رد: الدوامة
قال: أتعرف يا صديقي أنني سأعود؟.
قلت مستغرباً: تعود!. متى، وكيف؟. لقد جئت من أجل هدف، فهل حققته؟.
قال، وهو يضع يده على كتفي:
-اسمع يا صاحبي.. لقد أتيت إلى هنا في لحظة من لحظات الطيش!. تصورت الأمان هنا، والعيش الرغيد هنا، والسعادة كلها هنا.. ولكنني وجدت نفسي مخطئاً في تقديراتي تلك، فالسعادة لا تأتي أبداً من وراء مظاهر خادعة... هناك شيء في الداخل لا يعوض.. شيء لن أستعيده إلا بالعودة إلى وطني الغالي وأهلي الأعزاء...
قلت: ولكن يا دكتور.. أليس من الأفضل أن تبقى بضع سنين هنا... تبني نفسك وتقوّي عودك.. ثم ترجع؟.
قال: وهذه السنوات التي سأمضيها هنا.. أليسَت محسوبة من عمري، أليس علي أن أعيشها أيضاً.. لا، دعني، دعني أقض حياتي كما أحبّ وأريد..
قلت: والوطن هناك، هل...
قاطعني قائلاً: إنه ينتظرني.. ينتظرني على الرغم من الآلام!.
-2-
ازداد ولع الدكتور فارس بجهاز الراديو، وتضاعف اهتمامه بالنشرات العربية والعالمية..
فالأخبار القادمة تحمل رائحة غريبة، وأحداثها تدق جرس الإنذار بعنف.. ومع مرور الأيام.. أخذت الأحداث طابعاً مأساوياً قلما عايشنا مثله في عصرنا العربي الراهن!.
فالحصار الخانق يشتد حول (المناطق العربية)، والمقاتلون المحاصرون براً وبحراً وجواً يستبسلون في الدفاع عن بيوتهم وأعراضهم وكرامتهم، العالم كله يتحدث عن الشجاعة الفائقة التي يظهرها الرجال والنساء والأطفال، وجيش العدو يمعن في همجيته ووحشيته، وكأنه يريد إبادة كل شيء يحمل اسم فلسطين، يريد أن يمحو من ذاكرة العالم كل ما يذكّر بالقضية!.
وصديقي الدكتور، بات نصف مجنون!. لا يكاد يمسك نفسه من وطأة الأحداث.. المذياع معه ليل نهار، في غدوه ورواحه، في أوقات عمله وساعات راحته.. انفعاله غريب، وتهجمه غريب.. كان يردد بصوت هيستيري صارخ:
-لقد خذلوهم، لقد خذلوهم... ويح العرب، أي ذل يعيشونه!.
نعم يا صاحبي..
نعم، فالتفرقة تؤدي إلى كل شيء، والتمزق الذي يعانيه الجسد العربي لا يفاجئنا حين يصل بنا إلى هذه النهاية!.
لا غرابة في الموضوع يا صاحبي، لا غرابة على الإطلاق!.
الكلام لن يحرر أوطاناً..
والتصريحات لا تنقذ الديار وتحمي المقدسات..
والأمة لا تعيش ببرقيات التأييد ورسائل الاستنكار!.
مسكين أيها الوطن.. ظلمك أهلك وأبناؤك، تركوك وأنت في أمس الحاجة إليهم.. كلٌ يغني على ليلاه، وليلى الجميع، ليلى الحقيقة، ليلى القضية.. تبحث عن عاشق مخلص، عن محبّ صادق.. تبحث عمن يذوب في هواها، ويتحرق شوقاً لوصالها ورضاها.. تبحث هنا وتفتش هناك، ولكن أنى لها أن تجد معتصم القرن الحادي والعشرين.
|