رد: الدوامة
الفصل الثامن
ـ 1 ـ
جاء شهر حزيران، وجاء معه الحر الشديد الذي لا يُحتمل! ومما زاد الطين بلّة أننا لم نكن نملك وسائل رادعة تقينا شر هذا الحر، فنحن محرومون من الكهرباء، بمعنى آخر نحن محرومون من المكيفات والمراوح والثلاجات... ولم يكن الماء العادي ليطفئ حرارة الجوف، ولم تكن المراوح اليدوية ـ التي صنعناها من الورق المقوى ـ لتمنع عنا اللفحات الساخنة!... وكنا ـ حين ينتصف النهار ـ نسبح في نهر من العرق، العرق الذي يتدفق بغزارة من جميع مسام جلودنا!! كنا نتوقف عن العمل تماماً عندما يحين وقت الظهيرة، ونبحث عن مكان ظليل نتفيأ فيه ليخفف ولو قليلاً من لسعات الحر، وكانت تمر بنا الساعات الطويلة قبل أن تكسر حدة الشمس، ويميل قرصها نحو الأفق الغربي!..
في الليل، كنا نتعرض إلى هجوم عنيف من أسراب الهوام والناموس، الذي كان يلسعنا بلا هوادة، ومن غير شفقة أو رحمة، ويغطي وجوهنا وأجسامنا بنقاط حمراء تستدعي الحك الدائم... كنا نحاول تغطية أجسادنا بالملاءة فنكاد نختنق، فنسعى إلى ترك جزء يسير قرب الأنف من غير غطاء كي نتنفس، ولكن حتى هذا الجزء الظاهر الصغير لم يكن لينجو من اللسعات! نصحونا بـ(الكلّة)، ولكن هي الأخرى لم تأت بفائدة تذكر، لأن الحشرات الدقيقة كانت تدخل بسهولة عبر عيونها مهما تكن صغيرة!!
ولا نكاد ننتهي ـ مع انتهاء الليل ـ من الصراع مع الهوام والناموس، حتى يبدأ الذباب بأرتاله الكثيفة هجوماً منظماً آخر.. والذباب هنا (ثقيل الدم) بطريقة لا يتصورها عقل... ومهما تحاول (نشّه) وإبعاده، فهو لا محالة عائد إلى المكان الذي أبعدته عنه! فنضطر إلى ترك أسرّتنا مكرهين، وعيوننا نصف مغمضة، ورؤوسنا (مفتولة) ما تزال بحاجة إلى مزيد من النوم!...
وكأنَّ الحرَّ الشديد... قد دفع بعض الحشرات الكبيرة السامة إلى الهجرة من أوكارها الصخرية والترابية، واللجوء إلى البيوت لتتقاسم الحياة مع أهلها! فلأول مرة أرى العقارب الضخمة تمشي بخيلاء بيننا، فلا نكاد نقتل واحداً حتى يظهر آخر، وكنا نخاف حين جلوسنا أو عند نومنا أن نغدر بلسعة، لذا كنا حريصين على ملاحظة أسرّتنا والانتباه إلى أماكن جلوسنا، وكنا ننفض أمتعتنا وثيابنا نفضاً دائماً خشية أن يكون هناك عقرب لعين يتربص بنا!..
الحقيقة.. حياتنا باتت لا تطاق وسط هذه المنغصات.
وكنت ألوم نفسي دائماً على استمراري في البقاء، وتقاعسي عن العودة الفورية بمجرد معرفتي ظروف الحياة هنا... ولكن، لات ساعة مندم، فلا فائدة.. لقد بدأت، وعلي المتابعة حتى النهاية، وخليق بي أن لا أقع في مثل هذا المأزق ثانية!..
ـ 2 ـ
وازدادت زيارات الدكتور لنا، كان ـ أيضاً ـ يهرب من منزله الذي لم يعد يطاق! كان يقول لي: لم يعد هناك نوم لا في الليل ولا في النهار!... أغمض عيني فلا أستطيع النوم، ولا أجني من هذه الإغماضة إلا مزيداً من الوساوس والهواجس، التي أهرب منها إليكم!..
وجاءني يوماً.. وطلب مني أن ألحق به إلى مكان سيارته، حيث فتحها وأخرج منها فراشاً ووسادة ودثاراً.. قال لي: ساعدني..
|