لم أنكروا التحريف ؟
أفبعد هذا يمكن لأحد أن يقول إن الشيعة لا يعتقدون التحريف والتغيير في كلام الله المبين ، نعم هنالك بعض الأعيان من الشيعة الذين أظهروا أنهم يعتقدون أن القرآن غير محرف وغير مغير فيه ، وغير محذوف منه ، ومنهم محمد بن علي بن بابويه القمى ، الملقب بالصدوق عندهم المتوفى سنة 381هـ مؤلف كتاب "من لا يحضره الفقيه " وهو في القرون الأولى الأربعة أول من قال من الشيعة بعدم التحريف في القرآن ، ولا يوجد في الشيعة المتقدمين حتى القرن الرابع وحتى نصفه الأول رجل واحد نسب إليه أنه قال أو أشار إلى عدم التحريف وبعكس ذلك يوجد مئات من النصوص الواضحة الصريحة على أن الحذف والنقص في القرآن ، والزيادة عليه ، قد وقع .
وهل في الدنيا نعم في الدنيا كلها واحد من علماء الشيعة وأعلامها يستطيع أن يقبل هذا التحدي ويثبت من كتبه هو أن واحداً منهم في القرون الأربعة الأولى ( غير ابن بتبويه ) قال بعدم التحريف وأظهره .لا ولن يوجد واحد يقبل هذا التحدي .
فالمقصود أن عقيدة الشيعة لم تكن قائمة إلا على أساس تلك الفرية لأنه كما ذكر مقدما هم مضطرون لرواج عقائدهم الواهية القائمة على أن لا يعتقدون بهذا القرآن الذي يهدم أساس مذهبهم المنهار وإلا تروح معتقداتهم المدسوسة في الإسلام أدراج الرياح.
ونحن نفصل القول في هذا حتى يعرف الباحث والقاريء السر في تغيير منهج الشيعة بعدما مضى القرن الثالث ومنتصف الرابع ، وقد عرف مما سبق من الأحاديث والروايات الصحيحة الثابتة عندهم ، وأقوال المفسرين وأعلامهم وأئمتهم أنهم يعتقدون أن القرآن الموجود في أيدي الناس لم يسلم من الزيادة والنقصان ، والقرآن الصحيح المحفوظ ليس إلا عند " مهديم المزعوم " ـ فيولد في القرن الرابع من الهجرة محمد بن علي بن بابويه القمى ويرى أن الناس يبغضون الشيعة وينفرون منهم لقولهم بعدم صيانة القرآن ، ويشنعون عليهم لأنه لو سلم قولهم كيف يكون العمل على الإسلام ، والدعوة إليه ، وأيضا كيف يمكن التمسك بمذهب الشيعة حيث يقولون إن الرسول عليه السلام أمر بالتمسك بالثقلين ، القرآن وأهل البيت حسب زعمهم وحينما لا يثبت الثقل الأكبر وهو القرآن ، كيف يثبت الثقل الأصغر والتمسك به.
ولما رأى هذا لجأ إلى القول " اعتقادنا أن القرآن الذي أنزل الله تعالى على نبيه محمد هو ما بين الدفتين ، وهو ما في أيدي الناس ليس بأكثر من ذلك ـ إلى أن قال ـ : ومن نسب إلينا أنا نقول أكثر من ذلك فهو كاذب".
وتبعه في ذلك السيد المرتضى ، الملقب بعلم الهدى المتوفى سنة 436هـ فقد نقل عنه مفسر شيعي أبو علي الطبرسي وقال : أما الزيادة فمجمع على بطلانه وأما النقصان فقد روى جماعة من أصحابنا وقوم من حشوية العامة أن في القرآن تغييرا ونقصانا ، والصحيح من مذهب أصحابنا خلافه وهو الذي نصره المرتضى".
ثم حذا حذوهما أبو جعفر الطوسي المتوفى سنة 460 فقال في تفسيره " التبيان " : أما الكلام في زيادته ونقصانه فمما لا يليق به ـ إلى أن قال ـ: وقد ورد النبي صلى الله عليه وآله رواية لا يدفعها أحد أنه قال : إني مخلف فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا ، كتاب الله وعترتي ، أهل بيتي . . . وهذا يدل على أنه موجود في كل عصر لأنه لا يجوز أن يأمرنا بالتمسك بما لا يقدر التمسك به ".
ورابعهم هو أبو علي الطبرسي المفسر الشيعي المتوفى سنة 548هـ وقد مر كلامه في تفسير " مجمع التبيان".
فهؤلاء هم الأربعة من القرن الرابع إلى القرن السادس لا الخامس لهم الذين قالوا بعدم التحريف في القرآن .
ولا يستطيع عالم من علماء الشيعة أن يثبت في القرون الثلاثة هذه خامسا لهؤلاء الأربعة بقولهم بل وفي القرون الثلاثة الأولى أيضا لا يوجد موافقهم كما ذكرنا سابقا ـ وعلى ذلك يقول العالم الشيعي الميرزا حسين تقي النوري الطبرسي المتوفى سنة 1325هـ:
الثاني عدم وقوع التغيير والنقصان فيه وأن جميع ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وآله هو موجود بأيدي الناس فيما بين الدفتين ، وإليه ذهب الصدوق في عقائده ، والسيد المرتضى ، وشيخ الطائفة ( الطوسي ) في التبيان ولم يعرف من القدماء موافق لهم ـ إلى أن قال ـ وإلى طبقته ـ أي أبي علي الطبرسي ـ لم يعرف الخلاف صريحا إلا من هؤلاء المشايخ الأربعة".
فهؤلاء الأربعة أيضا ما أنكروا التحريف في القرآن وأظهروا الإعتقاد به تحرزا من طعن الطاعنين ، وتخلصا من إيرادات المعترضين كما ذكرناه قبل ذلك ، وكان ذلك مبنيا على التقية والنفاق الذي جعلوه أساسا لدينهم أيضا ، ولولا ذاك ما كان لهم أن ينكروا ما لو أنكر لا نهدم مذهب الشيعة وذهب هباء منثورا.
والذي يثبت أن إنكار هؤلاء الأربعة التحريف في القرآن كان تقية ونفاقا وكذبا هو ما يلي:
أولا: أن الروايات التي تنبىء وتخبر عن التحريف روايات متواترة عند الشيعة كما يقول السيد نعمة الله الجزائري المحدث الشيعي في كتابه " الأنوار" ونقل عنه السيد تقي النوري فقال : قال السيد المحدث الجزائري في الأنوار ما معناه : إن الأصحاب قد أطبقوا على صحة الأخبار المستفيضة بل المتواترة الدالة بصريحها على وقوع التحريف في القرآن ".
ونقل عنه أيضا : إن الأخبار الدالة على ذلك تزيد على ألفي حديث ، وادعى استفاضتها جماعة كالمفيد ، والمحقق الداماد ، والعلامة المجلسي ، وغيرهم ، بل الشيخ ( أبو جعفر الطوسي ) أيضا صرح في " التبيان " بكثرتها ، بل إدعى تواترها جماعة ـ إلى أن قال ـ واعلم أن تلك الأخبار منقولة من الكتب المعتبرة التي عليها معول أصحابنا في إثبات الأحكام الشرعية ، والآثارالنبوية".
وإنكار هذه الروايات يستلزم إنكار تلك الروايات التي تثبت مسألة الإمامة والخلافة بلا فصل لعلي ـ رضي الله عنه ـ وأولاده من بعده عندهم ، لأن الروايات عنها ليست بأكثر من روايات التحريف ، وقد صرح بهذا علامة الشيعة الملا محمد باقر المجلسي حيث قال : وعندي أن الأخبار في هذا الباب متواترة معنى ، وطرح جميعها يوجب رفع الاعتماد عن الأخبار رأسا بل ظنى أن الأخبار في هذا الباب لا يقصر عن أخبارالإمامة فكيف يثبتونها بالخبر".
ثانيا : مذهب الشيعة قائم على أقوال الأئمة وآرائهم فقد أثبتنا آرائهم وأقوالهم مقدما وهي تبين أنهم لا يرون القرآن الموجود في أيدي الناس قرآنا ، كاملا، محفوظا باستثناء هؤلاء الأربعة الذين أظهروا إنكار التحريف ولم يستندوا إلى قول من الأئمة المعصومين ( حسب قولهم ) ولم يأتوا بشاهد منهم ، وأما القائلون بالتحريف فإنهم أسسوا عقيدتهم على الأحاديث المروية عن الأئمة الاثنى عشر ، الأحاديث الصحيحة ، المثابتة ، المعتمد عليها.
ثالثا: لم يدرك واحد من هؤلاء الأربعة القائلين بعدم التحريف زمن الأئمة الاثنى عشر " المعصومين " ـ حسب زعمهم ـ بخلاف متقدميهم القائلين بالتحريف ومعتقديه ، فإنهم أدركوا زمن الأئمة ، وجالسوهم ، وتشرفوا برفقتهم ، واستفادوا من صحبتهم ، وصلوا خلفهم ، وسمعوا وتعلموا منهم بلا واسطة ، وتحدثوا معهم مشافهة .
رابعا : الكتب التي رويت فيها أخبار وأحاديث عن التحريف والتغيير كتب معتبرة ، معتمد عليها عند الشيعة ، وقد عرضت بعض هذه الكتب على الأئمة المعصومين ، ونالت رضاهم مثل الكافي للكليني ، وتفسير القمي ، وغيرهما.
خامسا : أن هؤلاء الأربعة الذين تظاهروا بإنكار التحريف يروون في كتبهم أنفسها ـ أحاديث وروايات عن الأئمة وغيرهم تدل وتنص على التحريف بدون تعرض لها ولإسنادها ورواتها.
فمثلا ابن بابويه القمي القائل بأنه " من نسب إلينا القول بالتحريف فهو كاذب : هو نفسه الذي يروي في كتابه " الخصال " حديثا مسندا متصلا " حدثنا محمد بن عمر الحافظ البغدادي المعروف بالجصاني قال : حدثنا عبدالله بن بشر قال : حدثنا الحسن بن زبرقان المرادي قال : حدثنا أبو بكر بن عياش الأجلح عن أبي الزبير عن جابر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : يجيء يوم القيامة ثلاثة يشكون ، المصحف ، والمسجد ، والعترة ، يقول المصحف يا رب حرقوني ومزقوني " الحديث" .
وأبو علي الطبرسي الذي ينكر التحريف بشدة هو نفسه يروي في تفسيره وأحاديث يعتمد عليها تدل على أن التحريف قد وقع ، فمثلا يعتمد في سورة النساء على رواية تضمنت نقصان كلمة " إلى أجل مسمى " من آية النكاح فيقول: وقد روى عن جماعة من الصحابة منهم أبي بن كعب ، وعبدالله بن عباس ، وعبدالله بن مسعود أنهم قرأوا فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فأتوهن أجورهن ، وفي ذلك تصريح ومثل هذا كثير عندهم وهذا يدل دلالة واضحة أنه ما أنكر بعضهم التحريف إلا نفاقا وتقية ليخدعوا به المسلمين ، والمعروف في مذهب الشيعة أنهم يرون التقية أي التظاهر بالكذب أصلا من أصول الدين كما يذكر ابن بابوية القمى هذا في رسالته " الاعتقادات " : التقية واجبة لا يجوز رفعها إلى أن يخرج القائم فمن تركها قبل خروجه فقد خرج عن دين الله تعالى وعن دين الإمامية ، وخالف الله ورسوله والأئمة ، وسئل الصادق عليه السلام عن قول الله عز وجل " إن أكرمكم عند الله أتقاكم " قال : أعملكم بالتقية ".
فما كان ذاك إلا لهذا وإلا فكيف كان ذلك ؟
سادسا : لو سلم قول الأربعة لبطلت الروايات التي تنص على أن القرآن لم يجمعه إلا علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ وأنه عرضه على الصحابة فردوه إليه وقالوا لا حاجة لنا به ، فقال : لا ترونه بعد هذا إلا أن يقوم القائم من ولدي " وهناك رواية في " الكافي " عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال : ما يستطيع أحد أن يدعى أن عنده جميع القرآن ، ظاهره وباطنه غير الأوصياء".
وأيضا تبطل الأراجيف التي تقول إن الصحابة وبخاصة الخلفاء الثلاثة منهم رضوان الله عليهم أجمعين أدرجوا فيه ما ليس منه وأخرجوا منه ما كان داخلا فيه ، ـ ويعترف بمجهودات الصحابة وفضلهم الذين جمعوا القرآن وتسببوا في حفظه بتوفيق من الله ، وعنايته ، ورحمته ، وكرمه.
وفسد أيضا اعتقاد أنه لا تقبل عقيدة ولا يعتمد على شيء لم يصل إلينا من طريق الأئمة الاثنى عشر ، والثابت أن القرآن الموجود في الأيدي لم ينقل إلا من مصحف الإمام عثمان ذي النورين ـ رضي الله عنه ـ وأن جمع القرآن كان بدايته من الصديق ونهايته من ذي النورين رضي الله عنهما.
ولأجل ذلك لم يقبل هذا المتقدمون منهم ولم يقبله المتأخرون بل ردوا عليهم ـ فهذا مفسر شيعي معروف محسن الكاشي يقول في تفسيره الصافي بعد ذكر أدلة السيد المرتضى : أقول لقائل أن يقول كما أن الدواعي كانت متوفرة على تغييره من المنافقين ، المبدلين للوصية ، المغيرين للخلافة ، لتضمنه ما يضاد رأيهم وهواهم ـ إلى أن قال ـ : وأما كونه مجموعا في عهد النبي على ما هو عليه الآن فلم يثبت ، وكيف كان مجموعا وإنما كان ينزل نجوما وكان لا يتم إلا بتمام عمره".
وقال أحد أعلام الشيعة في الهند ردا على كلام السيد المرتضى : فان الحق أحق بالاتباع ، ولم يكن السيد علم الهدى ( المرتضى ) معصوما حتى يجب أن يطاع ، فل ثبت أنه يقول بعدم النقيصة مطلقا لم يلزمنا اتباعه ولا خير فيه ".
وقال الكاشي ردا على الطوسي بعدما نقل عبارته فقال : أقول يكفي في وجوده في كل عصر وجوده جميعا كما أنزل الله محفوظا عند أهله ، ووجود ما احتجنا إليه عندنا وان لم نقدر على الباقي كما أن الإمام كذلك ".
سابعا: قد ذكرنا سابقا أن عقيدة الشيعة كلهم في القرآن هو أن القرآن محرف ومغير فيه غير هؤلاء الأربعة فهم ما أنكروا التحريف إلا لأغراض .
منها سد باب الطعن لأنهم رأوا أن لا جوال عندهم لأعداء الإسلام حيث يعترضون على المسلمين " إلى أي شيء تدعون وليس عندكم ما تدعون إليه ؟
وكان أهل السنة يطعنون فيهم أين ذهب حديث الثقلين عند عدم وجود الثقل الأكبر ؟ وكيف تدعون الإسلام بعد إنكار شريعة الإسلام؟
فما وجدوا منه مخلصا إلا بإظهار الرجوع عن العقيدة المتفق عليها عند الشيعة الإمامية كافة ، ونقول ظاهرا لأنهم يبطنون نفس العقيدة وإلا فما يبقى لهم مجال لليقاء على تلك المهزلة التي سميت بمذهب الشيعة ، وقد تخلصوا منه أيضا بالتحريف في المعنى حيث يؤولون القرآن بتأويل لا يقبله العقل ، ولا يؤيده النقل ، وقد اعترف بهذا السيد الجزائري حيث قال بعد ذكر اتفاق الشيعة على التحريف : نعم قد خالف فيها المرتضى ، والصدوق ، والشيخ الطبرسي ، وحكموا بأن ما بين دفتي هذا المصحف هو القرآن المنزل لا غير ، ولم يقع فيه تحريف ولا تبديل . . . والظاهر أن هذا القول إنما صدر منهم لأجل مصالح كثيرة ، منها سد باب الطعن فيه ـ ثم يبين أنه لم يكن إلا لهذه المصالح بقوله ـ : كيف وهؤلاء الأعلام رووا في مؤلفاتهم أخبار كثيرة تشتمل على وقوع تلك الأمور في القرآن وأن الآية هكذا ثم غيرت إلى هذا ".
وفعلا فقد أورد هؤلاء الذين أظهروا الموافقة لأهل السنة في القرآن ، وأورد هؤلاء أنفسهم روايات في كتبهم تدل صراحة على التحريف والتغيير في القرىن ، فنحن ذكرنا قبل ذلك أن ابن بابويه القمى الملقب بالصدوق أحد الأربعة أنكر التحريف في "الإعتقادات" وأثبته في كتاب آخر ، وهكذا أبو علي الطبرسي يتظاهر باعتقاد عدم التحريف ولكنه في تفسيره يعتمد على أحاديث وروايات تدل على التحريف.
وأما الشيخ الطوسي الملقب بشيخ الطائفة ، فقد قال الشيعة أنفسهم في تفسيره : ثم لا يخفى على المتأمل في كتاب "التبيان" أن طريقته فيه على نهاية المداراة والمماشاة مع المخالفين . . . ومما يؤكد وضع هذا الكتاب على التقية ما ذكره السيد الجليل علي بن طاوس في (كتابه) " سعد السعود".
ثامنا: إن الأربعة سالفي الذكر لم يكن قولهم مستندا إلى المتقدمين أو المعصومين عندهم ، وهكذا لم يقبله المتأخرون ، فهؤلاء أعلام الشيعة وزعماؤهم وأكابرهم ينكرون أشد الإنكار قول من يقول إن القرآن لم يتغير ولم يتبدل ، فيقول الملا خليل القزويني ، شارح "الصحيح الكافي" المتوفى سنة 1089هـ تحت حديث "إن للقرآن سبعة عشر الف آية ، يقول : وأحاديث الصحاح تدل على أن كثيرا من القرآن قد حذف ، قد بلغ عددها إلى حد لا يمكن إنكاره ، . .. وليس من السهل أن يدعى بأن القرآن الموجود هو القرآن المنزل بعد الأحاديث التي مر ذكرها ، والإستدلال باهتمام الصحابة والمسلمين بضبط القرآن وحفظه ليس إلا استدلال ضعيف جدا بعد الاطلاع على أعمال أبى بكر وعمر وعثمان".
ويقول المفسر الشيعي الكاشي في مقدمة نفسيره : المستفاد من مجموع هذه الأخبار وغيرها من الروايات من طريق أهل البيت عليهم السلام أن القرآن الذي بين أظهرنا ليس بتمامه كما أنزل على محمد صلى الله عليه وآله ، بل منه ما هو خلاف ما أنزل الله ، ومنه ما هو مغير محرف ، وأنه قد حذف منه أشياء كثيرة ، منها اسم علي في كثير من المواضع ، ومنها لفظة آل محمد غير مرة ، ومنها أسماء المنافقين في مواضعهم ، ومنها غير ذلك ، وأنه ليس على الترتيب المرضي عند الله وبه قال إبراهيم".
ويقول : أما اعتقاد مشائخنا ـ رحمهم الله ـ في ذلك فالظاهر من ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني طاب ثراه أنه كان يعتقد التحريف والنقصان في القرآن لأنه روى روايات في هذا المعنى في كتابه " الكافي" ولم يتعرض لقدح فيها مع أنه ذكر في أول الكتاب أنه يثق بما رواه فيه ، وكذلك أستاذه علي بن إبراهيم القمى فإن تفسيره مملوء وله غلو فيه ، وكذلك الشيخ أحمد بن أبي طالب الطبرسي قدس سره أيضا نسج على منوالهما في كتابه " الاحتجاج".
وقال المقدس الأردبيلي العالم الشيعي الكبير ما معناه : إن عثمان (الخليفة الراشد-رضي الله عنه-) قتل عبد الله بن مسعود بعد أن أجبره على ترك المصحف الذي كان عنده وأكرهه على قراءة ذلك المصحف الذي ألفه ورتبه زيد بن ثابت بأمره، وقال البعض إن عثمان (رضي الله عنه )أمر مروان بن الحكم ، وزياد بن سمرة، الكاتبين له أن ينقلا من مصحف عبدالله ما يرضيهم ويحذفا منه ما ليس بمرضي عندهم ويغسلا الباقي].
وذكر خاتمة مجتهدهم الملا محمد باقر المجلسي في كتابه :إن الله أنزل في القرآن سورة النورين وهذا نصها: بسم الله الرحمن الرحيم، يا أيها الذين آمنوا بالنورين أنزلناهما عليكم آياتي ويحذرانكم عذاب يوم عظيم ، نوران بعضهما من بعض وأنا السميع العليم، الذين يوفون بعهد الله ورسوله في آيات لهم جنات النعيم، والذين كفروا من بعد ما آمنوا بنقضهم ميثاقهم وما عاهدهم الرسول عليه يقذفون في الجحيم، ظلموا أنفسهم وعصوا لوصى الرسول أولئك يسقون من حميم...- إلى أن ذكر عدة آيات ثم قال-: لما أسقط أولئك الفجرة حروف القرآن وقرءوها كما شاءوا].
وكتب الميرزا محمد باقر الموسوي : (إن عثمان ضرب عبدالله بن مسعود ليطلب منه مصحفه حتى يغيره ويبدله مثل ما اصطنع لنفسه حتى لا يبقى قرآن محفوظ صحيح ).
ويقول الحاج كريم خان الكرماني الملقب (بمرشد الأنام) في كتابه :إن الإمام المهدي بعد ظهوره يتلو القرآن الحقيقي الذي أنزله الله على محمد، والذي حرف وبدل).
ويقول المجتهد الشيعي الهندي السيد دلدار على الملقب(بآية الله في العالمين) يقول : ومقتضى تلك الأخبار أن التحريف في الجملة في هذا القرآن الذي بين أيدينا بحسب زيادة الحروف ونقصانه بل بحسب بعض الألفاظ وبحسب الترتيب في بعض المواقع قد وقع بحيث مما لا شك مع تلك الأخبار).
ويصرح عالم شيعي آخر :إن القرآن هو من ترتيب الخليفة الثالث ولذلك لا يحتج به على الشيعة).
وقد ألف العالم الشيعي الميرزا النوري الطبرسي في ذلك كتاباً مستقلا ًكبيراً سماه فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب وقد ذكرنا عدة عبارات قبل ذلك منهن وقال في مقام آخر:
ونقصان السورة وهو جائز كسورة الحقد وسورة الخلع وسورة الولاية.
وقد ذكرنا عبارات المتقدمين منهم والمتأخرين قبل ذلك فلا فائدة لتكرارها.
والحاصل أن متقدمي الشيعة ومتأخريهم إلا القليل منهم متفقون على أن القرآن محرف، مغير فيه، محذوف منه حسب روايات (الأئمة المعصومين)-كما يزعمون- فها هو المحدث الشيعي يقول وهو يذكر القراءات المتعددة (الثالث أن تسليم تواترها عن الوحي الإلهي، وكون الكل نزل به الروح الأمين يفضى إلى طرح الأخبار المستفيضة بل الكل المتواترة الدالة بصريحها على وقوع التحريف في القرآن كلاماً ومادة وإعرابا ًمع أن أصحابنا قد أطبقوا على صحتها والتصديق بها).
أفبعد هذا يمكن لأحد أن يقول إن الشيعة يعتقدون بالقرآن ويقولون إنه لا زائد على ما بين الدفتين ولا ناقص منه؟.
ثم ما عذر من اعتذر منهم أنها روايات ضعيفة وقليلة لا غير ومثلهما توجد عند أهل السنة.
فهل هناك مسألة بعض الروايات أم مسألة الاعتقاد والإيمان فإن كان بعض الروايات فلم التصريح من أئمة الشيعة وأكابرها بوقوع التحريف والنقصان في القرآن؟ ولم الرد على من قال بعدم وقوع التحريف والنقصان في القرآن؟ولم الرد على من قال بعدم وقوع التحريف ولو نفاقا،ًوتقية، وخداعاً للمسلمين ؟!!
ثم ليست هي روايات قليلة أو ضعيفة عند الشيعة بل هي روايات بلغت حد التواتر عندهم وتزيد على ألفي رواية في قول، وأكثرها في صحاحهم الأربعة.