رد: الحرف والصناعات في الحجاز في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم
التجميل والحلاقة :
لقد أهتم الناس منذ القدم بالتجميل وإظهار الحُسن ولا سيما بالنسبة للنساء , كما أهتم الرجال ببعض الأشياء التي تضفي عليهم جمالاً واستخدموا لذلك طرقاً شتى .
والذي دعاني إلى الكتابة عن التجميل هو ما عرفته المجتمعات القديمة وخصوصاً الطبقات الغنية منها من وجود نساء يحترفن القيام بتجميل النساء الثريات وعمل بعض الزينة لهن , بل ربما وجد ذلك بين النساء في الطبقات العادية من المجتمع , إلا أن ذلك كان يكثر في الحضر ويقل في البادية .
وقد كان في الحجاز أيام الرسول وفي أواخر العصر الجاهلي نساء يقمن بهذه المهنة , يدل على ذلك ما أوردته بعض النصوص , يقول ابن هشام : ( أن ضرار بن الخطاب ابن مرداس الفهري خرج في نفر من قريش إلى أرض دوس , فنزلوا على امرأة يقال لها ( أم غيلان ) , مولاة لدوس وكانت تمشط النساء وتجهز العرائس ) فمن خلال هذا النص يتبيّن لنا أن ( أم غيلان ) كانت تمتهن تمشيط النساء وتجهيز العرائس وربما وجدت نساء غيرها في مختلف القبائل يقمن بهذه العملية .
ويبدو كذلك من خلال النصوص أنه كان في المدينة من تعرف بالماشطة وهي التي تصفف شعور النساء وتزينها لعرس او لقدوم زوج من سفر فقد ذكر عن ( عبدالله بن رواحه ) أنه قدم على أهله بليل فكانت امرأة عبدالله نائمة مع ماشطتها فاستراب ( عبدالله ) وحين علم أنها الماشطة أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم في الغد بما دار في نفسه , فقال الرسول : ( لا تطرقوا النساء ليلاً ) , وقد كانت الأمهات يقمن بجمع شعر بناتهن وتمشيطه وتزيينه وهي عادة نسائية معروفة في المجتمعات منذ القدم , وقد ورد أن جابر بن عبدالله تزوج , فسأله الرسول : هل تزوجت بعد ؟ قال جابر : نعم يا رسول الله , قال له الرسول ثيباً أم بكراً ؟ قال جابر : بل ثيباً , قال له الرسول : أفلا جارية تلاعبها وتلاعبك , قال جابر : يا رسول الله إن أبي أصيب يوم أحد وترك بنات له سبع , فنكحت امرأة جامعة تجمع رؤوسهن وتقوم عليهن , قال الرسول صلى الله عليه وسلم : أصبت إن شاء الله .
وقد كانت النساء يقمن بتمشيط أزواجهن فقد ورد في حديث عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت : ( كنت أرجّل رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا حائض ) .
وقد كانت هناك ماشطة تأتي النبي صلى الله عليه وسلم ويكرمها ويقول إنها كانت تأتينا أيام خديجة , وتسمى ( أم زُفر ) . ويدل هذا على وجود نساء مختصات بتزيين النساء وتمشيطهن في مكة وفي المدينة فقد كانت الماشطة المذكورة تأتي خديجة رضي الله عنها في مكة قبل وفاتها .
ولما تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ( صفية بنت حيي بن أخطب ) قامت بتمشيطها وتجميلها له أم سليم بنت ملحان وهي أم انس بن مالك وزوجة طلحة بن عبدالله , وقد ذكر عن ( آمنة بنت عفان ) أخت عثمان بن عفان أنها كانت ماشطة في الجاهلية , وقد كانت هناك امرأة في المدينة تسمى ( أم رِعلة القشيرية ) تزين النساء وتجملهن وقد جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألته عن أشياء وقالت له : إني امرأة مُقينة أقين النساء وأزينهن لأزواجهن , فهل من حوب فأثبط عنه ؟ فقال لها : يا أم رعله قيّنيهن وزينّيهن إذا كسدن .
وكانت من صور التجميل المعروفة عند العرب في الجاهلية ( الوشم ) وهو غرز الإبرة في مواضع معينة من الوجه أو اليدين حتى يسيل الدم ثم يحشى بالكحل أو النيل حتى يزرق أثره أو يخضر ويستمر هذا اللون المغاير للجلد بأشكال معينة , وكان الكثير من العرب يعمل ذلك على يد أناس مختصين يقومون بالوشم فينقشون على الجسم صور حيوانات أو خطوطاً تكون على الشفاه ويشم بعض الرجال مواضع من أجسامهم يظنون أن ذلك يقوي المفصل الذي وشم عليه .
وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوشم وحرّمه كما ورد في الحديث ( لعن الله الواشمات والمستوشمات , والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله ) وقد أتي بامرأة تشم النساء إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال لأصحابه : ( أنشدكم بالله من سمع من النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً في الوشم ؟ فقال أبوهريرة يا أمير المؤمنين أن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا تشمن , ولا تستوشمن ) ويدل هذا الحديث على وجود نساء محترفات يقمن بعملية الوشم .
وكثير من النساء في العصر الجاهلي إذا كان شعرها قليلاً بطبيعته أو بسبب مرض يقمن بوصله بشعر مستعار للتزين بهذا الشعر المستعار وحينما جاء الإسلام حرّم ذلك ففي حديث عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها قالت : ( لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الواصلة والمستوصلة ) وقد وردت عدة أحاديث أخرى تنهي عن وصل الشعر ليس هنا مكان استقصائها .
وبالنظرة السريعة لتعليمات الإسلام فيما يتعلق بالتجميل والصحة نجد أن هناك الكثير من التعليمات يمكن أن نختصرها بالآتي أن الرسول صلى الله عليه وسلم أقّر بل أمر بكل ما يتعلق بالتجميل من نظافة سواء بتقليم الأظافر أو تنظيف شعر الإبطين أو العانة , وأمر بالتطيب واتخاذ الملابس الحسنة خصوصاً في الجمعة والأعياد .
كما انه في الجانب الآخر نهى عن بعض ما تعمله النساء من تزين مغشوش كالوصل للشعر أو تفليج الأسنان أو الوشم وهذه كلها أشياء مغشوشة تخدع من يريد الزواج من المرأة , كما أنها وسائل قد تحتوي على أضرار أخرى لا يستطيع الإنسان تداركها , فكم من واشمة تمنت زوال الوشم من وجهها ولكنها لم تستطع , وكم من متفلجة أضرت بأسنانها دون أن تعلم وكم من واصلة خدعت الخطّاب .
وهكذا نرى أن تشريعات الإسلام في هذا المجال كلها تتعلق بمصلحة الناس في الدرجة الأولى وكما هو معروف فإن الإسلام لا يأتي إلا بخير ولا ينهى إلا عن شر , وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم خير مثل للمسلمين يعتني بنظافته الشخصية وبرائحته الطيبة فكان الرسول يحمل معه في سفرة المرآة والمشط والمكحلة والمقراض والمسواك وكل ما يساعده على تطهير بدنه ونظافته وجماله .
|