رد: الحرف والصناعات في الحجاز في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم
العطارة والصيدلة :
العطارة مشتقة من العِطر بكسر العين وهو الطيب , والعطّار هو بائع الطيب وحرفته العطارة , والعطار جاء اسمه في الأصل من بائع العطر , وهو لا يقتصر في عمله على بيع العطر وإنما يبيع الأعشاب الطبية المختلفة الأخرى التي تستعمل في علاج المرضى , فكل عطّار في القديم هو إلى الصيدلية أقرب منه إلى العطارة , وكانوا يسمون الصيدلة بيع العطارة وكانوا يسمون العطار أحياناً بالصيدلي لذلك أطلقنا تسمية الصيدلة بيع العطارة وكانوا يسمون العطار أحياناً بالصيدلي , لذلك أطلقنا تسمية العطارة والصيدلة وقرناهما ببعضهما لأنهما كانا في العمل سواء , ويقتصر في التسمية على ( العطّار ) ولا يزال العطارون منتشرين حتى الآن في الحجاز وفي كثير من البلاد العربية والإسلامية ويسمون بنفس التسمية ويبيعون الأعشاب إضافة إلى الطيب , والعطارون كانوا ينتشرون في مدن الحجاز وفي أسواقها يبيعون للناس العطر والأعشاب التي يصفها لهم الطبيب ولهم سوق رائجة , وقد وصف الرسول صلى الله عليه وسلم الجليس الصالح ببائع المسك كما أن البخاري وضع باباً سمّاه ( باب في العطّار وبيع المسك ) مما يدل على معرفة الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالعطّارين ووجودهم زمن الرسول صلى الله عليه وسلم .
ومن الأعشاب التي كان الناس يستعملونها بكثرة زمن النبي صلى الله عليه وسلم ( الحناء ) فقد كانت تباع عند العطارين وتنتشر بكثرة في ذلك الزمان ولا تزال الحناء تستعمل في الحجاز وغيرها حتى الآن كما لا تزال زراعتها منتشرة في الطائف والمدينة وغيرها , ومن المحتمل جداً أنها كانت تُزرع في هذه المدن في زمن الرسول بدليل كثرة استعمال الناس لها في تلك الأيام , وانها الآن تزرع في تلك البلاد فقد تكون زراعتها الآن دليلاً على قدم زراعتها وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يخضب شعره ( بالحناء ) ويخلطه ( بالكتم ) الذي كان الرسول صلى الله عليه وسلم يستعمله مع الحناء بكثرة وكانت بعض أمهات المؤمنين يستعملنه .
وقد كان الكثير من الناس يصبغ شعره بالحناء خصوصاً من كان ذا شيب منهم وقد وردت الكثير من أخبار ذلك من خلال كتب الحديث المختلفة , كما أن ( الكحل ) كان منتشراً ويستعمل على نطاق واسع بين الرجال والنساء وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يكتحل ( بالأثمد ) وهو حجر خاص أسود اللون يوجد منه في جبال الحجاز ويستورد الطيّب منه من بلاد أخرى حيث يؤتى به من فارس وغيرها ويدق حتى ينعم جداً وله لمعان مع سواده وينقى من الشوائب وتكحل به العين , وقد كان يباع عند العطارين الذين يجلبونه من أماكن بعيدة وقد وضع البخاري باباً سماه ( الأثمد والكحل من الرّمد) ذكر فيه عدة أحاديث .
كما أن هناك الكثير من النباتات التي عرفت في العلاج وتوفرت عند العطارين في ذلك الزمان وما زال الناس يستعملها وعلى رأسها ( الحِلْبَة ) وكان الأطباء يصفونها للناس , فقد مرض سعد بن أبي وقاص بمكة فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعى له طبيب فدعي له الحارث بن كلدة طبيب العرب المشهور فأمرهم أن يعطوه حلبة فشفى من مرضه .
كما كانوا يستعملون الحبة السوداء للعلاج وتوجد عند العطارين وقد استعملت في العلاج في العصر النبوي , وقد ورد في ذلك حديث عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن هذه الحبة السوداء شفاء من كل داء إلا من السام , قلت : وما السام ؟ قال : الموت ) , ولا تزال الحبة السوداء تستعمل في العلاجات الشعبية ويبيعها العطارون وتسمى عندهم ( السمراء ) أو ( السميراء ) أو ( الخضيراء ) أو ( حبة البركة ) .
( والكباتْ ) ثمر الأراك وهي الشجرة التي يؤخذ منها ( السواك ) يجمعه الناس ويأكلونه وهو علاج مقوي للمعدة وقد جمعه الرسول وأكله .
كما كانوا يستعملون ( النّورة ) للغسيل وتنظيف الجلد والشعر وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يستعملها أثناء اغتساله في بعض الأحيان كما وردت بذلك الأحاديث .
( والصّبْر ) كان من الأدوية التي تباع عند العطارين ويستعمله الناس للدواء وتستعمله النساء للتجميل أيضاً فيدهن به وجوههن وكانت أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها تستعمله , فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم باستعماله في الليل فقط لأنه يظهر الوجه بنظرة الشباب .
أما العطور فكانت معروفة بأشكال مختلفة منها ما ينتج من زراعة محلية ومنها ما يستورد من أماكن بعيدة , وقد كانت بعض أنواع الزهور تباع لدى العطارين وقد تكون مجففة ويستفاد منها وهي كذلك ومن أشهر الزهور المعروفة عندهم ( الريحان ) وقد ورد ذكرها في القرآن الكريم منه قوله تعالى : (( وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَان )) آية 12 من سورة الرحمن , وذلك مما يؤكد معرفة المخاطبين لها , وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( من عرض عليه ريحان فلا يرده فإنه خفيف المحمل طيب الرائحة ) .
وقد حث الرسول صلى الله عليه وسلم على استعمال ( الطيب ) وشاع في عصره حيث ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( حبب إليّ من دنياكم النساء والطيب , وجعلت قرة عيني في الصلاة ) وهذا الحديث يدل على حب الرسول صلى الله عليه وسلم للطيب ويستشف منه كثرة استعمال الرسول للطيب وكان من أحب الأشياء إليه , وقد كانت رائحة الطيب تفوح من الرسول صلى الله عليه وسلم باستمرار يشم ذلك منه المسلمين , كما أن الرسول أمر المسلمين بالاغتسال والتطّيب لصلاة الجمعة والعيدين وكان يحب ذلك من المسلمين , كما كان المسلمون يعرفون ( الزعفران ) في المدينة ويستعملونه بكثرة في دهن أجسامهم وقد حكّ الرسول نخامة كانت في مسجده ووضع عليها قليلاً من ( الزعفران ) .
ومن أنواع الطيب التي كان يستعملها أهل الحجاز منذ العصر الجاهلي وحتى الآن ( البخور ) والبخور أنواع خاصة من الأشجار تتميز برائحة طيبة حيث يوضع قطعة منها على الجمر بحيث تخرج دخاناً طيب الرائحة وكان البخور يباع عند العطارين ولا زال كذلك , وهو أنواع مختلفة ويستعمل له الناس في مكة والمدينة وغيرهما من مدن الحجاز أوعية خاصة لإحراقه تسمى ( المجمرة ) وكانت تستعمل بمكة ويحملها الناس إلى مجالس الرجال حول الكعبة يبخرون بها الناس , وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يتبخر بالعود والكافور والعود منه ما هو هندي , وهو في الغالب مجلوب من الهند , ومنه ما هو بحري وهو أخف رائحة من الهندي .
وقد ورد في حديث نبوي ترغيب للناس بالعود الهندي في قوله صلى الله عليه وسلم ( عليكم بهذا العود الهندي فان فيه سبعة أشفية , يسعط به العذرة ويلد به ذات الجنب ) , وقد كانت قريش في الجاهلية تجمر الكعبة مما سبب لها الحريق الذي جعل قريشاً تهدم ما بقى منها وتبنيها من جديد قبل البعثة النبوية بقليل , وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يحث المسلمين على تطييب المساجد .
وهكذا نرى أن حرفة العطارة كانت منتشرة عند أهل الحجاز منذ العصر الجاهلي وخلال عصر الرسول بما تتضمنه هذه الحرفة من بيع نباتات وأعشاب طبية أو بيع روائح عطرية أو ما ينتج الروائح العطرية من ريحان أو بخور أو غير ذلك .
وقد كانت للرسول توجيهات خاصة عن بعضها وهي التي مكّنتنا من معرفة هذه الأصناف التي ظهرت في الحجاز خلال العصر النبوي وما ورد فيها من أحاديث ونصوص تعود للنبي صلى الله عليه وسلم , ولا شك أن توجيهات الرسول صلى الله عليه وسلم وحبه للطيب انعكست على المسلمين جميعاً في التطيّب وطلب الرائحة الطيبة سواء في أصحابه المعاصرين له أو في من جاء من المسلمين فيما بعد حتى عصرنا الحاضر .
|