رد: ألـوآح و دسر } هل قرأتموهـآ أجيبوني ؟؟
“..في الأيام التالية، صرت أترقب مرور السيد نوح، وهو ينظف الشارع، ما إن أراه حتى أهب لمساعدته وأنا أتلفت يميناً وشمالاً خوفاً أن يراني أحد من إخوتي أو من الجيران أو من الخدم – ويخبر أمي وأبي ويصير منعي من الخروج أمراً محتماً.
بعد كل مرة كنت فيها أساعد السيد نوح، كنت أركض لأقيس طولي.. ومرة بعد مرة، كنت أصاب بخيبة الأمل. لم يكن هناك من زيادة. كنت أسأل نفسي: هل أخطأت في المرة الأولى وكانت زيادتي مجرد وهم؟.. هل أخطأت في شيء آخر؟.. صرت أستعيد كل كلمة قالها نوح لعلي أجد فيها الجواب عن أسئلتي، لعلي أفهم لم زاد طولي في المرة الأولى ولم يحدث شيء في المرات التالية.
جاءني الجواب من السيد نوح نفسه، ودون أن أسأله حتى، خرجت ذات ظهيرة عندما مرّ كعادته – وأسرعت ألمّ ما يرميه الجيران والمارة وأنا أتلفت حولي خوفاً من أن يراني أحد.
عندما اقتربت منه، ثبت عيناه علي وقال لي: “نور.. أنت تنظف الشارع وأنت مرتبك، تتلفت خجلاً مما تفعل.. أو خوفاً مما تفعل”.
هززت رأسي موافقاً، كان ذلك واضحاً جداً وما كنت أخفيه أصلاً.
“عليك ألا تخجل مما تفعله. عليك أن تكون فخوراً به، عليك أن تحبه” قال وهو يخترقني بنظراته.
“هل تعرف معنى كلمة شموخ؟” سألني، هززت رأسي بالنفي.
“أن تكون شامخاً يعني أن يكون رأسك مرفوعاً حتى عندما تنحني للأرض لتزيل عنها أذى الآخرين وإهمالهم”.
سكت كما لو كان يدعني أفكر بما يقول ثم تابع “بالضبط كما يكون النسر شامخاً دوماً حتى وهو يهبط ليلتقط من الأرض طعاماً لصغاره”. سكت أيضاً بينما – كنت أحاول أن أتخيل ما يقصده.
“هل تعرف كيف تظهر حبك لما تفعله حتى وأنت تنحني لتلقط شيئاً مهملاً من على الأرض؟” لم ينتظر ردي. “تذكر كيف تنحني أمك لتغطيك وأنت نائم؟ إنها تنحني، لكنها تفعل ذلك بحب. عليك أن تفعل ذلك مثلها. أن تفعله بحب..”
أذكر ذلك. أذكر تلك النظرة على وجه أمي، أكثر من مرة أتظاهر بالنوم عندما تأتي لتتأكد من ذلك، ومن بين جفوني أرى تلك النظرة، وأشعر بالحب من قبلتها على خدي بينما تغطيني..
“هل رأيت منظر الفلاحين في الحصاد؟ كيف ينحنون وظهورهم مشدودة وصدورهم مرفوعة، رغم أنهم ينحنون بالمناجل من أجل أن يقطعوا السنابل ؟، إنهم فرحون بالحصاد، فرحون أن تعبهم سيثمر أخيراً، كذلك أنت، يجب أن تمتلك نفس هذه الروحية، عليك أن تفكر أن ما تفعله هو حصاد بطريقة ما.. ولو تأخر”..
قال ذلك ومضى، ورأيت خلفه خيطاً مضيئاً من الكلمات التي قالها.
ثم توقف والتفت، وقال لي: “نور.. تذكر أنك يجب ألا تفعل ذلك لكي يزداد طولك.. بل لكي تكبر.. لأننا لا نكبر إلا عندما نفعل الشيء الصحيح”..
ومضى..
* * *
سجلت كلماته في ذاكرتي. حاولت أن أجسم ذلك النسر الشامخ، وتلك الأم المحبة، وذلك الفلاح المشدود.. حاولت أن أكون فخوراً بما أفعله حين أنظف الشارع.. تدربت على ذلك كما لو كنت أتدرب على إيقاع جديد، أتذكر كل كلمة قالها السيد نوح وأنا أتدرب على ما قاله..
لكي أتمكن من ذلك، أخذت أبتعد عن بيتنا، كي أفلت من نظرات الأهل والجيران. كنت خائفاً في البداية رغم ذلك.. وكنت خجلاً أيضاً من أني أفعل ما يفعله الأراذل وعمال التنظيف.
بالتدريج، تخلصت من ذلك. قل اهتمامي بنظرات الآخرين وتعليقاتهم، صرت أقل خجلاً وخوفاً وانزعاجاً، مع الوقت، بدأت أتلمس طريقي نحو ما قال. لم يعد الأمر أني لم أعد خجولاً ولا خائفاً فحسب، بل صرت بالتدريج، أشعر بالفخر، قليلاً في البداية، لكن زاد ذلك بالتدريج.
تسرب لي شعور غريب بالمتعة، بالفرح، وأنا أنظف الشارع، لا أعرف كيف؟ لكنه حدث.. فجأة وجدت نفسي أحلق كالنسر في الأعالي عندما أنحني لألتقط الأذى من الطريق، أفعله كما لو كنت أحصد شيئاً رائعاً، لا أعرفه.. لكني كنت أنتظره منذ زمن طويل..
* * *
وكان جزءاً من الحصاد هناك على ذلك الحائط، كنت أجد (الفرق) هناك، في زيادة طفيفة نعم، لكنها كانت هناك، تتراكم بالتدريج..
لقد كنت أكبر، بالضبط كما قال السيد نوح، كان شيئاً ما يضاف إليّ، إلى طولي، كلما قمت بالشيء الصواب من أجل هذا العالم..”
|