Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showpost.php on line 218

Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showpost.php on line 223
منتديات شباب فلسطين - عرض مشاركة واحدة - الشيعة ومعتقداتهم موسوعة كاملة
عرض مشاركة واحدة
قديم 06-12-2011, 08:31 PM   #16
اسد 22
.|| عآشق الـجِنآن ||.
 
الصورة الرمزية اسد 22

قوة السمعة: 139 اسد 22 has a spectacular aura aboutاسد 22 has a spectacular aura aboutاسد 22 has a spectacular aura about

افتراضي رد: الشيعة ومعتقداتهم موسوعة كاملة

وحيث يقـرن ( المالكي )بين (سيف) و ( أبي مخنف ) يقول عن الأول الوضاع المتهـم بالزندقة !! ، ويكتفي بالقول عن ( أبي مخنف ) الشيعي ؟ ( المرجع السابق ص 33) .
ج - يطلق ( المالكي ) عبارات مرجفة يستبعد فيها توثيق ( سيف ) ولو بحث الباحثون عشرات السنين ، فإذا أحس أن عبارة ( ابن حجر ) رحمة الله في سيف ( عمدة في التاريخ ) ستحرجه خرجها تخريجاً يتفق وهواه وفهمه ( وسيأتي البيان )
أما عبارة ( الذهبي ) في سيف (كان إخبارياً عارفاً ) فهي تزيد من حملته ، ولذا تراه أحياناً يتغافلها ، وأحياناً أخرى يفسرها كما فسر عبارة ابن حجر ، وبكل حال فهو يعتبر هاتين التزكيتين من هذين العلمين في الجرح والتعديل ( متوهمة وليست صريحة ) ( انظر ص 55، 60، 84 من الكتاب السابق ).
د - يجزم ( المالكي ) بالقول : " ويعد الحافظ ( ابن حجر ) المتساهل الوحيد في الإكثار من روايات سيف مع حكمه عليه بالضعف : " ( ص 55) ( وسأبين ما يناقضه ).
هـ-ويتهم ( المالكي ) ( سيفاً ) باختلاق الرواة ، بل واختلاق الشخصيات الكبيرة المشهورة ، على الرغم من اعترافه بصحة سند بعض المرويات التي رواها سيف ( ص 62، 63 )
و - وتظل تهم ( المالكي ) تلاحق ( سيفاً ) دون أن يجد له فيها عذراً ، أما الرواة الآخرون فإن وجد في رواياتهم ( مجهولون ) فهي قله نادرة بينما الجهالة في أسانيد سيف سمة ظاهرة ( ص 68) وسيتضح لك بعد الفرق بين ( سيف) و ( أبي مخنف ) على سبيل المثال في الرواية عن المجهولين .
ز- وأعظم من ذلك أن يوهم ( المالكي ) قارئي كتابة أن مرويات ( أبي مخنف) تسير في إطار الروايات الصحيحة ! التي تخالفها روايات سيف ( ص69).
ح – ويتناقض (المالكي)حين يعقد لـ (سيف) عنواناً وحيث يقـرن ( المالكي )بين (سيف) و ( أبي مخنف طعنة في كبار الصحابة والتابعين )
( ص70 ) ثم تراه يعترف بدفاعه عن الصحابة ، وإن كان يسوقها مساقاً خاصاً ، فأهل الحديث لم يغتروا به ، لعلمهم إنها كذب ؟ ! ( ص73) أهكذا تكون المنهجية أم بهذا التلاعب ينقذ التاريخ الإسلامي ؟!
ط – وأخيراً ( المالكي ) في حلقته الثالثة عن ( القعقاع بن عمرو حقيقة أم أسطورة ) المنشورة في جريدة الرياض يفصح عما في نفسه صراحة حين يفضل ( أبا مخنف ) على (سيف) ويقولها صراحة وهو يتحدث عن (أبي مخنف) و(المسعودي)" لكن هؤلاء كلهم فوق سيف بن عمر ؟!
فهل الأمر كما صورة المالكي ؟
تعالوا بنا لنوازن بين الرجلين ( سيف ) و ( أبي مخنف ) ونقرأ بتمعن كلام علماء الجرح والتعديل ، وننظر ما قاله المؤرخون المعتمدون في ( الأخباريين) وبين هذا وذاك نقف على تعليلات ( المالكي ) وتوهيمـه ( للعلماء ) حين يخالفون مساره في ( سيف ) .
1- سيف بن عمر
لا يستطيع منصف أن ينكر الضعف المنسوب إلى سيف عند علماء الجرح والتعديل ، ولكن من الإنصاف لسيف ، كراوية في التاريخ _ أن يقال :
أ‌- تهمة الزندقة التي اتهم بها دافع عنها " ابن حجر " حين قال : " أفحش ابن حبان القول فيه " ( تقريب التهذيب 1/344) .
ومن الأمانة العلمية أن تذكر هذه المدافعة بازاء التهمة !! ولم أر ( المالكي ) توقف عندها .
ب‌- فرق العلماء قديماً وحديثاً بينا الشروط المطلوبة لراو يروى في الحلال والحرام وآخر يروى في الأخبار والسير وفضائل الأعمال ، وقال الخطيب البغدادي " باب التشدد في أحاديث الأحكام والتجاوز في فضائل الأعمال " ثم روى بسنده إلى الإمام احمد بن حنبل -يرحمه الله- أنه قال : إذا روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحلال والحرام والسنن والأحكام تشددنا في الأسانيد ، وإذا روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضائل الأعمال وما لا يضع حكماً ولا يرفعه تساهلنا في الأسانيد"(الكفاية في علم الرواية ص212-223).
وتحدث المعاصرون عن ضرورة المرونة في تطبيق قواعد المحدثين في نطاق التاريخ الإسلامي ( د . أكرم العمرى : السيرة النبوية الصحيحة 1/45 ) .

ملحوظات أخرى في الكتاب :
وفوق ما سبق عرضه من آراء وملحوظات ، وتحقيق، فثمة ملحوظات أخرى أسجل ما (تيسر) منها ، وفي جزء يسير من الكتاب.
1 - يحذّر المالكي من كتابات من يحملون همّ (التاريخ الإسلامي) ويعتبرها أخطر من كتابات (المستغربين) و(أهل الأهواء) لأن هذه الأخيرة - كما يقول لا تخفى على القارئ اللبيب! ثم يضيف المالكي ( في الهامش ) قوله : " الغريب أنني وجدت في كتب ( طه حسين ) من ( الإنصاف ) أكثر مما وجدته في كتب بعض من يدعون أنهم يحملون هم (التاريخ الإسلامي) ..!! (ص36، من الإنقاذ) .
وأنا هنا أتساءل لماذا طه حسين بالذات ؟ ألأنه (شكك) في التاريخ الإسلامي و(أنكر) ما لم ينكره غيره ، وكتاباته في (السيرة) و(تاريخ الخلفاء) وغيرها لا تخفى وهل يعلم (المالكي) تشكيك طه حسين (المنصف في نظره) في تاريخ الشيخين (أبي بكر وعمر) رضي الله عنهما ، حين يقول : " وأنا بعد ذلك أشك أعظم الشك فيما روي عن هذه الأحداث ، وأكاد أقطع بأن ما كتب القدماء من تاريخ هذين الإمامين العظيمين ، ومن تاريخ العصر القصير الذي وليا فيه أمور المسلمين أشبه بـ( القصص ) منه بتسجيل (حقائق ) الأحداث التي كانت في أيامها ... " ؟!
هذا ما سطره ( طه حسين ) في مقدمة كتابه ( الشيخان ) فهل يروق ذلك للمالكي ؟!
أم تراه يروق له قوله عن معاوية رضي الله عنه : " وقد ضاق معاوية برجل عظيم الخطر من أصحاب النبي ( هو أبو ذر .. ولم يستطع أن ( يبطش ) به لمكانه من رضى رسول الله ( ، وإيثاره إياه ولسابقته في الإسلام ، ولم يستطع أن يفتنه عن دينه بالمال" . (الفتنة الكبرى 2/57) .
وأين الإنصاف عند ( طه حسين ) وهو يقول عن ( عمرو بن العاص) رضي الله عنه : " كان يكره بيعة علي لأنه لا ينتظر من هذه البيعة منفعة أو ولاية أو مشاركة في الحكم ، ولهذا انضم إلى معاوية ، وكان ابنه عبد الله يرى أن أباه قد باع دينه بثمن قليل ... " !!
أم يرى المالكي ( إنصاف )طه حسين في شدته على بني أمية ، سواء من الصحابة أو من التابعين ؟
وماذا هو قائل عن منهجه في أحداث الفتنة حين يقول : " وأنا أريد أن أنظر إلى هذه القضية نظرة خاصة مجردة ، لا تصدر عن عاطفة ولا هوى ، ولا تتأثر بالإيمان ولا بالدين، وإنما هي نظرة المؤرخ الذي يجرد نفسه تجريداً كاملاً من النزعات والعواطف والأهواء مهما تختلف مظاهرها ومصادرها وغاياتها " ( الفتنة الكبرى 1/5) .
أم يراه منصفاً حين يقول عن عبد الله بن سبأ : إن أمر السبئية وصاحبهم ابن السوداء .. إنما كان متكلفاً منحولاً ، قد اخترع بآخرة ... أراد خصوم الشيعة أن يدخلوا في أصول هذا المذهب عنصراً يهودياً إمعاناً في الكيد لهم والنيل منهم .."؟! (الفتنة الكبرى 2/90-91) .
اللهم إنا نبرأ إليك من هذا الهراء ، وإن اعتبر المالكي ( صاحبه ) منصفاً ؟! ولا يتسع المقام لأكثر من هذا وإذا تسللت مثل هذه الأفكار (لطه حسين) واعتبر بها أو بمثلها (أكثر إنصافاً ) من المؤرخين الإسلاميين عند طبقة ( المنقِذين !!) بطلت الدعوى بعدم تأثيرها في ( المُنقَذين ) ولله في خلقه شؤون ؟!!
2 - يقلل ( المالكي ) من كتاب ( العواصم من القواصم ) لابن العربي من وراء وراء، فهو يبدأ بالتشهير بتعليقات ( محب الدين الخطيب) على الكتاب ، ويقول : إن الجهلة من المؤرخين قلدوها وأصبحوا بها يعارضون الأحاديث الصحيحة والروايات الثابتة ؟! (ص35) .
ثم لا يتمالك نفسه حتى يصل إلى ( ابن العربي ) نفسه ، وكتابه ، الذي يعده من الكتب المفتقدة للتحقيق العلمي المتشدقة بمنهج أهل الحديث، وإنها تجمع بين نقيضين وفيها تحريف للحقائق أو الاستدلال بالصحيح أو الكذب الصراح المجرد أحياناً (ص35، 36) .
3 - ولم يسلم ابن تيمية من (لمز) المالكي ، وإن جاءت بعبارات ومقدمات (ذكيّة) حين يقول : " ... فكيف تقنع المتعصب ضده بما في مؤلفاته من خير كثير، وكيف تقنع المتعصب له بالأخطاء الظاهرة الموجودة في كتبه ... " (ص36، الهامش).
أما كتبه فيختار منها ( منهاج السنة في نقض كلام الشيعة والقدرية ) ليضعه (قبل) ضمن قائمة الكتب المفتقدة للتحقيق العلمي المتشدقة بمنهج أهل الحديث، والتي يقلدها المؤرخون بلا محاكمة للنصوص ثم يحذف ذكره في الكتاب مؤجلاً الحكم النهائي بعد دراسة الكتاب دراسة مستفيضة .. (ص35، الهامش).
ومع اعتقادنا بعدم العصمة لأحد ( سوى الأنبياء عليهم السلام ) فمن حقنا أن نسأل (المالكي) وهو الذي أصدر هذه الآراء بعد دراسة استمرت أربع سنوات - كما ذكر حين أصدر حكمه - من قبل على منهاج السنة - مثلاً - ألم يكن بعد الدراسة فلماذا حذفه في الكتاب؟ وإن كان لم يستوف البحث فكيف أعلن رأيه قبل استكمال بحثه؟! أم أن حذفه خشية الإثارة ، ولئن الكتاب يعالج موضوعاً لا يخفى؟! هذا نموذج صارخ للعلمية والمنهجية المالكية !! والله المستعان ، وأرجو ألا يسارع المالكي بتصنيف من يدافع عن ابن تيمية بالتعصب له ؟!
أما كتاب ابن العربي ( العواصم من القواصم ) فعلى الرغم مما فيه من ملحوظات ، لا يسلم منها عمل البشر، فيكفيه فخراً ( مدافعته عن صحابة رسول الله ( ) وهذه لا ترضي ( العوام ) كما يفهم الآخرون ، بل هي ضمن معتقد أهل السنة والجماعة وقد اعتُبر قديماً وحديثاً سبّ صحابة رسول الله ( زندقة ، كما قال أبو زرعة الرازي يرحمه الله : " إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله ( فاعلم أنه زنديق ، وذلك أن الرسول ( عندنا حق ، والقرآن حق ، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله ( ، وإنما أرادوا أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة ، والجرح بهم أولى وهم زنادقة "( الكفاية في علم الرواية ، للخطيب البغدادي ص97) .
ويقول إمام السنة الإمام أحمد بن حنبل يرحمه الله : " ومن الحجة الواضحة البينة المعروفة ذكر محاسن أصحاب رسول الله ( كلهم أجمعين ، والكف عن ذكر مساويهم، والخلاف الذي شجر بينهم ، فمن سب أصحاب رسول الله ( أو أحداً منهم أو تنقصه أو طعن عليهم أو عرّض بعيبهم أو عاب أحداً منهم فهو مبتدع رافضي خبيث مخالف، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً ، بل حبهم سنة ، والدعاء لهم قربة والاقتداء بهم وسيلة ، والأخذ بآثارهم فضيلة ... " ( رسالة السنة للإمام أحمد ص78) .
وأنا هنا أحذر ( المالكي ) من سب أحدٍ من أصحاب رسول الله ، وأذكره بأن التعريض بالكتب المدافعة عنهم كـ(العوام) والكاشفة لقدح القادحين فيهم كـ(منهاج السنة) هو طريق إلى النيل منهم، ولو جاء باسم البحث العلمي والتحقيق، ولو قدم له بالاستفادة من أخطاء سلفنا السابقين ؟ (ص78) ، كما أذكره - وغيره - بأن من يعرض لهؤلاء الأصحاب بالنقيصة والطعن - ولو من وراء وراء - فسيكشفه الله ويفضحه في عقر داره ، وإذا جرى قدر الله بوجود من يدافع عن هؤلاء في كل زمان ومكان ، فدفاع الله عنهم أقوى وأمضى (( إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور )) (الحج : 38).
4 - و " ابن سبأ " شخصية تاريخية وحقيقة ثابتة ، يتضافر على ذكرها الرواة والمرويات، ويتفق على وجودها ( السنة ) و ( الشيعة ) ولكنها محل (شك) أو (إنكار) عند المالكي ، فهو يعجب بالدراسات التي انتهت إلى اعتبار (ابن سبأ) أسطورة (ص58) ، ويصف ( ابن سبأ ) باليهودي النكرة !! (ص71) .
بل يذهب ( المالكي ) أبعد من هذا وهو يحاول - دون دليل - إنكار صلة عقائد (الشيعة) بابن سبأ ، من خلال إنكاره واستبعاده نشر (ابن سبأ) فكرة (الوصية) (ص79).
وهذه مغالطة علمية ، وإنكار لما لم ينكره (الشيعة) أنفسهم فضلاً عن كلام أهل السنة ، وهاك البرهان فالشيعي سعد بن عبد الله القمّي (ت229 أو 01هـ) يعتبر (ابن سبأ) أول من قال بفرض إمامة علي ورجعته ... " (المقالات والفرق ص10-21) ، وأقدم كتاب عند الشيعة معتمد في علم الرجال ، هو : رجال الكشي ، للكشي (من أهل القرن الرابع الهجري ) .
وقد جاء في الكتاب ما نصه : " إن عبد الله بن سبأ كان يهودياً فأسلم ووالى علياً عليه السلام وكان يقول وهو على يهوديته في يوشع بن نون وصي موسى (بالغلو) فقال في إسلامه بعد وفاة الرسول ( في علي مثل ذلك ، وكان أول من أشهر القول بفرض إمامة علي وأظهر البراءة من أعدائه وكاشف مخالفيه وكفرهم ، من هنا قال من خالف الشيعة أن أصل التشيع والرفض مأخوذ من اليهودية " (الكشي ص108، 109).
وللمزيد حول هذه النقطة يمكن الرجوع لما كتبه الدكتور ناصر القفاري في كتابيه (القيمين ) :
(1) - أصول مذهب الشيعة الإمامية الاثني عشرية ( 2/654 وما بعدها ) .
(2) - مسألة التقريب بين أهل السنة والشيعة ( 1/136-138 ) .
أفيكون ( المالكي ) أكثر ( دفاعاً ) عن أصول ومعتقدات الشيعة من الشيعة المتقدمين أنفسهم ؟ ذلك أمر خطير وهو لافت للنظر ، وكذلك ينقذ التاريخ عند غير أهل الاختصاص ؟!
5 - ورد في كتاب (المالكي) ( نحو إنقاذ التاريخ الإسلامي) أكثر من مرة، الحديث عن (الشيعة) بمثل هذه العبارات : " فنحن في هذا العصر خاصة مغرمون بالرد على المذهب الشيعي!! وبالتالي قبول كل ما يخالفه وإن كان باطلاً ، ورد كل ما يوافقه وإن كان حقاً ... " (ص72) .
ويقول في ص77 : " أما بين الخاصة فلم تنتشر روايات سيف على مدى قرن ونصف القرن من موته (180) فكان أول من أشهرها - كما أشهر غيرها- هو الطبري (310هـ) وكانت روايات سيف قبل ذلك خاملة جداً ، فاحتاجها الناس بعد الطبري للرد على الشيعة !!" .
ولبروز هذه الظاهرة في الكتاب - لمن تأمل - فتراه يعرضها على استحياء وتخوف ولربما خشي (التهمة) بسببها ؟ ( انظر ص42، 267) ، فلماذا هذه المدافعة - وأكثر من مرة في الكتاب - ؟ أدع الإجابة للمالكي!
6 - وحين يشن ( المالكي ) حملته ، على ( بعض المؤرخين الإسلاميين) ويعيب مناهجهم ، ويستنكر نتائج أبحاثهم ، تراه (يقبل) و(يثني) على كتب ودراسات معينة، ويعتبرها من أروع الدراسات : وهما : 1 - دراسة الدكتور عبدالعزيز الهلابي عن: عبد الله بن سبأ . 2 - دراسة للسيد مرتضى العسكري (عن ابن سبأ كذلك) (انظر ص57، 58) .
وهاتان الدراستان أبرز نتائجهما : إنكار " عبد الله بن سبأ " واعتباره شخصية (وهمية) (أسطورية) - وقد سبق مناقشة هذه الآراء وتفنيدها بما يغني عن إعادته هنا.
ولكن الملاحظة اللافتة للنظر في كتاب المالكي (نحو إنقاذ التاريخ الإسلامي) هو (توهيم) القارئ ( أسبقية) كتابه (الهلابي ) على كتابة (العسكري) ، فهو بعد أن يقدم الحديث عن دراسة (الهلابي) يقول ما نصه : "هناك دراسة أخرى للسيد مرتضى العسكري ورغم ميوله العقدية فإنه قد توصل للنتائج نفسها التي توصل إليها لدكتور الهلابي... " ؟ (ص58) .
أما الهلابي فحين ابتدأ الحديث عنه قال : " وقد توصل إلى نتائج تتفق مع أحكام أهل الحديث المضعفة لسيف بن عمر... " (ص57) .
ترى ( أيجهل ) المالكي ، أن دراسة ( العسكري ) سابقة لدراسة الهلابي بما لا يقل عن خمسة عشر عاماً ، إذ طبع كتاب العسكري ( عبد بن سبأ وأساطير أخرى) طبعته الأولى عام 1392هـ/1972م ، بينما نشر الهلابي دراسته في حولية آداب الكويت عام 1407/1408هـ - 1986/1987م ؟ فتلك معلومة ينبغي أن يصحح (إنقاذه) منها ؟ ولا ينبغي له أن يجهل الآخرين ويزدري نتائجهم.
أم أنه ( عالم ) بذلك ، ولحاجة في نفسه ( أوهم ) بتقديم رسالة الدكتور الهلابي ( السني ) على دراسة العسكري (الشيعي) ؟! وعلى أية حال فمن ( حق ) المالكي علينا أن (نحتاط) له بعض الشيء ، في نتائج هاتين الدراستين، فمع اعترافه أنه تأكد من نتائج هاتين الدراستين برجوعه للمصادر في سبيل دفاعه عن مجرد نقل بعض نتائجهما ، إلا أنه يقول : " وخالفتهما في بعض النتائج التي لم أعلن عنها " (ص81، 82) فهل (يتحفنا) عاجلاً بهذه المخالفات ، وهل يكون من بينها - وهي أهمها - عدم موافقتهما لإنكار ابن سبأ والقول بأسطوريته ؟ نرجو ذلك .
6 - وبشكل عام يلفت النظر في كتاب المالكي اختياره لـ ( نوعية ) من الكتب لتكون محلاً للدراسة ، وتركيزه بالنقد على رسائل تجمع مواصفات لا تكاد تخرج عن منهج أهل السنة والجماعة ، وأظن أن مطالعة ( عنواناتها ) في فهرس الكتاب كافية للكشف عن هويتها ، ومنها على سبيل المثال :
1 - خلافة علي بن أبي طالب / عبد الحميد فقيهي .
2 - الإمامة العظمى / عبد الله الدميجي .
3 - صحابة رسول الله / عيادة الكبيسي .
4 - عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة الكرام / حسن الشيخ .
5 - أثر التشيع على الرواية التاريخية / عبد العزيز نور ولي .
6 - تحقيق مواقف الصحابة في الفتنة / محمد آمحزون.
ولا يعني ذلك - بكل حال - تزكيتها من كل خطأ ، ولا عصمة مؤلفيها ولكن (النقد البناء) و(أدب الحوار والخلاف) شيء ، ونسف البنيان من أساسه ، وتجهيل من بناه واتهام من شارك فيه ، بالضحك على الآخرين تارة ، والكذب أخرى ، وتلفيق الروايات ثالثة ، واعتبار هذه الكتب مجمعات هزيلة للروايات الضعيفة المتناقضة والتخيلات العقلية المتضاربة (ص38) .
كل ذلك وأمثاله من التّهم والجرأة في إصدار الأحكام شيء آخر يخالف الأمانة العلمية والمنهج الحق الذي طالما دعا إليه المالكي ، غفر الله لنا وله .
ويحق للقاريء ( المتمعن ) أن يسأل عن ( سر ) التركيز ( بالنقد ) على هذه الرسائل بالذات ، ( وقواسمها المشتركة : أ - الدفاع عن الصحابة بشكل عام والتحقيق في مواقفهم في الفتنة . ب- الكشف عن مرويات الشيعة وأثرها في التاريخ) وأملي أن يطلع القارئ الكريم على هذه ( الكتب المطبوعة ) محل نقد (المالكي) ليعلم ما فيها من خير ، وليطلع على الحقيقة بنفسه ، وليهدي لأصحابها ما يراه من ملحوظات عليها .
7 - كما يلفت النظر - في كتابة المالكي - أن عين القارئ لا تكاد تخطئ في كتابته ( الشحن النفسي ) و ( التوتر العصبي ) و ( الحدة في النقد ) و(التهجم) حيناً، و(السخرية) حيناً آخر ، ولم تسلم مناهج الجامعات ، لا تقدير ولا احترام (للمتخصصين، والتخصصات ) وكل ذلك مقابل تزكية الذات ؟! فهل يسوغ ذلك شرعاً أم عقلاً يا حسن ؟! والله يقول : (( يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيراً منهم ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون)) (الحجرات :11) .
وهذه نماذج من ( تهم ) و(حِدَّه ) و ( تجهيل ) الآخرين عند (المالكي).
يقول في (ص19 من كتابه ) : " ... بينما الحق والواقع يقرران أن هذه المؤلفات ( للمؤرخين الإسلاميين ) يتمش الزور في مناكبها ، والباطل في جوانبها، لا ترفع حجاباً من باطل ، ولا تملك إقناعاً لسائل ... " ، ويقول في (ص34) " بل أكاد أجزم أن أكثر المؤرخين الإسلاميين - دعك من غيرهم - أجهل من أن يتجرأوا على تحقيق إسناد واحد من أسانيد الطبري، أو خليفة بن خياط مثلاً .. إلى أن يقول " ألا يدل هذا على غبش في الرؤية ، وتلوث في الفكر ، واختلال في الموازين ، وجهل مركب مزدوج ؟! " ص34 ، ويقول في ص38 : " إن إعادة كتابة التاريخ الإسلامي ليس معناها أن نضع كذباً " محبوباً مكان الحقائق المكروهة ... وإنما الواجب هو تسجيل ما صح من التاريخ ونبذ الضعيف والموضوع ، وما أبعد أكثر المؤرخين عن هذا الواجب في التطبيق ، فهم لا يقتربون من التحقيق العلمي ولا يكادون ، وما مؤلفاتهم إلا مجمعات هزيلة للروايات الضعيفة المتناقضة والتخيلات العقلية المتضاربة ... " ، ويقول في الصفحة نفسها : " أوجه ندائي إلى المتحدثين أن ينقذوا منهجهم من تحقيقات ، بل (تلفيقات) المؤرخين الإسلاميين خاصة لأنهم أكثر الناس تشدقاً بمنهج المحدثين !! .. " .
أدع هذه ( التهم ) و ( المجازفات ) دون تعليق ، فهي معبرة عن المستوى المتقدم في الكتابة العلمية المنقذة ؟ وهي نموذج لأدب الحوار ، وأسس النقد ، ارتضاه (المالكي) لنفسه، وعبّر به عن الآخرين ، وشمل به أكثرية المؤرخين ؟!
لكنني أتساءل : لماذا كل هذا ؟ وأنا أعلم أنه ليس بيني وبين الأخ (حسن) شيء شخصي وأتوقع بقية أصحاب الكتب كذلك، وإذا لم يكن شيء من هذا ، فما الدافع لهذا الأسلوب ... أيريد مزيداً من الإقناع ، فالحجة وحدها كافية ، وإذا خدمت بالأسلوب المناسب والكلمة الطيبة كانت الاستجابة إليها أسرع ؟! أم هي نوع من ( الإسقاط ) و ( توجيه ) أراء الآخرين ، فليس ذلك سبيل العلماء ، في بيان الحق وكشف الباطل ، أم تراه ( يُغيضه ) شيء معين ( تجمع عليه هذه الرسائل ، وتكشفه ) فينبغي أن يكون صريحاً في آرائه ، شجاعاً في وجهة نظره !
8 - وأراك - يا حسن - ( تدندن ) كثيرا حول ( علي ) رضي الله عنه، و(بيعته) أفتراك ( المحب ) الأوحد ، أم يخيل إليك أنك ( المدافع ) الأمثل لعلي رضي الله عنه وأرضاه؟! إن ( أبا الحسن ) رضي الله عنه وعن ابنيه ( سبطي ) رسول الله ( ، في قلوبنا جميعاً معاشر المسلمين - إلا من في قلبه مرض - ولا نرتاب في ( فضله ) ولا في (بيعته) ولكن هل تعلم أن (محنة) علي رضي الله عنه ببعض من يزعمون حبه (ويغالون) فيه (عظيمة) وأول من يتبرأ منهم (علي) نفسه وهو القائل: " لا أوتى بأحد يفضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته حدّ المفتري " ، قال ابن تيمية يرحمه الله : " وقد روي ذلك عن علي بأسانيد جيدة " (الفتاوى 28/475).
وهل يصح القول منك "ولكن علياً لا بواكي له !!" ص41.
وهذا الحافظ ابن حجر رحمه الله يقول : وقد روينا عن الإمام أحمد قال: ما بلغنا عن أحد من الصحابة ما بلغنا عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه (الفتح 7/74) ، وعن احمد وإسماعيل القاضي والنسائي والنيسابوري : لم يرد في حق أحد من الصحابة بالأسانيد الجياد أكثر مما جاء في علي (الفتح 7/71) ، ومع ذلك فلا ينبغي أن يغيب عن بالك كثرة الكذب على (علي) رضي الله عنه من قبل طائفة (غلت) فيه، وهم الذين عناهم ابن سيرين بقوله " إن عامة ما يُروى عن علي الكذب" (صحيح البخاري مع الفتح 7/71 ، وانظر : الفتح 7/73) .
9 - وأراك - يا حسن - تُعرّض بسياسة عثمان رضي الله عنه ومعارضة الصحابة له مشيراً إلى " أن الصحابة الذين كانوا يعارضون سياسة عثمان قد ندموا ولم يكونوا يرون قتله ... " ص198 ، وفي سبيل ( دفاعك ) عن ( الأشتر النخعي ) أحد مناصري علي بن أبي طالب رضي الله عنه - كما تقول - (ص197) ، قطعت بأن عدداً من الصحابة (اخرجوا) مع الثائرين فقلت : " وقد خرج مع الثائرين من هو أفضل من الأشتر ، كعبدالرحمن بن عديس البلوي ، وعمرو بن الحمق الخزاعي وهما من الصحابة (المهاجرين) ، بل كان معهم بعض (البدريين) كجبلة بن عمرو الساعدي... " (ص198) ، وليتك أنصفت ، وأخرجت ( القارئ ) المبتدئ ، من هذه الفتنة فقلت : كما قال ابن عساكر - يرحمه الله - ونقله عنه ابن كثير يرحمه الله : " إن عثمان لما عزم على أهل الدار في الانصراف ولم يبق عنده سوى أهله ، تسوروا عليه الدار وأحرقوا الباب ودخلوا عليه ، وليس فيهم أحد من الصحابة ولا أبنائهم إلا محمد بن أبي بكر... " .
( تاريخ دمشق (ترجمة عثمان رضي الله عنه ) ص503-505، البداية والنهاية 7/202 ، 203) .
وكما قال ابن تيمية يرحمه الله - وهو يدفع مزاعم الرافضي - " ومعلوم بالتواتر أن الأمصار لم يشهدوا قتله ... ولا أحد من السابقين الأولين دخل في قتله ... " (منهاج السنة 8/313) ، وقبلهما قال الحسن البصري - يرحمه الله - وقد سئل : أكان فيمن قتل عثمان أحدٌ من المهاجرين والأنصار ؟ قال : " كانوا أعلاجاً من أهل مصر " (تاريخ بن خياط ص176) ، وفي طبقات ( ابن سعد ) كان - قتلة عثمان - رضي الله عنه : حثالة الناس، ومتفقون على الشر (3/71) . أفلا ترى أن هذه النصوص تدفع (ظناً) قد يتسرب إلى ذهن قارئ باشتراك الصحابة في دم عثمان ، أفلا يستحق الخليفة الثالث منك مدافعة كتلك التي استحقها الخليفة الرابع رضي الله عنهما ؟
10 - ويؤخذ على المالكي تعامله مع المصادر التي رجع إليها بنوع من (الاختيار) لما يريد ، والإسقاط (أو التغافل ) لما لا يريد ، وإذا سبق نموذج (الطبري) ورصده لتضعيف (سيف) وإهماله لتضعيف (أبي مخنف ، والواقدي) ، فثمة نموذج آخر في كتاب ( السنة ) لابن أبي عاصم ت287هـ ، فقد اطلع عليه المالكي ، ونقل منه نصوصاً في ( إثبات تهمة بني أمية في سب علي رضي الله عنه) ص25 ، ولكن هل فات عليه أن يذكر نصاً فيه إثبات لـ ( عبد الله بن سبأ ) من غير طريق سيف بن عمر (982) وهو في نفس الجزء الذي نقل عنه المعلومة السابقة ؟ أم أن النص لا يخدم غرضه ، بل يسقط جزءً من كتابه !! ولئن ضعّف ( الألباني ) سند الرواية ، فقد أشار إلى إخراج (أبي يعلى ت307هـ) له من طريقين آخرين عن الأسدي به ، فهل فاتت هذه المعلومة أيضاً على المالكي ؟ أم أنها ضمن الحقائق المكروهة ؟ فأين دعوى المالكي " إن إعادة كتابة التاريخ الإسلامي ليس معناها أن نضع كذباً محبوباً مكان الحقائق المكروهة !!" . (ص38 من الإنقاذ ) .
لابد من العدل في القول ، ولابد من القسط في النقول !
كلمة أخيرة :
وبعد - يا حسن - فإني أعيذك ونفسي من الهوى ، وأرجو ألا تأخذك العزة بالإثم ، فتظل تتشبث بالردود أكثر من تأملك في الحق المقصود ! وليس سراً أن يقال لك إن كتابك ( الإنقاذ ) فرح به ( الموتورون ) لأنك به تجرأت على ما لم يستطيعوا الجرأة عليه، وحققت لهم (حُلماً ) طالما فكروا في الوصول إليه، وكلنا ينبغي أن نحذر أن نكون ( مطية ) للآخرين ونحن لا نشعر؟ أو نكون هدفاً لسهام الآخرين ، وثمة (أشباح) خلف الستار تقبع ؟!
إن في ( تأريخنا ) من ظلم الظالمين ، وتزوير الأفاكين ، والتشويه المتعمد ، وقلب الحقائق ، وطمس معالم الحق ، ما يتفق العقلاء فضلاً عن (العالمين) وأهل الاختصاص، على تجليته وصرف الجهود له، وبذل الأوقات في سبيله وفرق كبير بين (هدم) ما بُني ، والمساهمة في (إقامة) ما تهدم من البناء ؟!
اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض ، عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ، اللهم اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم .

تعقيبا على ردود المالكي
عباءة النقد التاريخي ماذا تخفي عند المالكي ؟
( 1 / 2 الحلقة الأولى )
طالعت ما كتبه ( المالكي ) في جريدة الرياض الثلاثاء 9/4/1418هـ بعنوان (عبد الله بن سبأ وكاسحات الحقائق) وكان - في زعمه - رداً على الحلقات الأربع التي كتبتها للجريدة نفسها بعنوان " الإنقاذ من دعاوى الإنقاذ للتاريخ الإسلامي" أيام الخميس والجمعة والسبت والأحد 27 ، 28 ، 29 ، 30/3/1418هـ.
وقبل أن أستكمل قراءة مقال المالكي - علم الله - هاتفني عدد من المهتمين والعارفين ، يشكرون على المقالات السابقة ، ولكنهم متفاوتون في وجهة نظرهم حول الرد على (مغالطاته) (وكاسحاته) ؟ إذ يؤكد الكثير منهم على طبيعة المالكي الشخصية ، وتخصصه في (الجدل) ورغبته في (المراء) وأنه لا يرغب (الحقيقة) قدر ما يهوى النقاش وإثبات الذات ، وتسفيه أحلام الآخرين ، والوصول إلى هدف معين؟ وبالتالي - وحسب وجهة نظر هؤلاء فلا فائدة من إضاعة الوقت معه ، وأقصر الطرق لسقوطه إغفاله وتناسيه ، ويضرب هؤلاء أمثلة لمن ردوا على المالكي ونصحوه ولكن دون جدوى ، ويرى هؤلاء أن الناس لم يبلغوا درجة من البساطة بحيث تتأثر قناعاتهم الراسخة بمثل هذه الطروحات الفجة.
أما الفئة الأخرى فيرون ضرورة التصدي له، وفضح أفكاره ، وبيان (عور) منهجه ، ولو كان ذلك على حساب الوقت المبذول - فيما هو أنفع - وحجة هؤلاء أن ثمة طائفة من القراء قد تنخدع به ، وقد يتطاول هو إذا لم يجد من (يُقلم أظفاره)؟
ثم بدالي رأي وسط يقضي بالرد على مغالطاته الأخيرة ، وبيان تناقضاته ، وخلل منهجه وإعطاء القارئ بعض (الحصانة ) لما يمكن أن يكتبه مستقبلاً ، وبيان سهولة (الكذب) عنده ، والتزوير وتشويه الحقائق بأساليب ملتوية ، وعسى أن يكون ذلك إسهاماً في حماية الأمة من الأفكار المتسللة ، وكشفاً للتدليس المتلبس بعباءة النقد التاريخي، والمتدثر بمنهج المحدثين والتحقيق العلمي ؟! وأستطيع القول - وبكل ثقة ، ودون مجازفة - أن من أبرز سمات منهج المالكي في كتاباته التاريخية ما يلي :
- النيل من الصحابة والتعريض بهم ؟
- والتقول على العلماء بغير حق ، وتجريحهم ؟
- والهوى مع المبتدعة والدفاع عنهم ؟
- وتشويه الحقائق التاريخية والتشكيك فيها ؟
- والتشابك مع الطرح المشبوه ، وتلميع المشبوهين ؟
- والكذب والمراوغة ؟
- والغموض في الشخصية والأهداف ؟
وأمتلك الدليل ومن كلام المالكي نفسه ، وأنصف المالكي من أقام البيّنة عليه من كتبه ومقالاته ، ويعلم الله أنني أجد في كل مقالٍ يكتبه، أورد يُعقّب به مستمسكاً جديداً، وتتضح لي - وربما لغيري - ملامح شخصيته أكثر فأكثر، ويبادلني الشعور بها أساتذة فضلاء ، وأخوة أعزاء ، ولله الحمد والمنة .
ومهما تكن عند امرئ من خليقة وإن خالها تخفى على الناس تعلم
ويبدو لي أن المالكي يدافع قلقاً مزمناً ، ويعيش تناقضاً مؤلماً ، فلا هو بالسويّ الذي يستطيع السير مع الصحاح ويسعه ما وسع جمهور الأمة ، ولا هو بالمقتدر على أن يبوح بما لديه جهاراً ، ولذا تراه (يتسلل) في طرح أفكاره تسللاً ، فإذا كُشف في جانب احتمى بجانب آخر، وأوهم بسوء فهم الآخرين له ، وكال لهم (التهم) جزافاً حتى لا ينكشف أمره ؟
وحين طالعت ما كتبه ( المالكي ) رداً على مقالتيّ المنشورتين في جريدة (المسلمون) بعنوان ( ابن سبأ والسبئية من غير طريق سيف بن عمر ) أيام الجمعة الموافق 5 ، 12/4/1418هـ ، ولم يكن رداً عليه قدر ما كان نشراً لحقائق علمية ، مع بيان مغالطات من شكك فيها .
حينها تذكرت قول المصطفى ( في الحديث الذي رواه الترمذي وغيره بسند حسن عن أبي أمامة رضي الله عنه " ما ضل قوم بعد هُدى كانوا عليه ، إلا أوتوا الجدل، ثم تلا رسول الله ( هذه الآية : ((ما ضربوه لك إلا جدلاً بل هم قومٌ خصمون)) ( انظر : صحيح سنن الترمذي 3/103 ، والآية (58) من سورة الزخرف) .
ولقد لفت نظري هذه المقدمة التي ابتدأ (المالكي) بها مقاله في جريدة الرياض ، والمسلمون وهو يحاول الخروج من (الحصار) بأساليب لا أظنها تمر على (اللبيب) وإن لم يكن من أهل (الاختصاص) وانظر إليه مثلاً وهو يقول في جريدة الرياض : " لو لم أكن مؤلف كتاب الرياض ولو لم أكن كاتب المقالات المنتقدة لشككت في هذا المنتقد ... " ؟ .
ولا غرابة فمن ( المخارج ) التي اعتادها المالكي ، تسفيه أحلام الآخرين، وعدم فهمهم، ورميه لهم بالتهم .. إلى غير ذلك - مما يحاول معه استعطاف رأي القراء من جانب، والخروج من المأزق من جانب آخر ؟
ولئن قال عني " والدكتور سليمان العودة بنى (كل) مقالاته الأربع على فهم خاطئ لأقوالي وبناء على هذا الفهم الخاطئ ردّ رده ، ثم اتهمني ... " فقد قال مثل ذلك أو قريباً منه لغيري ، ففي رده على (الفقيهي) قال المالكي : 3 - ومن الأسباب أن الأخ الفقيهي - سامحه الله - قد حملني أشياء لم أقلها ، وأفهم القراء من مقالاتي أشياء لم تخطر لي على بال، فأجاد - سامحه الله - التحوير وأساء التفسير لكثير مما كتبته ولم ينس أن يتهمني بالبدعة والاستشراق كما هي ديدن أكثر المؤرخين (الإسلاميين) أيضاً في هذا العصر (نحو إنقاذ التاريخ الإسلامي ص224).
وفي رده على الدكتور (الفريح) ردد نفس النغمة فقال : وحقيقة قلت لكم أكثر من مرة أن البلاء يأتي في عدم فهم المكتوب، أو عدم قراءته ، أو تعمد الظلم والتزوير، وللأسف أن كل هذا وزيادة قد وقع فيه الأخ الفريح ... " ( الحلقة السادسة من حديثه عن القعقاع : وقفة مع الردود والتعقيبات) .
ولم يسلم الدكتور (العسكر) من هذه التهمة ، رغم ثناء المالكي عليه وأن رده اكتسى بحلل الخلق الرفيع والأدب الجم .. لكن المالكي عاد ليقول عن العسكر : أشعر بأن الدكتور استعجل في قراءة مقالاتي الأربع ، وحملني أشياء لم أقل بها .. (كتاب الرياض ص89، 91) .
أما الدكتور ( الهويمل ) فرغم ما في مقاله من وقفات وإشارات معبرة فقد اعتبره المالكي ( أنه مقال بلا موقف ) ، واختزل الرد على مقال الدكتور الذي جاء في صفحة كاملة بعدد من الأسطر ، ووصف كتابته بـ ( الضبابية ) ، وأنها لا تخدم هدفاً أسمى ؟
واتهمه بسوء الفهم إلى درجة أنه يجعل الخمسة أربعة ، ثم ثلاثة في سطر واحد؟!
ولقد ( نصح ) الدكتور ( الهويمل ) المالكي ، وحدد موقفه حين قال : وكلمة أخيرة للمالكي نقولها ناصحين السكينة السكينة ، والتروي التروي .. فالأمر أخطر من أن تتلاحق فيه الأحكام ، وتستمر الهدميات ، والقفز من قضية إلى أخرى، والتشابك مع الطرح المشبوه ... " ، وهذه العبارة الأخيرة - في نظري - كافية لتحديد الموقف من طروحات المالكي .. ، ومن قرأ المقال مرة واحدة خرج منه بعدد من النتائج والمواقف ، وإن استعصت على المالكي أثر(ثلاث)قراءات ؟!
( انظر مقال الدكتور حسن الهويمل (المالكي والتاريخ) ، الرياض 4/3/1418هـ ، وقارنه مع رد المالكي في وقفة مع الردود والتعقيبات ، الحلقة السادسة من حلقات القعقاع ؟).
وهذه ( شنشنة ) قديمة تتجدد عند المالكي ( اتهام المخالف له بسوء الفهم والتعدي عليه بالقول ، وتسفيه أحلام الآخرين ... وهذه وإن كانت أقصر الطرق للخروج من المأزق ، فهي أسوأها وأضعفها ؟!
ولئن وعى الناس هذا الخلل في كتابة المالكي ( حديثاً ) فلا يزال ( المتابعون ) يتذكرون مواقفه مع فضيلة الشيخ صالح الفوزان من قبل !!
وهذه هي الوقفة في مقاله : عبد الله بن سبأ وكاسحات الحقائق .
الوقفة الثانية : المالكي يرد على نفسه ؟
ولا أقول ذلك تزيداً ، ولا اتهاماً ، ودونكم الحقيقة واحكوا عليها ، ومن كلام المالكي نفسه ، فقد قال في ملاحظته الأولى : " كل مقالات الدكتور سليمان العودة كانت نتيجة لسوء فهم أو إساءته أو تعمد التحريف وليختر منها الدكتور أصحها، فهو قد ظن - وهنا مواطن الاستشهاد - أنني أنفي وجود عبد الله بن سبأ مطلقاً ، وهذا ما لم أقله البتة ... " وفي المقال نفسه .
وأثناء تعليقه على الرواية ( الثامنة ) قال ما نصه : " ... ثم كيف قامت الرافضة تشفع في ابن سبأ ولم توجد إلا بعده ( على افتراض وجوده ) بعشرات السنين ، وفي آخر مقال كتبه في ( المسلمون ) بتاريخ 4/5/1418هـ لا يزال شكه في أصل وجود ابن سبأ فهو يقول : " ... إن كان عبد الله بن سبأ موجوداً فلا يجوز أن تنسب إليه أخباراً مكذوبة "
وأنا هنا أسأل كلّ قارئ وقف على هذه العبارات هل تعني التشكيك في دور ابن سبأ في الفتنة ، أم تعني التشكيك في أصل وجوده ؟
وهبوا أنني أسأت الفهم ، فليصحح له غيري هذا الفهم !!
لا أظن العبارة تحتمل التأويل وقد اختار المالكي بنفسه لفظتي (وجوده ، موجوداً) لتحسم النـزاع ، وتؤكد ( تناقضاً صارخاً) ربما يشعر به المالكي أو لا يشعر وأنه لا يزال يشكك في وجود ابن سبأ أصلاً ، وليس فقط في دوره في الفتنة، وأعظم من هذا أن يصرح أنه خلص من دراسته للمرويات الثمان إنه ليس فيها ما يدل على وجود ابن سبأ ، فضلاً عن دوره الكبير في الفتنة ، ويقول : " ولولا أنني أمتلك روايات أخرى غير ما أورده الدكتور ..... ابن سبأ مطلقاً ... " .
ويبقى السؤال : وهل ثبت لديه وجود ابن سبأ من خلال مروياته هو ؟ أم أنه لا يزال شاكاً ولكنه عاجزاً عن الإفصاح؟ المقال ينتهي والشك هو الأصل عنده
وإذا أراد أن ( يُلبّس ) على القارئ حتى لا يخرج منه برأي واضح قال : وقد صرحت في مقالات سابقة وفي كتاب الرياض أنني ( متوقف ) في عبدالله بن سبأ من حيث مطلق وجوده، وإن كنت أنفي وبشدة دوره في الفتنة ... " .
ولست أدري إلى متى سيستمر هذا التوقف عند المالكي ، وهو الذي قرأ كثيراً وكتب كثيراً ؟! أوليست مسألة عبد الله بن سبأ من القضايا التي يبنى عليها غيرها ، إثباتاً أو عدماً ؟ هل تنقصه الأدلة المثبتة ؟ أم لديه أدلة أخرى تنفي وجوده لم يطلع الآخرين عليها ؟ هل يتشكك في إجماع الأمة قديماً وحديثاً ، ( حتى الشيعة ) في إثبات وجوده ، أم هو أميل إلى طروحات من أسماهم (الهويمل) (الطرح المشبوه) ؟ كل ذلك أوقع المالكي في تناقضات مشينة ، وعبارات قلقة ، لا تغيب عن فطنة القارئ اللبيب ، سواء في هذا المقال أو ما سبقه من مقالات وكتابات ، وإليكم نموذجاً يؤكد ما أقول في حلقته السادسة عن القعقاع ( وقفة مع الردود والتعقيبات).
ففي حديثه عن ابن سبأ يتشكك في ( وجوده ) لا في ( دوره في الفتنة ) حين يقول : " ... هذا على افتراض وجود عبد الله بن سبأ .. ." (الملاحظة الثالثة عشرة).
ثم يخشى أن ينكشف أمره ، فيشير إلى دراستين في الموضوع ، وتأبى عليه عاطفته وميوله إلا أن يبدأ بالدراسة المنكرة ، واضعاً (أسطورة) ابن سبأ بين قوسين، وإلى جانبها علامات التعجب (__!!) ، أما الدراسة المثبتة لابن سبأ فتأتي بعد ذلك وتساق مساقاً ضعيفاً ، فهي عكس السابقة ، ويعز على المالكي أن يذكر لفظة (مثبتة) إلى جانبها ، وهذه في نظره لا تستحق الفرح وعلامات التعجب؟
وأهم من ذلك أن المالكي لا يتمالك نفسه من الإفصاح عن ميوله ، ويقول بكل صراحة " مع أنني - حتى الآن - أميل إلى نتيجة الدكتور الهلابي لكن لم أجزم إلا ببطلان دور ابن سبأ في الفتنة لأنني بحثت الموضوع " ونتيجة دراسة الهلابي - التي يميل إليها المالكي - يصرح بها ويفهمها المالكي كما نفهمها حين يقول في مقاله في جريدة المسلمون " ... د. عبدالعزيز الهلابي الذي ينكر على شخصية عبد الله بن سبأ .. " فأين نتيجة ميول المالكي ؟.
لكن هل يجزم بوجوده ؟
يكشف ( المالكي ) نفسه - وفي هذه الملاحظة نفسها - مؤكداً أن (وجود) ابن سبأ لم يجزم به ، فيقول " أما وجوده مطلقاً فأنا إلى الآن لا أجزم بذلك " ولم يقل أما نفي وجوده فلم أجزم بذلك ، وفرق بين الأمرين لمن تأمل !
وانظروا سقم التعليل فهو قد بحث دور ابن سبأ في الفتنة ولم يبحث أصل وجوده فهل يمكن أن يبحث دوره دون أن يمر على أصل وجوده ، ولماذا لم يبحث أصل وجوده ويعلن رأيه بكل صراحة ؟ إنها عبارات قلقة ، وأفكار مترددة ، تنبئ عن غموض في الشخصية ، ورغبة في الضحك على السذج ، لكنها مكشوفة لمن تأمل.
الوقفة الثالثة : وهل السبئية ( الطائفة ) محل شك ؟
لا ينتهي المالكي عند التشكيك في أصل وجود ابن سبأ ، بل يشكك في (السبئية) حين يقول في الملاحظة السابعة : " هل السبئية المقصود بها التابعون لعبدالله بن سبأ في العقائد أم أنها لفظة تحقيرية للمعارضة ، كما يقول د. الهلابي..".
ولي على هذا التساؤل أكثر من وقفة :
1- فالمالكي وإن احتمى بالدكتور الهلابي فهو لا يعارضه ، بل سبق القول أنه معجب بدراسته .
2 - تتضافر المدونات التاريخية ، وكتب العقائد ، والمقالات والفرق ، وغيرها على تأكيد نسبة (السبئية) لابن سبأ ، وإن كان يعوزك الدليل فهاك شيئاً من هذه النصوص المثبتة : فابن حبيب البغدادي (ت245هـ) يقول " عبد الله بن سبأ صاحب السبائية " (المحبر ص308) ، ويقول ابن قتيبة (ت276هـ) " السبائية من الرافضة ينسبون إلى عبـد الله بن سبأ " . ( المعارف ط. المحققة ص62) . وفي ( تأويل مختلف الحديث ) ذكر ابن قتيبة أن ( علي بن أبي طالب ) أحرق أصحاب عبد الله بن سبأ حين ادعوا الربوبية له ، وقال في ذلك :
لما رأيت الأمر أمراً منكراً أججت ناري ودعوت قنبرا " ص73.
فمن هم أصحاب عبد الله بن سبأ هؤلاء إن لم يكونوا السبئية ؟
وابن قتيبة - هنا - ينسبهم إلى الرافضة - مما يؤكد أصول الرافضة - وينسب لهم أعمالاً قبيحة كخلق القرآن ص72.
ويقول العقيلي (ت322هـ) : وهو يعلق على لفظة ( سبأي) : " هم صنف من الرافضة أصحاب عبد الله بن سبأ (الضعفاء الكبير 4/77) ، وجاء في الإبانة لابن بطة (ت387هـ) "ومنهم السبائية تسموا بعبد الله بن سبأ " ( الإبانة عن شريعة الفرق الناجية ... 1/384) .
هذا فضلاً عن ذكر أهل التاريخ لذلك ، وكتب المقالات والفرق والجرح والتعديل ، وقد فصلت القول في ذلك في كتاب : عبد الله بن سبأ وأثره في أحداث الفتنة في صدر الإسلام ، وفي البحث المنشور في جريدة المسلمون ( ابن سبأ والسبئية من غير طريق سيف بن عمر ) .
بل نص على ذلك ولم ينكره فتقدموا الشيعة أمثال القمّي (229-301هـ)، والنوبختي (310هـ) ، وغيرهم ( انظر : المقالات والفرق للقمي ص20، وفرق الشيعة للنوبختي ص22، 23 ، وللمزيد انظر ما كتبه الدكتور ناصر القفاري في كتابه : أصول مذهب الشيعة الإمامية الاثني عشرية 1/73-76) .
ليس أمام ( المالكي ) أمام هذه النصوص إلا الإذعان والتسليم في كون السبئية نسبة إلى عبدالله بن سبأ - إن كان صاحب حق - أو يسلك مسلك أستاذيه : مرتضى العسكري، د. عبدالعزيز الهلابي، في رفض ما ورد في هذه المصادر، واتهام مؤلفيها بما لا يليق؟!
3 - هل لنا أن نفهم أن التشكيك في نسبة السبئية لابن سبأ وسيلة للتشكيك في ابن سبأ نفسه ؟ سيأتي مزيد بيان لهذه المسألة .
الوقفة الرابعة : ابن سبأ والرافضة ومغالطة المالكي :
يحاول المالكي إبعاد الرافضة عن ابن سبأ ويقول : " ثم كيف قامت الرافضة تشفع في ابن سبأ ولم توجد إلا بعده - على افتراض وجوده بعشرات السنين ؟!".
وفي كتاب الرياض ص79 يحاول المالكي إنكار بث ابن سبأ لعقيدة (الوصية) التي أصبحت بعد ضمن عقائد الرافضة وهنا مسألة خطيرة ، فكثير من المنكرين أو المشككين في شخصية( ابن سبأ ) يرومون من وراء ذلك قطع العلاقة بين الشيعة، واليهود ، وقطع صلة الرافضة بابن سبأ ، وهذه اعترف بها علماء الشيعة المتقدمون ، كما سبق البيان في الحلقات الماضية ، في النقل عن( الكشي ) في اعتبار ابن سبأ أصل الرافضة وأكد على هذا شيخ الإسلام ابن تيمية يرحمه الله - أكثر من مرة – فهو يعتبر ( ابن سبأ ) أصل الرافضة ومن منافقيهم (الفتاوى 4/435 ، 28/234) ونقل أن (علياً) رضي الله عنه طلب ابن سبأ أول الرافضة ليقتله فهرب منه (الفتاوى 28/500) .
وقال : ثبت عن علي أنه أحرق غالية الرافضة الذين اعتقدوا فيه الإلهية (الفتاوى 28/475) .
ويقول ابن حجر : عن ابن سبأ وطائفته وإحراق علي لهم بالنار : " وله - ابن سبأ - اتباع يقال لهم السبئية معتقدون الإلهية في علي بن أبي طالب وقد أحرقهم علي بالنار في خلافته " ( لسان الميزان 3/290) .
ويبقى بعد ذلك رأي المختصين المحدثين مهماً في تأكيد صلة الرافضة بعبد الله بن سبأ .
ودونكم رأي المختصين فاعقلوه ، يقول الدكتور ناصر القفاري في فصل: (نشأة الشيعة وجذورها التاريخية ) بعد أن عرض آراء الشيعة وغير الشيعة في نشأة التشيع قال : " والذي أرى أن الشيعة كفكر وعقيدة لم تولد فجأة ، بل إنها أخذت طوراً زمنياً ، ومرت بمراحل ... ولكن طلائع العقيدة الشيعية وأصل أصولها ظهرت على يد السبئية باعتراف كتب الشيعة ... " ( أصول مذهب الشيعية 1/78 ) .
بل أشار ( القفاري ) إلى نص في ( صحيح البخاري ) يثبت بعض عقائد (الرافضة ) أيام علي رضي الله عنه ( أصول مذهب الشيعة 1/79 ، وقد أحال إلى عدة أبواب في صحيح البخاري لرواية هذا الحديث ، فليرجع إليه من شاء المزيد).
الوقفة الخامسة : الروايات الأحد عشر هل هي للمالكي أو عليه ؟
من السفه والحمق أن ترد على شخص - لبطلان دعواه - بثمان روايات فيصر على أن يكون الرد عليه بأحد عشر رواية لا وجود لنص فيها ، وهذه عليه لا له ، وإن أوهم القراء بخلاف ذلك ، فإن قيل وكيف ذلك ؟ قلت: الأصل في سياق هذه المرويات لتأكيد بطلان القول بأن أخبار عبد الله بن سبأ لم ترد إلا من طريق سيف بن عمر، فإن قيل: وهل قال المالكي بذلك وأين ؟ أجيب : نعم هو ممن قطع بذلك ، كما جاء في كتاب الرياض ص260 وهذا نص قوله : " ... مع أن سيفاً قد انفرد برواية أخبار ابن سبأ " ، وانظر كذلك ص58 من الكتاب نفسه) .
===============
ولكن المالكي حين أحسّ بالإلزام والمحاصرة ، خرج لتحقيق المرويات والتعقيب على التحقيق السابق فرفض ما رفض وقبل ما قبل ، وكل ذلك إشغال عن الهدف من سياق هذه المرويات وخروج عن دائرة الحصار ، ونقول للمالكي ومع اتساع صدورنا لوجهة النظر في التحقيق ، ومع قبولنا لمزيد من المرويات المؤكدة لعبد الله بن سبأ من غير طريق سيف، فتظل هذه المرويات حججاً دامغة لمن زعم انفراد (سيف) بأخبار عبد الله بن سبأ وإن قال وزعم ما زعم ؟
وإن كان المالكي طالب حق ، ولا يمنعه من الاعتراف بوجود ابن سبأ إلا كون مروياته جاءت من طريق سيف (المجروح) فها هي المرويات جاءت من طرق أخرى، وبعضها عثر عليها بنفسه أو نقلها عن الآخرين؟ فهل يعترف بوجود ابن سبأ أم أن في الأمر شيء لا تكفي الحجج والبراهين لإزالته ؟ أليس ذلك خللاً في المنهج ، وقد صدق مع نفسه حين حدد الخلاف معه ( في أصل المنهج ) كما في مقاله في ( المسلمون ) ؟
وأنصح من يريد النقاش مع المالكي أن يستحضر هذه القضية جيداً .
الوقفة السادسة : التلازم بين وجود ابن سبأ ، ودوره في الفتنة ، وإنكار دوره في الفتنة لماذا ؟
يشكك المالكي في وجود ابن سبأ - كما مر - فإذا أحس بالمحاصرة وتكاثرت عليه الأدلة فرّ إلى القول بإنكار دوره في الفتنة - كما قال ذلك في رده في جريدة (الرياض) ، وحاول في رده في جريدة (المسلمون) تركيز هذا المفهوم والتلبيس فيه ، فلماذا ؟ وقبل الإجابة يمكن تصوير القضية بما يلي : وعلى فرض إثباته لوجود ابن سبأ شكلاً فهو ينكره حقيقة ومضموناً . كيف ذلك ؟
لأن جوهر القضية في ابن سبأ دوره في الفتنة ، أما إثبات شخص يدعى بـ(عبدالله بن سبأ) مقطوع الصلة عن الأحداث والفتن التي وقعت في زمنه وتلاحقت من بعده فهذا لا قيمة له من الناحية الفعلية، سواء أثبت أو أنكر، فغير ابن سبأ من اليهود وجد في هذه الفترة ولم يحتفل بذكره العلماء كما احتفلوا بذكر ابن سبأ ، وهنا مكمن الخطر ، فالأمر الذي يريد أن ينتهي إليه المالكي في طروحاته ويفرضه وكأنه أمر مسلّم هو إنكار دور ابن سبأ في الفتنة ، ولذا تراه يشكك في نسبة (السبئية) إليه كما مر ، وإذا شكك في نسبة هذه الطائفة إليه قلّ وزنه وضعف أثره .
وتراه من جانب آخر يحاول عزل ابن سبأ عن ( الرافضة ) والتشكيك في بعض عقائده التي بثها وكانت بعد أصولاً عند الرافضة ، كالوصية ، وهكذا تسلخ الشخصية من مكوناتها الأساسية ؟
إن الأمر الذي ينبغي أن يستقر في الأذهان هو إدراك أن عناية العلماء بأخبار ابن سبأ ، ورصد كتب التراث لاختباره - برغم من أنكر ا وشكك - كل ذلك مرتبط بدوره في الفتنة ، وبذر بذور الشقاق والفتنة في الأمة ، وليس على أنه شخص موجود لا أثر له ولا اعتبار ، كما يريد المالكي ومن سبقه - أن يقرر ، وهيهات ، ما بقي الاتصال بمدوناتنا العظيمة ، والثقة بعلمائنا الأفذاذ ، وسيأتي الحديث عن دوره في الفتنة كاشفاً لمجازفات المالكي وافترائه وتقوله على الأئمة .
الوقفة السابعة : أبو مخنف شرٌّ من عمرو بن شمر :
وفرح المالكي - وإن تحول بعد إلى مكروه - بخطأ غير مقصود ، ولبس وقع في الحديث عن ( أبي مخنف ، وعمرو بن شمر ) وإنما وقع اللبس لأن سياق الكلام ورد فيه : (أبو مخنف ، وعمرو بن شمر ، وأبو مريم ) كما جاء في تاريخ يحيى بن معين 2/500.
ولكن فرحته(تتهاوى)على أصداء الحقيقة العلمية التي جهلها ، أو اجتزأ بعضها عمداً لأنها لا تخدمه ، ولو كان مريداً للحق لذكرها ، فقد فات على المالكي أن (أبا مخنف)شرٌّ من(عمرو بن شمر )وهاك نص يحيى بن معين : سئل يحيى : أبو مخنف ، وأبو مريم، وعمرو بن شمر ليسوا هم بشيء، قلت ليحيى : هم مثل عمرو بن شمر (الذي يشتم الصحابة ويروي الموضوعات عن الثقات ) ؟ قال (ابن معين) هم شرٌّ من عمرو بن شمر !! (التاريخ لابن معين 2/500 ، الضعفاء للعقيلي 4/19)
فإذا كان أبو مخنف شراً من عمرو بن شمر ، والأخير يشتم الصحابة ويروي الموضوعات عن الثقات ، فماذا يكون حال أبي مخنف ؟ وفضلاً عن ذلك فابن عدي ( ينص ) على تناول ( أبي مخنف ) للسلف، ويقول بصريح العبارة "حدّث بأخبار من تقدم من السلف الصالحين ، ولا يبعد منه أن يتناولهم ، وهو شيعي محترق صاحب أخبارهم ، وإنما وصفته لاستغني عن ذكر حديثه.. وإنما له من الأخبار المكروه الذي لا أستحب ذكره ؟ " (الكامل 6/2110) .
ولست أدري لماذا يتشبث المالكي بأبي مخنف هذا، ويدافع عنه ، أو أدفع تهمة قد يتشبث بها المالكي ؟ ولست أدري أقناعةً أم تغفيلاً للآخرين حين يقول عن الرجلين "لكنه - يعنيني - يريد أن يتساوى أبو مخنف في الجرح مع سيف بن عمر، ووجد الجرح في سيف أقوى وأكثر .. " ( الملاحظة السابعة عشرة في مقال الرياض). ولم أقل بذلك بل قلت ولا أزال إن اشترك الاثنان في الضعف في الحديث، فأبو مخنف إخباري تالف، وسيف إخباري عارف ، وعمدة في التاريخ ، وأنا في ذلك تابع غير مبتدع ، والفيصل كتب الجرح والتعديل.
الملاحظة الثامنة : الجرأة على تخطئة الأئمة الأعلام لماذا ؟
" كل إنسان يؤخذ من كلامه ويرد إلا صاحب هذا القبر " ، وليس عند أهل السنة عصمة لأئمتهم كما يعتقد غيرهم ؟ إنما العصمة للأنبياء والمرسلين - عليهم السلام - المبلغين عن الله ، ولكن الجرأة في ( تخطئة ) هذا العالم ، (ولمز) العالم الآخر، (والنيل) من ثالث دون مسوغ مشروع ، هذا هو مكمن الخطر، وهو طريق لانتهاك أعراض العلماء، ولحومهم مسمومة ، بل ولتجرئة الآخرين على التخطئة واللمز ، وإن لم يكونوا أهلاً لذلك ؟
وقد سبق لي القول بجرأة المالكي على الأئمة الأعلام ، فقد (لمز) ابن تيمية وحاول النيل من كتابه ( منهاج السنة ) ، كما عرّض بكتاب ( ابن العربي ) (العواصم من القواصم ) وعرض بقول الحافظ (ابن حجر) في اعتماد سيف في التاريخ وقال : "أظن أنه من الظلم للعلم أن نتعلق بقول موهم مشتبه للحافظ ابن حجر، ونترك أقوال عشرات المحدثين الآخرين في تضعيف سيف بن عمر... " (كتاب الرياض ص85) . مع أن كلام ابن حجر غير موهم ولا مشتبه في سيف ، لكنه لا يروق للمالكي فاضطر لهذا القول ؟
ويستمر المالكي في التخطئة للأعلام إذا خالفوا ما يريد ، ولم يسلم ( الذهبي) يرحمه الله من ذلك فقد قال عنه في هذا المقال الجديد (عبد الله بن سبأ وكاسحات الحقائق) ، ما نصه : " فهذا نص من الذهبي في المساواة بين سيف بن عمر وأبي مخنف، وأظن أن الذهبي لم يوفق للصواب فأبو مخنف فوق سيف... " ؟!
ومع هذه الجرأة على الذهبي ، ففيها ظلم له ، فقد فرّق الذهبي بين الرجلين ولم يساوي بينهما حين قال عن سيف ( أخباري عارف ) وقال عن أبي مخنف (إخباري تالف لا يوثق به ) وقد سبق البيان .
وبالفعل فمن يقارن بين مرويات الرجلين يجد الفرق واضحاً ، وأنا هنا أدعو القارئ الكريم لقراءة كتاب " مرويات أبي مخنف في تاريخ الطبري " للدكتور يحيى بن إبراهيم اليحيى ، ليرى بنفسه نماذج التحريف والتشويه لتاريخنا وبالذات تاريخ الصحابة من قبل هذا الراوي المحترق ( أبي مخنف ) وقفوا بأنفسكم على الحقيقة ، ودعوكم من التهويش والهراء ؟
ولم يسلم الإمام البخاري رحمه الله من جرأة ولمز المالكي ، فقد قال في كتاب الرياض ص211 : " وأخرج البخاري روايات يُفهم منها التقليل من بني هاشم من طريق بعض المتهمين (بالنصب) كقيس بن أبي حازم ، ومروان بن الحكم" (قال ذلك في سياق تقريره لقبول رواية المبتدع الداعي لبدعته ؟وستأتي مناقشة المالكي في هذه القضية ) .
فهل يوافق المالكي على هذه التهمة ؟
وعلى العموم فالتعريض بأعلام الأمة مسلك خطرٌ من الكبار ، فكيف إذا وقع من الصغار ، وهو خطوة جريئة لها ما بعدها فلينتبه لهذا المسلك ؟
الملاحظة التاسعة : وأخطر من ذلك النيل من الصحابة ؟
وهذه ليست تهمة يُتهم بها المالكي ، بل يجدها المطالع لكتبه أو مقالاته بين السطور وإن جاءت بعبارات ملفوفة أحياناً لكنها لا تخفى ، وهذه نماذج لها :
1 - عثمان بن عفان رضي الله عنه ( سبق الحديث عنه في حلقات (الإنقاذ من دعاوى الإنقاذ ) وانظر كتاب الرياض ص198 .
2 - معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه ، يعرض به ولسياسته ، ويصور الأمر بينه وبين بعض الصحابة على أنه أمر عداء وخلاف كبير ؟ انظر كتاب الرياض ص30 ، 31 ، 71 ، 72 ، 194 ، 279 .
3 - أبو بكر وعمر رضي الله عنهما . ولم يسلم الشيخان من قلم المالكي فقد عرّض ببيعتيهما وشمل بذلك عثمان وعلي رضي الله عنهما ، كما في ص262 ، من كتاب الرياض .
ودعونا نكتفي بحديثه عن أبي بكر ، فهو يوهم القارئ بالاستدلال بأحاديث في صحيح البخاري في كره بعض الصحابة لبيعته ، ويحمّل النصوص أكثر مما تحتمل (ص263 ، من كتاب الرياض) .
ويتزيد في القول عن ( علي ، والزبير ) رضي الله عنهما حين يقول : " ولا ريب أنهما لن يتخلفا عن بيعة أبي بكر إلا عن عدم رضى" (الصفحة نفسها من الكتاب) ولا وجود لهذا التفسير في الرواية التي ساقها وإنما هذا فهمه وتعليقه ؟!
بل ويُعظّم أمر الكراهية لبيعة أبي بكر - في ذهن القارئ - حين يقول :
" إذن فعلي سيد بني هاشم ، والزبير بن العوام كبير بني أسد ، وسعد بن عبادة سيد الخزرج ، وأبو سفيان كبير بني أمية ، وغيرهم من المتبوعين لم يرضوا ببيعة أبي بكر، ولابد أن يكون معهم بعض قومهم على الأقل في كراهية بيعة أبي بكر... " (كتاب الرياض ص263) .
فهل يصح هذا الزعم من المالكي حول بيعة أبي بكر ، حتى وإن اعتذر بعد ذلك - وحتى لا ينكشف - بأن هذه الكراهية لا تضر بيعة أبي بكر ، فقد انعقدت ، وبايع بعض الكارهين كالأنصار وتريث بعضهم كعلي والزبير ، وامتنع بعضهم كسعد بن عبادة ... كما يقول في (ص263، 264) ؟
سأكتفي بنقل بعض كلام الإمام ( الآجري المتوفى سنة 360هـ رحمه الله ) وفي كتابه العظيم (الشريعة) وعن بيعة (علي) فقط رضي الله عنه وأرضاه عن أبي بكر رضي الله عنه وبيعة المهاجرين والأنصار.
فقد أورد محمد بن الحسين الآجري في كتابه الآنف عدداً من النصوص والآثار في بيعة علي لأبي بكر رضي الله عنهما وفي فضله وخيريته وتقدم فضله على الصحابة، ثم قال : " من يقول على علي بن أبي طالب رضي الله عنه في خلافة أبي بكر رضي الله عنه غير ما ذكرناه من بيعته له ، ورضاه بذلك ، ومعونته له ، وذكر فضله ، فقد افترى على علي رضي الله عنه ونحله إلى ما قد برأه الله عز وجل من مذهب الرافضة الذين قد خطا بهم عن سبيل الرشاد " .
ثم يقول ( الآجري ) فإن قال قائل (1) : أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عند من عقل عن الله عز وجل أعلى قدراً وأصوب رأياً مما ينحله إليه الرافضة ، وذلك أن الذي ينحل هذا إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه فيه أشياء لو عقل ما يقول ، كان سكوته أولى به من الاحتجاج به ، بل ما يعرف عن علي رضي الله عنه غير ما تقدم ذكرنا له من الرضى والتسليم لخلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه ، وكذا أهل بيت رسول الله ( يشهدون لأبي بكر بالخلافة والفضل" (الشريعة 4/1730 ، 1731 تحقيق د. عبد الله الدميجي ) .
أما عن بيعة المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم لأبي بكر الصديق رضي الله عنه فيقول (الآجري) عنها " كان كما قال النبي ( ما اختُلف على أبي بكر رضي الله عنه بل تتابع المهاجرون والأنصار وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وبنو هاشم على بيعته والحمد لله ، على رغم أنف كل رافضي مقموع ذليل قد برأ الله عز وجل علي بن أبي طالب أمير المؤمنين رضي الله عنه عن مذهب السوء " (الشريعة 4/1734) .
وإذا اتضح الحق في بيعة الشيخين ، فيرد السؤال من هم الذين يبغضون أبا بكر وعمر رضي الله عنهما ؟ يجيب ابن تيمية بقوله : " فأبو بكر وعمر أبغضتهما الرافضة ولعنتهما دون غيرهم من الطوائف ، ولهذا قيل للإمام أحمد : من الرافضي؟ قال : الذي يسب أبا بكر وعمر ، وبهذا سميت الرافضة فإنهم رفضوا زيد بن علي لما تولى الخليفتين أبا بكر وعمر لبغضهم لهما - وقيل إنما سموا رافضة لرفضهم أبا بكر وعمر (الفتاوى 4/435) .
ومنهج الرافضة في البغض والحب عجيب فهم يعادون الأولياء ويوالون الأعداء حتى قال ابن تيمية : " وبهذا يتبين أن الرافضة أمة ليس لها عقل صريح ، ولا نقل صحيح ولا دين مقبول ، ولا دنيا منصورة ، بل هم من أعظم الطوائف كذباً وجهلاً ودينهم يدخل على المسلمين كل زنديق ومرتد كما دخل فيهم النصيرية والإسماعيلية ، وغيرهم ، فإنهم يعمدون إلى خيار الأمة يعادونهم وإلى أعداء الله من اليهود والنصارى والمشركين يوالونهم ، ويعمدون إلى الصدق الظاهر المتواتر يدفعونه ، وإلى الكذب المختلق الذي يعلم فساده يقيمونه ، فهم كما قال فيهم الشعبي - وكان من أعلم الناس بهم - لو كانوا من البهائم لكانوا حمراً ، لو كانوا من الطير لكانوا رخماً " (الفتاوى 4/471 ، 472) . أما عن منهج أهل الأهواء عموماً فانظره في ( منهج أهل السنة في تقويم الرجال / أحمد الصويان / فهرس الكتاب ) .
أما عن بيعة المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم لأبي بكر الصديق رضي الله عنه فيقول (الآجري) عنها " كان كما قال النبي ( ما اختلف على أبي بكر رضي الله عنه بل تتابع المهاجرون والأنصار وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وبنو هاشم على بيعته والحمد لله ، على رغم أنف كل رافضي مقموع ذليل قد برأ الله عز وجل علي بن أبي طالب أمير المؤمنين رضي الله عنه عن مذهب السوء " (الشريعة 4/1734).
بيعة علي والزبير والمهاجرين والأنصار لأبي بكر رضي الله عنهم :
وفوق ما تقدم ، ومما يبطل مزاعم المالكي وجود عدد من الروايات الصحيحة تؤكد بيعة علي والزبير والمهاجرين والأنصار رضي الله عنهم لأبي بكر الصديق رضي الله عنه بالخلافة ، في أيامه الأولى ، وهذه طائفة منها .
روى البيهقي في ( السنن الكبرى 8/143) بسنده إلى أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري ما يفيد بيعة ( علي ، والزبير ) لأبي بكر بالخلافة إما في أول يوم أو في اليوم الثاني من وفاة رسول الله ( ، كما علّق ابن كثير رحمه الله على الرواية في (البداية والنهاية 5/281) وزاد ابن كثير : وهذا إسناد صحيح محفوظ من حديث أبي نضرة المنذر بن مالك بن قطعة عن أبي سعيد الخدري ، بل كان العلماء السابقون - على البيهقي وابن كثير - يتناقلون هذه الرواية ويفرحون بها ، فقد نقل البيهقي - على إثر هذه الرواية - قول أبي علي الحافظ سمعت محمد بن إسحاق بن خزيمة يقول : جاءني مسلم بن الحجاج فسألني عن هذا الحديث فكتبته له في رقعة وقرأته عليه فقال : هذا حديث يسوى بدنه ، فقلت : يسوى بدنه ؟ بل هو يسوى بدره ( البيهقي : السنن الكبرى 8/143 )
أما الأنصار فقد روى الإمام أحمد أن الأنصار بايعت أبا بكر ، وأنه قبلها منهم (المسند 1/172 ، تحقيق أحمد شاكر ، وقال إسناده صحيح ) ، وعلق ابن كثير على هذه الرواية بقوله : وهذا إسناد جيد قوي ، وزاد: فتمت البيعة من المهاجرين والأنصار قاطبة ( البداية والنهاية 5/279) .
وفي فصل عقده ابن كثير بعنوان " فصل في ذكر أمور مهمة وقعت بعد وفاته ( وقبل دفنه " ، قال ابن كثير : ووقعت شبهة لبعض الأنصار وقام في أذهان بعضهم جواز استخلاف خليفة من الأنصار ، وتوسط بعضهم بين أن يكون أمير من المهاجرين وأمير من الأنصار حتى بين لهم الصديق أن الخلافة لا تكون إلا في قريش، فرجعوا إليه وأجمعوا عليه ... " ( البداية والنهاية 5/274 ، 275 ) .
وفي موطن آخر - وبعد أن ساق ابن كثير جملة من المرويات - في خلافة أبي بكر قال : ومن تأمل ما ذكرناه ظهر له إجماع الصحابة المهاجرين منهم والأنصار على تقديم أبي بكر ، وظهر برهان قوله عليه الصلاة والسلام " يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر " ( البداية والنهاية 5/281 ).
أما سعد بن عبادة رضي الله عنه فقد نص ابن كثير رحمه الله على اعترافه بصحة ما قاله الصديق يوم السقيفة ، وإن أبا بكر قال لسعد : ولقد علمت يا سعد أن رسولا لله ( قال - وأنت قاعد - قريش ولاة هذا الأمر ، فبر الناس تبع لبرّهم ، وفاجرهم تبع لفاجرهم ، فقال له سعد : صدقت نحن الوزراء وأنتم الأمراء (السابق 5/278) .
ورواه الإمام أحمد ( الفتح الرباني 23/62 ) وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : وهو مرسل حسن ( منهاج السنة 1/536 ) وصححه الألباني بشواهده في السلسلة الصحيحة برقم (1156) ، وانظر د. السلمي : ترتيب وتهذيب البداية والنهاية لابن كثير 1/58 .
أفبعد هذا يتقول متقول كالمالكي بتأخر بيعة علي أو الزبير ، أو الأنصار رضي الله عنهم أجمعين لأبي بكر الصديق رضي الله عنه ؟ على أن هذه الروايات وأمثالها لا يستفيد منها إلا الذين يبحثون عن الحق جهدهم، وتعوزهم المرويات الصحيحة المثبتة لإجماع المهاجرين والأنصار قاطبة لأبي بكر الصديق رضي الله عنه ، فإذا توفرت لهم وحكم العلماء لها بالصحة رجعوا إلى الحق، وسرهم أن الأمة أجمعت على خلافة الصديق، وصدّق الواقع ما أخبر به المصطفى صلى الله عليه وسلم " يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر " .
وفرق بين من يفرحون بهذه الروايات ويتناقلونها ، وبين من يسقطونها ، ويحرصون على ضدها !!
(( والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رؤف رحيم )) (الحشر: 10).

عباءة النقد التاريخي ماذا تخفي عند المالكي ؟ (2/2)
استعرضت في الحلقة الماضية عدداً من المحاور المؤلفة لشخصية المالكي وأبنت عن ملامح من منهجه وأفكاره ، معتمداً في ذلك على نصوص نقلتها من كتابه (نحو إنقاذ التاريخ الإسلامي) ، أو من مقالاته وردوده في الصحف.
وأستكمل في هذه الحلقة ملامح أخرى من منهجه وأفكاره وبنفس الطريقة العلمية السابقة .
ولكنني قبل ذلك أقف عند ملاحظة تلفت النظر في أدبيات الحوار عند المالكي ، فهو يستخدم أسلوب الهجوم ، ويسيء الأدب مع من يحاور ، ويتهم غيره بالتغفيل والسذاجة وعدم تحري الأمانة العلمية .. إلخ مسلسل التهم .
ولربما خرج المالكي عن طوره ، واستخدم عبارات سوقية ساقطة ، ليست من حلية العلماء و لا المتشبثين بمنهج المحدثين ، ولا من سيما المنقذين ، فمصطلح (التهريب) يزل به قلمه ، وليته سأل نفسه : وماذا يستفيد ( المهربون لشخصية ابن سبأ) تلك الشخصية اليهودية المفسدة ؟ وهل أدرك المالكي أنه بهذه التهمة لا يتهم (العودة) وحده وإنما يتهم العلماء قديماً وحديثاً بتهريب هذه الشخصية ؟ فلم آتِ بجديد ، وإنما اعتمدت في كل ما سجلت نصوص العلماء وآراءهم .
وهذا الهجوم وتلك التهم لا يمكن تفسيرها برغبة التفوق وحب الشهرة وحدها، فهذه وإن وردت تفسيراً جزئياً ، فعندي أن هناك أمراً آخر يدعوه لمثل هذه الأساليب، ألا وهو إبعاد شبح التهمة عنه بتهمة الآخرين والدفاع عن أخطائه وانحرافاته بالإسقاط على الآخرين على طريقة (الهجوم خير وسيلة للدفاع) ولكن هذه لن تجدي فتيلاً ، فالحق أبلج وإن أثير حوله من الغبار ما أثير فترة من الزمن ، والباطل سينكشف ولو زخرفه أصحابه بغرور القول؟
أما الشحن النفسي ، والتوتر العصبي ، والحدة في النقد ، فتلك مكونات لا يكاد ينفك عنها قلمه ، وكنت قد نصحت له من قبل بأن الحق المدعوم بالدليل لا يحتاج مثل هذه الإسقاطات والاتهامات ، بل يفهم الناس من حدة النقد، وتجاوز الناقد ضعف الحجة، وغياب الدليل المقنع ، مما يضطر معه الناقد إلى التهويش والتهم وحين تأكد لي أن رسالتي (الأولى) بلغته ، بل وأحفظته ، فما أردت منها - علم الله - إلا النصح له ولغيره ، وكان أولى به أن يقبل الحقّ ويرعوي إليه لا أن يظل يماري ويجادل بالباطل.
ولي أو لغيري أن يفهم أن هذه الخصومة تخفي ما تخفي وراءها ، فليست القضية اختلافاً في تحقيق هذه المسألة أو تلك ، أو ضعف هذه الرواية أو صحتها فتلك قضايا تتسع لها دائرة الخلاف ، وما فتئ العلماء قديماً وطلاب العلم حديثاً يختلفون ثم يتفقون ، أو يظل كل أحدٍ منهم مقتنعاً بأدلته دون أن يتهم المخالف له .
أما الخلاف مع المالكي فقد شخصه الزميل الدكتور (العزام) بقوله : (لأن الخلاف مع المالكي أقرب إلى أن يكون في الأصول) (انظر مقاله بعنوان : عن القعقاع وسيف بن عمر (1) المنشور بجريدة الرياض في 1/4/1418هـ) .
وقال (العزام) في سبيل المقارنة بين العسكري (الرافضي) ، والمالكي : فليس في أبحاثه (المالكي) ما يسوّغ الجزم بأنه يختلف عن العسكري ، ولم يخالفه في شيء واضح ) (الحلقة الثانية من المقال نفسه ، الرياض 2/4/1418هـ) .
كما تحد الدكتور ( العزام ) عن الخلل المنهجي في نوع الاستفادة من المصادر حين قال عنه : " ويظهر لي أن الأخ المالكي يكتفي في الدراسات المقبولة لديه بالإشارات العامة الواضحة وغير الواضحة بمعزل عن مواضع الاستفادة التفصيلية .
وضرب ( العزام ) لذلك نموذجاً في كتاب ( التباني ) : ( تحذير العبقري من محاضرات الخضري ) وقال: ومع إعجاب المالكي وثنائه على الكتاب فلماذا لا نرى ذكر ( التباني ) وكتابه في مقالات القعقاع وغيرها أولاً بأول ؟ لماذا لا يجعل كلامه تبعاً لكلام التباني وأمثاله في الآراء التي سبقوه إليها كما تقتضيه الأمانة العلمية والاعتراف بفضل السابقين ؟
( الحلقة الأولى من مقالة د. العزام : عن القعقاع وسيف بن عمر ، الرياض 1/4/1418هـ) .
ومع جزالة ما كتبه الدكتور ( العزام ) في مقالاته النقدية لمنهج المالكي ، وأنصح من لم يطلع عليها بالعودة لقراءتها ، ومع أدبه في الرد ، واعتماده الدليل والمقارنة ، والخروج بنتائج مهمة ، فلم يستفد منها المالكي كثيراً ، بل ولم يسلم (العزّام) من تهمة (إساءة الفهم ) التي أصبحت (مشجباً) يعلقه المالكي على كل من ردّ عليه وفضح منهجه وأبان عن أخطائه ، ومع جهد الدكتور في هذه المقالات فقد قال المالكي في سبيل الرد عليه أخي الدكتور محمد العزام : اطلعت على ردك المنشور في صحيفة الرياض الأسبوع الماضي وأشكر لك مشاركتك .. لكني أعتب عليك في ترك لبّ الموضوع جانباً والتركيز على كثير من الأمور الشكلية؟ مع إساءة فهم أحياناً ... " .
وهكذا ينفرد المالكي بحسن الفهم ومن يخالفونه أصحاب فهم سيء ؟ (ورحم الله أقواماً كانوا يتهمون أنفسهم وهم أصحاب حق ، ولا كثر الله أولئك الذين يرمون الناس بأدوائهم وينسلُّون ؟_!
ولمزيد معرفة خلل المنهج عند المالكي يمكن الرجوع كذلك لما كتبه الأخ خالد بن علي آل غنام في جريدة المسلمون 5/4/1418هـ بعنوان ( حسن المالكي بين مخالفته لمنهج المحدثين وجهله المنهج العلمي ) .
وهنا لابد من التأكيد على أن ( الأهداف المقررة سلفاً ) ، و( المناهج المختلة أصلاً ) قضايا لابد من استحضارها حال النقاش ، ووضعها في الحسبان حين مناقشة الأشخاص لماذا ؟ لأن صاحب الهدف والمنهج المختل يصعب إقناعه ، ولو كان الدليل مقنعاً لغيره ، إذ ليست القضية - عند صاحب هذا المنهج - غياب الأدلة المقنعة ولا ندرة المعلومة الصحيحة ، قدر ما هي قناعات سابقة ، ومقررات راسخة ، يصرّ على البقاء عليها وإقناع الآخرين بها ، ويظل - في ذهنه - وحده المصيب ، وغيره مخطئون، وبالتالي يتحول النقاش مع هذه الفئة إلى خصومة وجدل عقيمين إلا أن يشاء الله ، وفيه مضيعة للجهد والوقت لولا إقامة الحجة ، وحماية الأمة !
من محاور الخلل في المنهج عند المالكي :
لابد حين تريد الحوار أن تعرف طبيعة المحاور ، ولا زلت مقدراً وجهة نظر عدد من الزملاء الأعزاء الذين نصحوا بعدم الدخول في حوار مع من أشربوا حبّ الجدل، ولا يمكن أن تصل معهم إلى نتيجة ، وفي ذلك مضيعة للوقت ، وإبراز لمن لا يستحقون البروز ، ولكني ما زلت أقول إن حماية الأمة من الأفكار المتسللة ، والتنبيه إلى ما وراء الأكمة مطلب يستحق العناية - ولو لفترة محددة - حتى تستبين الرؤية ، وتنكشف الحقيقة.
والمستبصر يرى أن المالكي - في كل جولة من جولاته مع المخالفين له ؟ يكشف نفسه ، ويعري منهجه - وإن لم يشعر بذلك - وإن أوهم نفسه والبسطاء أنه يخرج من الحلبة منتصراً ؟!
ومع أهمية الملاحظات التي سبق بيانها واستدراكها على مقالاته الأخيرة ففي ظني أن الخروج بعدد من المحاور تكشف خلل المنهج والرؤية عند المالكي أهم من تسجيل الملاحظات نفسها ، إذ أن هذه المحاور تعطي انطباعاً عاماً عن كتاباته ، وترشد إلى الحيطة والحذر من التدليس المتلبس بعباءة النقد التاريخي ، وحماية الحقيقة، والعزف على منهج المحدثين .. وغير ذلك من عبارات يحلو للمالكي أن يرددها كثيراً، ليستر بها ما وراءها !!
ومن خلال التأمل في مقالاته الأخيرة أو كتاباته الأخرى أمكنني رصد عدد من محاور الخلل وسمات المنهج ، وحيث أبنت عن بعضها في الحلقة الماضية أستكمل بعضها الآخر - في هذه الحلقة - وهذا بحدود ما قرأت له حتى الآن .
المجازفة بإصدار الأحكام ودعوى عدم ذكر العلماء لدور ابن سبأ في الفتنة:
لا يتورع المالكي من المجازفة بالأحكام ، والتقوّل بغير حق على الأئمة الأعلام، وتلك خلاف منهج أهل السنة والجماعة ، وليست من منهج المحدثين في شيء - وهو يتشبث به.
ومن تناقضات المالكي اتهام غيره بذلك فهو القائل " التاريخ الإسلامي مبتلى ببعض العلماء الذين يجازفون بإصدار الأحكام المستعجلة حول الأحداث والمواقف والشخصيات ... "( كتاب الرياض ، ص7) .؟
وحتى تقفوا على الحقيقة ، أسوق لكم نموذجاً واحداً ، وأنقل لكم كلماته بحروفها ثم أعرض ما يبين زيفها ، وأدع لكم الحكم على صاحب المجازفة ومثيلاتها يقول المالكي في رده في جريدة المسلمون .
" ولذلك تكلم المحدثون والمؤرخون المتقدمون عن الفتنة ولم يذكروا عبد الله بن سبأ بحرف واحد ، حتى الذهبي وابن حجر ... لم يذكروا دور عبد الله بن سبأ في الفتنة بحرف واحد ... " .
وهذه فرية يتحمل المالكي مسؤوليتها ، وأسوق لكم ما ينقضها ، وأكتفي بنموذج للمحدثين يمثله ( الآجري ) ت360 وهو من حفاظ المحدثين - كما قال ابن الأثير ( الكامل في التاريخ 7/44) ، والمحدث القدوة وشيخ الحرم الشريف ، كما قال الذهبي (سير أعلام النبلاء 16/133) ، ومما قاله الآجري عن دور ابن سبأ في باب: سبب قتل عثمان رضي الله عنه : " فإن قال (قائل ) فمن الذي قتله؟ قيل له : طوائف أشقاهم الله عز وجل بقتله حسداً منهم له ، وبغياً ، وأرادوا الفتنة..
فإن قال : فمن أين اجتمعوا على قتله ؟ قيل له : أول ذلك وبدوِّ شأنه أن بعض اليهود يقال له ابن السوداء ويعرف بعبد الله بن سبأ لعنه الله زعم أنه أسلم ... إلى قوله : فهكذا عبد الله بن سبأ أظهر الإسلام ، وأظهر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وصار له أصحاب ثم ورد إلى البصرة فصار له بها أصحاب، ثم ورد إلى مصر فصار له بها أصحاب كلهم أهل ضلالة ثم تواعدوا لوقت وتكاتبوا... ثم ساروا إلى المدينة فقتلوا عثمان رضي الله عنه ( الشريعة 4/1978 ، 1979 ) .
ومن رجع إلى بقية كتب أهل العلم وجد مثل ذلك أو قريباً منه ، فهل رأيتم مثل هذه الفرية ؟! وأين الأمانة العلمية التي يدعيها المالكي ويتهم الآخرين بفقدانها؟؟
أما الذهبي ، وابن حجر اللذين خصّهما (المالكي) وحكم عليهما (ظلماً وعدواناً) بأنهما لم يذكرا دور ابن سبأ في الفتنة بحرف واحد ؟ فدونكم زيفها ونقضها ففي تاريخ الإسلام 2/122 ، 123 ، ذكر الذهبي أن ابن سبأ : هو المهيج للفتنة بمصر ، وباذر بذور الشقاق والنقمة على الولاة ..
هذا فقط في كتابه تاريخ الإسلام ؟
أما ابن حجر : فيكفينا منه القول عن ابن سبأ ودوره في الفتنة : " وأخبار عبدالله بن سبأ شهيرة في التواريخ ... ( لسان الميزان 3/345 دار الكتب العلميـة).
وإذا كان يجهل المالكي أو يتجاهل بما اشتهر ابن سبأ في كتب التاريخ فغيره لا يجهل ذلك ونقل في الفتح عن الاسفراييني خبر إحراق (علي) لطائفة السبئية وكبيرهم عبدالله بن سبأ اليهودي الذي أظهر الإسلام وابتدع ما ابتدع ، ثم نقل أصلاً له في الجزء الثالث من حديث أبي طاهر المخلص ، بسند قال عنه : وهذا سند حسن (الفتح 12/270) .
وإذا بطلت دعوى المالكي على الذهبي وابن حجر ، تهاوت دعاواه الأخرى على العلماء والأئمة الآخرين ، وكانت تلك واحدة من أدلة جرأة المالكي على العلماء وعلى كتب التراث ، وأوجب ذلك كله الاحتياط لما ينقله مستقبلاً ؟
ألا فلينتبه لذلك أنصاف المثقفين الذين ربما غرّهم طرح المالكي ، واعتمدوا على جزمه ولم يتبينوا كذبه على العلماء ، ومن رام مزيد البيان فليرجع إلى كتب التراث وسيجد فيها ما يشفيه وسيتبين له كذبه على مؤلفيها بعدم ذكر دور ابن سبأ في الفتنة ، وقد اكتفيت بذكر نموذج لكذبه .
ولئن كنا غير محتاجين لرأي المالكي ، أنكر أم أثبت دور ابن سبأ ، أم ظل حائراً قلقاً بين إثبات الوجود وإنكار الدور ، فذلك لتشخيص موقفه لا أكثر.

من تناقضات المالكي
الهوى مع المبتدعة وقبول روايتهم ولو كانوا دعاة لبدعتهم ؟

ليس غريباً أن ترى تناقضاً عجيباً في مواقف المالكي ومنهجه ، فهو حيناً يتشدد في الرواية ويلوذ بالثقات ، وينعى على منهج المتساهلين ، ويلوم على التشبث برواية الضعفاء - ولو لم يكونوا أصحاب بدعة مذهبية ، ولو أدى ذلك - بزعمه إلى إسقاط عدد كبير من المرويات ، بل ولو كان هذا الراوي مقبول الرواية في فنٍ معين عند العلماء ، طالما أنه مجروح عند فئةٍ أخرى وفي فنٍ آخر ؟
ثم تراه فجأة يتحول ويتنازل إلى قبول رواية المبتدعة حتى ولو كانوا دعاةً لبدعتهم ؟ وتراه حيناً يتشبث بمنهج أهل الحديث ، ويشعر الآخرين بالالتزام به ، ثم لا يلبث أن يسلك مسلكاً يخالف مسلكهم وينسجم مع منهجه ؟
هذا التناقض الغريب بين النظرية والتطبيق ، وبين التشدد والتسامح يمكن تفسيره بالتساوق مع منهجه ويمكن تعليله بخدمة هدفه الذي يريد تقريره ! ولكن الأعجب والأغرب من هذا كله أن يتجرأ المالكي على الكذب على أهل الحق، فينسب إليهم قولاً لم يقولوا به ، ويوهم القارئ باعتماد رأي شاذ أو مرجوح على أنه رأي أهل الحق ، وليس الأمر كذلك .
وحتى تتضح الصورة ، وينكشف الزيف أنقل كلام المالكي بحروفه ، ثم أتبع ذلك ببيان الحق الذي عليه أعلام الأمة .
يقول المالكي في كتاب الرياض ص210 ، 211 ، ويبين عن رأيه في رواية المبتدع (الداعي إلى بدعته) " ثم إن الذي عليه أهل الحق من أهل الجرح والتعديل أن البدعة لا تؤثر في رواية الثقة حتى وإن كانت هذه الرواية يفهم منها تأييد لبدعته".
ولا يقف المالكي عند هذا الحدّ ، بل يظلم ( البخاري ومسلم ) ويتهمهما بالرواية عن أصحاب البدع الدعاة إلى بدعتهم حين يقول : " .. فهذا خلاف ما عليه أكثر المحدثين - يعني عدم إسقاط رواية المبتدع الداعي لبدعته إذا كان ثقة - وعلى رأسهم البخاري ومسلم فلم يتركوا روايات ثقات المبتدعة حتى ولو كان فيها تأييداً لبدعتهم ، والأمثلة على هذا كثيرة قد سبق بعضها " (كتاب الرياض ، ص211).
قلت : أما الذي عليه أهل الحق ، فهو خلاف ما قرره المالكي ، وإليكم الأدلة:
1 - ذكر أبو حاتم محمد بن حبان ، عن مكحول ، حدثنا جعفر بن أبان الحافظ قال : قلت لأحمد بن حنبل رحمه الله : فنكتب عن المرجيء والقدري وغيرهما من أهل الأهواء؟ قال : نعم إذا لم يكن يدعو إليه ، ويكثر الكلام فيه ، فأما إذا كان داعياً فلا " ( المجروحين 1/82) .
2 - وحكى بعض أصحاب الشافعي رحمه الله خلافاً بين أصحابه في قبول رواية المبتدع إذا لم يدع إلى بدعته ، وقال : أما إذا كان داعية فلا خلاف بينهم في عدم قبول روايته " ( مقدمة ابن الصلاح ص54) .
3 - وقال أبو حاتم بن حبان البستي أحد المصنفين من أئمة الحديث " الداعية إلى البدع لا يجوز الاحتجاج به عند أئمتنا قاطبة لا أعلم بينهم فيه خلافاً " .
4 - ثم علق عليه ابن الصلاح بقوله : وهذا المذهب الثالث أعدلها وأولاها ، وقال أيضاً : وهذا - يعني عدم قبول رواية المبتدع الداعي إلى بدعته - " مذهب الكثير أو الأكثر من العلماء " ( مقدمة ابن الصلاح ص54 ، 55 ) .
ويجلّي ( ابن الصلاح ) موقف البخاري ومسلم من الرواية عن المبتدعة فيقول: والأول - يعني من ردّ رواية المبتدع مطلقاً - بعيد مباعد للشائع عن أئمة الحديث، فإن كتبهم طافحة بالرواية عن المبتدعة غير الدعاة وفي الصحيحين كثير من أحاديثهم في الشواهد والأصول والله أعلم " ( مقدمة ابن الصلاح ص55) .
5 - وقال الحافظ ابن حجر بقبول رواية المتشيع في عرف المتقدمين - تفضيل علي على عثمان وأن علياً كان مصيباً في حروبه وأن مخالفه مخطئ مع تقديم الشيخين وتفضيلهما - إن كان غير داعية . ( تهذيب التهذيب 1/94) .
أما التشيع في عرف المتأخرين فهو الرفض المحض ، فلا تقبل رواية الرافضي الغالي ولا كرامة ( المصدر السابق 1/94 ) .
6 - وقبله قال الحافظ الذهبي : والبدعة على ضربين ، فبدعة صغرى .. وبدعة كبرى كالرفض الكامل والغلو فيه ، والحط على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، والدعاء إلى ذلك ، فهذا النوع لا يحتج بهم ولا كرامة " (الميزان 1/6) .
وقال في السير : القدري ، والمعتزلي ، والجهمي ، والرافضي ، إذا علم صدقه في الحديث وتقواه ، ولم يكن داعياً إلى بدعته ، فالذي عليه أكثر العلماء قبول روايته ، والعلم بحديثه ، وترددوا في الداعية هل يؤخذ عنه ؟ فذهب كثير من الحفاظ إلى تجنب حديثه وهجرانه ( سير أعلام النبلاء 7/153 ، 154) .
أكتفي بهذا القدر من النقول عن أعلام الأمة في عدم قبول رواية المبتدع الداعي إلى بدعته ، فأين هذا من كلام المالكي : " ثم إن الذي عليه أهل الحق من أهل الجرح والتعديل أن البدعة لا تؤثر في رواية الثقة حتى وإن كانت هذه الرواية يفهم منها تأييد لبدعته " ؟!
لست أدري من هم أهل الحق في نظر المالكي ؟ ولست أدري أذلك النقل يمثل الأمانة العلمية ومنهج المحدثين ؟
أدع الحكم للقاريء دون تعليق !!
1 - الكذب المتعمد للخروج من المأزق :
لا يتورع المالكي عن الكذب على الآخرين واتهامهم ، فهذا لم يفهم قصده، وهذا يتهم نيته ، وثالث أساء له .. وهو في كل ذلك يعلم الحقيقة لكنه أسلوب للخروج من المأزق ، وربما كان وسيلة لاستعطاف مشاعر الآخرين معه .
وكيف يتهمه الناس في نيته - كما يقول - والنقل ( حرفياً ) من كتبه أو مقالاته ؟ ولو قدر أن ( شخصاً ) أساء فهم ما كتبه ، فهل يعقل أن يجتمع الناس كلهم على سوء الفهم ضده ؟
والمتأمل في ( ردوده ) يرى هذه ( الشنشنة ) مقدمة يبدأ بها حديثه وتكاد تتفق في عباراتها، وقد استجمعت (نماذج) لذلك كما في الملاحظة الأولى وعباراته (المترددة) و(الغامضة) في ابن سبأ ( وجوداً أو نفياً ) نموذج للكذب، وإن شئت فقل نموذج للتناقض والريب، وتلك واحدة من ثمار الكذب؟
وثمة نموذج آخر فقد قال في مقاله الأخير في الرياض ( وفي الملاحظة الحادية عشرة) " والغريب أن الدكتور - يعنيني - يحرف كلامي ثم يحيل على كتاب الرياض وعلى كتاب بيعة علي حتى أنني أظن أنني أخطأت فإذا رجعت أجد كلامي خلاف ما يقرره أين الأمانة العلمية ولماذا هذه الأساليب " .
وأقول وحتى تكتشفوا كذبه عودوا إلى مقالاتي في ( الإنقاذ من دعاوى الإنقاذ) ولن تجدوا فيها (أي) إحالة على كتابه ( بيعة علي ) فلم أنقل منه نصاً ، بل ولم أقتن الكتاب بعد فضلاً عن اطلاعي عليه ، فضلاً عن إحالتي عليه - فأي الفريقين أحق بالأمن ، وأين اتهام الآخرين بضعف الأمانة العلمية ، ويعود السؤال لمن سأل : ولماذا هذه الأساليب ؟ وهل تدخل هذه في إطار الصدق أم هي ضمن مجموعة الكذب؟!
وثالثة الأثافي كذبه على الإمامين ( الذهبي وابن حجر ) بأنهما لم يذكرا دور ابن سبأ في الفتنة ولا بحرف واحد - وقد سبق بيان ذلك - .
يضاف إليها كذبه في إيراد الروايات عن ابن سبأ من غير طريق سيف .
2 - المراوغة حتى لا تنكشف الحقيقة :
والمراوغة والحيل الباطلة عيب في سلوك المرء بشكل عام ، وهي في قضايا العلم وطرائق الإنقاذ أشد خطراً ، وهذا الخلل لا يقل عن سابقه سوءً ، فالمالكي حين تضطره إلى طريق مسدود ليس أمامه إلاَّ الاعتراف بالحق أو رفضه، يلجأ إلى أسلوب ثالث هو : تناسي القضية الكبرى المطروحة للنقاش والهروب من النقطة الجوهرية في الخلاف، والتشبث بأمور جانبية يشغل بها القاريء ولا يخرج منه برأي محدد ، ومن أبرز الأمثلة على ذلك - وفي مقاله الأخير فقط - أطال الكلام على المرويات الثمان ونقدها وأنكر إسناد البعض منها واعترف بصحة إسناد بعضها ، وطرح فيها قضايا للنقاش لأول مرة، وأضاف إليها مرويات جديدة - وكل هذه القضايا قابلة للنقاش- ولكن المراوغة تكمن في هروبه من أصل القضية ، فلم تستوقفه قضية كونها جاءت من غير طريق سيف وهذا ما قطع بخلافه - وهي محور الخلاف - كما سبق البيان.
وحين يقول في الملاحظة السابعة - من هذا المقال - ما نصه " إذا كان الدكتور سليمان لا يعرف إلاَّ ثماني روايات فيها ذكر لابن سبأ من غير طريق سيف فغيره قد يعرفها وزيادة ، وليست موطن النـزاع كما سيأتي .. " ، ويقول في كتاب الرياض ص260 ما نصه : " مع أن سيفاً قد انفرد برواية أخبار ابن سبأ" أمكن رصد المراوغة بما يلي :
1 - أليس موطن النـزاع عدم ورود أي مرويات من غير طريق سيف - حسب زعمه- فكيف يتنكر لموطن النـزاع ؟
2 - وإذا كان لديه علم مسبق بهذه المرويات التي لا تنتهي إلى سيف فكيف قطع بخلافها؟ ولماذا لم يذكرها من قبل ؟
3 - هل تجدونه عرّج على مقولته السابقة في كتاب الرياض واعترف بخطأه فيها ، ولا يمنع بعد ذلك أن يبدأ النقاش في هذه المرويات .
وإذا كان هذا نموذجاً ، فثمة نموذج آخر ، قد يكون فات على كثير من القراء لكنه لم يفت على المالكي بكل تأكيد ، وهو يؤكد المراوغة ، والحيدة عن الإجابة على الأسئلة المطروحة .
ففي مقالاتي السابقة طرحت عدداً من الأسئلة المهمة لم يُعرّج عليها المالكي البتة، ولم تستوقفه في مقاله الطويل، وأنا الآن أعيد طرحها ولا زلت أنتظر إجابته (الصريحة عليها) .
لماذا ( لمز ) ابن تيمية وكتابه منهاج السنة بالذات ؟ ولماذا النيل من كتاب ( العواصم من القواصم ) لأبي بكر بن العربي . وكيف اعتبر ( المالكي ) طه حسين منصفاً في بعض القضايا أكثر من المؤرخين الإسلاميين وطه حسين صاحب الشعر الجاهلي ، وصاحب الشك في أعظم مصادرنا وهو القرآن الكريم وهو القائل " للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل ، وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضاً ، ولكن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي فضلاً عن إثبات هذه القصة التي تحدثنا بهجرة إسماعيل وإبراهيم لماذا التشبث والدفاع عن الرواة الشيعة أمثال ( أبي مخنف) إلى ملكة (الشعر الجاهلي 26) . بل ولماذا الدفاع عن الشيعة بشكل عام - كما ورد ذلك في كتاب الرياض أكثر من مرة ؟
هذه وأمثالها قضايا أثارها المالكي بطوعه واختياره - وليست تهماً - تُنسب إليه فهو ملزم بالإجابة عنها ، أو الاعتذار عن ما كتبه فيها ، أما المراوغة فليست من شيم الرجال ، وهي مكشوفة للأجيال ؟!
3 - تلميع المشبوهين والنيل من المشاهير ؟
لا تكاد تخطئ عين القارئ المتأمل لكتابات المالكي تلميعه وثناؤه على أشخاص مشبوهين ، ونيله بأسلوب مباشر أو غير مباشر من مشاهير العلماء ، بل ربما عرّض ببعض الصحابة الكرام من وراء وراء ؟
وفوق ما مضى في الفقرة ( السابقة ) بل وفي حلقات الإنقاذ من دعاوى الإنقاذ (الماضية) من ذكر نماذج لهؤلاء وأولئك ، فيأبى المالكي في مقاله الأخير (عبدالله بن سبأ وكاسحات الحقائق) إلاَّ أن ينال من الإمام (الذهبي) ويجعل من نفسه حكماً على تخطئته إذا خالف هواه في ( أبي مخنف ) الشيعي المحترق ، ونص كلامه عن الذهبي هو "فهذا نص من الذهبي في المساواة بين سيف بن عمر وأبي مخنف ، وأظن أن الذهبي لم يوفق للصواب ... " (الملاحظة السادسة عشرة) .
كما سبق في الملاحظة ( السابعة ) انتقاده لكلام الحافظ ابن حجر حين خالف منهجه في اعتماد سيف بن عمر في التاريخ .
وليس يخفى موقفه من ( ابن تيمية ) و ( ابن العربي ) وغيرهما مما سبق بيانه وإذا جاء التأكيد أكثر من مرة أن أحداً ليس معصوماً من الخطأ ، فاللافت للنظر في منهجية المالكي تسارع نقده لهؤلاء العلماء ، فما أن ينتهي من عالم حتى تبدأ سهامه تتناوش الآخر ، ولا ندري ماذا في جعبته مستقبلاً ؟!
وهل ( حِمى ) العلماء مستباح لكل ناقد - إن بحق أو بباطل - وهو يترك صغار الطلبة يجرحون أو يعدلوا مشاهير العلماء كما يشاءون ؟!
ولست محتاجاً إلى إعادة القول في تهوين (المالكي) من شأن المستشرقين ، ولا الثناء على أذنابهم من المستغربين ، ولا العناية والتمجيد لأبحاث الشيعة المحدثين، فضلاً عن الدفاع عن رواتهم المتقدمين ؟ أليس ذلك خللاً في المنهج حري بالرصد والمتابعة ؟!
4 - التراجع شكلاً لا مضموناً :
من يتأمل ( مراجعات ) المالكي لا يجد فيها - حتى الآن - شيئاً ذا بال ، إذ لم يعلن تراجعه عن قضية كبرى من القضايا التي طرحها ، ولم يوافقه الآخرون عليها و(المختصون) وسواهم منذ بدأ طرحه يفندون وجهة نظره بالأدلة العلمية ، ويكشفون خلل منهجه من خلال طروحاته الغريبة الفجة ، ولم نسمع حتى الآن أنه تراجع عن شيء أُثبت له خلافه أكثر من سماعنا عن غرامه بالردود ، وعشقه الجدل والمراء .
ولئن كتب مقالاً خاصاً عن ( مراجعاته ) وأعلن فيه عن مراجعات شكلية كانت بالفعل محل استغراب عند بداية طرحه ، ثم أنستها القضايا الكبرى التي طرحها، فلم يعلن - في هذا المقال - تراجعه عن قضايا مهمة خالف فيها غيره ، وسيق له من الأدلة ما يكفي للإقناع .
ويحلو للمالكي أن يجعل أخطاءه والثناء على طه حسين ، وإعجابه ببحث مرتضى العسكري ، والدكتور الهلابي خاتمة لمقال المراجعات ، ولا يضعها في مقدمة القضايا والمراجعات ، وتأتي صياغته لها على شكل (تعقيبات) ، و(ملاحظات) على هؤلاء ، ولست أدري هل ستأتي هذه التعقيبات قريباً أم سيتأخر صدورها ، وأهم من ذلك هل ستأتي ملاحظات وتعقيبات ذات بال ، أم هي إرضاء خواطر ، واتقاءً للصدمة المستنكرة ؟ لا نستطيع الجزم بشيء قبل أن نتبين ، ولكن الذي يظهر لنا حتى الآن أن مراجعاته ( شكلية )، وخذوا نماذج على سبيل المثال : يقول المالكي في (مراجعاته) كما أن لي ملاحظات على بحث أستاذنا الدكتور عبد العزيز الهلابي عن عبدالله بن سبأ ، لكن تلك الملاحظات لا تقدح في النتيجة التي توصل إليها ، لكنها تجعلني أتوقف في متابعة تلك النتائج بكل تفاصيلها" .
وإذا كان أبرز نتائج دراسة د. الهلابي القول بأن شخصية ابن سبأ وهمية لم يكن لها وجود ، فإن وجد شخص بهذا الاسم فمن المؤكد أنه لم يقم بالدور الذي أسند إليه سيف وأصحاب كتب الفرق " (ص73 من حولية كلية آداب الكويت).
فالمالكي يقرر سلفاً مشاركته الإنكار أو التشكيك الفعلي لابن سبأ ، سواءً كان ذلك التشكيك في وجوده أو إنكار دوره في الفتنة ، وقد سبق البيان أن وجود ابن سبأ لا قيمة له إذا أنكر دوره في الفتنة ، وبالتالي يسقط الرهان الذي راهن عليه في التفريق بين أمرين متلازمين ، وتبقى بعد ذلك مراجعاته وحب ما قطع به من عدم القدح بالنتيجة التي توصل إليها أستاذه الهلابي - في أمور شكلية أو في تفاصيل تتسع لها دائرة النقاش والخلاف ؟
وعلى كل حال فنحن أولاً : نرحب بالرجوع للحق ، ولكن الذي ننشده أن يشمل القضايا الكلية ، وألا يكون حجم العنوان أكبر من واقعه .
ثانياً : أن يسارع المالكي لما وعد به ، فتصحيح الأخطاء أولى من المضي قدماً في استحداث قضايا جديدة قد تحمل في ثناياها ما يدعو إلى مراجعة لها مستقبلاً ، فتتضخم الأخطاء، وربما شكل الاعتذار عنها ثقلاً على النفس أخّر بيانها .
ثالثاً : وتعني المراجعات استصلاح الأخطاء - بعد إعلانها على الناس - في الكتب المطبوعة وتصحيح ما بُني عليها من مفاهيم ونتائج متعلقة بها.
رابعاً : وأن يكون التصحيح بلغة ومفهوم يرضى به العالِمون وأهل الاختصاص، وألا يكون مما يرضى به الدهماء وعوام الناس .
وحين يتحقق ذلك كله تعتبر المراجعات، ويقدر للمراجع تراجعه ، وكل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون .
لماذا يستميت المالكي في إسقاط مرويات سيف ؟
سبق لي القول أن المالكي جعل ( سيف بن عمر ) مشجباً ، وأراد من خلاله إسقاط كثير من الحقائق التاريخية ، بل وتجرأ بالقول على إسقاط (730) رواية، وإلقائها - على حد تعبيره - في مهملات التاريخ ومنكراته ، إلاَّ روايات معدودة في تاريخ الطبري توبع عليها ( كتاب الرياض ص62) وذلك لورودها عن طريق سيف؟
- ومشروعه التشكيكي في قوله بإسطورة القعقاع ، عن طريق سيف بن عمر.
- ومحاولته التشكيك في وجود ابن سبأ أو دوره في الفتنة عن طريق سيف أيضاً ، وإذا لم يقتنع بمرويات لا تنتهي إلى سيف في وجوده ، فلن يقتنع بمرويات أخرى عن دوره في الفتنة - وثمة نتيجة رابعة لابد للمالكي أن ينتهي إليها وهو يصر على إسقاط مرويات سيف في الفتنة ، هذه النتيجة هي كون الصحابة هم المحركون للمؤامرة على عثمان رضي اللَّه عنه ، والمثيرون للفتنة ، وذلك أن مرويات أهل السنة ، ورأيهم دفع أي تهمة في إشراك الصحابة في دم عثمان ، والخروج عليه ، ومرويات سيف بن عمر تسير في هذا الاتجاه غالباً .
أما روايات أهل البدع فهي تتهم الصحابة في هذه الفتنة ، وأبرز نموذج لذلك مرويات أبي مخنف - الذي يستميت المالكي في الدفاع عنه - وللبيان فقط أسوق نموذجاً لهذه المرويات ، فإن رضيها المالكي فهي ليست محل رضا عند أهل السنة والجماعة ، روى البلاذري في أنسابه عن أبي مخنف اتهام عثمان بأنه الخليفة الذي كثرت سقطاته فاستحق ما استحق ( أنساب الإشراف 5/59 ، 62 ) .



  اقتباس المشاركة