رد: الدوامة
ثم ركض أمامي إلى المسكن، وأخذ مكاناً في أحد أركانه قائلاً:
ـ سأبقى معكم هذه الفترة... أكاد أموت من الوحدة!..
قلت: ولكن...
قاطعني:
ـ لا تقلق.. سأعيش معكم كما تعيشون.. آنس بوجودكم قربي، وأجد أيضاً لقمة طيبة أتناولها حين أجوع.
في الواقع.. كنت متحرجاً من أن يلازمنا الدكتور ملازمة دائمة، فنحن العمال لنا طريقة خشنة خاصة في العيش، ربما لا توافق الدكتور الذي يبدو معتاداً النعومة والرخاء والبحبوحة.. كما أنني لا أعرف رأي الزملاء الذين يعيشون معي، كيف سيستقبلون وجود الدكتور معنا؟!..
المشكلة الأولى مرت بسلام.. فالدكتور فارس مستعدّ تماماً لتحمل أي شيء مقابل العيش مع الآخرين، والابتعاد عن الوحدة والعزلة! والمشكلة الثانية لم تكن في الحقيقة مشكلة، لأن أصدقائي سبقوني إلى الترحيب بالدكتور!...
وقد لاحظت بعض التغيير على الدكتور خلال وجوده معنا.. صار يمزج بين حين وحين، وخفّ صمته عن ذي قبل.. وكنا نحاول أن لا نكلّفه أي عمل منزلي، فكان أن تطوع بإحضار مشترياتنا من السوق بسيارته، وكنا نحتاج فعلاً إلى من يساعدنا في ذلك، لأن السوق بعيدة جداً، طريقها وعرة صعبة.
مع مرور الزمن، أصبح الدكتور وجهاً مألوفاً في الورشة. وأزيلت (الكلفة) بيننا وبينه، وتخلينا عن كثير من الرسميات في معاملتنا له، كما خفف هو الكثير من خجله خلال تعامله معنا!.
-3-
ارتفع بناء المدرسة، وأخذ شكله يتميز ويأخذ أبعاده وتطاول على البيوت المتناثرة حوله، وبدا وكأنه ينظر إليها بشموخ وكبرياء!. وقد كنا نستقبل كل يوم عشرات المواطنين الذين كانوا يتجمعون قرب المدرسة، يتفرجون ويحملقون بدهشة وإعجاب على ذلك المبنى الجديد، الكبير في حجمه، الجميل في منظره، وزخارفه، القوي في بنيانه وأركانه... وكثيراً ما كانوا يسألون:
-متى سينتهي البناء؟ متى سيتم دوام طلابنا فيه؟.
كنا نطمئنهم قائلين:
-قريباً.. قريباً إن شاء الله.
وكان جوابنا هذا، يطلق ألسنتهم بالشكر والثناء.
فعلاً، كنا قد أنجزنا القسم الأعظم من أعمالنا في هذا البناء، وكان الجميع يعملون بجدّ ونشاط..
كلٌ في مهنته... كنت قد أنهيت تقريباً من جميع التمديدات الكهربائية الداخلية والخارجية، وبدأت بتركيب الأجهزة الخاصة بالتدفئة والتبريد والإضاءة.. وقد ضاعف لي أبو عدنان عدد العمال الذين يعملون معي، مما ساعد في أن يكون عملي سائراً سيراً مرضياً... ويبدو أن التآلف مع الجو قد ساعد أيضاً في رفع الهمة وشحذ العزيمة.. فالغريب لا يبقى غريباً، والوضع الشاذ يصبح مع الأيام وضعاً طبيعياً ومقبولاً.. وأهم شيء في العمل أن يقبل الإنسان عليه بنفس راضية.. فإذا لم تتوفر مثل هذه النفسية فإن عقبات عديدة سيصطدم بها، ولن يكون قادراً على إزاحتها بسهولة.
|