رد: الدوامة
الفصل التاسع
ـ 1 ـ
في القلب شريحة كتب عليها: (الوطن)، تعيش مادام القلب حياً، وتموت إن توقف عن الخفقان!... تشتكي فيتداعى لها سائر القلب بالسهر والحمى.. تتأوّه فتتغير دقاته وتزداد آلامه ولا يعود له نبضه الحقيقي إلا عندما تعود لها صحتها وعافيتها!..
والعدو اللدود الذي يهاجم هذه الشريحة يسمى: (الغربة).. مرض خبيث موجع مؤلم، لا تفيد معه المهدئات والمسكنات مهما تكن قوة تأثيرها، ولا شفاء منه إلا حين استئصاله واستبعاده تماماً!...
كلنا مرضى بهذا الداء اللعين..
ولكن الأعراض مختلفة تتفاوت في حدّتها بين شخص وآخر، وأكثر الأعراض وضوحاً وإيلاماً كانت عند صاحبنا الدكتور فارس!..
يذكر الوطن الأول بلغة العشاق الغارقين في بحار الوله والهيام!..
ويردد اسمه بطرب وتأثر، وكأنه أغنية رائعة لحنها أعظم فناني هذا العالم.
المطر يذكّره بالوطن، والشمس تذكّره بالوطن، والقمر والنجوم تعيد إلى مخيلته ذكرى الوطن، حتى الأحجار التي كنا نرصفها، والحصى التي كنا نستعملها.. كان يقارنها بأحجار وحصى الوطن!..
ويحك يا صاحبي: أي داء ذلك الذي تعاني منه!..
فالأيام تمر، والعمر يمضي.. ولا ندري أنكحل عيوننا برؤية ذلك الحبيب البعيد، أنموت فيه وتختلط عظامنا بذرات ترابه، أم أن الموت سيدهمنا في ديار الغربة، وعيوننا شاخصة إلى ذلك الوطن الغالي؟!..
قال:
ـ لست مستعداً لأن أعيش حياتي هنا، وقلبي يتفتت حسرة ولوعة.
قلت: تجمّل بالصبر... انغمس في واقعك الجديد، حاول أن تنسى.
قال: وكيف أنسى! .. وهل ينسى الظمآن الماء؟ هل ينسى الجائع الطعام؟!...
قلت: وما الفائدة.. تذكره وأنت بعيد عنه، فلن ينوبك من ذكراه غير الحسرات.
|