رد: موسوعة الصحابة (رضوان الله عليهم)
فضله
عن قبيصة بن جابر قال صحبتُ عمر بن الخطاب فما رأيتُ رجلاً أقرأ لكتاب الله ، ولا أفقه في دين الله ، ولا أحسسَ مُداراةٍ منه ، وصحبتُ طلحة بن عبيد الله فما رأيتُ رجلاً أعطى لجزيلٍ عن غير مسألة منه ، وصحبت معاوية بن أبي سفيان فما رأيتُ رجلاً أثقل حِلماً منه ، وصحبتُ عمرو بن العاص فما رأيتُ رجلاً أبين طرفاً منه ، ولا أكرم جليساً ولا أشبه سريرة بعلانية منه ، وصحبت المغيرة بن شعبة ، فلو أن مدينة لها ثمانية أبواب لا يخرج من باب منها إلا بالمكر لخرج من أبوابها كلّها000
حكمته
قال عمرو بن العاص ( أربعةٌ لا أمَلُّهُمْ أبداً ، جليسي ما فهم عنّي ، وثوبي ما سترني ، ودابّتي ما حملتني ، وامرأتي ما أحسنتْ عِشْرتي )000
وقال عمرو لابنه عبدالله ( يا بُنيّ سلطانٌ عادلٌ خيرٌ من مطر وابل ، وأسد حَطوم خير من سلطان ظلوم ، وسلطان غشوم خيرٌ من فتنة تدوم ، يا بُنيّ زلّة الرجل عظيم يُجبَر ، وزلة اللسان لا تُبقي ولا تذر ، يا بُنيّ استراحَ مَنْ لا عقْلَ له فأرسلها مَثَلاً )000
وقال عمرو بن العاص لمعاوية بن أبي سفيان ( يا أمير المؤمنين لا تكونَنّ لشيءٍ من أمر رعيّتكَ أشدَّ تعهداً منك لخصاصة الكريم حتى تعمل في سدّها ، ولطغيان اللئيم حتى تعمل في قمعه ، واستوحِشْ من الكريم الجائع ومن اللئيم الشبعان ، فإن الكريم يصول إذا جاع ، واللئيم يصول إذا شبع )000
وقال عمرو ( عجبتُ من الرجل يفرّ من القدر وهو مواقعه ، ومن الرجل يرى القَذاةَ في عين أخيه ويَدع الجذعَ في عينيه ، ومن الرجل يخرج الضّغن من نفس أخيه ويَدَع الضّغن في نفسه ، وما تقدمتُ على أمرٍ فلمتُ نفسي على تقدُّمي عليه ، وما وضعتُ سرّي عند أحدٍ فلمتُه على أن أفشاه ، وكيف ألومه وقد ضِقتُ به )000
مرض الموت
لمّا نزل بعمرو بن العاص الموت قال له ابنه عبد الله ( يا أبَتِ إنك كنت تقول عجباً لمن نزل به الموت وعقله معه كيف لا يصفه ؟ فصفْ لنا الموت وعقلك معك )000فقال ( يا بُنيّ الموتُ أجلُّ من أن يوصف ، ولكنّي سأصف لك منه شيئاً ، أجدني كأنّ على عنقي جبال رَضْوَى -جبل في المدينة على سبع مراحل- وأجدني كأنّ في جوفي شوك السُّلاّء ، وأجدني كأنّ نَفَسي يخرج من ثقب إبرةٍ )000
وقيل أن عمرو بن العاص لمّا كان عند الموت دعا حرسه فقال ( أيّ صاحب كنتُ لكم ؟)000 قالوا ( كنتَ لنا صاحبَ صدقٍ ، تكرمنا وتعطينا وتفعلُ وتفعلُ )000قال ( إنّما كنتُ أفعل ذلك لتمنعوني من الموت -أي الإغتيال- هاهو ذا قد نزل بي فاغنوه عنّي )000فنظـر القوم بعضهم إلى بعـض فقالوا ( والله ما كنّا نحسبك تكلَّمُ بالعَوراء يا أبا عبدالله ، قد علمتَ أنّا لا نغني عنك من الموت شيئاً )000فقال ( أما والله لقد قُلتها وإنّي لأعلم أنّكم لا تغنـون عنّي من المـوت شيئاً ، ولكن لأن أكـون لم أتخـذ منكم رجلاً قـط يمنعني من الموت أحبّ إليّ من كذا وكذا ، فيا ويح ابن أبي طالب إذْ يقول حرسَ امرأً أجلُهُ )000
وفاته
وفي ليلة الفطر سنة ثلاث وأربعين من الهجرة ، أدركت الوفاة عمرو بن العاص بمصر حيث كان واليا عليها ، وراح يستعرض في لحظات الرحيل حياته فقال ( كنت أول أمري كافرا ، وكنت أشد الناس على رسول الله ، فلو مِتّ يومئذ لوجَبَت لي النار ، ثم بايعت رسول الله ، فما كان في الناس أحد أحبّ إلي منه ، ولا أجلّ في عيني منه ، ولو سُئِلْتُ أن أنْعَتَه ما استطعت ، لأني لم أكن أقدر أن أملأ عيني منه إجلالا له ، فلو مِتّ يومئذ لرجوت أن أكون من أهل الجنة ، ثم بُليت بعد ذلك بالسلطان ، وبأشياء لا أدري أهي لي أم عليّ )000
وأوصى عمرو بن العاص ابنه عبد الله ( يا بُنيّ ، إذا مِتُّ فاغسلني غسلةً بالماء ، ثم جففني في ثوب ، ثم اغسلني الثانية بماءٍ قراح ، ثم جففني في ثوب ، ثم اغسلني الثالثة بماءٍ فيه شيء من كافور ، ثم جففني في ثوب ، ثم إذا ألبستني الثياب فأزِرَّ عليّ فإني مُخاصم ، ثم إذا حملتني على السرير فامش بي مشياً بين المشيتين وكنْ خلف الجنازة ، فإن مقدّمها للملائكة وخلفها لبني آدم ، فإذا وضعتني في القبر ، فسُن عليّ التراب سنّاً -أي اجعله مرتفعاً مستطيلاً على وجه الأرض-)000
ثم رفـع بصره الى السماء في ضَراعـة مناجيا ربه الرحيم قائلا ( اللهم لا بريء فأعْتـذِر ، ولا عزيز فأنْتَصر ، وإلا تُدْركني رحمتك أكن من الهالكين )000وظل في ضراعاته حتى صعدت الى الله روحه وكانت آخر كلماته لا إله إلا الله000وتحت ثَرَى مصر ثَوَى رُفاتُه ، فقد دُفِنَ بالمُقطّم مقبرة أهل مصر ، وهو سفح جبل00
|