خلاص .. خلاص .. صعبتها عليّ جداً .. لم أعد أريد أن أعرف شيئاً ..
انحنى على سريري الصغير .. مسح جبهتي بحنو .. ابتسم و همس :
- الآن ..الآن فقط .. بدأت تعرف ..
و تلاشى في العتمة الجارفة بعد أن أسلمني لنوم عزيز ..
يتبع ..
لاحقاً إن شاء الله
و..
تحياتي للجميع
|