رد: قصتـي !
بعد أن صلى وائل صلاة العصر و انهى واجباته وضع رأسه على الطاولة و أغمض عيناه،
ثم رفع رأسه و أخذ معطفه الكحلي و قال لأمه و هو يخرج من باب المنزل: ’سأذهب لأتمشى قليلاً‘ ...
ابتعد وائل عن العمارة التي يعيش فيها و تمشى في الكورنيش القريب من منطقته، و بينما هو يمشى
و يتأمل البحر الواسع، كان يتذكر ذلك الحلم الذي يداعب أفكاره منذ صغره ... أن يصبح شيءً مفيد ...
شخصاً من الأشخاص الذين ينهضون بهذه الأمة ... شخصاً من الأشخاص الذي يستطيعون إزاحة الإحتلال عن وطنه ...
و يبقى عملا خالصاً لوجه ربى تعالى ... ثم توقفت قدماه للحظة و قرر العودة، فالتفت ليعود،
لكنه ما إن التفت حتى رأى منزلاً – فيلا – في الرصيف المقابل، كان لونها بني، و شبابيك الفيلا المهندسة
بشكل جميل كانت بيضاء كبياض الزهور التي تستلقي على بعض حوائط المنزل و بوابته، تذكر وائل أين رأى ذلك
المنزل من قبل ... ‘ألم يكن موجوداً في تلك الورقة التي أعطتني إياها الطفلة؟’ بطريقة أو بأخرى ساق الفضول
وائل لأمام ذلك الباب، فدق الجرس، حتى فتح الباب لكن لم يكن هناك أحد أمامه ... ‘مرحبا؟’ ... فسمع صوت
طفلة تقول ‘أنا هنا!’ فأخفض نظره قليلا ليجد الفتاة نفسها و لكن هذه المره دون قبعة، و قد رفعت شعرها الأدهم
بربطة بيضاء، فابتسمت الصغيرة سعيدة جداً، فيبدو أن محاولات الإعلان التي قامت بها اليوم أثمرت و جاء أحد ممن
دعتهم ‘الحمدلله! تفضل، تفضل ...’ دخل وائل ببطء و لم يقل أي شيء، بل بقي يحدق في الحديقة الخضراء حوله،
لم تكن كبيرة جداً، فقد كان المنزل قريباً جداً من البوابة ...
- الفتاة: ’السلام عليكم، إذاً، اسمي سما – ثم قالت و هي تخرج ورقة صغيرة من حقيبتها ... إلى أين تريد الذهاب يا سيد؟‘
- وائل: آه ... و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته ... أيمكنك أخذي لأي مكان؟‘
- سما وهي تفتح الورقة شيء فشيئاً: ’مادام على وجه الأرض‘
- وائل: ’و كيف تستطيعين فعل ذلك؟‘
- أشارت سما خلفه: ’بدراجتي تلك‘
الأغرب من هذه الفتاة كانت دراجتها المركونة على أحد حوائط المنزل، فقد كانت بعجلة واحدة فقط،
و هي عجلة كبيرة فعلاً، و يعلوها المقعد، و من منتصف العجلة تمتد عصى حديدية للخلف ترتبط بها
عربة صغيرة، و قبل أن يقول أي كلمة، قامت سما بوضعت الورقة الكبيرة على الأرض، فقال: ’لماذا تحملين
خريطة العالم معك؟‘ ...
- سما: ’لأنني اتنقل كثيراً، إذا، أين هدفك؟‘
- صمت وائل ثم قاله: ’القدس‘
- و مباشرةً، راح إصبع سما يدور حول الخريطة حتى وضعت يدها على دولة فلسطين و قالت: ‘تقصد هنا ...
لنرى ... و نحن هنا – ثم أشارت لدولة قريبة من فلسطين و أعادت طوي الورقة ثم وقفت – ... حسناً ...
سنتحاسب عند العودة ...
وقفت سما داخل العربة الصغيرة أولاً ... ثم رفعت كلتا يداها و هي تمشي على العصى الحديدية لتتوازن ... ثم قفزت على المقعد بخفة و قالت لوائل: ’هيا أسرع و اجلس في العربة!‘ عانى وائل قليلاً عند جلوسه في تلك العربة الصغيرة و قال لسما: ’حسناً لقد جلست داخل العربة‘ فابتسمت سما و قالت: ’تمام‘ ... ثم مشت قليلاً نحو خشبة طويلة بعض الشيء في وسط الحديقة، كان الخشبة كالدرج و لكن لم تكن درجاً، فقد كانت مسطحة، لم يكن يفهم وائل شيءً فقال بملل: ’إذا؟‘ لكن كل ما فعلته سما هو أن طلبت منه الهدوء، ثم بسرعة مفاجئة انطلقت نحو الخشبة، و صعدت عليها، كان وائل يعلم بأنه سرعان ما سترتطم الدراجة بالأرض بفعل الجاذبية، فأغلق عينيه، لكن ما هي إلا ثواني قليلة و لم يعد وائل يشعر بأنهم يمشون على شيء، و كأنهم يمشون على هواء، فتح وائل عيناه ... ’إننا نطير!‘ لم يكن هناك أي أجنحة، و لكن سما بقيت تحرك عجلتها بقدميها و كأنها تمشي على طريق غير مرئي في السماء، نظر يميناً و يساراً و هو يرى منزلها يبتعد شيئاً فشيئاً، وائل: ’يا إلهي ... !‘ ابتسمت سما ابتسامة عريضة و قالت: ’هل تصدقني الأن؟‘ لكن وائل لم يقل أي كلمة بقي ينظر من حوله و علامات التعجب ترقص في وجهه ...
- وائل: ’كيف تفعلين هذا؟ كيف تستطيعين الطيران؟‘
- سما: ’إنها سر المهنة!‘
- وائل: ’لا يرانا أحد؟‘
- سما: ’لا ... انظر من حولك منزلنا في منطقة بعيدة عن أنظار الناس‘
- صمت وائل قليلاً ثم قال: ’إذا كم نحتاج من الوقت لنصل؟‘
- سما: ’ساعات قليلة و سنصل‘
نظر وائل لساعته، ثم نظر للسماء وهو لا يزال مصدوم مما يحدث حوله ...
ثم رمت سما له شيء صغير مغلف باللون الأبيض ...
- وائل: ’علكة؟‘
- سما وهي تمضغ واحدة: ’أجل ... ستحتاجها‘
- أتركـ مجـآل لأرآئكم ... =)
|